2026العدد 206ملف إقليمي

استثمار إسرائيل في الحرب الإيرانية لتحقيق أهدافها الأمنية في لبنان والمنطقة

لم يمر يومان على قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجومهما المفاجئ على إيران يوم 28 فبراير 2026، كمقدمة للحرب على إيران التي استمرت أكثر من شهر قبل التوصل لوقف إطلاق النار، حتى دخل حزب الله يوم 2 مارس على خط المعركة باستهداف إسرائيل بالصواريخ بما أدى إلى توسيع إسرائيل لهجماتها على لبنان، سواءٌ ضد البنية العسكرية للحزب أو بتهجير القرى في جنوب لبنان وتوسع التوغل البري الإسرائيلي أو عبر عمليات الاغتيال الممنهجة التي لم تسلم منها العاصمة بيروت. حتى كتابة هذه السطور، لا تزال الهجمات الإسرائيلية ضد لبنان مستمرة والعمليات المضادة التي يشنها حزب الله، سواء ضد قوات الاحتلال في جنوب لبنان أو على الأراضي شمال إسرائيل، وذلك بالرغم من التوصل لوقف إطلاق نار بوساطة أمريكية مرتين: الأولى في 16 أبريل لمدة عشرة أيام، والثانية في 15 مايو لمدة خمسة وأربعين يومًا، وبالرغم من بدء جولات محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية في واشنطن.

أولًا: لبنان وحرب إيران 2025.

يعد حزب الله الأقوى من بين أطراف “محور المقاومة” من غير الدول، وبالتالي انطبق عليه المنطق الذي قاد السلوك الإسرائيلي تجاه أطراف هذا المحور فيما يخص الحرب على إيران في يونيو 2025، وذلك بمعنى أن إسرائيل قد استفادت أولًا من ضعف محور المقاومة لتسبب بحربها على إيران مزيدًا من الإضعاف له. من ناحية، أسفرت الحرب الإقليمية التي شنتها إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى منذ أكتوبر 2023، عن واقع مفاده أن غالبية أطراف هذا المحور لم تكن قادرة على إسناد إيران، بما في ذلك حزب الله (بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024)، وحركة حماس (حتى من قبل وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025)، والميليشيات الإيرانية التي غادرت سوريا في أعقاب سقوط نظام الأسد (ديسمبر 2024)، ولم يبقَ سوى جماعة الحوثي في اليمن التي حاولت إسناد إيران في الحرب عندئذٍ، وحتى ذلك لم يكن ناجعًا بما يكفي؛ ذلك لأن إضعاف أطراف محور المقاومة قد أفقد إيران مزيةً أساسيةً طالما وردت في سيناريوهات تداعيات الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، ألا وهي أن طهران سوف تقوم عندئذٍ بتفعيل وكلائها من الميليشيات والجماعات المسلحة في المنطقة للهجوم على إسرائيل بمختلف الوسائل بما يفرض على إسرائيل حربًا متعددة الجبهات.([1]) من ناحية أخرى، استهدفت الحرب على إيران 2025 في جانب منها ليس فقط إضعاف قدرة إيران على تعزيز شبكتها الإقليمية تسليحًا وتمويلًا، وإنما أيضًا إسقاط هيبة إيران إقليميًّا بعدما تبين أن طهران فشلت في ردع الحرب التي شنها التحالف الأمريكي- الإسرائيلي عليها أو إلحاق الهزيمة به.

 وفي جميع الأحوال، فقد استندت إسرائيل في توجهها بعد انتهاء جولة حرب يونيو 2025 إلى مفهوم “المعركة ما بين الحروب” (المقصود بها شن سلسلة من عمليات هجومية مُدبرة، سرية وعلنية، بهدف تقليص قدرات العدو وإزالة التهديدات وإيجاد بيئة مناسبة لتحقيق النصر في أي حرب مستقبلية)، بهدف الحيلولة دون إعادة بناء إيران لقدراتها، سواءٌ النووية أو شبكة الحرب بالوكالة. وفيما يتعلق بالعنصر الأخير، فإن إسرائيل استمرت في عملياتها العسكرية ضد حزب الله، مثله في ذلك مثل حركة حماس؛ خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه، كما لو كان وقفًا لإطلاق النار من طرف واحد، لاسيما اغتيال القائد العسكري في حزب الله “هيثم طبطبائي” في نوفمبر 2025. وحتى داخل سوريا، استمرت إسرائيل في هذه العمليات لمنع إيران وحلفائها من إعادة التمركز في سوريا أو الإمداد عبرها لقوات حزب الله، بالرغم من تأكيد القيادة السورية الجديدة غير ذات مرة على أنها لم تستفز إسرائيل منذ دخول دمشق ولا تعتزم الصراع مع إسرائيل.

وكما هي الحال في قطاع غزة وجنوب وسوريا، استغلت إسرائيل نجاحاتها الميدانية تجاه حزب الله في لبنان لتحتل شريطًا من الأرض في الجنوب كورقة من أوراق الضغط. المغزى أنه من وجهة نظر إسرائيل، فإن حربها على إيران 2025 أثبتت جدواها فيما يخص التأثير على جبهة لبنان؛ فمن جانب ظل حزب الله في حالة كمون طوال الحرب ولم يهرع لإسناد إيران، ومن جانب آخر أدت الخسائر السياسية والعسكرية التي لحقت إيران في هذه الحرب إلى إضعاف قدرتها- على الأقل في المرحلة التالية مباشرةً- على تقديم المساعدة لحزب الله تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا، ناهيك عن موقف “الانكشاف” لإيران التي لم تتمكن من ردع الهجوم على نفسها، في تناقض لما يتبناه حزب الله عنها كونها العمق الإستراتيجي والداعم العسكري والمالي الأساسي وزعيمة المقاومة. رسالة أخرى من الدولة العبرية، كما عبَّر عنها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في أثناء هذه الحرب، هي فك الارتباط بين الجبهتين؛ إذ وجَّه حديثه للعرب واللبنانيين قائلًا: “إن إيران لم تكن يومًا نصيرًا للعرب” وأن “الخطر الحقيقي ليس هناك خلف الحدود بل فيمن تسلل إلى بيوتكم وأدعى أنه حامٍ لكم”.)[2](

ثانيًا: لبنان وحرب إيران 2026.

كان لدى إيران ما بعد يونيو 2025، خيار بالجنوح إلى خفض التصعيد الإقليمي ومنح الأولوية للتعافي الاقتصادي– حتى من باب أن هذا الخيار يمهد سبيلًا أجدى لبقاء النظام– غير أنها اختارت، بعد استيعاب الصدمة وبقاء النظام، الاستمرار في سياساتها السابقة، بما في ذلك محاولة إعادة بناء قدرات شبكتها الإقليمية من الميليشيات والوكلاء ليس فقط لاستعادة هيبتها المهدرة، وإنما أيضًا استعدادًا لتجدد المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة في المستقبل، وهو التوقع الذي تحقق لاحقًا في أواخر فبراير 2026. اتصالًا بذلك، استشهد تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي؛ لتبرير الهجوم، بأن حرب 2025 فشلت في تقديم حل نهائي للتحدي الإيراني، بل إن طهران أظهرت قدرة سريعة على التعافي تبينت في مساعيها لإعادة تأهيل حزب الله، بما في ذلك مضاعفة الميزانية المخصصة له وتجديد مسارات الإمداد عبر سوريا، وذلك بالإضافة إلى إعادة تأهيل المنشآت النووية، وزيادة معدلات إنتاج الصواريخ (من عدد 1500 صاروخ شهريًا بنهاية عملية “الأسد الصاعد” إلى 2500 صاروخ شهريًّا عشية عملية “زئير الأسد”).)[3](

وفقًا لبيانات وزارة الصحة العامة اللبنانية، فإن الحصيلة الاجمالية للعدوان منذ 2 مارس حتى 18 مايو 2026 بلغت 3020 شهيدًا و9273 جريحًا.)[4]( صحيح أن إسرائيل لم توقف هجماتها في لبنان حتى بعد التوصل لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2025 كما تقدم، غير أنها اتخذت من شن حزب الله لهجوم بالصواريخ عليها يوم 2 مارس مبررًا لتكثيف الهجمات في مختلف أنحاء لبنان والتي انتهت بهذه الحصيلة الدامية من الضحايا، وأغلبهم من المدنيين. وحتى التوصل لوقف إطلاق النار مع إيران في 8 أبريل لم يمتد إلى لبنان، ولم تلقَ اتهامات طهران لواشنطن بخرق الاتفاق الأصلي – الذي زعمت أنه تضمن وقفًا لإطلاق النار على كافة الجبهات – صدًى لدى صانع القرار الإسرائيلي إلى حين التوصل لاتفاق بشأن لبنان في 16 أبريل الذي لم يكن بدوره سوى حبر على ورق، حتى وإن انخفضت وتيرة الهجمات.

من جانب، يتمسك الوسيط الأمريكي بأن ما تقوم به إسرائيل يدخل في إطار حق الدفاع عن النفس، وليس ضمن الأعمال العدائية المباشرة؛ إذ تبرر إسرائيل عملياتها باعتبارها إجراءات استباقية لمنع تهديدات مستقبلية، لا عمليات هجومية، بما يفتح الباب أمام استمرار العمليات العسكرية تحت عناوين مختلفة. بخلاف استمرار الهجمات الجوية، أصبح يُخشى أن تحول إسرائيل المنطقة التي تحتلها حاليًّا في جنوب لبنان – عبر نقل خط التماس إلى مواقع جديدة ليصبح قائمًا على سلسلة من التلال والمرتفعات الطبيعية – إلى حزام أمني أو منطقة عازلة تمنحها تفوقًا ميدانيًّا.([5]) وذلك الأمر الذي يشكل استمرارًا للضغط على الجانب اللبناني في التفاوض في ظل استمرار الحرب واحتلال الجنوب. من جانب آخر، يهاجم حزب الله مؤسسات الدولة الشرعية في لبنان لانخراطها في مفاوضات مع إسرائيل لوقف هجماتها، بل وعدَّها “استسلامًا” في الوقت الذي لا يمانع فيه من تفاوض إيران على الأمر ذاته مع الجانب الأمريكي. كان الأمين العام لحزب الله الشيخ “نعيم قاسم”، قد أكد في وقت سابق أنَّ “الاتفاق الإيراني – الأمريكي الذي يتضمَّن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان”، شاكرًا إيران على “اهتمامها بلبنان وشعبه”، الأمر الذي طرح تساؤلات حول خلفية موقف الحزب، وما إذا كان اعتراضه يرتبط بطبيعة التفاوض نفسه، أم بالجهة التي تتولى التفاوض، وبالنتائج المحتملة على سلاحه ودوره داخل لبنان.([6])

ثالثًا: عَمَّ تبحث إسرائيل؟

تبحث إسرائيل عن هدف نهائي مفاده نزع كامل لسلاح حزب الله وترتيبات أمنية شمال حدودها، مثل: إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب اللبناني كله، غير أنها تدرك مدى صعوبة تحقيق ذلك دون تصعيد شامل للحرب – وهو خيار لم يعد من الممكن استبعاده بعد حرب غزة إلا أنه ليس مطروحًا في الوقت الراهن – أو التمكن من تحييد صواريخ ومسيرات حزب الله التي تمكنت من إصابة استهداف عدد من المواقع الإسرائيلية وقتل جنود عبر أساليب مستحدثة. وهنا يظهر مجددًا الارتباط الحاصل بين جبهتي (إيران، ولبنان). ظاهريًّا، وكما تبين من عدم التزام إسرائيل بإيقاف عملياتها في لبنان في أعقاب وقف إطلاق النار مع إيران، ترفض إسرائيل الربط بين الجبهتين وتدفع بالتفاوض المباشر بينها وبين لبنان كسبيل لوقف الحرب هناك. غير أن إسرائيل واقعيًّا تتفق، للمفارقة، مع حزب الله في هذا الارتباط. ما زال حزب الله يرفض نزع سلاحه، ويشترط وقف إطلاق النار المقبل بالعودة إلى أوضاع وقف إطلاق النار السابق في نوفمبر 2024، ويعوِّل على المفاوضات التي تجريها إيران فيما يخص ذلك كما تقدم. أما إسرائيل، فطالب رئيس وزرائها “نتنياهو” قيادات جيشه بإيجاد حل لمشكلة الصواريخ والمسيرات لدى حزب الله، معتبرًا أن ذلك تمهيد لازم للتوصل إلى إنجاز المفاوضات السياسية مع لبنان من جانب، ومن جانب تعتبر الحرب في لبنان، سواءُ مواصلة الهجمات أو احتلال مناطق في الجنوب، أداة ضغط ترافق المفاوضات الجارية في واشنطن؛ استنادًا إلى تقدير بأن حزب الله “ليس سوى الذراع الطويلة لإيران” ولن يغير موقفه إلا إذا تلقى إشارةً من طهران. وبالتالي، تعتبر الحرب في لبنان ضغطًا على إيران في التفاوض، كما أن الضغط الاقتصادي والسياسي، وحتى العمليات الاستخبارية، ضد إيران في فترة الهدنة، تمثل وسيلةً لإضعاف البنية التحية للحزب في لبنان.([7])

ولمَّا كانت التطلعات للمكاسب تتعاظم مع تعاظم المخاطرة، فإن إسرائيل يعنيها توظيف مكاسب حربها مع إيران بأقصى قدر ممكن فيما يخص الشبكة الإقليمية لوكلاء إيران في المنطقة؛ وذلك لجني ثمار المغامرة الكبرى التي خاضتها إسرائيل بشن الهجوم الشامل على إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. لم تتمكن الأخيرة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، حتى كتابة هذه السطور، من حسم أمرها، سواءٌ باستئناف الحرب أو بالتوصل إلى اتفاق- وإن كان مبدئيًّا- مع إيران. بالعودة إلى نهاية حرب 2025، اعتبرت إسرائيل أنه بالرغم من الخسائر الجسيمة التي تكبدتها إيران، إلا أن وقف إطلاق النار سمح لها بالتعافي، تبينت في مساعيها لإعادة تأهيل حزب الله كما سبقت الإشارة. وعلى ذلك، تخشى من تكرار هذا السيناريو بل وتمدده عام 2026. 

 لم يعد خافيًا أن توترًا مكتومًا صار يشوب العلاقة بين ترامب ونتنياهو على خلفية رغبة الأخير استئناف الحرب ضد إيران وإكمال المهمة التي بدأت في 28 فبراير؛ لخشيته في الوقت ذاته من أي اتفاق أمريكي- إيراني سيكون بالضرورة اتفاقًا سيئًا، كونه سوف يتضمن في أفضل الأحوال تنازلات ما تفضي إلى إنهاء الحرب وتعافٍ اقتصادي لنظام طهران، بما يسمح له ليس فقط بترويج “صورة النصر في الحرب”، وإنما أيضًا باستمرار تمويل البنية التحتية لحزب الله في لبنان. تتوجس إسرائيل من أن يمتد الاتفاق إلى لبنان بما يدعم موقف حزب الله داخليًّا؛ إذ سوف يقوم بتسويق الاتفاق على كونه تغلبًا لحجته من أن إيران كداعمة للبنان هي من تمكنت من وقف الحرب على البلاد وليس التفاوض مع إسرائيل الذي تجريه مؤسسات الدولة.

الخاتمة:

سيكون من المبكر جدًا في هذا التوقيت التنبؤ بسلوك إسرائيل في المستقبل المنظور، خاصةً وأن الاتفاق الجاري الحديث عنه بين واشنطن وطهران سيكون على الأرجح مرحليًا ولن يحسم القضية الأساسية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، إلا أنه لا يُنتظر أن تتراجع إسرائيل فجأةً لتقبل بتخليها عن المكاسب التي حققتها حتى الآن في لبنان – عبر الالتزام بوقف لإطلاق النار وانسحاب كامل إلى الحدود الدولية – وذلك بالرغم من صعوبة توصل إسرائيل في وقت قريب إلى الهدف النهائي الذي تبحث عنه ومفاده نزع كامل لسلاح حزب الله وترتيبات أمنية شمال حدودها، مثل: إقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب لبنان.

يرجع هذا التقدير إلى اعتبارين مهمَين من وجهة نظر إسرائيل: يتمثل أولهما، في أن مثل التراجع سوف يقدم انتصارًا لحزب الله على طبق من فضة، وسوف يشكل بالتالي خسارة سياسية وعسكرية لها لا يتوقع أن تقبل بها تحت قيادة نتنياهو، الذي يوشك على مواجهة انتخابات عامة قريبة لا يريد أن يخوضها بخُفي حُنين، علمًا أن المعارضة الإسرائيلية، حتى مع اتفاقها مع التوجه العام بشأن المواجهة مع أطراف محور المقاومة، سوف تستغل مثل هذا الاتفاق للترويج بأن نتنياهو أدخل إسرائيل في حرب غير ذات جدوى لم تسفر سوى عن بقاء الوضع السابق على ما هو عليه. أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في أن وقف إطلاق النار والانسحاب لن يعزز موقف حزب الله داخليًّا فحسب وإنما أيضًا سوف يتيح له التعافي وإعادة التسليح والعودة إلى الجنوب، كما لو أن شيئًا لم يكن وكأن كل الاستثمار الإسرائيلي في هذه الحرب قد ذهب هباءً، وهو ما يُقلص بمرور الوقت الحد الأدنى من المكاسب التي جنتها إسرائيل حتى حينه (وفترة ما بعد الانسحاب من لبنان عام 2000، ونتائج حرب 2006 ماثلة في الأذهان) وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع الإستراتيجية التي اعتمدتها إسرائيل فيما بعد أكتوبر 2023، من استخدام القوة العسكرية دوريًّا، سواءٌ بمواجهات شاملة أو عبر “المعركة ما بين الحروب”، بهدف القضاء على كامل قدرات الخصوم التي يمكنها تهديد إسرائيل.

تمثل “المعركة ما بين الحروب” سيناريو مرجح لسلوك إسرائيل في حال تم التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران يشمل لبنان، وذلك لما تحمله “المعركة ما بين الحروب” من مزايا متعددة بالنسبة لإسرائيل، أهمها: المرونة (التراوح بين العلنية والسرية، وضبابية اللاسلم واللاحرب)، والفَعَالية (تقليص قدرات العدو، وإزالة التهديدات، وإيجاد بيئة مناسبة للانتصار في أي حرب مستقبلية). أحد تنويعات هذا السيناريو أن تعمد إسرائيل لتطبيق ما تقوم به في قطاع غزة على لبنان، وعلى الأقل في جنوبه؛ فبينما انسحبت إسرائيل من جزء كبير من القطاع إلا أنها أقامت ما يشبه الحزام الأمني داخل حدوده، وبينما تمتنع عن شن عمليات هجومية كبيرة، إلا أن عمليات الاغتيال والهجمات الدقيقة بالمسيرات متواصلة، مع تواتر التهديد باستئناف الحرب ما لم يتم نزع سلاح حركة حماس، وذلك كله بالرغم من وجود “وقف لإطلاق النار”. صحيح أن الربط بين جبهتي (إيران، ولبنان) في هذه الحالة قد يحد من حرية حركة إسرائيل، إلا أنها قد تستغل ذلك أيضًا بأن يكون الربط ذا اتجاهين وفقًا لتفسيرها، بمعنى أن خرقًا من جانب حزب الله قد تعده مبرِّرًا للعمل ضد إيران أيضًا، والعكس صحيح، فالخرق من جانب إيران قد تعده مبررًا لمعاودة الهجمات على لبنان.

ليس هذا السيناريو حتميًّا بحال. لبنان الذي وجد نفسه، وفق تصريحات رئيس الوزراء “نواف سلام” في حربٍ لم يسعَ إليها ولم يخترها غير أنها جلبت الألم العميق لشعب لبنان وزرعت الخوف في نفوس أبنائه، بخلاف استنزاف موارده ومفاقمة حجم الدمار وتهديد الاستقرار الاجتماعي، يتبع مسارًا شجاعًا للخروج من النزاع الراهن ووضع حد للتدخلات الإقليمية في شؤونه.([8]) بغض النظر عن المزايدات، فإن المسار الذي تتبعه الحكومة اللبنانية، لاسيما قرار احتكار الدولة للسلاح على كامل أراضي البلاد، والتفاوض المباشر مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم، يحرم إسرائيل من ربط لبنان بالصراع الإقليمي الذي تخوضه مع إيران، بغض النظر عن الكاسب والخاسر منهما.


([1]) عمرو يوسف “إسرائيل ومحور المقاومة بعد حربها على إيران”، شؤون عربية، العدد 203 (أكتوبر 2025)، ص 82-91.

([2])   أفيخاي أدرعي ” ‏أيها العرب كم عربيًّا قتلت إيران؟”، Facebook  (27 يونيو 2025).

([3]) INSS Policy Paper “Operation Roaring Lion”: Summary of the First Phase” (May 17, 2026).

([4]) وزارة الصحة العامة، “التقرير التراكمي للطوارئ الصحية” (18 مايو 2026).

([5])  صبحي أمهز، “لبنان بين هدنتين: أكثر من 100 إنذار إخلاء و970 منزلًا مدمرًا بالكامل”، الشرق الأوسط (18 مايو 2026).

([6]) كارولين عاكوم، “تناقض حزب الله حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران”، الشرق الأوسط (19 مايو 2026).

([7]) Gabi Siboni and Erez Winner, “Why Israel needs the Litani line” (Jerusalem Institute for Strategy and Security, May 11, 2026).

([8])  رئاسة مجلس الوزراء للجمهورية اللبنانية، “كلمة الرئيس سلام في مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي – لوكسمبورغ” (21 أبريل 2026).

اظهر المزيد

عمرو يوسف

وزير مفوض متخصص فى الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى