تكمن أهمية هذا الكتاب فيما يشتمل عليه من مناقشات تبرز جوانبَ متنوعةً من التطورات التي طرأت على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، علاقةَ هذه المتغيرات بالاتفاقيات الإبراهيمية في محاولة لتقديم تحليل مقنع للواقع، وفهمًا شاملًا للأوضاع ، وعرضَ رؤية واضحة ترصد تطور الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط.
ويحاول هذا الكتاب أن يُجيب عن التساؤل الجوهري حول ماهية العلاقة بين الاتفاقيات الإبراهيمية وبين الدور المتغير للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة من (2017-2020)، وينطلق للإجابة عن هذا التساؤل ويَضع فرضيتين:-
الفرضية الأولى: تتمثل في أنه من المرجح أن تقوم الدول الإقليمية التي لديها مصالح مشتركة بتوقيع اتفاقيات فيما بينها، عندما تتضاءل الثقة في الدول العظمى التي كانت تُعد الراعي أو الضامن الأمني لوجودها في النظام الدولي.
الفرضية الثانية: تتمثل في أن الاتفاقيات الإبراهيمية تعد نهجًا جديدًا للولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط بمشكلاتها المختلفة.
وبالنسبة للكتاب فهو مقسم إلى مقدمة وستة موضوعات رئيسة يبدأهم الكاتب بتحليل مفهوم الشرق الأوسط؛ حيث لم يزل مصطلح الشرق الأوسط محل خلاف في الأوساط الأكاديمية، فمثلًا يعد المؤرخ البحري الأمريكي “الفريد تاير ماهان” أول من استخدم هذا المصطلح، وذلك في مقال له نشر في مجلة “ناشيونال ريفو” إحدى المجلات البريطانية عام 1952؛ حيث وصف منطقة الشرق الأوسط بأنها المنطقة التي تمتد من الهند شرقًا إلى خليج عدن غربًا. وأما الآخر وهو “هور ريفتس” فقد عرَّف منطقة الشرق الأوسط بأنها المنطقة التي تقع بين المغرب غربًا وأفغانستان شرقًا. ومن ناحية أخرى، قسم هودسون الشرق الأوسط إلى ثلاث مناطق جغرافيـــــة، وعرف تلك المناطق الثلاث على النحو التالي: منطقة الخليج العربي، ومنطقة المشرق العربي، ومنطقة شمال إفريقيا (المغرب).
أما الكاتب، فهو يعتمد في هذا الكتاب بالتعريف الذي ورد في قاموس “أكسفورد” من أن منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة التي تبدأ من جنوب غرب آسيا مرورًا بمنطقة شمال شرق إفريقيا، وتمتد من البحر الأبيض المتوسط، وصولًا إلى باكستان. ويعود السبب في اختيار هذا التعريف من أن هذا المصدر تحديدًا متوافق عليه بشكل عام من الأكاديميين، واعتماد تعريف من مصدر متوافق عليه بشكل عام، بحكم أن هذا القاموس تتم مراجعته وتنقيحه من أكاديميين مخضرمين في جامعة أكسفورد البريطانية.
أما الموضوع الثاني: فهو عن الاتفاقيات الإبراهيمية؛ حيث مثلت الاتفاقيات الإبراهيمية صفحة جديدة لم يَسبق أن شهدتها الساحة السياسية للدول العربية من قبل، فقد انحصرت معاهدات السلام التي تم توقيعها بين إسرائيل وبين مصر والأردن في تطبيع العلاقات الحكومية – الحكومية دون أن تتوسع وتشمل القطاعات الأخرى، على نحو ما حدث مع بعض الدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية.
إن العلاقات الجديدة بين الدول العربية وإسرائيل جاءت هذه المرة مختلفة تمامًا عن السابق إن لم يكن تحرك كلًّا من (دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين) اللتين وقعتا على الاتفاقيات الإبراهيمية في 15 سبتمبر 2020، وجمهورية السودان التي وقعت عليها في 23 أكتوبر 2020_ تحركات منفردة وإنما جاءت في إطار عربي مشترك من منطلق المبدأ نفسه، وذلك بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية المتمثلة في الرئيس دونالد ترامب.
ولا يمكن إغفال المتغيرات الإقليمية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط على رأسها ما سُمي بـ”حراك الربيع العربي”، الذي كان له دور في تغيير أولويات الدول العربية، وذلك بحكم ما ترتب على هذا الحراك من تمكين الكثير من الفاعلين غير الدوليين من تصدر مشهد الدول المحورية في الوطن العربي، يضاف إلى ذلك تراجع بعض الدول العربية الكبيرة عن دورها الإقليمي الذي أدته تاريخيًّا، وذلك لأسباب تتعلق باستقرارها الداخلي.
ونتيجة لذلك، مثلت الاتفاقيات الإبراهيمية ديناميكية وآلية جديدة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، وقد أسهمت بالدفع بالإرهاصات العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكن بحسابات مختلفة خالية عن شبه الإجماع العربي على كيفية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بالصبغة التي دعت إليها مبادرة العاهل السعودي الراحل الملك “عبد الله بن عبد العزيز” في جامعة الدول العربية عام 2002، والتي تمحورت حول استعداد الدول العربية للاعتراف بإسرائيل، بشرط موافقتها على العودة إلى حدود 1967؛ لتكون هناك دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
الموضوع الثالث فعنوانه: “السياق العام للدور الأمريكي والاتفاقيات الإبراهيمية”. ويشير الكاتب في هذا الموضوع إلى التهديدات الأمنية التي شهدتها المنطقة ضد المصالح الأمريكية في أعقاب ما سُمي بالربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط عام 2011، فقد كانت تلك التهديدات تشكل المحطة الجوهرية ونشأة مفهوم جديد في التحالفات والشراكات الإقليمية على الصعيد (القومي، والديني، والثقافي)؛ ففي أعقاب أحداث عام 2011، ظهر تغير ملحوظ في أولويات شركاء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط تجاه إيران، إضافة إلى انتشار الأحداث الإرهابية في بعض الدول العربية، مثل: سوريا والعراق واليمن وليبيا. هذه التهديدات الجديدة كشفت للولايات المتحدة أنه يجب عليها أن تقوم بشيء، بإلزام شركائها بمعالجة ما يهدد مصالحهم ومصالحها، على أن يقوموا –آنذاك- من خلال بناء صيغة أمنية إقليمية مشابهة للتحالف، والتي ستقلل بدورها من الأعباء التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتحملها في هذا الصدد، وعلى ضوء المتغيرات التي حدثت في السياسات الأمريكية وصولًا إلى حقيقة ترامب. ومع التوجس لدى حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط فإن معظم الأعمال البحثية التي تناولت الاتفاقيات الإبراهيمية لم تركز على جوانب الاتفاقيات، من حيث ارتباطها مع الدور الأمريكي في المنطقة، بل اكتفت بتسليط الضوء فقط على المصالح المشتركة للدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية (الإمارات، البحرين، السودان). غير أن تلك البحوث لم تركز أيضًا على الفجوة الخاصة بمعالجة العلاقة بين هذه الاتفاقيات وبين سلوك واشنطن ودورها تجاه الشرق الأوسط خلال الفترة من(2017 و2020) حسب الفترة التي حددها الكاتب.
ثم يسلط الكاتب الضوء في موضوع آخر عنوانه “الدراسات السابقة: الاتفاقيات الإبراهيمية”.
وهنا يشير إلى أن بعض الأعمال البحثية ركزت على شرح وتفسير دور الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا في مواجهة الطموحات الإيرانية المتنامية، وتطرقت أعمال أخرى إلى الأفكار التي تربط دور الولايات المتحدة بعملية السلام والخاصة بالصراع الفلسطيني– الإسرائيلي والاتفاقيات الإبراهيمية، التي تم توقيعها تحت إدارة دونالد ترامب، والمنافع الاقتصادية للدول الموقعة على الاتفاقية.
وعلى هذا، فإن معظم الكتابات السابقة ركزت على خمسة موضوعات وهي التغيرات في سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وأيضًا دور الولايات المتحدة في مواجهة الطموحات الإيرانية المتنامية في الشرق الأوسط، وكذلك دورها الأساسي في عملية السلام بين (فلسطين، إسرائيل) والاتفاقيات الإبراهيمية والتغيرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتعزيز العوائد الاقتصادية من الاتفاقيات الإبراهيمية.
فمثلًا، بالنسبة لدورها في مواجهة الطموحات الإيرانية في الشرق الأوسط، فإن مواجهة الطموحات الإيرانية المتنامية والمتصاعدة تعد أمرًا بالغ الأهمية والخطورة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة بعد أن تصبح قوة نووية، فهي تعتبر طموحات إيران تهديدًا لحليفها الإستراتيجي في المنطقة وهي دولة إسرائيل، ويكمن هذا الدور الأمريكي في منع إيران عن طريق عرقلة خطواتها السابقة في امتلاك السلاح النووي، كما تسعى لمنعها من كسر حاجز التفوق النوعي الإسرائيلي فيما يخص إمكاناتها وقدرتها العسكرية.
هذا ويرى بعض الباحثين أن دور أمريكا في منع البرنامج النووي الإيراني وعرقلة تقدمه قد عزز التقارب بين إسرائيل ودول الخليج العربية، وسلط ضغطًا إقليميًّا على إيران لإيقاف مساعيها الحثيثة لكى تصبح قوة نووية. وعلى صعيد آخر، ناقش بعض الكتاب مسألة الاتفاقيات الإبراهيمية من ناحية تأثيرها على مجريات المباحثات النووية مع إيران؛ إذ رأى الكثير منهم أن هذه الاتفاقيات سوف ينتج عنها المزيد من التصعيد الذي قد تلجأ إليه إيران في المنطقة؛ بسبب الخوف من التطويق الإستراتيجي الذي قد ينتج عن التقارب العربي – الإسرائيلي المتمخض عن الاتفاقيات الإبراهيمية.
وعلى كلٍّ، فالكاتب هنا يسعى لدراسة الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة، وتعكس الاتفاقيات الإبراهيمية، فيما يتعلق بمواجهة الطموحات الإيرانية المتصاعدة إقليميًّا، والتصدي لسياساتها في المنطقة، كما أنه سوف يتم التركيز على النظر في مدى جدية أي سياسات اتخذتها واشنطن وفقًا للاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها تخدم المصلحة الأمريكية في المقام الأول.
أما الموضوع الرابع من سلسلة موضوعات الكتاب فهو بعنوان: “المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط”.
وهنا يقول الكاتب إنه بالنظر إلى طبيعة المكانة الأمريكية ووزنها في النظام الدولي الحالي فإن مصالحها الخارجية لا يمكن حصرها في قائمة واحدة؛ إذ إن مصالحها تختلف من قارة إلى أخرى، ومن إقليم جغرافي إلى آخر، في أن ما يمكن الاتفاق عليه هو أن كل المصالح التي تحرك الولايات المتحدة في الساحة الدولية مرتبط بها أمنها القومي الذي يرتكز على تحقيق التطلعات الأمريكية الخاصة بمكانتها عالميًّا.
أما فيما يخص الشرق الأوسط، فيمكن حصر المصالح الأمريكية فيه في عدة نقاط وهي :-
أمن أسواق الطاقة العالمية وإمداداتها، وأمن إسرائيل التي تعد حليفة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، ومكافحة التنظيمات الإرهابية وصد هجماتها، وأيضًا التنافس الاقتصادي مع الصين والتنافس العسكري مع روسيا، بالإضافة إلى مواجهة السياسات الإيرانية التي تعمل على زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتحقيق الازدهار الاقتصادي والاستقرار في الشرق الأوسط.
فمثلًا، بالنسبة لجزئية التنافس مع الصين وروسيا، فكل التحولات والمتغيرات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقود الأخيرة جعلت منها ملعبًا وساحة للتنافس بين القوى الكبرى التي تتمثل في (الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا). ومن ثم، فإن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في الإبقاء على خطواتها الرامية إلى ردع الصين وروسيا والحيلولة دون أن تصبح أي منهما أو كلتاهما قوة ذات هيمنة إقليمية عبر مشروعاتها المختلفة، مثل: مبادرة الحزام والطريق الصينية، أو المحاولات الروسية لتوسعة العلاقات مع بعض الدول من خلال مد نفوذها عبر الملف السوري، أو عن طريق عمليات بيع الأسلحة الروسية ونظم الصواريخ المتقدمة إلى تركيا ودول الخليج العربية، على سبيل المثال.
بالإضافة إلى مواجهة الولايات المتحدة للنظام الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وذلك لضمان حلفائها وشركائها، مثل: إسرائيل، ودول الخليج العربية من أجل تأمين مصالحها معها.
والموضوع الخامس في الكتاب عنوانه: “التغيرات السياسية الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط”.
فمن ناحية عدد القوات المسلحة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ، فمن المسلَّم به أن عدد القوات الخارجية للدول الكبرى يعد مظهرًا من مظاهر قوتها ونفوذها في النظام الدولي، لا سيما أن الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي الأجنبية يفسر ماهية المصالح الإستراتيجية؛ ففي الحالة الأمريكية ثمة دلائل على أهمية منطقة الشرق الأوسط لدى صانع القرار الأمريكي، والتي تمثلت في مستويات التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة بناء على مصالحها الإستراتيجية؛ فالسياسات الأمريكية في الفترة الأخيرة بدأت تشهد تقلبات ملحوظة في الجانب العسكري الذي يعد واحدًا من أهم الركائز والمحركات الأمريكية الشرق أوسطية.
فالتغيير الذي طرأ على عدد القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط في العقد الأخير يدلل على وجود نهج جديد للولايات المتحدة في المنطقة، والتركيز على إعادة الجنود الأمريكيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وخفض الوجود العسكري في المنطقة، وهذا المفهوم يترجمه بوضوح الحالة الأفغانية والعراقية، والدول الأخرى التي قررت الولايات المتحدة بسحب جنودها منها، وعلى الرغم من عدم وجود بيانات أكثر بأعداد القوات الأمريكية المنتشرة في بعض الدول العربية، مثل: ليبيا أو السودان، فإن معطيات مركز القوى الدفاعية للولايات المتحدة الأمريكية تقدم إشارة إلى أهمية الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بحكم مكانة هذه المنطقة لدى صانع القرار الأمريكي، من أجل الحفاظ على المصالح الأمريكية وتعزيزها في هذه المنطقة.
ومن الملاحظ، أن دور الولايات المتحدة الأمريكية في القضايا المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط خلال الفترة من عامي (2017 حتى 2020) قد شهد تغيرًا ملحوظًا؛ فواشنطن كانت تتجه أكثر إلى عدم المشاركة في أزمات المنطقة، والتركيز على مصالحها التي يمكن تحقيقها منفردة، دون التعاون مع المجتمع أو أية أطراف أخرى على الساحة الدولية، خصوصًا في ظل رؤية الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، التي كانت تضع الولايات المتحدة أولًا دون الاكتراث بمسألة التعاون الدولي، وقد تمثل ذلك في العديد من القرارات التي اتخذها تجاه المنظمات الدولية، كإيقاف الدعم الأمريكي عن بعض المنظمات المنبثقة من الأمم المتحدة، أو الانسحاب من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية باريس للمناخ.
ثم يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن هناك العديد من القضايا في منطقة الشرق الأوسط التي تعد محل قلق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وتتركز في أربع قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل المشهد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وهي: ملفات سوريا، وإيران، واليمن، وليبيا.
أما عن آخر موضوع في الكتاب فعنوانه: “القوة الناعمة الأمريكية بوصفها محركًا للمقاربة الجديدة”. حيث اتبعت الولايات المتحدة بإدارتها المختلفة والمتعاقبة أسلوب القوة الناعمة، بوصفها أداة تم توظيفها في الدبلوماسية الأمريكية من أجل تعزيز مبادئ التسامح والسلام الديني التي تعد ركيزة الاتفاقيات الإبراهيمية، وذلك بهدف تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، والمتابع لمسار الدبلوماسية الأمريكية سيلحظ وجود مسارين لتحقيق هذا الهدف: المسار المباشر، والمسار غير المباشر، وذلك من خلال الفترة الممتدة من عام (2017 إلى 2020)؛ فالقوة الناعمة حسب تعريف الأكاديمي الأمريكي “جوزيف فاي” تَعني قدرة الدولة على إقناع الآخرين من أجل تنفيذ ما تريده دون استخدام القوة أو الإكراه. ومن هذا المنطلق فإن المسار المباشر، الذي اتبعته الولايات المتحدة الأمريكية، يتمثل في السلوك الذي تنتهجه جهاتها مع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية الرامية إلى إرساء السلام والاستقرار بما يخدم المصالح الأمريكية على نحو إستراتيجي.
فمثلًا، لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استخدام جهود مباشرة وصريحة من أجل تصدير رؤيتها فيما يخص روح الاتفاقيات الإبراهيمية، بما يحقق التعاون بين الدول الموقعة عليها، وذلك من أجل تحقيق مصالحها الإستراتيجية التي تمت مناقشتها قبل ذلك، وقد تمثلت تلك الظروف في توظيف مكتب الحرية الدينية في وزارة الخارجية الأمريكية من أجل تعزيز هذا المفهوم عبر إقامة عدد من المبادرات التي تستهدف المجتمع الدولي.
وبالنسبة للجهود الغير مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية فقد بذلت جهودًا من أجل تعزيز التسامح والسلام الديني، الذي انعكس في نهاية المطاف على المقاربة الأمريكية الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط فيما يخص الاتفاقيات الإبراهيمية وما تضمنها من مبادئ متشابهة للتجربة الأمريكية الداخلية، فيما يتعلق بالتسامح الديني ما بين الأديان، والبحث عن القواسم المشتركة لإيجاد بيئة توظف نهج التقارب فيما يؤدي إلى خلق السلام.
فمن المبادرات المعروفة التي عملت على تضييق الفروقات بين الديانات المختلفة وزرع الفهم المشترك بين الناس وتعزيزه، كانت مبادرة “المسار الإبراهيمي”، التي تأسست في ولاية نيو جيرسي؛ حيث تتمحور فكرة هذه المبادرة حول اصطحاب الناس في جولة سياحية في مكان مولد النبي إبراهيم إلى المكان الذي يفترض أنه دفن فيه في منطقة الشرق الأوسط (مدينة الخليل في الضفة الغربية) ومن خلال هذه الجولة يكون أصحاب الديانات المختلفة قد شاركوا في الرحلة التي جمعتهم عبر معتقداتهم الدينية المشتركة.
هذا بالإضافة إلى عدة مبادرات أخرى التي استخدمتها الولايات المتحدة من أجل تعزيز مفهوم الاتفاقيات الإبراهيمية ما يُسمى مبادرة “الديانات المتحدة” في ولاية سان فرانسيسكو التي عرضت برنامجًا يُسمى ( دائرة تعــــــــاد) لم الشمل الإبراهيمي.
ولم تتوقف الجهود الأمريكية غير المباشرة عند هذا الحد، ولكن كان هناك أدوات للقطاع الخاص عبر التلفاز لتعزيز مفهوم التسامح بين الأديان.
والخلاصة: فإن المقاربة الجديدة التي اتبعتها الولايات المتحدة في سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط تركز على تمكين شركاء أمريكا في المنطقة، عن طريق الاتفاقيات الإبراهيمية التي يمكن أن تساعدهم في تعزيز أمنهم الإقليمي، وتحقيق استقرارهم، وقد كانت هذه الأهداف واضحة من خلال زيادة الاجتماعات الدبلوماسية التي عقدتها واشنطن خلال الفترة من (2017-2020) مع الدول التي كانت لها علاقات مع إسرائيل في الوقت نفسه يظهر دور التسامح والحوار بين الأديان من خلال الدبلوماسية الأمريكية العامة التي شكلت في نهاية المطاف مقاربة جديدة تجاه منطقة الشرق الأوسط.




