تعبر الجامعة العربية إلى عقدها التاسع مُثقلةً بإرث من المُشكلات المعقدة والأزمات المستحكمة التي يمر بها عددٌ معتبر من دولها الأعضاء، وتتنوع المُشكلات ما بين صراعات ممتدة لم تجد طريقًا للحسم أو الحل، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني التي واكبتها الجامعة منذ منشأها، وأزماتٍ مركبة وخطيرة تتعلق بكيانات بعض الدول ووجودها ذاته، وفي القلبِ من هذه الصراعات والأزمات تبدو الجامعة العربية اليوم- وبعد أكثر من ثمانين عامًا من خروجها إلى حيز الوجود بوصفها مؤسسة لتوحيد السياسات العربية والتنسيق بينها- بعيدةً عما عبَّر عنه تأسيسها من وعدٍ وأمل؛ وعدٍ بالخروج من إسار التخلف الحضاري، وأملٍ بامتلاك الإرادة الذاتية الكاملة للشعوب العربية، وتهيئة الأرض لنشوء شكل من أشكالِ الوحدةِ بينها.
لقد خرجت الجامعة العربية إلى حيز الوجود في أربعينيات القرن الماضي، حاملةً لواحدةٍ من أهم الأفكار السياسية في الفضاء الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي (العروبة)، إنها فكرةٌ اختمرت بتأثير واضح للحداثة الغربية، كما تبلورت في القرن التاسع عشر منتجةً الفكر القومي الذي يُبشر بأن الرابطة الأهم بين أي جماعة بشرية تقطن إقليمًا جغرافيًّا معينًا تقوم على اللغة والتاريخ المشترك، متخيلًا كان أم حقيقيًّا. وقد تأسس النظام الدولي ذاته على هذا الأساس القومي منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، وتسربت هذه التأثيرات القومية إلى المنطقة العربية من مسارب مختلفة، بعضها يتصل بالاستعمار الغربي (البريطاني والفرنسي خصوصًا)، وبعضها يتصل بحركة النهضة العربية والإحياء الثقافي التي شهدتها أقطار عربية منذ القرن التاسع عشر_ ممثلة في رموز سياسية ودينية سعت إلى الخروج من ربقة الاستعمار العثماني، الذي نُظر إليه وقتها كليلٍ طويل دامس أرخى سدوله على بلاد العرب فاستنزف مقدراتها وكبَّل حركتها وأضعف مناعتها في مواجهة الاستعمار الأوروبي وأوقعها في براثن التخلف الشامل.
لم تكن العروبة –أو القومية العربية- هي الفكرة الوحيدة في “سوق الأفكار” في المنطقة، في هذه الفترة الحرجة والحاسمة في تاريخها الحديث (منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية)؛ نافستها فكرةٌ ليبرالية تدعو للحاق بالغرب الاستعماري عبر التمكن من أدواته، ليس فقط في التقنية والعلم، وإنما في تنظيم المجتمع وإدارة الحياة الاقتصادية والثقافية، ونافستها كذلك فكرة إسلاموية بشرت بالعودة إلى مجد تليد عبر تنظيم المجتمعات سياسيًّا وثقافيًّا على أساس الدين وحده كما مارسه أهل السلف في القرون الأولى لفتوة الحضارة الإسلامية.
ولا يخفى أن الفكرتين (العربية، الإسلامية) كانتا عابرتين للدول الوطنية، كما نشأت في المنطقة بواقع التاريخ أو بفعل الاستعمار. الأولى: تستند إلى الأمة العربية الكبرى كمحلٍ للانتماء والولاء، وحجتها في ذلك جلية واضحة وهي اللسان العربي الذي ينطق به سكان هذا الفضاء الشاسع، باعتبار أن اللغة –وهي لبنة الثقافة- تمثل جوهر القومية وعنوانها (وإن كانت هناك نسخة أكثر “راديكالية” من القومية العربية تبناها الجيل الذي جاء لاحقًا لمفكرها الأهم “ساطع الحصري”، لا سيما هؤلاء الذين درسوا في فرنسا، مثل: زكي الأرسوزي، ميشال عفلق، وصلاح الدين البيطار؛ إذ بنى هؤلاء الفكرة العربية على مفهوم “القوم” إضافة إلى اللغة، بما ينصرف إلى معنى إثني أو عرقي وليس فقط المفهوم الثقافي). أما الفكرة الثانية: فقد كانت ترنو إلى العالم الإسلامي على اتساعه باعتباره قابلًا للاستعادة بوصفه إمبراطورية كبرى، كما كان الحال في عهد الإمبراطوريات الإسلامية في عصرها الذهبي. ولا شك أن هذا النزوع إلى كيان أكبر من الدولة الوطنية وأشمل منها ظلَّ محل التناقض الرئيس وسبب التوتر الأهم بين هاتين الفكرتين –أو الحركتين الأيديولوجيتين فيما بعد- وبين الدول الوطنية التي نشأت في المنطقة العربية، وحصلت على استقلالها تباعًا بعد الحرب العالمية الثانية.
وليس صدفةً أن كثيرًا ممن حملوا لواء القومية العربية في مبدئها كانوا مفكرين ينتمون إلى أقليات دينية، فقد كانت هذه “الفكرة القومية” بمثابة خشبة خلاص لطوائف تعيش في المنطقة وتنتمي إليها حضاريًّا وثقافيًّا، وترى مستقبلها فيها، وتروم فكرة جامعة لا تستند إلى عنصر الدين، وبحيث تكون إطارًا للعيش المشترك على أساس المساواة وليس وفق منطق الأقليات أو “أهل الذمة” الذي ساد تاريخيًّا. ومن هنا، ظل خطٌ أساسي في الفكرة العربية علمانيًّا، وإن تمازجت “القومية العربية” في وقت لاحق مع النزعة الإسلامية وتقاطعت معها في بعض الجوانب.
الفكرة العربية- والحال هذه- هي انتماء ثقافي وجسر للحداثة، كما تصوره الآباء الأوائل للنهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد شهدت هذه الفترة بالذات عملية إحياء كبيرة للغة العربية الفصحى وآدابها القديمة، شبيهة إلى حدٍ بعيد ببعض جوانب النهضة الأوروبية التي انطلقت شرارتها الأولى من إحياء اللغة اللاتينية وآدابها الكلاسيكية في القرن الخامس عشر الميلادي. ومثلت عملية الإحياء هذه، التي قادها رموز في الأدب والثقافة والترجمة والشعر، الرافعة الأساسية والبنية التحتية الفكرية والثقافية –إن جاز التعبير- التي قامت عليها فكرة العروبة أو القومية العربية فيما بعد، فلا معنى للقومية العروبية من دون شعر أحمد شوقي وخليل مطران ومهدي الجواهري، ومسرحيات توفيق الحكيم التي قُرئت من المحيط إلى الخليج وخلقت وعيًا مشتركًا ووجدانًا موحدًا على الأقل بين النخب العربية.
على أن القومية العربية تحولت أيضًا إلى حركة سياسية تبلورت في فترة ما بين الحربين العالميتين، وتأثرت -بطبيعة الحال- بحركات القومية الأوروبية في ذلك الزمان، كما واكبت مدًّا سياسيًّا صاعدًا في البلدان العربية ينشد الاستقلال الوطني وتقرير المصير والخلاص من الاستعمار، العثماني أولًا كما جرى في الحرب الأولى عبر ما سُمي بالثورة العربية الكبرى (والتي لم تحقق طموحاتها الموعودة إلا جزئيًّا)، ثم البريطاني والفرنسي لاحقًا. وفي فترة الأربعينيات، ظهرت الجامعة العربية إلى حيز الوجود كصيغة وسط وحل عقلاني بين تصوراتٍ مختلفة ومتباينة للعروبة، محمولة على رافعة ثقافية تبلورت قبل ذلك بقرن تقريبًا، وحاملة لفكرة سياسية جذابة اكتسبت جمهورًا واسعًا بين الطبقة الوسطى المدنية في معظم أنحاء العالم العربي. ونقول إن الجامعة كانت من البداية “صيغة وسطًا”؛ لأن مداولات إنشائها انتهت إلى تأسيس منظمة تُعنى بتنسيق السياسات وتوطيد أواصر التعاون والعمل المشترك، دون أن تذهب إلى حد إنشاء جهاز سياسي فوقي أو هيكل يعلو على سيادة الدول وقرارها، ومن هنا جاء انتقاء اسم “جامعة الدول العربية”، وليس “الجامعة العربية”؛ تعبيرًا عن التمسك بهذا “الخيار الوسط” العقلاني من دون القفز إلى مرحلة الوحدة الشاملة التي بدا واضحًا أن مقتضياتها غير مكتملة، وأركانها العملية مفتقَدة. ومنذ هذا التاريخ البعيد، وقفت الجامعة في هذه “المنطقة الوسطى”، فهي في نظر البعض لا تُلبي الطموح المنشود ولا تعكس الشعور الطاغي لدى العرب نحو الوحدة الكاملة، وهي في نظر البعض الآخر حصيلة لما هو ممكن وعملي، في مقابل ما هو منشود أو مأمول.
وجرت مياه كثيرة تحت الجسور، خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، اجتُرحت محاولات مجهضة؛ لتحقيق الوحدة العربية الاندماجية تحطمت على صخرة منافسات على الزعامة بين أجنحة القومية العربية ذاتها، خاصة الجناح المشرقي (حزب البعث في سوريا والعراق)، والجناح المصري (الناصرية)، وصولًا إلى حقبة مظلمة في التاريخ العربي الحديث وصفها البعض بـ “الحرب الباردة العربية” بين الملكيات المحافظة والجمهوريات الثورية، كانت مُقدمة لأكبر ضربة تلقتها القومية العربية في هزيمة يونيو 1967، بما أفضى إلى توسع المشروع الإسرائيلي الاستيطاني بدلًا من إزالته، كما وعد أنصار القومية الذين كانت القضية الفلسطينية ركنًا محوريًّا في فكرهم وخطابهم السياسي.
وفي وسط هذه الأنواء العاتية، ظلت “جامعة الدول العربية” تقف في المنطقة الوسطى ذاتها، كتجسيد رمزي ومؤسسي لتيار ثقافي وسياسي جارف في المنطقة العربية، دون أن تتجاوز هذه المنطقة إلى مرحلة التأثير السياسي الفعَّال أو توجيه الأحداث. وبقي البناء المؤسسي للجامعة وكأنه حصيلة تفاهم ضمني على أن الضربات التي تلقاها المشروع القومي العربي لا ينبغي أن تلغي الفكرة العربية كُليًّا أو تشطبها من الحياة السياسية العربية، ذلك أن هذه الفكرة -وكما ذكرنا آنفًا- تقف على بنية أساسية صلبة من المُشتركات الثقافية التي تكونت قبل قرن من الزمان خلال عملية الإحياء والنهضة العربية، وبما يتجاوز المشروع القومي العربي بانتصاراته وكبواته. وبدت جامعة الدول العربية، خاصة في مرحلة الخلافات العربية الخطيرة بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل، عابرةً لكل هذه الانكسارات والشقوق في الجسد العربي، وكأنها “ضرورة مؤسسية” لا يُمكن التفريط فيها.
وفي مراحل مختلفة، ظهرت في الأفق مشروعات سياسية وأمنية بديلة لإعادة ترتيب المنطقة، خاصة بعد توالي الأحداث المُزلزلة من غزو العراق للكويت في 1990، إلى البدء في مسيرة التسوية السلمية بين فلسطين وإسرائيل في 1993. ومرة ثانية، جرى الاستمساك بالجامعة في مواجهة هذه المشروعات والأفكار، بل صار وجود الجامعة ذاته –وبرغم بوادر عجز لا تخفى في تأثيرها- ضرورة سياسية لصد تصوراتٍ أخرى وصياغات بديلة للمنطقة تتخلص من فكرة العروبة كليًّا.
ومنذ بداية الألفية، مرت المنطقة العربية بتغيرات بنيوية معتبرة وأحداث جسام كان غزو العراق 2003، هو أخطرها على الإطلاق، وبرزت ثلاث قوى إقليمية بوصفهم لاعبين مؤثرين ومحركين للأحداث في المنطقة، وساعين –بطرقٍ مختلفة- لمراكمة النفوذ والتأثير (تركيا، إيران، وإسرائيل)، ولا يجمع هذه القوى الثلاث من شيء سوى كونها غير عربية، ولديها الرغبة والقدرة على التغلغل في المناطق العربية، بالغزو والاستيطان (كما في حالة إسرائيل)، أو بتوظيف الميلشيات والوكلاء وإذكاء النعرات الطائفية (كما في حالة إيران)، أو بإنشاء مناطق نفوذ وتطوير أشكال مختلفة من علاقات التعاون (كما في حالة تركيا). وفي أوقات كثيرة، بدا التوازن في المنطقة مختلًّا لصالح هذه القوى غير العربية.
وبرغم هذا الخلل في التوازن، فإن جامعة الدول العربية، بمؤسساتها واجتماعاتها الدورية على مستوى القمة وغيرها، ظلت –في الحد الأدنى- تجسيدًا للقرار العربي المشترك في مواجهة التغلغل المستمر من قوى إقليمية بعضها أظهر شراسة بالغة ورغبة محمومة في التوسع وفرض السيطرة. ومرة ثانية، بدا أن الجامعة هي “المؤسسة الضرورة” التي تقف حائلًا ضد البدائل وعنوانًا لما تمثله العروبة من مشتركاتٍ جامعة في منطقة تتعرض لتهديدات شتى. لم تستطع الجامعة- بطبيعة الحال- تعويض الخلل في توازن القوى مع أطراف غير عربية؛ إذ إن إرادة الفعل لديها –وكما كانت الحال منذ نشأتها- مرهونةٌ بإرادة الدول الأعضاء، وقدرتها على التحرك تحددها مقتضيات تحقيق “العامل المشترك الأدنى” بين سياسات وطنية لها أولويات مختلفة.
ولا شك أن بقاء الجامعة العربية في منطقة “الحد الأدنى” من الفعل المشترك والتنسيق السياسي والأمني يظل بديلًا أفضل من انفراط العقد أو القفز إلى المجهول، إنه بديل يُمثل محصلة تاريخ المنطقة نفسه، بما يحمله من تناقضات كبيرة بين العروبة كفكرة ثقافية من جهة، وبين القومية العربية كتيار سياسي من جهةٍ أخرى، وكذلك بين الشعور العربي التواق إلى توثيق الوحدة، وبين الواقع السياسي الذي تصنعه سياسات وطنية تنطلق من مصالح الدول ومنطقها الخاص في الحفاظ على سيادتها ومواجهة التهديدات التي تتصورها كل دولة لأمنها القومي. بين هذه المتناقضات جميعًا، تدخل الجامعة العربية عقدها التاسع تجسيدًا لحد أدنى متفق عليه بين الدول العربية من ضرورة وجود إطار جامع لحركتها، وضامن لوجودها في مواجهة جوار إقليمي صعب.
وليس هذا الحد الأدنى سوى انعكاس للصعوبة الشديدة التي تنطوي عليها صياغة أولويات واضحة متفق عليها بين الدول العربية الأعضاء خاصة لجهة التهديدات الأمنية، فلا يخفى أن تعريف هذه التهديدات، بالمعنى الحقيقي والفعلي لا الخطابي، يقتضي نقاشًا صريحًا ومخاضًا سياسيًّا صعبًا يُرتب التزامات على الجميع بأولويات الأمن القومي العربي كما يجري الاتفاق عليها، وبحيث تعكس هذه الأولويات شواغل الدول جميعًا، ويتم الاستجابة لها والتعامل معها من جانب الدول جميعًا وفق مبدأ (الواحد للكل والكل للواحد).
وإن كان للتاريخ (القريب والبعيد) أن يُسهم في ترشيد رؤيتنا للمستقبل، فإن الدرس الأول الذي يقدمه هو البناء على ما هو موجود وتطوير ما هو قائم بالفعل؛ أي الانطلاق من حقيقة وجود الجامعة “كمؤسسة ضرورة” يُمكن تطويرها وتحديثها، علمًا بأن التطوير والتحديث لا يُمكن مباشرته سوى بنهج إصلاحي تدريجي، وعلى نحو يُراعي طبيعة المنظمة وتاريخها ومحددات دورها. وقد كُتب وقيل كلام كثير في ضرورة أن تتحول دفة العمل العربي المشترك إلى وجهة المصالح لا الشعارات، بالتركيز على التكامل الاقتصادي وتسهيل انتقال البضائع ورؤوس الأموال والأفراد في منطقة تُعد الأقل تكاملًا من الناحية الاقتصادية من بين المناطق المختلفة على مستوى العالم؛ إذ لا تتعدى التجارة البينية في المنطقة العربية حاجز الـ 10% من مجمل التجارة العربية. على أن العمل المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية يظل رهينة بصياغة مفهوم عصري للفكرة العربية ذاتها في تجلياتها الثقافية والسياسية. إن الفكرة العربية في حاجة إلى “إحياء جديد” يُلحقها بعصرها، ويستوعب متغيرات كاسحة مرت بالمنطقة، ويستشرف مستقبلًا يتعين أن يستلهم التاريخ دون أن يبقى أسيرًا له.




