صعبٌ، بل يكاد يكون مستحيلًا، رؤية ضوء في نهاية نفق المعاناة الفلسطينية الطويلة، لا سيما بعد ما جرى منذ 7 أكتوبر من حرب هي الأعنف على الفلسطينيين منذ نكبة 1948. غير أن السياسة لا تعرف استحالة، وكل موقفٍ مهما كانت صعوبته ينطوي على بذرة تغيير محتمل أو ولادة جديدة في المستقبل.
وللوهلة الأولى، تبدو معضلات الوضع الفلسطيني، وقد ازدادت صعوبة، والأزمة، وقد استحكمت حلقاتها على نحو أشد بعد الحرب المروعة التي شنتها إسرائيل على القطاع، والتي أدت إلى ما يقترب من محو المجتمع الفلسطيني الغزاوي ليس فقط بتقويض كل مظاهر البنية الأساسية في القطاع، ولكن بضرب مؤسساته وهيئته الاجتماعية، وتركه في حالٍ من التشريد والضياع (إنسانيًّا، واجتماعيًّا، وسياسيًّا).
وللوهلة الأولى كذلك، تبدو الحركة الفلسطينية في مأزق ربما يكون الأصعب في تاريخها؛ فقد وصل أسلوب النضال المُسلح إلى طريق مسدود، ولم يتعرض ما يُعرف بـ “محور المقاومة” لضرباتٍ قاتلة في غزة فحسب، وإنما عبر المنطقة كلها، وخاصة فيما يتعلق بحزب الله في لبنان. أما النهج السلمي الذي طالما تبنته السلطة الفلسطينية بهدف الحفاظ على مُكتسبات أوسلو (المتضائلة يومًا بعد يوم)، فاصطدم هو الآخر بحائط صلد من غياب الأفق السياسي، والانزياح اليميني المتطرف في إسرائيل، بما جعل الدولة الفلسطينية حُلمًا أبعدَ منالًا وأشد مراوغة مما كان منذ عقود؛ فلا طريق العمل المُسلح أفرز النتائج المأمولة، ولا نهج التفاوض أثمر شيئًا ملموسًا على صعيد تجسيد حق تقرير المصير في صورة دولة مستقلة للفلسطينيين.
وأخيرًا، فإن الاحتلال يبدو ماضيًا في طريقه؛ إذ تزداد القبضة الأمنية على الضفة الغربية إحكامًا، ويتوسع الاستيطان متخذًا منحىً عنيفًا وإرهابيًّا في صورة إجرامٍ منفلت ضد الفلسطينيين، تصاعدت وتيرته خلال العام الماضي حتى بلغت ذروة غير مسبوقة منذ عشرين عامًا بحسب الأمم المتحدة. وتضع الحرب على غزة أوزارها، وإسرائيل مسيطرة على نصف مساحتها، بعد أن فرضت واقعًا جديدًا بتقسيم القطاع على أساس ما أسمته “الخط الأصفر”، بل ووضعت معادلةً تُتيح لها سيطرة أمنية شاملة غير متقيدة على نحوٍ كامل بوقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه في 10 أكتوبر 2025؛ حيث شهدت الأسابيع التالية لهذا التاريخ عمليات اغتيال واستهداف (بما في ذلك خلف الخط الأصفر الذي حددته إسرائيل)، وبما يُشير إلى احتفاظ إسرائيل بقدر غير قليل من “حرية العمل العسكري” في القطاع، وبما يُشبه إلى حد بعيد المعادلة التي فرضتها على حزب الله بعد التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024. ويبدو واضحًا في الحالين أن وقف إطلاق النار لا ينسحب سوى على جانب واحد، فيما تُمارس إسرائيل أعمالها الحربية بحُرية، بما في ذلك الغارات، بل والتوغل المباشر على الأرض، سواء في غزة أو في جنوب لبنان.
وفي ضوء هذه الصورة القاتمة، فإن الوضع الفلسطيني في مُجمله يبدو متراجعًا، بل متدهورًا، إن فيما يخص تخبط الحركة الوطنية، سواء في شقها المُسالم أو في جناحها “المقاوم”، أو فيما يتعلق بالواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني على الأرض، أو حتى فيما يخص توسع الاحتلال الإسرائيلي في مساحة سيطرته، وشدة سطوته وهيمنته على حياة الفلسطينيين.
مرحلة جديدة.
على أن كل وضع جديد يحمل بين طياته فُرصًا وليس فقط مخاطر وخسائر. ويقتضي اغتنام الفرص لدى الطرف الفلسطيني والعربي، أولًا: قراءة سليمة للواقع كما هو على الأرض، وليس كما نتصوره تمنِّيًا ورغبةً، كما يقتضي ثانيًا: مرونة في التكيف مع متغيراتٍ صعبة وضاغطة؛ للبناء على ما قد تتيحه هذه المتغيرات من إمكانيات للوصول إلى وضع أفضل، ولو قليلًا. ويظل المعيار الحاكم في كل حال هو مدى الاقتراب من الدولة الفلسطينية المنشودة؛ إذ لا معيار سواه يُمكن من خلاله تقييم جدوى النضال الفلسطيني، سلمًا أو كفاحًا مُسلحًا.
والحاصل أن قطاع غزة يدخل مرحلة جديدة ما بعد الحرب، وهي مرحلةٌ مفتوحةٌ على احتمالات شتى، ولا زالت قيد التشكل، وقد تتطور سيناريوهاتها في أكثر من اتجاه، ويظل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيلها هو توازن القوى على الأرض بعد انتهاء المواجهات العسكرية الكثيفة، وإعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، ودخوله حيز التنفيذ بعد هذا التاريخ بثلاثة أيام. وهذه حقيقة، على صعوبتها، تظل جوهرية في فهم وإدراك حقيقة الموقف الجديد في غزة؛ فقد انتهت الحربُ بإعلان خطة أمريكية ذات عشرين نقطة (أكتوبر 2025)، ثم بقرار من مجلس الأمن اعتمد هذه الخطة وأسبغ عليها شرعية أممية (نوفمبر 2025). وتعكس الخطة والقرار، كلاهما، واقع التوازن الجديد في غزة كما رسمت حدوده العمليات العسكرية في المقام الأول، والضغوط الدبلوماسية المُحيطة بالصراع في المحل الثاني.
ويوفر قرار مجلس الأمن 2803 الصادر في نوفمبر 2025، نافذة مهمة وضرورية لمقاربة الوضع الجديد في غزة، دون أن يعني ذلك التماشي مع كل ما جاء به، أو الإقرار بأنه سوف يُنفذ بحذافيره. فقرارات مجلس الأمن لا تكون، في العادة، مرآة للعدالة ولا ترجمانًا للمثالية، بل هي تصوغ الواقع على الأرض في لغةٍ دبلوماسية يستطيع أطراف الصراع التعايش معها، وبما يهيئ لهم التفاوض حول الواقع الجديد انطلاقًا من نتائج الصراع، كما رسمتها غالبًا العمليات العسكرية. وهكذا يُمكن فهم القرار 2803 الذي يُكرس تسوية الحرب ويُسبغ على هذه التسوية شرعية أممية.
وجوهر القرار هو تسليم غزة لـ “جسم انتقالي” يُسمى بـ “مجلس السلام، ويُفترض أن يتولى هذا الجسم الجديد –الذي سيترأسه الرئيس “ترامب”- مهام الحُكم في غزة، بما في ذلك مباشرة عملية إعادة الإعمار، والإشراف على فريق من التكنوقراط الفلسطينيين غير المسيسين، الذين يقومون على تسيير شؤون الحياة اليومية في القطاع، وكذلك الإشراف على قوة دولية تكون مهمتها تأمين الحدود، ومراقبة وقف إطلاق النار، ونزع سلاح حماس وتفكيك البنية العسكرية الهجومية في القطاع.
والقرار، على هذا النحو، يخلق واقعًا جديدًا في غزة؛ إذ إن “تسليم” القطاع إلى “جسم سياسي دولي” يُشبه إلى حد بعيد نظام الوصاية الذي عرفه العالم في زمن الاستعمار. كان هذا النظام يعهد لواحدة من الدول المستعمرة كـ(بريطانيا أو فرنسا) بمهام الحكم في إقليم من الأقاليم، ومن ثمَّ الوصاية عليه، إلى أن يصير هذا الإقليم جاهزًا لتولي شؤونه بنفسه، ويذهب مفهوم “الجهوزية” في الأساس إلى نضج التنظيم السياسي والاجتماعي. وتتحدد هذه “الجهوزية” بجملة من الشروط يتعين على البلد الواقع تحت الاحتلال الوفاء بها، فيما يُشبه إلى حد بعيد المشروطية التي وضعها القرار 2803، في شأن تولي السلطة الفلسطينية المسؤولية على غزة، فقط بعد إجراء الإصلاحات المطلوبة.
ولا يعني هذا الواقع السياسي الجديد المفترض في غزة سوى إنهاء حكم حماس الذي امتد، بالأمر الواقع، منذ سيطرة الحركة الإسلامية على القطاع في يونيو 2007، كما يعني أيضًا تصفية بنيتها العسكرية، بل وتصفية وجودها كتنظيم مُسلح.
وغني عن البيان، أن حركة حماس لن تتخلى طوعًا عن السلاح، وقد صدر عنها ما يُفيد بإمكانية مناقشة التخلي عن بعض نوعيات “السلاح الهجومي” كـ (الصواريخ، والمقذوفات) دون التخلي عن السلاح الشخصي للمقاتلين (الكلاشينكوف ونحوه)، باعتبار أن هذا الأخير يُمثل حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني في المقاومة، وكذا بالنظر إلى أهمية هذا السلاح في فرض النظام في غزة (وقد يكون هذا المُبرر الأخير هو بيت القصيد، فالسلاح والحكم بالنسبة لحماس هما شيء واحد؛ إذ صار واضحًا أن لا إمكانية لدى حماس في الاحتفاظ بالحُكم من دون احتكار السلاح).
وبالرغم من أنه ليس من الواضح بعد كيفية تكوين “قوة الاستقرار الدولية” المُزمعة، ولا الأطراف التي ستنخرط فيها، ولا أساليبها العملياتية في تحقيق الهدف الذي حدده قرار مجلس الأمن (أي نزع سلاح حماس)، فإنه يبقى واضحًا أن القرار يُمثل آلية للتفاوض حول مستقبل غزة الذي يظل مفتوحًا على احتمالات شتى.
سيناريوهات متعددة.
إن التوازن الجديد قد يُفضي إلى تخلي حماس (طوعًا وبالتدرج) عن بعض من سطوتها على القطاع، وكذا بعض من سلاحها، وقد يُفضي الأمر إلى فشل هذا المخطط الذي يرسمه القرار في ضوء عدم استعداد أي طرف –فيما نتصور- للانخراط في عملية نزع سلاح حماس بصورة مباشرة، وبما ينطوي على مواجهات مُسلحة.
على أن السيناريوهات كلها تظل مفتوحة، ويظل قرار مجلس الأمن، بما نص عليه من تشكيل مجلس السلام والقوة الدولية، مقدمة للتفاوض حول صورة القطاع في المستقبل، وهو تفاوض لا يشمل فقط حماس، وإنما إسرائيل أيضًا. فهذه الأخيرة، وإن حققت بالعمل العسكري “إنجازًا” واضحًا بتوجيه ضربة قاصمة للحركة الإسلامية والقضاء (بالاغتيال والقتل الموجه) على معظم هيكلها القيادي في الصفوف الأولى والثانية والثالثة، وبإعادة احتلال نصف القطاع، وتقسيمه فعليًّا على أساس من “الخط الأصفر”، فإنها مع ذلك تواجه تسوية –كما يرسمها القرار- تنطوي على عناصر واضحة من “تدويل” غزة.
ويُمثل التدويل، أحد الهواجس المستديمة لدى إسرائيل عبر تاريخ الصراع؛ إذ تتخوف الدولة العبرية دومًا من قوات دولية تحول بينها وبين حرية العمل العسكري، وهي -بحكم الخبرة التاريخية مع القوات الدولية منذ 1967- تتشكك في فاعليتها، وتعتبرها عقبة أمام تنفيذ سياساتها العسكرية بالصورة التي ترغب بها. ولا يُمثل قرار مجلس الأمن عامل التدويل الوحيد في الواقع الجديد، وإنما هناك أيضًا “مركز التنسيق المدني العسكري”، الذي يعمل في “كريات جات” على بعد 30 كم من غزة، وتم إنشاؤه بعد وقف إطلاق النار لتوفير مراقبة شاملة للوضع في غزة سواء لجهة الخروقات أو إيصال المساعدات أو غير ذلك، ويقوده أدميرال أمريكي هو “براد كوبر”، وقائد مدني هو السفير الأمريكي “ستيفين فاجين”.
ويُشير هذا الوضع الجديد في غزة، والذي ما زال قيد التشكيل، إلى أن السيناريوهات المستقبلية لم تعد في يد إسرائيل وحدها؛ فهناك “كيانات” أخرى صارت مسؤولة عن القطاع، و”وصية” عليه بمعنى من المعاني. ولا يلغي ذلك حقيقة الاحتلال القائم، والذي ازداد قسوة بعد عامين من الحرب، وإنما يؤشر فقط إلى مجال مُـتاح -أمام الفلسطينيين والعرب- للمناورة السياسية. وربما لهذا السبب بالتحديد سارعت السلطة الفلسطينية إلى الترحيب بقرار مجلس الأمن، ذلك أن المشكلة الكبرى التي عانت منها السلطة لنحو عقدين تمثلت في انشطار الحركة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس، وما أفضى إليه ذلك من فقدان السلطة سيطرتها على غزة، ومن ثم انقسام إقليم الدولة الفلسطينية المستقبلية بين الضفة الغربية وغزة، بما أضعف الموقف الفلسطيني الإجمالي، وساعد إسرائيل في التنصل من أي التزام بالتفاوض بحجة أن السلطة لا يمكنها تمثيل الفلسطينيين فيما هي غير قادرة بأي حال على السيطرة على غزة.
وعليه، فإن هذا الوضع الجديد، على ما ينطوي عليه من تراجع، يُمثل – في حقيقة الأمر- فرصة، لا زالت في دائرة الاحتمال لاستعادة الوحدة السياسية للإقليم الذي ستتجسد عليه الدولة الفلسطينية في المستقبل، وذلك إن تمكنت السلطة -بإسنادٍ عربي قوي- من إيجاد موطئَ قدم لها في غزة، سواء من خلال لجنة التكنوقراط التي تُدير شؤون القطاع، أو من خلال عناصر الشرطة الذين تم تدريبهم في مصر والأردن، والذين يُفترض أن ينهضوا بمهام الأمن وحفظ النظام في القطاع تحت إشراف مجلس السلام المُزمع.
وتبقى أخيرًا، في هذا السياق، الإشارة إلى ما ورد في القرار في شأن إمكانية فتح مسار موثوق لتنفيذ حق تقرير المصير للفلسطينيين وإقامة الدولة، وبرغم أن هذه ليست الإشارة الأولى للدولة الفلسطينية في قرارٍ يصدر عن مجلس الأمن، فإن ورودها على هذا النحو، وإن كان مشروطًا وضعيفًا في لغته، ينطوي على ربط واضح لكل ما يجري في غزة، وما يجري تقريره في شأن مستقبلها، بمسار الدولة الفلسطينية المُستقبلية. ويُعد هذا، بالنظر إلى فداحة الواقع الذي تشكل في أعقاب انتهاء العمليات العسكرية من فرض إسرائيل لإرادتها، واحتلالها لنصف القطاع، خطوةً ليست قليلة، ذلك أنها تجعل الدولة الفلسطينية -حتى كهدفٍ على المدى البعيد- حاضرةً في النقاش السياسي وفي كل تفاوض بين الأطراف حول المستقبل، مستقبل فلسطين كلها وليس غزة فحسب.
مواقف إسرائيل وحماس.
غنيٌ عن البيان أن مسار تطبيق القرار الدولي -على النحو الذي يسمح بإعادة الإعمار والبدء باستعادة مظاهر الحياة الطبيعية في غزة، وإعادة الاعتبار للحركة الوطنية الفلسطينية على أساس جديد- تعترضه عقباتٌ شتى، على رأسها مواقف طرفي الحرب الرئيسين: أي إسرائيل، وحركة حماس.
ما ترغب فيه إسرائيل وما تسعى إليه ليس بخافٍ، هي تُسيطر على نصف القطاع بالفعل، ولا تنوي الانسحاب في أي وقت قريب، بل هي تقوم -من بعد وقف إطلاق النار- بعملياتِ هدف ونسف وتسوية للمباني في الأرض في الجزء الشرقي الذي تُسيطر عليه. وبرغم أن الأغلبية الكاسحة من الفلسطينيين يسكنون الجزء الغربي من القطاع (أي وراء الخط الأصفر)، ولا يقطن في الجزء الشرقي الذي تُسيطر عليه إسرائيل سوى أعداد قليلة في الوقت الحالي (أغلبها من الميلشيات المتعاونة، مثل: ياسر أبو شباب)_ إلا أن ثمة خططًا إسرائيلية لتوجيه جهود إعادة الإعمار إلى هذا الجزء الشرقي بالذات، بل وقصرها عليه. والغرض هنا، أن يتحول هذا الجزء تدريجًا إلى “فقاعة” مُراقبة أمنيًّا، ولا يدخلها من الفلسطينيين سوى من يُعلن التبرؤ الكامل من حماس والعمل المُسلح.
وتُراهن إسرائيل على أن إصرار حماس على التمسك بالحكم في القطاع، سوف يحول دون انطلاق جهود إعادة الإعمار على نحو جدي في القسم الغربي الذي تُسيطر عليه، بما يحمل الفلسطينيين المقيمين فيما وراء الخط الأصفر على الانتقال إلى القسم الغربي، أو حتى يدفعهم إلى الهجرة “الطوعية” إلى خارج فلسطين، وبذاك يتحقق هدف التهجير، وإن على مراحل وعلى فترة زمنية طويلة، وليس “بالجُملة” كما كان مسُتهدفًا في البداية. ويُشبه بعض الإسرائيليين هذا السيناريو الافتراضي بما جرى وقت الانقسام بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، والذي انتهى بسكان الأولى إلى السعي طوعًا إلى الانتقال بأي ثمن للعيش في الثانية.
وبرغم ما ينطوي عليه هذا السيناريو من خيالٍ، إلا أنه لا ينبغي استبعاده، لا سيما في ضوء ما تقوم به إسرائيل من تثبيت “معادلة أمنية جديدة” في التعامل مع القطاع، تقوم على استمرار العمليات العسكرية بوتيرة منخفضة، فضلًا عن استمرار سياسة اغتيال الناشطين والقيادات الميدانية، من أجل ضمان السيطرة الأمنية الشاملة على القطاع. وتضمن هذه المعادلة استنزاف الحركة الإسلامية مع الوقت، وتآكل شعبيتها، خاصة إنْ هي أصرت على رفض تسليم السلطة، أو التماشي مع القرار الدولي.
ويتبين هنا أن القطعة الناقصة في هذا الموقف كله تتعلق بموقف حركة حماس من الترتيبات المستقبلية في غزة، ذلك أن تماشيها مع هذه الترتيبات- على نحو ما ذُكر بعاليه- ينطوي على فُرصة ليست قليلة للشعب الفلسطيني لتضميد جراحه والتقاط الأنفاس بعد عامين من المعاناة، بل وتنسحب هذه الفرصة على تحسين الوضع الفلسطيني في عمومه، وإن على المدى الطويل. وليس واضحًا إن كانت الحركة الإسلامية في وراد اغتنام هذه الفرصة؛ إذ يتطلب ذلك انخراطها في عملية مراجعة صعبة لنهجها وما أفضى إليه، فضلًا عن قراءة الموقف الجديد- ليس في غزة وحدها بل في المنطقة- وما تمخض عنه.
وتُشير المُعطيات الموضوعية المُجردة إلى أن الحركة فقدت كادرها القيادي على نحو يُضعفها ككيان عسكري مقاتل يُمكن أن يُمثل أي نوع من الردع لإسرائيل، على نحو ما كان عليه الحال قبل السابع من أكتوبر. وهي أيضًا فقدت ما يُسمى بإسناد “محور المُقاومة” الذي تكسرت حلقاته واحدة بعد أخرى خلال العامين الماضيين، بما في ذلك الضربة القاصمة التي وُجهت لمركزه وعقله المحرك في طهران، ولا شك أن حماس تقرأ هذه الصورة ولا تغفلها.
بل قد تستخلص حماس كذلك، إن هي قاربت الموقف على نحو أكثر شمولًا، نتيجة مفادها أن النقطة الإيجابية الوحيدة التي أُضيفت للحركة الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر تمثلت في اتساع المد العالمي المؤيد لفلسطين على نحو غير مسبوق، سواء على صعيد الرأي العام أو الدول، وبما انعكس في اعترافات متواترة وصلت إلى 157 اعترافًا بالدولة الفلسطينية، وكذا في اعتماد إعلان نيويورك من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، ويرسم الإعلان خطوات مُحددة نحو الدولة الفلسطينية. وقد أعطى هذا الحشد الدولي دفعة كبيرة للقضية الفلسطينية بلا جدال، خاصة بالنظر إلى ما كان عليه حال القضية خلال عقدٍ من الزمن، نُسيت خلاله وكأن الوضع القائم -أي استدامة الاحتلال- صار مقبولًا دوليًّا بلا إمكانية لتغييره أو زحزحته. وهنا، فإن حركة حماس قد تسعى إلى “التكيف” مع هذه المساحة الجديدة التي فُتحت لمباشرة النضال الفلسطيني على صعيد دبلوماسي عالمي، على أن هذا “التكيف” يقتضي تغييرات جوهرية في نهجها، تصل إلى حد تبديل كامل لـ “جلدها” إن جاز التعبير.
ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي تُبدل فيها حركة حماس “جلدها”، فقد بدأت فرعًا للإخوان المسلمين يعمل في شؤون الدعوة من دون الانخراط في المقاومة بأي صورة، ثم تحولت إلى نهج المقاومة والعمليات المُسلحة في الداخل الإسرائيلي في التسعينيات ومع الانتفاضة الثانية، ثم عادت وارتدت “ثوب السياسة” لتدخل الانتخابات في 2006، وتحولت إلى “جماعة حُكم” منذ 2007، تسيطر على قطاع غزة وتباشر فيه مهام الإدارة، ثم عادت حركة عسكرية خالصة منذ 7 أكتوبر. ويشير ذلك بوضوح إلى أن الحركة ليست جامدة، وهي قادرة على التغير والتكيف، بل ربما تجد في متغيرات محددة، على رأسها مواقف الرئيس ترامب التي تنطلق من عقد الصفقات ولا تعبأ بالماضي الأيديولوجي للأطراف (كما يتضح في التعامل مع رئيس سوريا الجديد مثلًا)، فُرصة يتعين اغتنامها.
خلاصة:
وصفوة القول، إن الواقع الجديد في غزة يفرض على الجميع مواقف جديدة، ونوعًا من التكيف، وأغلب الظن أن كلًّا من (حماس، وفتح) ستسعيان إلى الاستفادة من الواقع الجديد المفتوح على سيناريوهات شتى، محملة بالمخاطر والفرص على حد سواء. ويبقى لزامًا أن تُعيد الحركة الوطنية الفلسطينية لملمة شتاتها، بعد مراجعة عميقة لما جرى في العامين الماضيين، بل وما جرى قبلهما، وبما أثر سلبًا على النضال من أجل التحرير وإقامة الدولة. فالحركة الوطنية الفلسطينية هي السبيل للوصول للدولة ولا سبيل سواها، وانشطارها أضر بالقضية بالغ الضرر، كما أن تبنيها إستراتيجية موحدة تقوم على قراءة واقعية، وتغتنم الفرص المتاحة، يُعد شرطًا ضروريًّا لترميم الموقف الفلسطيني، وتضميد جراحه المفتوحة (بخاصة في غزة)، واعتماد سياسة النفس الطويل وحشد الحلفاء على الصعيد الدولي، كطريق لا بديل عنه لتجسيد الدولة.




