2023العدد 193ملف إقليمي

تداعيات جموح حكومة نتنياهو داخليًّا وخارجيًّا زلزال اليمين الإسرائيلي يضرب الاستقرار الهش، والجميع خاسرون

تجتاز إسرائيل في الشهور الماضية ذروة انقسام خطير حول ملفات أساسية، مما يضعها أمام مفترق طرق لم تجتزه من قبل، وإذا كانت التطورات تنزع عن إسرائيل لأول مرة أقنعتها الأخيرة، وتسقط مقولاتها بشأن الديمقراطية التي تتميز بها -حسب زعمها- عن بقية بلدان المنطقة، فإنه لا بد من الوضع في الاعتبار أيضًا أن الأيام والأسابيع القادمة -خاصة مع حلول شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي- ستكون غير مسبوقة في حساسيتها ودقتها على أصعدة (داخلية، وإقليمية، وخارجية) متشابكة، مما قد يجعل سيناريوهات كثيرة وغير تقليدية مطروحة للتطبيق داخل إسرائيل، وهذا سيؤثر بالضرورة على الدول العربية وخاصة دول الجوار.

أولًا: ما يحدث وأسباب تفرده:

سعت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة -في أقل وقت ممكن ودون مراعاة لانعدام التوافق داخل المجتمع الإسرائيلي- لتوفيق أوضاعها بإتاحة المجال لوزراء مستبعدين بحكم قضائي للعودة، بسن قوانين يطلق عليها نتنياهو (إصلاحًا تشريعيًّا)، بينما يصر قطاع عريض من الإسرائيليين على اعتبارها (انقلابًا على الديمقراطية)، وفي نفس الوقت تصر حكومة نتنياهو على استفزاز مشاعر العرب والمسلمين بمحاولة تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي، حيث وجدنا بن جفير يقتحم باحات الأقصى وهو في منصب وزاري وليس كشخصية مستقلة أو معارضة كما حدث حينما اقتحم “أريئيل شارون” زعيم المعارضة وقتها باحات الحرم، وتسبب في اندلاع انتفاضة الأقصى، وهو ما يرفضه دينيًّا أغلبية رجال الدين في إسرائيل سواء من المعسكر الحريدي (مجلس كبار علماء التوراة) أو معسكر الصهيونية الدينية (الحاخامية الرئيسة)، وبعد إقرار قانون سحب الجنسية تبذل الحكومة الإسرائيلية جهودًا مكثفة لسن قانون يقضي بإعدام من تصفهم إسرائيل “بالمخربين”، وفي نفس التوقيت يتم التمهيد بتشريع في الكنيست لإعادة نحو 10 مستوطنات في شمال الضفة الغربية كانت إسرائيل قد انسحبت منها بعد تطبيق خطة إعادة الانتشار في 2005.

ويفاقم الأمور خطورة أننا نجد لأول مرة مُلاحَقين من الاستخبارات الداخلية الإسرائيلية وإدارة الإرهاب اليهودي تحديدًا -وبل سبق إدانتهم- باتوا مسؤولين عنها، ويرجع هذا إلى حقيقة مفادها أن أنصار حركة “كاخ” صاروا أعضاء في حكومة نتنياهو، بل ومسؤولين عن الأمن الداخلي وعلى رأس مؤسسات الاستخبارات الداخلية!

وقد تعقد المشهد أكثر بتحالف الفساد مع التطرف لتغيير شكل إسرائيل التي نعرفها(مهاجرون من أصول شرقية أمام مهاجرين من أصول غربية، ومعسكر يمين متطرف في مواجهة يسار يرفع شعارات الاعتدال). ونظرًا لأن الضربات القاصمة التي يتم توجيهها للقضاء باتت تستهدف تهيئة الأجواء لإفلات مدانين في جرائم إرهاب سابقة ضد الفلسطينيين، ومتهمين بجرائم جنائية حاليًّا تتعلق بالفساد، بما يسمح لهم بالاستمرار في مناصب وزارية، بما خلق في النهاية صدعًا خطيرًا سيؤدي حتمًا إلى زلزال سياسي يمكن توقع توقيته، ولكن من الصعب توقع مدى تأثيره وتأثير ارتداداته الكاملة والنهائية على استقرار الأراضي الفلسطينية والمنطقة.

ثانيًا :سيناريوهات التداعيات الداخلية:

بالإضافة للمخاطر الأمنية المتمثلة في ازدياد وتيرة العمليات في القدس الشرقية ومستوطنات الضفة، أو انهيار التهدئة مع الفصائل الفلسطينية في غزة، قد تتطور الأحداث إلى حد غير مسبوق داخليًّا، وبالفعل من غير المستبعد أن يتجاوز الأمر المسكنات المؤقتة ومنها انتخابات مبكرة -السادسة من نوعها خلال 4 سنوات- وستكون بداية التصعيد شلل يضرب مفاصل المجتمع الإسرائيلي، يؤدي إلى صدام حقيقي جراء تراكم مشاكل وتقرحات مؤجلة لعقود منعت صياغة دستور لإسرائيل. ويعزز هذه الفرضية أن كل فريق يعتقد حاليًّا أنه صار جديرًا بتعديل أوضاعه وقيادة إسرائيل بكل تياراتها المتناطحة متعارضة المصالح، فإذا كان المستوطنون وهم أقلية (وفق الأرقام الإسرائيلية نسبتهم نحو 10٪ من إجمالي عدد سكان إسرائيل) بتحالفهم مع المتدينين، يرون أنهم الأجدر بقيادة حكومة نتنياهو وإسرائيل كلها، فإنه يتمترس في مواجهتهم ومواجهة الحكومة الحالية تحالف واسع لا يستهان به يضم جنرالات كبار من بينهم وزير دفاع سابق، ورئيس أركان سابق “موشي يعلون”، الذي أعلن في مؤتمر صحفي داعم للمظاهرات الأسبوعية الحاشدة ضد حكومة نتنياهو: “لن نكتفي بالتظاهر سنمارس حقنا في الاحتجاج فور عرض قوانين تكبيل السلطة القضائية على الكنيست.. أدعو الشركات لإتاحة الفرصة أمام العاملين بها للإضراب”. وهو ما تزامن مع تهديد ممثل الطلبة -مدعومًا بتأييد من رؤساء جامعات- بتعطيل الدراسة في الجامعات الإسرائيلية خلال الفصل الدراسي الثاني، مما يفتح المجال لاندلاع “حرب أهلية”، يلقي كل طرف مسؤولية اندلاعها على الآخر ولا يحاول منعها!

وإذا كان الأمر يثير الداخل بسبب تبجح الفساد في المقام الأول، فإن الأخطر خارجيًّا هو تمرير قانون سحب الجنسية من “المخربين” وهو ما يفتح الباب أمام تلفيق بهدف الإبعاد، خاصة وأن لإسرائيل تاريخ طويل من الاعتقالات الإدارية دون محاكمة أو دليل، بالإضافة إلى أن مصطلح “مخرب” مصطلح مطاط وغير محدد. كما تم بشكل سريع إقرار تشييد 7032 وحدة استيطانية جديدة.

ثالثًا: تداعيات فلسطينية وعربية:

فلسطينيًّا

أدانت الخارجية الفلسطينية تحركات بن جفير وأتباعه معتبرة ما يحدث هو “حرب مفتوحة ضد الوجود الفلسطيني في القدس؛ لتسهيل عمليات ضمها وتهويدها وتعميق الاستيطان فيها”. وعقد الرئيس “أبو مازن” سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى لدراسة سبل الرد وكيفية تلجيم العدوان الإسرائيلي، وعلى المستوى الشعبي وجدنا عمليات مقاومة فردية بتجهيزات بسيطة، وقد نرى مستقبلًا تصعيدًا من جانب السجناء داخل السجون الإسرائيلية بإضراب عن الطعام أو صدام مباشر مع الحراس مما سيستفز ثائرة الشارع الفلسطيني ويضغط على الفصائل المسلحة في غزة لكي تتحرك.

وأدانت مصر في بيان صادر عن وزارة الخارجية قرار الحكومة الإسرائيلية ووصمته بالسعي لـ”شرعنة” بؤر استيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبناء وحدات استيطانية جديدة، مؤكدةً على ما يمثله هذا القرار من مخالفة صارخة لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ذات الصلة، والتي تؤكد على عدم قانونية أو شرعية النشاط الاستيطاني بكافة أشكاله وصوره، واعتباره عملًا استفزازيًّا غير مقبول، يتزامن مع انعقاد مؤتمر نصرة ودعم القدس بالقاهرة. وحذرت من تبعات هذا القرار الذي من شأنه تأجيج الوضع المحتقن بشدة في الأراضي المحتلة، بشكل ينذر باتساع نطاق أعمال العنف ووتيرتها، وسيكون له تداعيات وخيمة على أمن واستقرار المنطقة كلها، مطالبةً بالتوقف بشكلٍ فوري عن كافة الإجراءات الأحادية من جانب إسرائيل، بما في ذلك (هدم المنازل، والاعتقالات، والمداهمات)، التي تستهدف أبناء الشعب الفلسطيني وممتلكاته. وقد أبرزت صحيفة “معاريف” ما وصفته بمهاجمة الرئيس عبد الفتاح السيسي إسرائيل في كلمته أمام مؤتمر دعم القدس بجامعة الدول العربية، والتي جاء فيها رفض مصر محاولة إسرائيل لتهويد القدس، كما أبرزت صحيفة “ها آرتس” تقدير الإدارة المصرية للرأي العام فيما يتعلق بالموقف من تصعيد الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

وهو ما يعبِّر إجمالًا عن حالة رفض من جانب القاهرة تجاه ممارسات الحكومة الإسرائيلية، يتم ترجمتها لاتصالات صريحة وشاملة ومستمرة مع الجانب الفلسطيني، وتحركات عربية قوية، وتنسيق مع الإدارة الأمريكية، بجانب التأكيد على أن المبادرة العربية هي السبيل للخروج من التصعيد الحالي، وتسوية القضية الفلسطينية تسوية عادلة.

وتشمل قائمة خسائر إسرائيل المباشرة بسبب ممارسات حكومتها غضبًا إماراتيًّا يمكن رصده من الأحداث المتعاقبة وربطها ببعض؛ فبعد أيام من تولي نتنياهو من رئاسة الوزراء أعلنت مصادر في مكتبه بأن الزيارة الخارجية الأولى له ستكون لدولة الإمارات، إلا أن الخطة لم يتم الإشارة إليها مجددًا- خاصة بعد اقتحام وزير الأمن القومي “إيتمار بن جفير” للحرم القدسي، أي أنها لم يتم تفعيل الموافقة المبدئية المزعومة بشأن الموافقة على زيارة نتنياهو والتي سبق وأن تم تأجيلها مرارًا للإمارات في ولايته الأخيرة، وهو ما عبر عن موقف الإمارات الثابت والذي كررته في بيان للخارجية الإماراتية جاء فيه: ضرورة توفير الحماية الكاملة للمسجد الأقصى، ووقف الانتهاكات الخطيرة والاستفزازية فيه، واحترام دور المملكة الأردنية في رعاية المقدسات والأوقاف بموجب القانون الدولي والوضع التاريخي القائم، وعدم المساس بسلطة صلاحيات إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى، داعية السلطات الإسرائيلية إلى خفض التصعيد وعدم اتخاذ خطوات تفاقم التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. وهو ما تم تصعيده لمجلس الأمن من خلال مشروع القرار الذي وزعته الإمارات بوصفها عضوًا بالمجلس الدولي لعامي (2022-2023) قبل جلسة للمجلس -يوم 20 فبراير 2023- بشأن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وجاء فيه: “التأكيد مجددًا على أن إنشاء إسرائيل مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية، ويشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وإدانة كل محاولات الضمّ، بما في ذلك القرارات والإجراءات التي تتّخذها إسرائيل بخصوص المستوطنات”، ويدعو إلى “التراجع عنها فورًا”. ومن جانبه السودان لم يعلن عن زيارة وزير خارجية إسرائيل التي روجت لها وسائل الإعلام وتصريحات للوزير عن إتمامها.

الأردن من جانبها لم تنشر صورًا لزيارة بنيامين نتنياهو التي تمت في نهاية يناير من العام الجاري، واللافت للنظر أن هذا يعد تراجعًا ملموسًا ومؤشرًا لطبيعة الغضب الأردني، فبعد أن كانت صور لقاءات الملك مع رئيس دولة إسرائيل هرتزوج في مارس 2022، ورئيس الوزراء “يائير لابيد” في يوليو 2022 تنشر بشكلٍ موسع، وبوجود أعلام لإسرائيل_ لم يتم توزيع أي صور لنشرها في وسائل الإعلام للقاء بين نتنياهو، والملك عبد الله. ومن الواضح أن الزيارة ركزت على مطالب الأردن بصفته الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية بوقف الانتهاكات واستفزاز المشاعر في القدس القديمة وفي القلب منها الحرم. ومن الواضح للمراقب أن الأجواء لم تكن ودية وأن الجانب الأردني لم يتلقَ استجابات إسرائيلية مرضية وواضحة وكافية. وبشكل موازٍ تم في القاهرة عقد قمة ثلاثية استضاف فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الملك عبد الله والرئيس محمود عباس أبو مازن، وكأنها كانت بمثابة إعداد للقاء الملك عبد الله مع نتنياهو وتأكيد على أن المطالب هي مطالب جماعية تم بلورتها بالتنسيق التام بين (رام الله، والقاهرة، وعمان).

وعلى المسار السعودي يتبين لنا أن الأحاديث الاستكشافية غير الرسمية للواء السابق أنور عشقي لم تتقدم، ولم تثمر، ودخلت مستنقع النسيان بعد زخم إعلامي وميداني عامي (2016، 2017)، ويقابلها حاليًّا مواقف قوية لوزير الخارجية السعودي مشددة على استمرار الدعم الكامل للفلسطينيين- في أكثر من مناسبة- حيث صرح الأمير فيصل فرحان في مطلع العام الجاري بأن التطبيع مع إسرائيل لن يتم إلا بعد إقامة الدولة الفلسطينية. وفي المقابل يتحدث أعضاء في الائتلاف الإسرائيلي المتطرف الحاكم عن إلغاء اتفاقيات أوسلو، مما يجعل الهوة كبيرة أمام أي جهود إسرائيلية للتقارب مع الرياض. وعلى نفس المنوال تبلورت مواقف عربية أخرى قوية شرقًا وغربًا، كما عبرت دول إسلامية كثيرة عن دعمها للفلسطينيين في مواجهة ممارسات الحكومة اليمينية المتشدد.

رابعًا: تداعيات دولية:

موقف الولايات المتحدة:

تتسم المرحلة القادمة بالعديد من الألغام التي تعترض طريق حكومة نتنياهو على الصعيد الأمريكي، فإذا كانت واشنطن تتجاهل دعوة نتنياهو لزيارة واشنطن منذ انتخابه وتشكيل الحكومة اليمينية (نحو شهرين)، وللمقارنة فقد تمت دعوة نتنياهو لزيارة واشنطن عام 2017 بعد نحو عشرين يومًا فقط من تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وفي المقابل تم أيضًا توجيه دعوة مبكرة للرئيس الإسرائيلي “إسحق هرتزوج” لزيارة واشنطن في الربيع الحالي وإلقاء خطاب أمام الكونجرس بمناسبة 75 عامًا على تأسيس إسرائيل؛ وكأن واشنطن تقر بأنه “الناضج الوحيد” في إسرائيل، على حسب وصف محلل بموقع زمان يسرائيل الإخباري، مع ملاحظة أن المفاوضات ستدور في المرحلة القريبة القادمة مع الإدارة الأمريكية والحزب الديمقراطي حول حجم المساعدات الأمريكية في السنوات العشر القادمة، ومن المهم الوضع في الحسبان أن التأييد الأمريكي لنتنياهو سيكون بمثابة ضمانة أو رافعة والعكس الصحيح- خاصة وأن الدعم الأمريكي هو سياسي واقتصادي. حيث أصدر اتحاد المصارف الأمريكي العملاق JPMorgan Chase تحذيرًا من الإجراءات التي يعتزم نتنياهو اتخاذها. وعلى نفس المنوال حذر الاقتصادي الأمريكي المقرب من نتنياهو من أن التغييرات المتسرعة في منظومة القضاء الإسرائيلي “سيكون لها تبعات اقتصادية سلبية خطيرة على إسرائيل”. وهو ما حذر منه أيضًا رؤساء بنوك كبرى في إسرائيل. من جانبه وفي تصريحات نادرة قال وليام بيرنز (مدير الاستخبارات الأمريكية والدبلوماسي السابق): “زيارتي الأخيرة للشرق الأوسط التي تخللتها مقابلتان مع نتنياهو وأبو مازن تدعو للقلق والخوف، والعنف الجاري حاليًّا يستدعي أيام الانتفاضة الثانية، وبالتالي اندلاع انتفاضة ثالثة نعمل على منع اندلاعها مع المخابرات الإسرائيلية والفلسطينية”.

وقد اضطر الرئيس الأمريكي “جون بايدن” بعد تردد كبير للتدخل والتصريح لوسائل الإعلام بأن: “منظومة القضاء في إسرائيل -مثلها مثل الولايات المتحدة- هي مكون أساسي للديمقراطية وأي تغيير جوهري فيها يجب أن يرتكز على توافق واسع”. وهو الموقف الذي جاء بعد دراسة متعمقة للموقف، وكذلك بعد زيارات ميدانية كان أحدثها زيارة وزير الخارجية “بلينكن” لإسرائيل، بعد أن حاول ألا يتطرق مباشرة للموضوع، لكن من الواضح أن الرئيس الأمريكي بات على قناعة بأن التحذيرات التي أطلقها بلينكن والسفير الأمريكي في إسرائيل لم تكن كافية أو رادعة. وعلى كل ما يبدو فقد كلف وزير الخارجية “بلينكن” بالاتصال بالرئيس محمود عباس؛ حيث أكد للأخير أنه: “سيجري اتصالات مع الحكومة الإسرائيلية، وأن الإدارة الأمريكية ستواصل جهودها من أجل العمل على وقف الأعمال الأحادية”.

موقف فرنسا :

الرأي العام الفرنسي انتبه مبكرًا للأزمة وخطورتها؛ بسبب استقالة السفيرة الإسرائيلية في باريس، وهو ما تكرر في كندا احتجاجًا على تشكيلة الحكومة اليمينية المتطرفة.

“ها آرتس” كشفت من جانبها عن ملمح من تطور العلاقات الفرنسية الإسرائيلية وصورة الحكومة الحالية أمام الرأي العام الفرنسي، حيث أوضحت أن رئيس الوزراء نتنياهو اضطر لحضور الاجتماعات الموسعة بدون السفيرة المستقيلة، والتي ظلت تمارس مهام عملها وقت وصول نتنياهو لفرنسا، بل ولم تحضر الاستقبال الرسمي في المطار، ما يلفت انتباه الجميع في فرنسا لحجم الأزمة داخل إسرائيل، وحسب صحيفة “لوموند”، فإن ماكرون قال لنتنياهو بشكلٍ مباشر: “إذا ما قمتم بخطتكم فإننا سنعتبر إن إسرائيل انفصلت عن الديمقراطية بمفهومها الشائع.”

ويمكن القول بأن التسريب للإعلام الفرنسي يعد بمثابة تمهيد لإجراءات فرنسية قوية رافضة لخطة تقليص صلاحيات القضاء، وربما تحذير أخير لنتنياهو.

موقف روسيا:

لروسيا تأثير في الداخل عبر مليون مهاجر من أصل روسي يعيشون في إسرائيل، وعبر سياساتها التصويتية في المنابر والمؤسسات الدولية في القرارات التي تدعم الجانب الفلسطيني، كما أن لها حضورًا مؤثرًا في المشهد (السوري، والإيراني) بالطبع، ناهيك عن ساحات غير تقليدية مثل: السودان؛ حيث تناقلت وكالات الأنباء أنباء عن تعاون مع روسيا في ميناء بورسودان مقابل استثمارات وتزويد الخرطوم بالأسلحة والعتاد. وكل ما سبق ذكره نماذج لوسائل ضغط على حكومة إسرائيل تستخدم عند اللزوم خاصة مع استمرار موسكو في تقييم الموقف الإسرائيلي من الصراع في أوكرانيا على أنه موقف سلبي.

الخلاصة:

  • سياسات الحكومة الإسرائيلية الجديدة تواجه اعتراضات كثيرة داخليًّا وخارجيًّا، أغلب القطاعات الداخلية غاضبة بشكلٍ متفاقم؛ بسبب الإصلاحات القضائية والتي تستهدف مصالح شخصية ضيقة، ويرى المعارضون لنتنياهو وحكومته أنها تقوض الديمقراطية، مع ملاحظة أن الحكومة الإسرائيلية تصر على إجراءات تفتقر لتوافق حتى داخل الائتلاف الحكومي، نظرًا لوجود خلافات حادة بين (وزير الدفاع، وبين وزير المالية) من ناحية، وبين الحريديم (الذين شعروا بمرارة لعدم إيجاد مخرج قانوني يعيد الزعيم “شاس آرييه درعي” لمنصبه الوزاري)، وبن جفير من ناحية ثانية، ولم تجلب سياسة الحكومة الحالية سوى عمليات مسلحة بوتيرة أكبر.
  • جُل الاعتراضات الغربية تعبر عن قلق من تقليص صلاحيات القضاء، بالإضافة إلى رفض فلسطيني عربي في الأساس للانتهاكات الإسرائيلية في القدس، والتوسع الاستيطاني، والاقتحامات للمخيمات. مما قد يكون نذيرًا باندلاع انتفاضة ثالثة.
  • مِن غير المستبعد أن تمد الأطراف الدولية المؤثرة يد العون في هذا المضمار لوساطة الرئيس الإسرائيلي “إسحق هرتزوج”، وحينها سيخرج من تلك المعركة برصيد يؤهله للعب دور في السياسة الإسرائيلية يتجاوز منصبه الشرفي، خاصة وأن له بالفعل علاقات دولية مباشرة جيدة مع أطراف دولية وإقليمية على حد السواء.
  • السيناريو الأسوأ والأقرب في ذاته للحدوث هو انفجار واسع المدى داخل المجتمع الإسرائيلي ستتجاوز آثاره وتداعياته قلب طاولة الحكومة الحالية رأسًا على عقب، والقول الفصل هو تحالف واسع يضم فلسطينيي الـ48 والمهاجرين من أصل أثيوبي مع اليسار ويسار الوسط والتكنوقراط والنخبة، حيث أن الطائفة الأثيوبية والمجتمع العربي داخل الخط الأخضر لم يشاركا بعد في الاحتجاجات بالقدر الكافي نتيجة شعورهم بالإحباط من ناحية، والعنف الشديد، والقوة المفرطة التي تستخدمها أجهزة الأمن الإسرائيلية ضدهم.
اظهر المزيد

د.أحمد فؤاد أنور

عضو هيئة تدريس جامعة الإسكندرية -عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى