2025الذكرى الثمانون لتأسيس جامعة الدول العربيةالعدد 202

نشاط جامعة الدول العربيةعلى صعيد التعاون العربي الآسيوي

مقدمة:

سعت جامعة الدول العربية منذ بداية القرن الحالي إلى تنويع شراكاتها وتعزيز تعاونها مع مختلف الأطراف (الإقليمية، الدولية) وذلك بغية تعزيز مصالح الدول العربية وخدمة قضاياها وتعضيد جهودها في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية والازدهار. وتعد الدول الصاعدة في آسيا من أهم أولئك الشركاء الدوليين. وقد تزامن هذا التوجه مع تعاظم دور القارة الآسيوية في الاقتصاد العالمي؛ حيث أسهمت متطلبات النهضة الصناعية في تنامي حاجة الدول الآسيوية إلى التعاون مع العالم العربي، ذي الموقع الإستراتيجي الحيوي والزاخر بثرواته الطبيعية والبشرية الهامة.

هذا الانفتاح العربي نحو آسيا تجسد في إنشاء منتديات للتعاون مع كل من: الصين، الهند، واليابان، وكذلك من خلال إبرام مذكرات تفاهم بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وعدد من الدول في آسيا والباسيفيك، وإقامة آليات للحوار مع دول تجمعات ومنظمات إقليمية في تلك المنطقة.

وسوف أحاول في هذا المقال تسليط الضوء على تجربة التعاون العربي – الآسيوي، الذي تقوم فيه الجامعة العربية بدور نشط وحيوي، من خلال تنسيق الجهود العربية وإقامة آليات التعاون المناسبة مع مختلف الشركاء الآسيويين.

أولًا: منتدى التعاون العربي الصيني.

أنشئ منتدى التعاون العربي الصيني في سبتمبر عام 2004 بالقاهرة، ويعتبر من أنجح منتديات التعاون التي أقامتها الجامعة العربية مع الأطراف الدولية، والأوسع مجالًا والأكثر نشاطًا. وقد شكل تأسيس هذا المنتدى تطورًا لافتًا في تاريخ العلاقات العربية الصينية، وأصبح الإطار الأهم للحوار والتعاون العربي الجماعي مع الصين في المجالات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والشؤون الدولية). العام 2024، شهد مرور عشرين عامًا على إقامة هذا المنتدى، الذي استمر منذ نشأته، في عقد اجتماعاته وفعالياته بانتظام ودون انقطاع، وحقق منجزات هامة في مجالات تعاون متنوعة، كما تشعبت آليات المنتدى وتطورت حتى بلغت مستوى القمة، وذلك بعقد أول قمة مشتركة في تاريخ العلاقات العربية الصينية، وهي قمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية التي استضافتها المملكة العربية السعودية بتاريخ 9 ديسمبر 2022.

ووفقًا لوثيقة إعلانه، فإن منتدى التعاون العربي الصيني يهدف إلى إثراء مقومات العلاقات العربية الصينية، وتوطيد وتوسيع التعاون العربي الصيني على مختلف المستويات وفي كل المجالات، وتعزيز التشاور والتنسيق في الشؤون الدولية؛ لتعزيز التضامن وتبادل الآراء حول القضايا الإقليمية والدولية. ويقوم المنتدى على احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، ومبادئ التعايش السلمي.

وقد عقدت في إطار المنتدى حتى الآن 10 دورات على المستوى الوزاري، و20 دورة على مستوى كبار المسؤولين، وعشرات الدورات على مستوى الخبراء في المجالات القطاعية المختلفة (السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الإعلامية، والتنموية). كما تمكن الجانبان من إقامة نحو عشرين آلية فرعية للتعاون في إطار هذا المنتدى، شملت مؤتمرات للخبراء في مجالات: الاقتصاد والتجارة والأعمال والاستثمار، الطاقة، حماية البيئة، الإسكان والتعمير، نقل التكنولوجيا والإبداع، أمن البيانات والذكاء الاصطناعي، الثقافة، الفنون، حوار الحضارات، المؤسسات الفكرية، الصداقة، الشباب، المرأة، المدن، الصحة، التعليم العالي والبحث العلمي، المكتبات والمعلومات، النشر والترجمة، الإعلام، وتنمية الموارد البشرية وغيرها[1].

وتشهد تلك الاجتماعات والمؤتمرات حضورًا وازنًا ومشاركة فعالة من كل من: الدول العربية والصين، وتصدر عنها بيانات ختامية وخطط وبرامج تنفيذية، الأمر الذي مكن من تعزيز الثقة المتبادلة والتعاون العملي الجماعي مع هذه القوة الكبرى. وقد لعب منتدى التعاون العربي الصيني دورًا مهمًا في توفير الدعم الدبلوماسي والسياسي للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تحظى بالأولوية في المناقشات وتأخذ الحيز الأكبر في المفاوضات بين الجانبين، وعادة ما يتم التوصل إلى توافق على صياغات مهمة تصب في صالح القضية، وتؤكد على ثوابتها، بما في ذلك تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية.

وما فتئت الصين تقدم مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني، ولوكالة أونروا، كما عبرت مرارًا عن موقفها الرافض لسياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتؤكد على ضرورة التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية استنادًا لحل الدولتين. كما دعمت الصين المسعى الفلسطيني والعربي لحصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، وتدعم حاليًّا منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. والجدير بالذكر، أن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” قد طرح في عام 2013 الرؤية الصينية ذات الأربع نقاط حول القضية الفلسطينية، كما أكد خلال زيارته التاريخية لمقر جامعة الدول العربية في عام 2016 على أن بلاده تدعم عملية السلام في الشرق الأوسط، وقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ([2]).

وفي مايو 2024، صدر عن الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني بيان خاص مشترك بين (الصين، الدول العربية) بشأن القضية الفلسطينية، مما يعكس الدعم الدبلوماسي الكبير للقضية في ظل التحديات الجسيمة التي تواجهها في خضم الحرب المدمرة الجارية في غزة، كما تلعب الصين دورها في الدفع بجهود المصالحة الوطنية الفلسطينية؛ حيث استضافت في يوليو 2024 نحو 14 فصيلًا فلسطينيًّا لإجراء مباحثات والتوقيع على “إعلان بكين” بشأن المصالحة الفلسطينية، وما برحت بكين تدعو إلى عقد مؤتمر دولي للسلام بمشاركة أوسع ومصداقية أكثر وفاعلية أكبر، ووضع جدول زمني وخارطة طريق لتنفيذ “حل الدولتين”.

وكما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن القضايا العربية الأخرى حاضرة باستمرار على أجندة منتدى التعاون العربي الصيني؛ حيث يتم التأكيد على إيجاد حلول سياسية لتلك القضايا والأزمات بما يحفظ وحدة الدول العربية وسيادتها وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد عملت الجامعة العربية على تضمين بنود حول تلك القضايا في كافة البيانات والتوصيات الصادرة عن اجتماعات المنتدى ذات الصلة، وتمكنت في مواطن كثيرة من الحصول على مواقف صينية داعمة لها[3]. وبالمقابل، تجدد جامعة الدول العربية التأكيد على تمسكها بموقفها الداعم لمبدأ الصين الواحدة، وعلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للصين.

وبالإضافة إلى القضايا الإقليمية، تشهد اجتماعات المنتدى أيضًا تبادل وجهات النظر حول القضايا العالمية، مثل: مكافحة الإرهاب، عدم الانتشار النووي، إصلاح الأمم المتحدة، التغيرات المناخية، الديمقراطية وحقوق الإنسان، حوار الحضارات، … وغيرها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، شهد التعاون العربي الصيني تطورًا ملحوظًا؛ حيث أصبحت الصين من أكبر الشركاء التجاريين للدول العربية، وتضاعف حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من عشر مرات منذ إنشاء المنتدى؛ حيث انتقل من 36.7 مليار دولار في عام 2004 إلى نحو 400 مليار دولار عام 2024. وهذا مؤشر على الأثر الإيجابي لآليات التعاون المشترك (ومن بينها آليات المنتدى) على نمو العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول العربية والصين.

ومن جهة أخرى، تعزز التعاون بين الجانبين في ظل مبادرة “الحزام والطريق”، التي طرحها الرئيس الصيني في عام 2013، وقد انضمت كافة الدول العربية إلى هذه المبادرة، كما أن الجامعة العربية تعد من أولى المنظمات الإقليمية التي أصدرت وثيقة مشتركة مع الصين بشأنها [4]. وفي هذا السياق، اتفق الجانبان في القمة العربية الصينية الأولى على تضافر الجهود لمواجهة التحديات التنموية المشتركة، وتعزيز المواءمة بين “الحزام والطريق” والرؤى التنموية للدول العربية.

كما نجحت آليات المنتدى في تعميق التواصل الثقافي والتبادل الإنساني والحضاري بين الجانبين (العربي، الصيني)؛ حيث تم تنظيم عشرات الأنشطة، مثل: مهرجانات الفنون العربية والصينية، وندوات الحوار بين الحضارتين (العربية، الصينية)، واجتماع المؤسسات الفكرية العربية والصينية، والتعاون في مجالات: الصحة (لاسيما خلال فترة جائحة كورونا)، المرأة، الشباب، الصداقة، المدن، التعليم والبحث العلمي، العلوم والتكنولوجيا، النشر، الترجمة، المكتبات والمعلومات، الإعلام، وتنمية الموارد البشرية. ويسعى الجانبان لتفعيل التعاون في مجالات أخرى، مثل: السياحة، الرياضة، التنمية الريفية ومكافحة الفقر، السياسات السكانية، والتنمية المستدامة.

لا شك في أن تصاعد دور الصين عالميًّا، والعلاقات الجيدة بينها وبين الدول العربية، يعززان من فرص التعاون المستقبلي بين الجانبين في إطار منتدى التعاون العربي الصيني، ويرجع نجاح هذا المنتدى، في تقديري، إلى تضافر عوامل من بينها: توافر الإرادة السياسية لدى الجانبين، الالتزام بتنفيذ البنود المتفق عليها، التدرج في توسيع المنتدى وتطوير آلياته، المرونة والتكيف مع المستجدات، كما حدث خلال جائحة كورونا على سبيل المثال، الحوار والتوافق كوسيلة، والتعاون والتنمية كهدف. فالمنتدى يعد بمثابة إطار لبناء شراكة إستراتيجية عربية صينية تقوم على قاعدة رابح – رابح، وتروم تحقيق التنمية والمنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة لكل من: الصين والدول العربية.

تلك العوامل وغيرها، تشكل دافعًا مهمًّا لاستمرار المسيرة الناجحة لمنتدى التعاون العربي الصيني، وهو ما يتجلى في حرص الدول العربية والصين على مواصلة عقد فعاليات المنتدى في المستقبل. وفي مقدمة الاستحقاقات المقبلة، عقد القمة العربية الصينية الثانية عام 2026 في الصين، والقمة العربية الصينية الثالثة في دولة الكويت عام 2030 [5]. كما يتجلى ذلك كذلك في انفتاح الجانبين على آفاق التعاون المستقبلي المتمثلة في مجالات: الابتكار، الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، … وغيرها.

ثانيًا: منتدى التعاون العربي الهندي.

تمتد العلاقات العربية الهندية بجذورها في أعماق التاريخ؛ حيث ربطت طرق التجارة القديمة الهند بجوارها العربي منذ آلاف السنين، والتي شكلت أيضًا جسورًا للتواصل الثقافي والحضاري وتبادل العلم والمعرفة بين الجانبين. وقد شهدت تلك العلاقات تطورًا ملحوظًا في العقود الأخيرة، استنادًا إلى مواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وحركة عدم الانحياز، بما في ذلك احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وجاء تأسيس منتدى التعاون العربي الهندي، في نيودلهي في ديسمبر عام 2008؛ ليجسد انفتاح جامعة الدول العربية على هذه القوة الصاعدة في القارة الآسيوية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح بند العلاقات العربية الهندية يدرج باستمرار ضمن جدول أعمال مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، الذي يؤكد في قراراته حرص الدول العربية على تعزيز علاقاتها مع الهند في مختلف المجالات، بما في ذلك في إطار المنتدى.

ولئن كانت مؤسسة التعاون الجماعي العربي مع الهند قد بدأت بالتوقيع على أول مذكرة تفاهم بين جامعة الدول العربية والهند في مارس 2002 بالقاهرة، فإن تأسيس منتدى التعاون العربي الهندي، كإطار للحوار والتعاون الجماعي بين الهند والدول العربية، شكل نقلة نوعية في العلاقات بين الجانبين. وفي هذا الإطار، عقد الاجتماع الوزاري الأول لمنتدى التعاون العربي الهندي في يناير 2016 بمملكة البحرين، وصدر عنه إعلان المنامة الذي تضمن الرؤى والمواقف المشتركة للدول العربية والهند إزاء القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى القضايا العالمية، مثل: مكافحة الإرهاب، وعدم الانتشار النووي، وإصلاح الأمم المتحدة. كما صدر عن الاجتماع أيضًا برنامج تنفيذي يتضمن مجالات التعاون العملي في عدة قطاعات من بينها: السياسة، الاقتصاد، التجارة، الطاقة، حماية البيئة، الزراعة، تنمية الموارد البشرية، الثقافة، التعليم، الإعلام، … وغيرها.

وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والدول العربية نحو 240 مليار دولار عام 2022، وعقدت في إطار المنتدى ست دورات لمؤتمر الشراكة العربية الهندية، الذي يشهد مشاركة فعالة من رجال الأعمال العرب والهنود. ويشكل أمن الطاقة عاملًا مهمًا في العلاقات العربية الهندية؛ إذ تعتبر الهند من المستوردين الرئيسين لمصادر الطاقة من المنطقة العربية التي توفر نحو 70% من احتياجات الهند من النفط المستورد. وقد عقد المؤتمر الأول للتعاون العربي الهندي في مجال الطاقة عام 2021، برئاسة المملكة المغربية، والذي كرس لبحث سبل تعزيز التعاون بين الجانبين في مجلات الطاقة المختلفة بما فيها: النفط، الغاز، والطاقات المتجددة.

كما عقدت بعض الفعاليات المشتركة في المجال الثقافي والإعلامي وتنمية الموارد البشرية، بما في ذلك مهرجان الثقافة العربية الهندية، وندوة في مجال الإعلام، ومؤتمر لرؤساء الجامعات العربية والهندية، فضلًا عن تنظيم زيارات تعريفية متبادلة لشباب الدبلوماسيين من الجانبين.

إن التحديات الكبيرة التي يشهدها العالم اليوم تحتم على الدول العربية والهند مزيدًا من التنسيق والعمل المشترك لتعزيز آليات التعاون القائمة واستكشاف مجالات جديدة للتعاون، بما يحقق مصالح الجانبين، ويستجيب للتطلعات الرامية لبناء شراكة إستراتيجية، لاسيما في ظل تصاعد دور الهند الإقليمي والعالمي، وهو ما يجعل استمرار التعاون معها في إطار هذا المنتدى أمرًا هامًا.

ثالثًا: التعاون العربي الياباني.

ترتبط اليابان والدول العربية بعلاقات صداقة وثيقة، وبمصالح اقتصادية وتجارية كبيرة؛ إذ تعد اليابان من بين أهم الشركاء للدول العربية في مجال التجارة والاستثمار، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 114 مليار دولار عام 2022، كما أن الدول العربية تعد المصدر الأهم للنفط لليابان؛ إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من 80% من واردات اليابان النفطية تأتي من الشرق الأوسط.

وعلى صعيد التعاون الجماعي، تحظى العلاقات العربية اليابانية بمكانة هامة في أجندة الدبلوماسية العربية، ويعرض بند “العلاقات العربية-اليابانية” باستمرار على جدول أعمال مجلس جامعة الدول العربية، الذي ما فتئ يؤكد الحرص على تعزيز وتطوير العلاقات مع اليابان في مختلف المجالات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية).

لقد أخذت العلاقات بين الجامعة العربية واليابان طابعًا مؤسسيًّا منذ عام 2009، وذلك بتأسيس المنتدى الاقتصادي العربي الياباني، الذي عقد حتى الآن خمس دورات في كل من: طوكيو، تونس، والدار البيضاء، أسهمت في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين الدول العربية واليابان؛ حيث يشارك فيها عدد كبير من المسؤولين ورجال الأعمال والمستثمرين العرب واليابانيين، الأمر الذي كان له أثر إيجابي في تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين الطرفين. وتشمل مجالات التعاون التي نصت عليها وثيقة تأسيس المنتدى ما يلي: التجارة والاستثمار، الطاقة، البيئة والتنمية المستدامة، البحث العلمي والتكنولوجيا، المياه، تنمية الموارد البشرية، السياحة، تطوير البنية الأساسية، الإحصاء، والملكية الفكرية. وقد شهدت الدورة الخامسة للمنتدى التي عقدت في يوليو 2024 في طوكيو، مشاركة فعالة من الجانبين، وحضرها معالي السيد “أحمد أبو الغيط” الأمين العام لجامعة الدول العربية، وذلك على هامش زيارته الرسمية الأولى لليابان بصفته أمينًا عامًّا للجامعة، والتي عكست التزام الجامعة العربية تجاه هذا المنتدى وحرصها على تمتين أواصر التعاون والصداقة مع اليابان.

وفي سبتمبر 2013، تم التوقيع على مذكرة التعاون بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وحكومة اليابان، أنشئت بموجبها آلية الحوار السياسي العربي الياباني على المستوى الوزاري ، كما نصت هذه المذكرة على تعزيز التعاون في المجالات (الثقافية، التعليمية، وتنمية الموارد البشرية). وقد استضافت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية دورتين ناجحتين للاجتماع الوزاري للحوار السياسي العربي الياباني (في سبتمبر 2017، وفي سبتمبر 2023)، شهدت مشاركة فعالة من وزراء خارجية اليابان والدول العربية، وصدرت عنها بيانات مشتركة غير مسبوقة على الصعيد الجماعي بين الجانبين، مما شكل تطورًا مهمًا في مسيرة العلاقات السياسية العربية اليابانية. وتعزز هذا المنحى بتبادل الزيارات بين قادة الجانبين، وأشير في هذا الصدد إلى الزيارة الهامة لرئيس الوزراء الياباني “فوميو كيشيدا” لمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في أبريل 2023؛ حيث ألقى خطابًا أمام مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، وعقد جلسة مباحثات هامة مع الأمين العام.

ويتواصل العمل مع الجانب الياباني في المجالات العلمية والتنموية، بهدف تحقيق الاستفادة من الخبرات اليابانية المتقدمة، بما في ذلك من خلال تبادل البعثات الطلابية والأكاديمية، وإنشاء الجامعات والكراسي العلمية، وإدخال نظم التعليم اليابانية إلى المدارس العربية، وتبادل الزيارات الدراسية، وتنظيم الدورات التدريبية. وفي هذا الصدد أقيمت شراكة ثلاثية ضمت كلًّا من: الحكومة اليابانية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وعقدت بموجبها سلسلة من الموائد المستديرة، بدءًا من العام 2019، شارك فيها خبراء عرب ويابانيين، وتمحورت حول تنفيذ أنشطة ومشروعات ثقافية وتعليمية وتنموية.

لقد نجحت جامعة الدول العربية في وضع أطر مؤسسية للتعاون والحوار العربي الجماعي مع تلك الدولة المتقدمة في آسيا، الأمر الذي يعزز من فرص الشراكة العربية اليابانية لتحقيق المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة للطرفين.

رابعًا: التعاون بين جامعة الدول العربية والأطراف الدولية الأخرى في منطقة آسيا والباسيفيك.

*التعاون مع مجموعة دول جزر الباسيفيك.

تحظى منطقة الباسيفيك باهتمام دولي كبير، لاسيما من طرف القوى الكبرى؛ وتمتلك مجموعة دول جزر الباسيفيك كتلة تصويتية لا يستهان بها في الأمم المتحدة[6]. ومن هذا المنطلق، جاء انفتاح جامعة الدول العربية على هذه المجموعة بغية حشد الدعم الدولي للقضايا العربية في المنتظم الدولي.

وقد استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ 24 يونيو 2010 في أبوظبي، أول اجتماع وزاري مشترك بين الدول العربية ومجموعة دول جزر الباسيفيك، وقد اتفق الجانبان في ذلك الاجتماع على اتخاذ خطوات عملية لتعزيز التعاون المشترك، ومن بينها إقامة منتدى للتعاون بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ودول جزر الباسيفيك.

وبمبادرة من المملكة العربية السعودية، عقدت الدورة الثانية للاجتماع الوزاري بين الدول العربية ودول جزر الباسيفيك في 12 يونيو عام 2023 في الرياض.

غير أنه لم يتم إحراز تقدم في سبيل إنشاء منتدى للتعاون مع تلك الجزر، وتحقيق هذا الهدف تقف أمامه تحديات كبيرة سياسيًّا ولوجستيًّا، وأهمها الموقف السلبي لبعض تلك الدول من القضية الفلسطينية وتصويتها ضد القرارات المتعلقة بهذه القضية في الأمم المتحدة.

* التعاون مع دول أخرى ومنظمات إقليمية في آسيا.

في إطار سعيها لتوسيع التعاون العربي الآسيوي، قامت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بإبرام عدد من مذكرات التفاهم والتعاون مع عدد من الدول والمنظمات الإقليمية في منطقة آسيا والباسيفيك، ومن بينها: باكستان، أستراليا، جمهورية كوريا، نيوزيلندا، إندونيسيا، فيتنام، ومنظمة شنغهاي للتعاون. ويتم في إطار هذه المذكرات عقد مشاورات سياسية بين المسؤولين من الأمانة العامة ونظرائهم من تلك الأطراف، سواء في القاهرة أو في عواصم تلك الدول أو على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

كما تحظى جامعة الدول العربية بصفة مراقب لدى منظمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا CICA ؛ حيث يدعى معالي الأمين العام باستمرار للمشاركة في القمم والاجتماعات الوزارية لهذا التجمع الأسيوي الذي يضم 27 دولة بينها 8 دول عربية.

وبالنظر إلى المكانة الاقتصادية والسياسية لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، لم تنفك الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تبادر إلى الانفتاح على هذه المنظمة الإقليمية الآسيوية بغية تعزيز الحوار والتعاون بين المنظمتين. بيد أن العام 2024، شهد تطورًا مهمًّا، تمثل في تقدم مملكة البحرين بمبادرة لإقامة منتدى للشراكة بين جامعة الدول العربية ورابطة آسيان، وقد رحب مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري وعلى مستوى القمة بهذه المبادرة، ولاتزال الجهود متواصلة مع رابطة الآسيان لإبرام مذكرة تفاهم بين المنظمتين في هذا الشأن.

خاتمة:

على مدى ثمانين عامًا من تأسيسها، لم تدخر جامعة الدول العربية جهدًا في تعزيز العمل العربي المشترك، ولم يكن ذلك داخل البيت العربي فقط، بل امتد نشاطها أيضًا لنسج شراكات وعلاقات تعاون مع عدد من الدول والتجمعات الإقليمية والدولية.

ويمكن اعتبار تجربة التعاون العربي – الآسيوي قصة نجاح وعلامة مضيئة في مسيرة التعاون العربي الدولي، لاسيما خلال العقدين الماضيين، وذلك بفضل المنجزات التي حققتها منتديات التعاون مع كل من: الصين، الهند، واليابان في مختلف المجالات، وأيضًا آليات التعاون مع الدول الآسيوية الأخرى. لقد نجحت الجامعة العربية في نقل العلاقات العربية الآسيوية من الشكل التقليدي إلى مستوى جديد من التعاون الجماعي المؤسسي الشامل، الأمر الذي أسهم في تنامي مختلف أوجه التعاون السياسي والاقتصادي، وتوطيد التواصل الإنساني والثقافي والحضاري بين الفضائين (العربي، والآسيوي)، فكان لذلك أثر إيجابي على مكانة الجامعة العربية ودورها وسمعتها على الساحة الدولية.


([1]) لمزيد من التفاصيل حول مختلف وثائق وآليات المنتدى، انظر كتاب ” منتدى التعاون العربي الصيني.. عشرون عامًا من التعاون المشترك (2004-2024) الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ، الطبعة الأولى  2024.

([2])- في كلمته أمام القمة العربية الصينية الأولى، قال الرئيس الصيني بأنه: “لا يمكن أن يستمر الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني إلى أجل غير مسمى، ولا تجوز المساومة على الحقوق الوطنية المشروعة…”.

([3]) أصدرت الحكومة الصينية في يناير 2016 أول وثيقة حول سياسة الصين تجاه الدول العربية، والتي أكدت على العلاقات الإستراتيجية بين الجانبين القائمة على التعاون الشامل والتنمية المشتركة، وتشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. انظر الرابط: https://www.mfa.gov.cn/ara/zxxx/201601/t20160119_9598170.html

[4] وهي “الإعلان التنفيذي العربي الصيني الخاص ببناء “الحزام والطريق” الموقع عليها عام 2018 في بيجين. كما أن مجلس جامعة الدول العربية يؤكد في كافة قراراته على الحرص على تعزيز العلاقات العربية مع جمهورية الصين الشعبية في مختلف المجالات، بما في ذلك في ظل مبادرة الحزام والطريق.

– أقيم في إطار هذه المبادرة (وفقا لمصادر صينية) أكثر من 200 مشروعًا، تشمل: السكك الحديدية، الطرق السريعة، الموانئ، شبكات الكهرباء، الأقمار الصناعية، الطاقة، المناطق الصناعية، بالإضافة إلى مشاريع التعاون في المجال الثقافي والعلمي، وغيرها من المشروعات التنموية على امتداد الوطن العربي.. من بينها على سبيل المثال: بناء منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة لمصر، ومصفاة ينبع بالمملكة العربية السعودية، ومحطة الحاويات للمرحلة الثانية من ميناء خليفة في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما تم إنشاء مؤسسات ومراكز، مثل: المركز الصيني العربي لنقل التكنولوجيا، ومركز بيدو/GNSS للملاحة عبر الأقمار الصناعية، والمركز الصيني العربي الدولي لأبحاث الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي ، وغير ذلك من المشروعات.

[5] انظر قرار قمة البحرين بشأن القمة العربية الصينية على الرابط: http://www.lasportal.org/ar/summits/Documents

[6] تضم مجموعة دول جزر الباسيفيك 14 دولة هي : بالاو،  تونغا، جزر سليمان، فيجي، نيوي، فانواتو، جزر كوك،  ساموا،  توفالو، جزر مارشال،  كريباتي،  ناورو،  ميكرونيزيا، بابوانيوغينيا.

اظهر المزيد

د.محمد بن صديق

وزير مفوض بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومدير إدارة آسيا وأستراليا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى