“الحق والعدل والخير والجمال” هذه ليست مجرد كلمات تتردد على ألسنة الفنانين على اختلاف أنواع فنونهم، ولكنها مبادئ اجتمع عليها العاملون في هذا المجال باعتبارها أهدافًا حقيقية ثابتة يسعى الفن لتحقيقها، فالفن ليس مجرد حالة جمالية بل هو رسالة إنسانية تدافع عن المظلومين وتحمل صوتهم عاليًا ليسمعه الجميع، الفن هو صوت مَن لا صوت له ولا نصير، هو ضمير الإنسانية الذي لا يصمت، حتى وإن خفت هذا الصوت أحيانًا إلا أنه يعود مرة أخرى ليعلو ويوثق الأحداث الحقيقية، يحافظ على الهُوية ويطرح قضايا الإنسانية الصادقة التي قد يحاول البعض تزيفيها أو التشويش عليها.
الفن يوقظ وعي البشرية ويُعلي قيم الحق والتسامح وقبول الآخر ولا يقبل الظلم أو الاحتلال أو الاضطهاد، إنه وسيلة حقيقية لتنوير الرأي العام وكشف الحقيقة وتحريك هذا الرأي العام لتصحيح الأوضاع الخاطئة.
وتؤدي السينما -على وجه الخصوص- دورًا عظيمًا في هذا المجال؛ فالفيلم السينمائي يكتب صفة الخلود وسرعة الانتشار واتساع مجال الانتشار خاصة بعد التقدم التكنولوجي الكبير والمنصات الرقمية المتجاوزة للحدود، والتي تقوم ببث هذه الأفلام مما يحقق لها انتشارًا عظيمًا، كما أنها أصبحت متاحة في أي وقت لمن يرغب من خلال البرامج والتطبيقات والمنصات الموجودة على الإنترنت، بحيث أصبحت كل الآراء متاحة والبحث عن الحقيقة ممكنًا لمن يرغب، وأصبح الفن السينمائي وما ينتجه لا يمكن مقاومته إلا من خلال عمل فني آخر يناقش ويضمد الأفكار التي يطرحها الفيلم الأول.
ويمكننا أن نلمس فكرة دور الفن في اكتشاف الحقيقة من خلال ما حققته القضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة من تعاطف عالمي إنساني، اكتشف فيها العالم زيف ما كان يتم ترويجه عبر وسائل الإعلام الصهيونية والمتعاطفة معها، والتي سعت إلى تشويه القضية الفلسطينية والفلسطينيين وتقديم معلومات مغلوطة وصورة خاطئة عنهم، ولكن الفترة الأخيرة مع المنصات الرقمية والأفلام المنتَجة عن فلسطين وتاريخ الشعب الفلسطيني وكفاحه وما تعرض له من ظلم واضطهاد عبر فترات زمنية طويلة ومن خلال بث هذه الأفلام، سواء الدرامي منها أو التسجيلي ” الوثائقي”، قد حقق الهدف المرجو منه لكشف الحقيقة وتحريك الرأي العام العالمي والإنسانية كلها للمطالبة بحقوق هذا الشعب في حياة كريمة على أرضه المغتصَبة، بعد أن تعرض لكل أنواع الظلم والتنكيل والتهجير والاضطهاد.
ومما لا شك فيه أن تناول القضية الفلسطينية قد مر بمراحل عديدة عبر تاريخها وهي القضية المركزية الأولى في حياة الإنسان العربي، كانت المحرك الأول لكل حروب ومشاكل المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، لما لها من أهمية قصوى، سواء من حيث البعد الديني (المسيحي، والإسلامي) أو الأمن القومي العربي؛ لارتباط القضية باحتلال الأرض العربية الفلسطينية وتهجير أهلها وبأطماع أخرى لكيان صهيوني في المنطقة كلها، بالإضافة إلى المآسي الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت بهذا الاحتلال، والتي انعكست على طاقة الفنون العربية كـ(الشعر، والقصة أو الرواية، والتشكيل، والسينما أيضًا)، لقد خاضت المنطقة العربية العديد من الحروب التي أثرت بدورها على اقتصادها وتركيبتها الاجتماعية وألقت بظلالها على التشكيل السياسي بالمنطقة، سواء على مستوى الحكومات أو الشعوب.
إن صمود الشعب الفلسطيني يبقى هو المثل الأعلى على المستوى العالمي؛ لمقاومة الظلم وبالمطالبة بالحقوق، وبقدرة الإنسان بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص على التشبث بحقوقه وأرضه، وتوريث الفكر والمبادئ والحقوق، والثبات في مواجهة محاولات طمس الهوية وتشويه الحقائق، وتواطؤ من جهات ودول وقوًى عظمى لم تستطع ولن تستطيع النَيل من إرادة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية أيضًا، التي تنعكس إرادتها الحقيقية في الفنون التي تتناول القضية الفلسطينية، ويتجاوز المشاعر والتعاطف إلى الدعم المادي والمعنوي والتظاهر والمقاطعة ورفض التطبيع. وستظل فلسطين والقضية الفلسطينية في وعي المواطن العربي، وخاصة الفنان العربي؛ باعتبارها قضية مصير، وهو ما نلمسه في أشكال الفنون التشكيلية كافة أو الأدائية والشعر والمسرح والسينما- على وجه الخصوص- وحتى فن الكاريكاتير الذي قدم لنا شخصية ” حنظلة” الشهيرة، التي أصبحت أيقونةً وصورة ممثلِة للمواطن العربي بشكل عام.
وفي مجال السينما:
تُعتبر السينما أداة توثيقية هامة مثلت دورًا كبيرًا في الحروب والانقلابات والأزمات كافة، التي تعرض لها العالم والبشر منذ اكتشافها وحتى اليوم؛ فلقد وثقت نضال الشعوب من أجل الاستقلال، كما وثقت ممارسات الاستعمار في التنكيل بالشعوب المحتلة ونهب ثرواتها، ووثقت تضحيات الشعوب وأبنائها من أجل حريتها.
وهناك رأيان في تناول السينما العربية للقضية الفلسطينية:
الأول:
يرى أن السينما العربية عجزت عن القيام بدورها تجاه القضية الفلسطينية كونها لم تنطلق من أهداف واضحة أو خطط تنفيذية، بل حكمتها المبادرات الفردية أو الغايات التجارية؛ حيث تم اختيار موضوعاتها اختيارًا طارئًا وعشوائيًّا؛ فالسينما العربية لم تضع أهدافًا لتحقيق مهمات قومية أو سياسية أو حتى ثقافية على عكس السينما الصهيونية ويرتبط هذا الرأي بالفترة من 1948- وحتى عام 1968 .
والرأي الآخر: يرى من الظلم الحكم على السينما العربية بهذا الشكل؛ حيث إنها قدمت عددًا كبيرًا من الأعمال الفنية والأفلام سواء (الدرامية، أو الوثائقية) التي تناولت هذه القضية، وإن كان التناول نفسه قد تغير وتطور من مجرد محاولة كسب التعاطف والتعبير الميلودرامي؛ ليصل إلى مرحلة مخاطبة الرأي العام العالمي وإيقاظ الوعي والتعريف بجوهر القضية بوصفها حقوقًا وأبعادًا إنسانية، وصولًا إلى ظهور جيل من المخرجين، الذين وصلوا بأفلامهم إلى مستوى العالمية والترشح لجوائز الأوسكار والمشاركة في مهرجانات سينمائية هامة، مثل: كان، وبرلين، وفينيسيا، وأن هذه الأعمال قد أفادت القضية الفلسطينية والعربية بشكل كبير وحركت الرأي العام العالمي لنصرة القضية.
ومما لا شك فيه أن السينما العربية قد قدمت الكثير للقضية الفلسطينية وقد مرت بمراحل مختلفة طبقًا للمتغيرات التي واكبت الأحداث وظروف التمويل والتطور التقني وخلافه. فعلى سبيل المثال، يمكننا تقسيم مراحل تطور الأفلام التي تناولت القضية بشكل تاريخي، فالفترة من (48 إلى 1967) لها سمات خاصة تغيرت بعدها؛ حيث كان مجمل الإنتاج العربي قبل 1967 متواضعًا من حيث الكم أو من حيث التناول.
وهنا يجب أن نشير إلى:-
- كل الأفلام التي تناولت الصراع العربي الإسرائيلي هي بدورها تتناول القضية الفلسطينية، ولو بشكل غير مباشر، حتى ولو كانت في الخلفية الفكرية والدرامية، وكذلك فكرة مقاومة الاحتلال بالسعي نحو تحرر الشعوب العربية.
- هناك عدد من الأفلام الوثائقية التي تم إنتاجها ولكنها لم تلقَ الاهتمام من حيث نشرها وعرضها على الجمهور، ولكن التركيز كان على الأفلام الدرامية، والتي بدورها كانت تلتزم بعناصر الدراما خوفًا من السقوط في الدائرة المباشرة والخطابية.
لقد أنتجت مصر عددًا من الأفلام قبل عام 1967؛ ففي عام 1953، أخرج نيازي مصطفى فيلم “أرض الأبطال” والذي تناول قضية الأسلحة الفاسدة والنكبة والتهجير، وقدم فطين عبد الوهاب فيلم “نادية” الذي تناول قضية فتاة فلسطينية تُهجَّر إلى مصر، وأيضًا فكرة التمسك بالهُوية، وأخرج محمود ذو الفقار فيلم “فتاة من فلسطين”، وأخرج أحمد بدرخان 1955، فيلم “الله معنا” عن قصة لإحسان عبد القدوس والذي قدم حرب فلسطين كمحرك أساسي لتغيير الحكم في مصر.
ومن الناحية الوثائقية، قدَّم كمال الشيخ توثيقًا من خلال الفيلم التسجيلي “أرض السلام” 1957، والذي اهتم بالأعمال الفدائية داخل الأرض المحتلة، واستمر عرضه حتى الستينيات، وحتى فيلم “الناصر صلاح الدين” الذي أخرجه يوسف شاهين 1963 . فقد كانت قضية تحرير القدس وأهمية الوحدة العربية في صميم الأفكار المطروحة بالفيلم، ولكن السمة الغالبة على تلك الأفلام ، وخاصة تلك التي تناولت القضية بشكل مباشر، كانت النزعة الخطابية، ومحاولات كسب التعاطف والتناول الميلودرامي، وتقديم الفلسطيني كضحية مستسلمة. وجاء مجمل الإنتاج العربي قبل 1967، متواضعًا من حيث عدد الأفلام، كما لم تطرح قضايا العودة أو أسباب النكبة أو المرجعية التاريخية للاحتلال وحق العودة أو قضية الأرض والرغبة في الخلاص.
بعد هزيمة 1967، حدث تغير نوعيٌّ في تناول الأفلام السينمائية للقضية الفلسطينية. ففي عام 1967، قدم يوسف شاهين فيلم “العصفور” وهو إنتاج مصري جزائري؛ حيث تناول آثار الهزيمة وانعكاسها على المجتمع المصري، واعتبر فلسطين والقضية عمقًا للأمن القومي المصري واُعتبر هذا الفيلم صرخةً في وجه الهزيمة وطرحًا لكواليسها، ومطاِلبًا بالتطهير من الفساد حتى يتحقق النصر.
في عام 1968، أُسست بالأردن وحدة الفيلم الفلسطيني ومؤسسة السينما، وضمت عددًا من المخرجين والمصورين الفلسطينيين؛ حيث قدمت فيلم ” لا للحل السلمي” 1968 إخراج مصطفى أبو علي، كردة فعل على مبادرة روجرز.
وبشكل عام شهدت الفترة من (1967-1973) تغيرًا في الأهداف والتناول؛ حيث شهدت الاهتمام بالمقاومة وتقديم الفدائي كبطل والاقتناع بأهمية الكفاح المسلح والاستعداد للحرب.
في عام 1972، أخرج توفيق صالح فيلم “المخدوعون” عن رواية غسان كنفاني “رجال تحت الشمس”، ويصنف كواحد من أفضل 100 فيلم عربي وهو إنتاج “مصري سوري” يقدم ثلاثة شبَّان فلسطينيين ورحلة هروبهم داخل خزان معدني، ويقدم توفيق صالح وكنفاني عملًا رمزيًّا، يوضح معاناة الفلسطيني وحتى الموت صامتًا دون أن يدق على جدار الخزان ودون أن يعلم أحد بوجوده. وما يهمنا هنا أن الفيلم السينمائي العربي قد تطور على أكثر من مستوًى مثل:-
- ظهور مخرجين وسينمائيين فلسطينيين معنيين بقضيتهم وقادرين على التعبير عنها، وجاء معظمهم في مجال الأعمال الوثائقية في تلك الفترة.
- تقديم أعمال درامية رمزية تعتمد على روايات أدبية، مثل: روايات كنفاني.
- شهدت هذه الفترة تقديم أفلام تتناول الحرب والصراع العربي الإسرائيلي، مثل:
- “أغنية على الممر” 1972، وتناولت الهزيمة.
- “أبناء الصمت” 1974، وفترة الاستنزاف والمقاومة.
- “الرصاصة لا تزال في جيبي” 1974، وفكرة الاستعداد والمقاومة.
- الاهتمام بسينما التوثيق اللبناني الفلسطيني؛ حيث قدمت أفلام مهمة، مثل:
- “كفر قاسم” 1975، إخراج برهان علوبة، ويتناول لمجزرة ارتكبها الاحتلال ضد عمال كفر قاسم.
- بركة يافا “اليافاديون” إخراج مصطفى أبو علي ويعرض معاناة المخيمات.
- شهدت تلك الفترة تقديم فيلم جزائري 1972، باسم “سنعود” إخراج محمد سليم رياض؛ حيث بدأ الفنانون العرب يتحولون من مجرد التعاطف إلى تبني القضية ومحاولة التعبير عنها ولو على مستوى الرمز.
- كما شهدت تلك الفترة ظهور أفلام الجاسوسية، وكذلك ظهور بعض المسلسلات التليفزيونية عن الجاسوسية، ومن أهم الأفلام “الصعود للهاوية” 1978.
- في فترة الثمانينيات والتسعينيات، شهدت هذه الفترة أحداثًا جسيمة، منها: الاجتياح الإسرائيلي لبيروت؛ حيث تم تدمير الأرشيف السينمائي الفلسطيني 1982.
ثم الانتفاضة الأولى 1987، وحاول الفلسطينيون توثيق الانتفاضة رغم عدم وجود تمويل أو دعم ورغم تضيق سلطات الاحتلال الخناق على الفلسطينيين ومنع التصوير داخل الأراضي المحتلة، بل واستهداف المصورين والصحفيين، إلا أن ذلك لم يمنع من نقل الصورة للعالم عن طريق أفلام قصيرة.
وقدم المخرج ميشيل خليفي فيلم “عرس الجليل” 1987، الذي مزج فيه بين الأسلوبين (الوثائقي، والروائي)، وتدور أحداثه عن عمدة قرية يحاول إقامة حفل زفاف ابنه ويسعى للحصول على تصريح، ولكن الحاكم الإسرائيلي يشترط عليه حضور الحفل حتى يعطيه التصريح. والفيلم يستخدم الرمز بشكل كبير كما اهتم كمثله مثل باقي المخرجين الفلسطينيين في تلك الفترة بتفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني ودلالة الأرض ورمزيتها والتأكيد على الهوية، وقد حصل الفيلم جائزة في مهرجان ” كان ” بفرنسا.
في عام 1993، تم توقيع اتفاق أوسلو، ولكن قبل ذلك بسنة واحدة، قُدم فيلم “ناجي العلي”، الذي قام ببطولته وإنتاجه نور الشريف ليقدم قصة حياة فنان الكاريكاتير “ناجي العلي”، الذي صمم شخصية “حنظلة” لتصبح رمزًا للمواطن العربي المقهور والفلسطيني الطريد معبرًا عن المواطن العربي. وفي فترة التسعينيات، يمكن أن نلاحظ أنها فترة السيرة الذاتية.
وفي عام 1955، قدم ميشيل خليفي فيلم “حكاية الجواهر الثلاثة”، والذي تم تصويره في قطاع غزة، والذي قدم فيه أزمة عرب 48، ومعاناتهم والواقع المفروض عليهم، والرغبة في الحياة والاغتراب النفسي.
وقبل ذلك بعامين، قدمت السينما المصرية فيلم “الطريق إلى إيلات” للمخرجة أنعام محمد علي 1993، والذي يحكي قصة تدمير ميناء إيلات الإسرائيلي والبارجتين الموجودتين فيه، والذي طرح أيضًا فكرة التعاون بين الجيش المصري والفلسطيني والأردنيين أيضًا.
حتى الأفلام التجارية اهتمت بتقديم القضية الفلسطينية في فيلم “همام في أمستردام”؛ حيث طرح الفيلم قضية البعد النفسي بين المصري والإسرائيلي؛ بسبب ممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين وعدم قبول المصريين للتطبيع، كما طرح الفيلم أهمية التعاون العربي لتحقيق “الحلم العربي” الذي تم التعبير عنه من خلال أغنية في لحظة تفجير الخلافات ليهدأ الجميع وتكون خلفية الأغنية هي صورة “القدس”.
- لقد وصلت التناولات السينمائية في بداية الألفية الثالثة إلى مرحلة من النضج على كافة المستويات، حتى على المستوى التجاري؛ حيث قدم المصري علي إدريس فيلم “أصحاب ولا بيزنس” من خلال فريق عمل إعلامي يدخل للأراضي المحتلة سعيًا لتحقيق سبق إعلامي، ولكن سرعان ما تتغير الأهداف من خلال معايشتهم للانتفاضة ومعاناة الفلسطينيين وتصل إلى ذروتها في تصوير تفاصيل عملية استشهادية تنقل للعالم كيف يصل إنسان إلى هذا الحدث بسبب معاناته والظلم الذي يتعرض له ومحاولته لفت الأنظار للقضية.
- وفي عام 2004، قدم يسرى نصر الله فيلم “باب الشمس” ليعبر عن النكبة والتاريخ الفلسطيني والمقاومة.
- وصلت القضية الفلسطينية للمهرجانات العالمية من خلال مجموعة من الأفلام، جاء معظم مخرجوها من الفلسطينيين إلى جانب عدد من الدول العربية الأخرى، وقد مر ذلك الوصول بتجارب فنية مهمة وصلت لمرحلة النضج الفني في التناول؛ حيث لم يعد عرض القضية أو التناول الميلودرامي هدفًا، ولكن يتم عرض الصمود والإصرار والمعاناة اليومية للفلسطينيين وتمسكهم بحق الحياة، والأبعاد النفسية التي يشعرون بها للحصول على أبسط مقومات الحياة الطبيعية وقضايا سرقة الأرض، وجدار الفصل العازل، والحصار والتجويع، وتأكيد الهوية والتشبث بالجذور والحقوق والرغبة في الحياة، فقدمت أفلام، مثل:
- “الزمن الباقي”، و”المعاناة”، و”إن شئت كما في السماء”، و”الاغتراب”، و”عرس رنا” عن الحواجز والقيود.
- في عام 2002، قدمت إيليا مسلمان كوميديا سوداء عن كيفية تجاوز الحدود والجدار العازل بعنوان “يد إلهية”، وحصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان.
- في عام 2005، أخرج هاني أبو أسعد فيلم “الجنة الآن” الذي ترشح لجائزة الأوسكار، وحصل على جائزة “الجولدن جلوب”، وتناول فيه الأربع وعشرين ساعة الأخيرة في حياة شاب فلسطيني قبل قيامه بعملية استشهاديه موضحًا أسباب قيامه بهذا العمل.
- وقدم نفس المخرج فيلم “عمر” 2013، وترشح للحصول على جائزة الأوسكار مقدِّمًا معالجة درامية لشاب فلسطيني يتسلق الجدار العازل يوميًّا ليتمكن من رؤية حبيبته، وبين تأثير هذا الجدار وقسوته في الفصل بين الأسر، كما تناول ممارسات المخابرات الإسرائيلية تجاه الشباب الفلسطيني وعمليات التعذيب والإجبار عن الإدلاء بالمعلومات وخيانة الأصدقاء.
- في عام 2012، قدم المخرج اللبناني زياد دويري فيلمًا عن رواية الكاتب الجزائري “ياسمينة خضرا” وبإنتاج “قطري- مصري- لبناني- مغربي- فرنسي” وتدور أحداثه حول جراح عربي يعيش في تل أبيب ويكتشف أن زوجته قد نفذت عملية تفجيرية، وقد اهتم المخرج بالنواحي الإنسانية والعاطفية، وجعل الواقع النضالي في الخلفية، مما تسبب في الهجوم عليه واتهامه بالتطبيع.
ولا يمكن إغفال دور المخرجين في دول المغرب العربي في تقديم القضية الفلسطينية؛ فقد أسهم المخرجون الجزائريون والتونسيون والمغاربة بالعديد من الأفلام الوثائقية والدرامية، علاوة على الإنتاج المشترك مع العديد من الدول العربية الأخرى.
في المغرب على سبيل المثال، قدم المخرج كمال هشاري فيلمًا يوثق هجرة اليهود المغاربة لإسرائيل بعنوان “أصداء الملاح” 1914.
كما قدم فيلم “أرضي” عن معاناة الفلسطينيين في الشتات، وفيلم آخر بعنوان “القدس باب المغاربة” يجمع بين الوثائقية والدرامية.
وفيلم “من أجل القضية” وتدور أحداثه في إطار كوميدي.
قدم الجزائري سريح عبد الحميد فيلم “سلام” 2016، وقدمت الجزائر فيلم “بين الرمل والزيتون” 2026 إخراج الحاج غديفة.
أما تونس، فكان لها نصيب كبير في الأفلام السينمائية المقدمة لخدمة القضية الفلسطينية، فمنذ عام 1991، قدمت فيلم “نشيد الحجر” عن الانتفاضة إخراج ميشيل خليفي.
- عام 1984، قدمت هبة سرور فيلم “ليلى والذئاب” عن دور المرأة الفلسطينية في المقاومة.
- 1994، قدم رضا الباهي فيلم “السنونو لا تموت في القدس”.
- 2023، فيلم “قائمة الجواسيس” من إخراج فرح الطرابلسي عن معاناة السجون ومحاولات اختراق ملفات الموساد.
- 2026، قدمت كوثر بن هنية فيلم ” صوت هند رجب” الذي أحدث ضجة كبيرة ورشحت للأوسكار.
- ولا يمكننا هنا إغفال عدد من الأفلام التسجيلية والدرامية المهمة، مثل: فيلم “لا أرض أخرى” 2024، والذي حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي 2025.
- فيلم “المسافة صفر” 2024، لرشيد مشهراوي، والذي قدم مشروعًا لعدد 22 فيلم قصير.
- فيلم “200 متر” 2020، لأمين نايفة، والذي يقدم فكرة الجدار الذي يفصل بين أب وابنه المريض على مسافة 200 متر فقط ولا يمكنه الوصول إليه.
- فيلم “جنين- جنين” 2002، لمحمد بكري والشهادات الحية لضحايا اقتحام مخيم جنين.
لقد أسهمت المنصات الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي في توصيل القضية الفلسطينية من خلال السينما للجمهور الأوروبي والأمريكي- على وجه الخصوص- وفي تعديل وتصحيح الصورة التي كان الاحتلال وأعوانه يغذونها من خلال الدعاية الموجهة للعالم كله؛ حيث تم تصحيح الصورة النمطية المشوهة عن الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، لذا فإن الفن والسينما -على وجه الخصوص- قد أسهمت في الحفاظ على القضية الفلسطينية حيةً وواضحة في أذهان المجتمع الدولي، وموضحة الحقائق ومفندة المزاعم والتزييف الإعلامي الذي بثه الكيان الصهيونى وأعوانه، فالسينما أحد أدوات المواجهة والمقاومة أدت دورها ومازالت تؤديه.




