2021العدد 188ملف ثقافي

العرب أساتذة الغرب موسيقيًّا قبل باخ بقرون

الحديث كثير عن تخلفنا عن الغرب حضاريًّا، والخلاف يبدأ ولا ينتهي عند تفسير سبب هذا التخلف، هناك من يعزو السبب إلى الاحتلال التركي، ولئن كان في هذا الكلام الكثير من الصحة وبنسبة عالية جدًا فإننا نرى الكثير من البلاد التي كانت تحت نفس الاحتلال تخلصت من تخلفها وبَنَت حضارتها الجديدة بالعودة إلى  تراثها كبلغاريا ورومانيا وغيرها من بلاد أوروبا، آخرون يقولون أن سبب تخلفنا الحضاري هو تخلف تراثنا، آخرون يعزون السبب إلى عدم الجري وراء الغرب وتقليده بشكلٍ أعمى، وآخرون و آخرون.

لكن اعتقادنا هو أن سبب تخلفنا الحضاري الرئيس يكمن في انقطاعنا التام عن تراثنا الحضاري الضخم الذي لم يعد له أي وجود في حياتنا اليومية وحضاراتنا الحالية، وطبعًا هناك أسباب تاريخية كبيرة ساهمت كثيرًا في هذا الموضوع وأذكر منها: حرق مكتبة الأسكندرية سنة 40 قبل الميلاد والذي تعلَّم منها علماء وفلاسفة الإغريق الذين بَنَت أوروبا حضارتها على أساسهم. السبب الثاني: دمار مكتبة بغداد علي يد هولاكو، ورمي آلاف المخطوطات العلمية في دجلة الذي تحول لشهور إلى اللون الأزرق لون المداد التي خُطَّت به هذه المخطوطات.

السبب الثالث الكبير: خروج العرب من الأندلس وتشاء الصدف الغريبة أن يكون هذا الخروج في نفس سنة اكتشاف كريستوفر كولومبوس لأمريكا سنة 1492، وجاء هذا الحدث بتأثير مضاعف سلبًا، وكانت هذه ضربة قاصمة للعرب مع خروجهم من الأندلس، ودفعة كبيرة للأمام بالنسبة لأوروبا باكتشاف العالم الجديد. كل هذا إلى جانب الاحتلال التركي لبلادنا، هذا الاحتلال الذي حرّم طباعة الكتب لفترة من التاريخ تصل إلى 300 سنة. إذن انقطاعنا عن تراثنا هو السبب الأكبر في تراجعنا الحضاري أمام أوروبا لنأخذ مثلًا منها: فرنسا مازالت للآن وستظل تفاخر بقصة الثعلب Roman Renard، وقصة الوردة Roman De larose ، وأنشودة رولان Chanson de Roland ، هذه الأعمال الأدبية التي ظهرت في القرن الثاني أو الثالث عشر، فلا تمسك كتابًا عن تاريخ الأدب الفرنسي إلا وترى فيه هذه الأعمال بشكلٍ حتمي، ثلاثة أعمال هل هي كثيرة على مدى قرنين من الزمن؟ بالمقابل نرى كتابًا ضخمًا ألَّفه ابن النديم “الفهرست” ومحتوى هذا الكتاب يدعو إلى التعجب: أنه لا يحتوي إلا على أسماء الكتب التي كانت معروفة في تلك الحقبة!!. المسألة إذن لا تكمن بالكمية بل بطريقة التعامل مع التراث. هذا هو السبب الرئيس وراء حضارة كل أمة: الاعتزاز بالتراث وليس فقط الاعتزاز به بل التعامل معه كشيء حي. أن الأعمال الأدبية الأوروبية التي تعتبرها أوروبا تحفًا فنية والتي ظهرت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر قليلة العدد جدًا إذا قسناها -وفي نفس الحقبة التاريخية- بمئات من الأسماء العربية التي ملأت الدنيا بآلاف من المجلَدات في (العلوم والأدب والموسيقى والتاريخ والسياسة والفلسفة… وغيرها من المعارف). أين هذا التراث الضخم من حياتنا والمفروض فيه أن يكون قوة الدفع الأساسية الدائمة والمتجددة إلى الأمام لتقدمنا الحضاري؟ هنا يكمن سر تراجعنا وانبهارنا أمام الغرب، الغرب ليس متحضر لأنه الغرب ولا نحن متراجعون لأننا عرب؛ الغرب متحضرًا لتمسكه الشديد بكل شاردة وواردة من تراثه مهما قلت قيمته ووضعه في التداول اليومي كقاعدة للتطور اللاحق المتجدد، أما نحن فقد انقطعنا عن تراثنا؛ الغرب متحضر بسبب تدريسه لتراثه في المدارس والجامعات، أما نحن فإن تراثنا ليس له علاقة بحياتنا الثقافية ولا بمناهجنا التعليمية.

الحضارة الموسيقية التي بنتها أوروبا في عصر النهضة، هل يحق لنا النظر إليها كشىءٍ جديد علينا؟ هل بعض موسيقِيينا على حق عندما يدعوننا إلى الوقوف بخشوع أمامها وأمام نظرياتها وكأنها مقدسة لا يجوز المساس بها؟ لو عرفوا تراثنا (وتراثها أيضًا) لخفّت دهشتهم أمام حضارة أوروبا، لا بل سوف تزداد دهشتهم هذه عندما يرون أن جميع الأسس التي قامت عليها حضارة الغرب الموسيقية موجودة في تراثنا قبل أوروبا بعدة قرون.

ولكي لا نُتَّهم بالشوفينية سنقوم بجولة على بعض ما تركه علماء العرب من كتب عَنيت بالموسيقى ونظرياتها ونطابقها بالعلم الغربي الحديث، كما سنرى ما تقوله كتب التاريخ في الغرب نفسه.

لنبدأ من تسمية النوتة الموسيقية من أين ظهرت في أوروبا تسميات الحروف الموسيقية بحروف الهجاءA B C D E F G ؟ ولماذا تبدأ التسمية من درجة “لا” وهو يمثل الدرجة السادسة من السلم الموسيقي ولا تبدأ من الحرف الأول “دو” كما يدعو المنطق؟ الجواب على ذلك نجده عند العلامة الكندي (توفي سنة 801 ميلادية)، فقد كان الكندي هو من أطلق أحرف الأبجدية علي الحروف الموسيقية انطلاقًا من أول وتر على العود (وتر البم)، الذي يعطي بشكله المطلق حرف عشيران (لا).

إلي جانب هذه التسميات استعمل الكندي التقسيم الرياضي للصوت الموسيقي المقسم إلى فواصل طنينيَّة، وعلى أساس هذا التقسيم (المختلف عن تقسيم بيثاغوروس منظر المقامات اليونانية) قسم الكندي الديوان الموسيقي إلى 12 درجة يفصل بين الدرجة الأخرى نصف صوت وسماه السلم الموسيقي المعدل، هذا السلم الملون اخترعه باخ مرة أخرى في القرن السابع عشر(بعد الكندي بثمانية قرون)، وسماه أيضًا السلم المعدل. وهكذا فإن السلم الملون (الكروماتيكي) الذي نعرفه اليوم ثبته فيزيائيًّا ورياضيًّا الكندي قبل أن تعرفه أوروبا بثمانية قرون، ويقدم الكندي تقسيمه هذا بشرح يبدو وكأنه مترجم عن كتاب حديث للنظريات الموسيقية الأوروبية.

ننتقل إلى البوليفونيا (الموسيقى المتعددة الأصوات)، التي ظهرت في أوروبا في القرن الثاني عشر ووصلت إلى ذروتها مع باخ (1785-1750) في القرن الثامن عشر. نظريات هذا النوع من الموسيقى بدأت تظهر في القرن الرابع عشر وتثبت في القرن السادس عشر، قسم كبير من التحليلات والتسميات في هذه النظريات جاءت مطابقة بشكلٍ شبه حرفي لتحليلات وتسميات الفارابي(870-950 ميلادية ) في كتابه (الموسيقي الكبير). لن أخوض هنا في تفاصيل نظرية ولكن هناك مثال لابد من ذكره: ظل علماء النظريات الأوروبيون عشرات السنين (وصلت تقريبًا إلى مئة سنة ) مختلفين حول البعد الرابع (دو- فا) مثلًا وحول تصنيفه، منهم من صنفه كبعد متنافر، ومنهم من صنفه كبعد متجانس، إلى أن وصلوا أخيرًا إلى قاعدة وهي أن هذا البعد يحمل من التنافر والتجانس ما يجعل من الضروري تصنيفه في آن كبعد متنافر ومتجانس. هذا التصنيف الذي وصل إليه علماء أوروبا بعد اختلاف دام قرنًا كاملًا جاء في كتاب الفارابي “الموسيقي الكبير” قبلهم بحوالي ثمانية قرون، ولن أتطرق إلى المنظرين الآخرين؛ لأنهم كثير ولأن ذلك يحتاج إلى كتاب ولا يكفيه دراسة صغيرة.

لنترك الآن النظريات ولننتقل إلى الوقائع العملية مع زرياب، الذي انتقل من بغداد إلى الأندلس، ولنقارن بين هذين المشهدين التاريخين ومعانيها التاريخية والحضارية.

 رحل زرياب إلى الأندلس فاحتفل به أمير الأندلس “عبدالرحمن الثاني” (822-852) احتفالًا عظيمًا وخرج بنفسه لاستقباله عند وصوله إلى قرطبة. ماذا نجد في أوروبا بعد ذلك بحوالي تسعة قرون؟ موتسارت أحد أعظم عباقرة الحضارة الموسيقية قاطبة يموت من الفقر والمرض كان يجمع الورق من النفايات؛ ليكتب عليها نوتة موسيقاه بسبب الفقر، وكان يضع القطة بين أرجل زوجته المريضة لتدفأ في البرد وذلك لعدم وجود حطب للموقد، هذا العبقري دفن في مقبرة عامة وعندما جاءت زوجته في اليوم التالي لمعرفة مكان دفنه أجابها حفار القبور:” موتسارت؟ أنا لم أسمع بهذا الاسم مطلقًا” ولغاية اليوم ما زال قبر موتسارت مجهول المكان .

إلى جانب تعليم الموسيقى والغناء اعتنى زرياب بالآلات الموسيقية، فقد جاء من المشرق بجميع الآلات الموسيقية المعروفة وابتكر على غرارها حتى أصبح في الأندلس ثروة من الآلات الموسيقية لم يعرفها بلد قبلها، وحولها إلى أهم مركز لصناعة الآلات الموسيقية في العالم القديم. ماذا تقول كتب التاريخ عن ذلك؟ الآلات التي كانت موجودة في الأندلس هي، من الآلات الوترية: العود القديم (ذو الأربعة أوتار، والذي مازال مستعملًا في المغرب)، العود الجديد (عود زرياب) ذو الخمسة أوتار، الشهود ، الطنبور، القيثارة المزهر، الكنارة، القانون، النزهة، الشقرة. ومن الآلات الوترية الأخرى: الرباب، القيثار الذي أصبح الجيتار، الشقير الذي جمع فيه زرياب أصابع آلة قديمة اسمها الهيدراولوس Hydraulus (اختراع مهندس مصري أيام الأسكندر المقدوني) جمعها إلى القانون وشكّل بذلك جنين البيانو الذي نعرفه اليوم. وقد كان من المعتقد أن أوروبا اخترعت آلة البيانو والأرغن إلا أن الباحث والعالم الموسيقي الألماني “كورت زاكس” جاء ورد آلة البيانو وأسلافها (الكلافسان والكلافيكورد والكلاريكورد والإشيكيه) إلي أصلها العربي وهو الشقير، ومن الآلات الوترية التي انتقلت إلى أوروبا الكنارة التي أصبحت الهارب.

من آلات النفخ الخشبية: المزمار (أبوعائلة الأوبوا Oboe  أو bois -haut)، والزمارة والقصبة والناي… وغيرها . ومن الآلات النحاسية: البوق الذي أصبح ترومبيت Trompette، والنغير وجمعه فانفار الذي أصبح في أوروبا فانفار fanfare  والتي تعني اليوم في أوروبا أوركسترا، من الآلات النفخ النحاسية والخشبية المصاحبة بالآت الإيقاع: (الطبول … وغيرها)، وآلة القرن التي أصبحت كورنو وكور وهورن ولنلاحظ التشابه باللفظ .

أما طريقة تعليم الغناء في أوروبا، والتي مازالت في الغناء الأوبرالي حتى الآن تحت تسمية بل كانتو Bel Canto  أي الغناء الجميل، وقد قسم زرياب التعليم إلى عدة مراحل: الأولى يتعلم فيها الطالب الإيقاع الموجود في البحر الشعري للقصيدة، وذلك بإلقاء القصيدة مصاحبًا نفسه بالنقر على الرق؛ كي يتمكن من أساس الإيقاع وهو إيقاع الكلمة. المرحلة الثانية: يتعلم فيها الطالب اللحن بشكله البسيط دون الزخارف والعرب الغنائية. المرحلة الثالثة: وبعد التمكن من الإيقاع واللحن تقنيًّا، معالجة اللحن فنيًّا باستعمال جميع العناصر الفنية التي تحمل الأداء من زخارف وعرب في الصوت مع الحسن الموسيقي.

ولتعليم الطالب طريقة فتح الفم للغناء الصحيح ابتكر زرياب طريقة فريدة من نوعها: قطعة خشب مستديرة ومخرومة من الوسط يضعها الطالب في فمه لضبط فتحته للغناء الصحيح.

وأعظم ما اكتشفه زرياب في طريقة التعليم في الغناء هو علاقة الحجاب الحاجز في عملية تنظيم التنفس في أثناء الغناء، هذه الطريقة التي لم تستمر لغاية اليوم كطريقة وحيدة لتنظيم النفس في أثناء الغناء فحسب بل انتقلت إلى جميع العازفين على آلات النفخ خشبية كانت أم نحاسية.

وبالرغم من كل هذا وهو بعض من كل، فإن عقد النقص تجاه الحضارة الأوروبية، والتي نتجت عن الهجمة الحضارية الغربية على بلادنا في أثناء فترة الانحطاط الطويلة التي مرت بها، خلفت آثارًا عميقة وبشعة في نفسية شعبنا، وهذه العقد نستطيع أن نراها كل يوم تنعكس في آراء الكثير من مثقفينا -وخصوصًا أولئك الذين تلقوا علومهم في الغرب وجاؤوا فاقدي الصلة والارتباط كليًّا أو جزئيًّا بتراثنا، والخطير في عقد النقص هذه إلى جانب الانبهار غير الخلَّاق والسلبي أمام الحضارة الغربية، هو الدعوة إلى التقليد الأعمى لهذه الحضارة كدعوة بعض موسيقيينا إلى إلغاء ربع الصوت من الموسيقى العربية؛ كوسيلة وحيدة لتطويرها بحجة أنه لن تقوم لها قائمة إلا إذا أصبحت كالموسيقى الأوروبية أي من دون أرباع الصوت.

وإن كَثُر المطالبون بإلغاء ربع الصوت أو قلُّوا فإنهم يختلفون من ناحية عرض المشكلة، منهم من يطالب بإلغائه من دون تعليل، ومنهم من يفسر هذا الطلب، ومن هذه التفسيرات أن ربع الصوت غير موجود في الطبيعة ويمضون في التفسير انطلاقًا من الانسجام والتناغم الفيزيائي الطبيعي المتعلق بالأصوات المتناغمة (الهارمونية) أي الأصوات الثانوية التي تسمع مع الصوت الأساسي عند ذبذبته والتي تتناغم معه بالتردد، انطلاقًا من هذا التناغم الطبيعي للأصوات، فربع الصوت لا ينسجم مع التناغمات أو التجانسات الصوتية لعدم وجوده طبيعيًّا فيها.

هنا لابد من شرح لطبيعة الأصوات التي دخلت في تركيب المقام الأساسي في الموسيقى منذ الحضارة الإغريقية القديمة مرورًا بالشرق وانتهاءً بالغرب، فالمقام الأساسي في الموسيقى الإغريقية القديمة (وهو المقام الأيوني) وهو المعروف حاليًّا بمقام دو ماجور(أو عجم الدو) أو مقام دو كبير الذي يبدأ من علامة دو وينتهي عند دو الجواب مرورًا بجميع العلامات الموسيقية السبعة المعروفة. وقد حدد الفيلسوف والعلَّامة والرياضي الإغريقي (تلميذ مكتبة الأسكندرية) بيثاغورس علاقة حروف هذا المقام ببعضها نهائيًّا بواسطة استعماله اللوغاريتمات الرياضية؛ فقد أخذ وترًا كبيرًا يعطي لكامله في حال ذبذبته الحرة الصوت الأساسي في المقام( صوت دو)، ثم قسَّم الوتر إلى النصف فأعطى “دو” الجواب (الأوكتاف) (من كلمة أوكتو الإغريقية وتعني ثمانية (8)) وتعني العلامات الثمانية التي نؤلف السلم كاملًا من أول علامة له لغاية تكرارها في الجواب، ثم قسم بيثاغورس الوتر إلى الثلث ثم الربع ثم الخمس والسدس …إلخ، وهكذا إلى أن تم صناعة مقام دو الكبير وتم تحديد علاماته علميًّا، وقد جاء هذا المقام متوازنًا من الناحية العلمية الرياضية، فلو أخذنا قسمي المقام ويُسمى كلُّ قسم في الموسيقى الغربية باسمه الإغريقي تتراكورد Tetrachord  (تترا= أربعة وخورد = صوت أو وتر)، أما اسمه في النظريات الموسيقية العربية فهو الجنس. أقول لو أخذنا قسمي المقام نتر نفس تسلسل المسافات الصوتية بين حروفها: دو-ري – مي – فا : صوت نصف صوت  ثم صول- لا – سي -دو صوت -صوت -نصف صوت . (أسماء العلامات التي ذكرنا ظهرت في أوروبا في القرن الحادي عشر).

وانطلاقا من هذا المقام الطبيعي الأساسي ظهرت في الموسيقى الإغريقية مقامات ثانوية فمن علامة ري إلى جوابها مقام، ومن علامة مي إلى جوابها مقام و…إلخ. ولكل من هذه المقامات الثانوية اسمها والفرق بين هذه المقامات سببه واختلاف المسافات الطبيعية بين درجات المقام الأساسي الذي ذكرنا، ولكن التوقف عند هذه المقامات الطبيعية كان من شأنه أن يشلَّ التطور الموسيقي، فقد تخطى التفكير الموسيقي والتطور الحضاري العام للإنسانية الإمكانيات التعبيرية لهذه المقامات الطبيعية، فأخذوا المقام المينور الطبيعي المبني على العلامة السادسة (لا) واشتقوا منه مقامات المينور الميلودي والمينور الهارموني… وغيرهم، وأعطت هذه المقامات المركبة اصطناعيَّا للموسيقى إمكانات تعبيرية هائلة فتحت كل المجالات أمام الموسيقيين؛ لخلق حضارة موسيقية لم تعرفها البشرية قبل ظهور هذه المقامات.

نعود الآن إلى الرأي القائل بأن عدم دخول ربع الصوت إلى الموسيقى العالمية سببه عدم وجوده في الطبيعة (هذا إذا اتفقنا أساسًا على الرأي القائل بأن هناك أشياء لا توجد في الطبيعة). ومن الشرح الذي سبق، نرى أن إمكانيات تعبيرية موسيقية هائلة انطلقت من قمقمها، وأصبحت بغير حدود عندما أدخلت أصوات “اصطناعية” إلى السلم الموسيقي الطبيعي ماذا يبقى إذن من الحضارة الموسيقية إذا ألغينا منها المقامات “غير الطبيعية” لا شيء تقريبًا، وإذا كانت المشكلة ليست في أن ربع الصوت غير موجود في الطبيعة فأين تكمن إذن؟

للرد على هذا التساؤل يجب علينا الرجوع مرة أخرى إلى أعماق التاريخ عندما كان العرب في مرحلة العطاء الحضاري، فمنذ خلال قانون التوازن الحضاري نرى أنه من الحتمي أن تتداخل الحضارات الإنسانية وتتكامل حتى تلك التي على مستوى واحد من التقدم، فكيف بالحريّ عندما تلقى الحضارة العربية آنذاك من خلال الأندلس وصيقلية بالدول الأوروبية التي كانت حضارتها لم تبلغ بعد طور الجنين؟! كان التهافت الأوروبي علي المكاسب العربية طبيعيًّا ومنطقيًّا وحتميًّا، فالحضارة الإنسانية كالطبيعة تخاف الفراغ وتسعى إلى التوازن والتكامل، فإذا كان أحد الشعوب يعطي فلابد للآخرين أن يأخذوا. من هنا كان تأسيس كليات الهندسة والفيزياء والعلوم والفلك… وغيرها في جامعة السوربون الفرنسية سنة 1253(ثاني جامعة في العالم بعد جامعة الأزهر سنة 972) على يد علماء عرب من الأندلس كانوا يحاضرون باللغة العربية، ومن هنا كانت  صناعة آلات موسيقية أوروبية جديدة على غرار الربابة التي وصلت بعد تطورها إلى الكمان الذي نعرفه الآن مع عائلة: الألتو( الكمان الكبير) والفيولونسيل (تشلو) والكونترباص، واحتل مكان العود في الأوركسترا في أوروبا بعد أن كان مسيطرًا لغاية القرن الثامن عشر. فباخ (أبو الموسيقى الأوروبية المعاصرة) له الكثير من الأعمال الموسيقية المكتوبة للعود، كما صنعت آلات الماندولين والجيتار والفلوت من آلة العود، وجاء اسمها تحريفًا لاسم العود بجميع لغات العالم فعرف بإسبانيا في أثناء الحكم العربي بـ Al-ud  وبعد خروج العرب من الأندلس سنة 1492، طرأ على اسم العود تغيرات تاريخية فمن العود Al-ud  تحول إلى  laud(لاود) ثم إلى الأود alaude ، أما في ألمانيا فاسمه لوتي Lute، وفي روسيا loutnia (لوتنيا)، وفي فرنسا وإنجلترا luth مع اختلاف النطق، كما أن كلمة لوتنيه luthnier بعد أن كانت تُعني صانع العود أو مصلِّحه أصبحت تُعني ولغاية الآن باللغة الفرنسية صانع كل الآلات الوترية أو مصلحها، هنا لابد من ذكر كلمة قالها موسيقار إسباني في القرن العشرين عن آلة الجيتار التي تعتبر الآلة الإسبانية القومية الأولى: “كلما استمعت إلى آلة العود أدرك إلى أي حد أن الجيتار هو ابن غير شرعي لهذه الآلة النبيلة”. ولابد هنا من ذكر حقيقة تاريخية تقول: “عائلة الكمان لم تكن لتصل إلى مكانتها الحالية إلا بعد أن أدخل عليها إمكانات عود زرباب ودوزانه الخاص لآداء جميع الأصوات التي لم تكن الآلات الأوروبية تستطيع آداءها بسبب دوزانها القديم”. وفي أثناء الانحطاط العربي الحضاري الذي قابلة الانطلاق الحضاري الأوروبي بعد 1492، انقطعت أواصر الالتقاء بين هاتين الحضارتين وانتقل العرب من مرحلة العطاء الحضاري إلى مرحلة الأخذ (بعد مرور مرحلة الانحطاط في أثناء الاحتلال التركي). وهكذا انطلقت الحضارة الأوروبية وبنت موسيقاها التي كانت تحتوي قبل باخ العظيم على أرباع الصوت (وهذه الحقيقة موجودة في الكتب التي تعني بتاريخ الموسيقى الأوروبية)، لكن باخ رأى في ربع الصوت حاجزًا بين الموسيقي وبين تفكيره الموسيقي الجديدة فتوقف عن استعماله، وبنى السلم الموسيقي المعدل الذي اخترعه الفارابي قبل باخ بحوالي سبعة قرون وبنفس الاسم.

إذن عدم وجود ربع الصوت في الموسيقى الغربية الأوروبية ليس مرده إلى عدم وجوده في الطبيعة، وقد كان موجودًا في هذه الموسيقى قبل باخ كما قلنا، وكانت الأذن الأوروبية طبعًا تتقبله بكل ترحاب؛ السبب هو أن بعد باخ اختفى ربع الصوت من أوروبا، وبما أن العرب لم يعطوا شيئًا يذكر في أثناء الانحطاط فقد انقطعت الأذن  الأوروبية عن ربع الصوت أربعة قرون كاملة بينما تعودت الأذن العربية على الموسيقى الأوروبية.

نصل هنا إلى صلب الموضوع، المشكلة تكمن إذن في مؤلفينا الموسيقيين، فسبب استماعنا المستمر للموسيقى الأوروبية أحببنا (باخ وموتسارت وهايدن وبتهوفن… وغيرهم ) بالرغم من أنهم أعطونا موسيقى من خلال تفكيرهم الموسيقي الخاص بهم ومن خلال خصائص موسيقاهم الشعبية والقومية. وهكذا كان مع المدارس الموسيقية القومية الجديدة في القرن التاسع عشر، التي دخلت تاريخ الحضارة الموسيقية من تاريخها العريض كالمدرسة التشكلية وعلى رأسها سمينانا ودفور جاك Smetana-Dvorac ، والمدرسة الفلندية ومؤسسها سيبيليوس Sibeliu، والمدرسة النروجية وعلى رأسها جريج  Grieg. كذلك إعطاء الموسيقيين الروس للعالم في القرن التاسع عشر موسيقى روسية مبنية على تراثهم الشعبي ومنبثقة منه ما جعل الموسيقي وعازف البيانو العبقري وأكبر سلطة موسيقية في القرن التاسع عشر ” ليست” يقول عنها أنها ” الدم الشاب الذي دخل إلى جسم الموسيقى الأوروبية المهترئ فأحياه”. حتى أننا لا نستطيع أن نتصور الآن الحضارة الموسيقية من دون (جلينكا وموسورجيسكي وريمسكي – كورساكوف وتشايكوفسكي وبورودين) من القرن التاسع عشر، وزملائهم العظماء من القرن العشرين (بروكوفييف وشوستاكوفيتش).

إن حل المعضلة يحتاج إلى الإيمان بأنه بإمكان المستمع الأوروبي الاستماع بالموسيقى العربية ذات أرباع الصوت لو أُتيح له سماعها بشكلٍ لائق وعلى أعلى مستوى من الإتقان، كما تعود سماع موسيقاه الأوروبية الكلاسيكية. هذا ما توصلت إليه وحققت في حفلاتي في (أوروبا وأمريكا واليابان)، ومالنا إلا أن نشير إلى الضجة التي قامت في هنغاريا بعد عزف أعمال عبد الغنى شعبان المؤلف الموسيقي اللبناني ذات أرباع الصوت حتى أنهم أسموه “بارتوك الشرق”، مع العلم بأن “بارتوك” هو أعظم مؤلف موسيقي هنغاري بعد “ليست”، ونذكر أيضًا كيف تخلى الجمهور الألماني عن وقاره في أثناء مؤتمر الشباب سنة 1973 عند سماعه لرقصات “سلفادور عرينطة” الشرقية والتسجيلات موجودة، وحدث نفس الشىء عندما قدمت إحدى هذه الرقصات في إحدى حفلاتي السمفونية في مدينة خباروفسك السوفيانية سنة 1977.

هنا تكمن المسؤولية الحضارية التي تقع علي كاهل مؤلفينا الموسيقيين العرب، فهم المسؤولون أولًا وأخيرًا عن سرعة خروج موسيقانا إلى الرحاب العالمية، وهذا يشكل خدمة عظيمة ليس فقط للموسيقى العربية بل والحضارة الموسيقية قاطبة، فدخول موسيقانا إلى رحاب الموسيقى العالمية يفتح أمامها أبوابًا جديدة كالتي فتحتها الموسيقى الروسية والتشيكية والفنلندية والنرويجية أمام الموسيقى الأوروبية الغربية في القرن التاسع عشر، وينقذها من أزمة التطوير الواقعة فيها منذ بدايات القرن العشرين.

لقد سمعت مره عازف العود العراقي الكبير الصديق “منير بشير” يقول باستغراب عن إحدى حفلاته في جينيف أمام الجمهور السويسري أنه عندما كان يعزف على المقامات الأوروبية (الماجور والمينور أو النهاوند والعجم) كان الاستحسان عاديًّا، ولكن عندما كان يتحول إلى المقامات ذوات الربع صوت (البياتي، الراست، الصبا والهزام)، كانت القاعة تلتهب طربًا وتصفيقًا وإعجابًا.

وفى النهاية أعود إلى الأندلس حيث يذكر المؤرخون أن البعثات الدراسية بدأت تتدفق على الأندلس بعد سبع سنين من وصول زرياب إليها وقد وصل عدد أعضاء البعثات في تلك السنة إلى سبعمائة طالب وطالبة جاؤوا من(إسبانيا وفرنسا وألمانيا).

وأخيرًا نضع أمام أعين دعاة الانبهار أمام الغرب رسالة “جورج الثاني” ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج بعثها إلى الخليفة “هشام الثالث” بمناسبة إرسال ابنة أخيه على رأس بعثة لتلقي العلم في الأندلس:

“بعد التوقير والتعظيم فلقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهدكم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل؛ لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر العلم في بلادنا، التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة وقد زوت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص”.

من خادمكم المطيع :

                                                                 جورج

اظهر المزيد

سليم سحاب

قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى