بدأ العرب منذ 2005 يكتشفون مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الفيس بوك هو البداية، ثم تويتر ويوتيوب، وبعدهما إنستجرام وتيك توك، وتوالت وكثرت الصفحات والوسائل والشبكات، وحتى 2010 لم تكن هناك أية مسافات أو فوارق بين الاسم والوظيفة، وظلت مواقع التواصل الاجتماعي ساحات للثرثرة والحكايات والتواصل الشخصي في المجتمعات العربية، وبدأ التغيير مع الربيع العربي، واكتشف عرب كثيرون أن مواقع التواصل الاجتماعي بإمكانها تأدية أدوارًا أخرى أهم وأكبر وأخطر من مجرد تواصل اجتماعي، والساحات التي كانت مخصصة ومناسبة وصالحة لثرثرة المجتمعات العربية أصبحت ساحات صراعاتٍ وحروبًا في مختلف مجالات الحياة، وسقطت كل الحواجز وانفتحت كل الأبواب ولم يعد كثيرون مضطرين للسكوت فامتلكوا حق الدفاع والهجوم، التأييد والمعارضة، الفرح والغضب، الصراخ والسخرية، الهدوء والصخب.
وحين بدأت سنة 2026، أصبح قرابة 46% من العرب يستخدمون بانتظام مواقع التواصل الاجتماعي، ويعتمدون عليها أو يلجؤون إليها للتعبير عن آرائهم وأفكارهم ومطالبهم، وهو رقم يؤكد حجم انتشار هذه المواقع، واكتسابها لوظائف جديدة أصبحت دائمة، ومدى قوتها وقدرتها على التأثير والتغيير في مجالات كثيرة. ولم تكن الرياضة العربية طول الوقت بعيدة عن ذلك وهذا التغيير الذي بدأ يكبر تدريجًا سنة وراء أخرى، ولم تكن النتائج الرياضية العربية كلها مكاسب أو خسائر إنما كانت خليطًا من الاثنين، فكانت هناك مزايا رياضية عديدة حققتها مواقع التواصل الاجتماعي مقابل أزمات كبرى وخسائر فادحة أيضًا، ومهما كان الخلاف والتباين والتناقض في وجهات النظر بين مكاسب أو خسائر الرياضة العربية نتيجة مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها وسطوتها، فالمؤكد أن الرياضة العربية لم تعد تلك التي كانت قبل 2005، ولم يعد باستطاعة أي أحد أن يعيدها اليوم إلى ما كانت عليه قبل عشرين سنة.
وكانت كثيرةً مكاسب الرياضة العربية في زمن التواصل الاجتماعي، سواء كانت المكاسب كروية أو رياضية بشكل عام، وكان من الطبيعي والمنطقي أن تكون المكاسب الكروية أكبر من أية مكاسب رياضية أخرى، وأول هذه المكاسب كان تغيير جذري في قانون كرة القدم، فلم تعد التسعون دقيقة هي الزمن المحدد بكل وأية مباراة كرة، وباتت هناك بعض مباريات قد يمتد وقتها لأيام وربما أكثر. ففي الماضي كانت المباريات تنتهي بعد أن تابعها الناس عبر شاشات التليفزيون، ثم تتاح لهم فرصة معرفة تحليل أحداثها ووقائعها من خلال برامج وأستوديوهات تحليل سريعًا ما تنتهي سواء المباراة وأحداثها وتوابعها باستثناء أحاديث جانبية بين أصدقاء أو زملاء. وفي زمن التواصل الاجتماعي لم تعد هناك نهاية للكلام أو حدود للمعرفة، لم تعد هناك شاشات وبرامج تحتكر الحقيقة ولها وحدها حق الكلام والتعليق واختيار ما يجب أن تعرفه سواء جماهير النادي أو الأندية المنافسة، وبات ممكنًا معرفة أية تفاصيل جرت في الملعب والنادي قبل وفي أثناء وبعد المباراة؛ فالذين في الملعب أو النادي يستطيعون عبر صفحاتهم نقل كل ما جرى بالصور والتفاصيل حتى لو لم يتطرق إليها أية برنامج، ونتيجة ذلك بات هناك إعلام كروي بديل يملك حرية مطلقة ودائمة، لا سلطة عليه، لأي أحد يستطيع تحديد المسموح والممنوع فيما يتناوله ويقدمه.
ولم يكتفِ الإعلام الكروي العربي بذلك فقط، إنما فتح أبواب الكرة الأوروبية والعالمية عن آخرها أمام العرب، فقبل التواصل الاجتماعي كانت هذه الكرة بالنسبة للعرب هي فقط المباريات والبطولات التي تذاع على شاشات عربية، سواء مشفرة أو مفتوحة، لكنها مع التواصل الاجتماعي باتت كأنها كرة محلية في كل مجتمع عربي، وساعدت شبكات التواصل عربًا كثيرين على التحول لمشجعين منتمين وأحيانًا متعصبين لأندية أوروبية، نفس الانتماء والاهتمام بالأندية المحلية، وأدى ذلك إلى اهتمام دائم بما يحدث في الكرة الأوروبية تحديدًا بمؤسساتها وأنديتها واتحاداتها وبطولاتها، ولم يكن هذا الاهتمام في حد ذاته هو أحد مكاسب الكرة العربية، إنما كان المعرفة بما يجري هناك ومقارنته بما يجري هنا؛ ففي زمن التواصل الاجتماعي أصبح مستحيلًا خداع أي جمهور كروي عربي، وأصبح سهلًا عليه أن يعرف ويسأل كيف تُدار أندية الكرة الأوروبية وكل ما يتعلق بالشؤون الكروية من لعب وتدريب وتحكيم؟
ومع هذا الإعلام الكروي البديل، لم يعد لاعبو الكرة مع هذا الإعلام البديل مجرد لاعبين يراهم الناس عبر شاشاتهم أو يقرأ عنهم في صحافتهم، لكنهم أصبحوا بشرًا حقيقيين يستطيع الناس التواصل معهم ومخاطبتهم ومعرفة آرائهم ومواقفهم حتى بعيدًا عن كرة القدم. ولم يكن الإعلام الكروي البديل هو المكسب الوحيد أو حتى الأهم للتواصل الاجتماعي، إنما كان البرلمان الكروي البديل؛ ففي زمن التواصل الاجتماعي لم يعد أي اتحاد أو نادٍ كروي عربي يستطيع إخفاء أية حقائق مهما كان حجمها ونوعها أو أسباب أي تراجع نتائج وأداء وأي أزمات وخلافات؛ فالتواصل الاجتماعي اختصر الكثير من مساحات الظلام التي كان يستمتع بها البعض أو يهربون إليه بعيدًا عن أية حساب ومواجهة، وبات أي مسؤول كروي عربي شديد الحذر قبل أي قرار أو سلوك؛ حيث لم تعد هناك ضمانات ببقاء ذلك وراء أبواب في الماضي كانت مغلقة.
وكانت للرياضة العربية أيضًا مكاسبها بعيدًا عن كرة القدم، فقد أعادت مواقع التواصل الاجتماعي للحياة ألعابًا عربية كثيرة كانت مهملة ومنسية ومهمشة نتيجة الاهتمام الزائد بكرة القدم؛ فالإعلام التليفزيوني والصحفي العربي كان نادرًا ما يلتفت لأية نجاحات وبطولات وتحديات وأزمات رياضية بعيدًا عن الكرة، لكن التواصل الاجتماعي أتاح لأهل هذه الألعاب فرصة الكلام والاحتفال وحتى حق الغضب أيضًا؛ فاللاعبات واللاعبون في تلك الألعاب ومدربوهم وأقاربهم وأصدقاؤهم ومشجعوهم أصبحت لهم الفرصة أخيرًا ليحكوا عن نجاحاتهم وانتصاراتهم ويفرضوا أيضًا مطالبهم لتواصل بطولاتهم. واكتشف العرب عبر مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي أن لديهم نجمات ونجوم في ألعاب أخرى كثيرة لهم نجاحاتهم وكؤوسهم وميدالياتهم، وبدأت هذه المواقع والصفحات تنشر حكاياتهم وصورهم وتتابع أخبارهم، وفي أوقات كثيرة كان التواصل الاجتماعي يفرض كل هؤلاء حتى على الإعلام العربي التقليدي.
ومهما كانت مكاسب كرة القدم والرياضة العربية في زمن التواصل الاجتماعي أو كانت مساحتها وقيمتها، فالخسائر الرياضية العربية كانت أكبر، وعلى رأس قائمة الخسائر الرياضية العربية في زمن التواصل الاجتماعي تأتي الفتنة الكروية، التي زادت وكبرت مساحتها، والتعصب الذي لم يبقَ أصحابه في الظل يتوارون خلف أسوار الحذر، لكنهم انتقلوا للنور وتخطوا كل الأسوار، وأصبح لهم أخيرًا صوتٌ أعلى وقدرة على الوصول لآخرين كُثر. وبعدما كانت الآراء الكروية المتطرفة الداعية للكراهية والفتنة تقال في حدود ضيقة وسط بيوت وأصدقاء في المكاتب والمقاهي، أصبحت تصل للآلاف في كل مكان، وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات للاستعراض الكروي، سواء كان استعراضًا القصد منه إظهار مدى حجم وقوة ارتباط المشجع بناديه أو كانت رغبة هذا المشجع في تأكيد أنه الأقدر من الآخرين في الدفاع عن ناديه أو الأقدر والأجرأ والأكثر قوة واستعداد للانتقاص من مكانة وقيمة أي نادٍ منافس.
وما سبق أكده الدكتور “دانيال وان” أستاذ علم النفس بجامعة موراي في ولاية كنتاكي الأمريكية، هو الذي جرى لكثير من المشجعين العرب في زمن التواصل الاجتماعي؛ فالدكتور دانيال أكد أن المشجع لا يستمتع بالتشجيع بشكل كامل وحقيقي إلا إذا كان وسط آخرين سواء يشجعون مثله نفس النادي أو ينتمون لأندية أخرى منافسة؛ فالتواجد وسط الناس أو معهم يحقق للإنسان التوازن وإشباع غريزته الطبيعية في الانتماء وأنه ليس وحده، وقبل التواصل الاجتماعي كان المشجع الكروي العربي لا يكون وسط الآخرين إلا في ملاعب الكرة وقت المباريات أو في أثناء الجدل الكروي مع أصدقاء وزملاء، لكن بعد مواقع التواصل الاجتماعي أصبح الزحام متاحًا لأي مشجع طول الوقت حتى لو كان زحامًا افتراضيًّا، وسيكون هناك دائمًا من يسمعه ويصفق له أو ينتقده ويهاجمه، وخلق ذلك متعة كروية جديدة لا تقل عن متعة التشجيع والانتماء الكروي نفسها، وكان لهذه المتعة ثمن لابد أن يدفعه سواء المشجع أو المجتمع أيضًا؛ فالمشجع لم يعد على استعداد للتنازل عن هذه المتعة، وبات يطلب المزيد منها يومًا وراء يوم حتى لو تطلب الأمر أن يصبح أكثر تطرفًا وتعصبًا، والمجتمع فوجئ بأن التعصب نتيجة هذه المتعة أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، لدرجة اتهام كل من لا يشارك في حملات التعصب وتبادل الكراهية الكروية بأنه ليس مشجعًا حقيقيًّا لناديه ولا يستحق شرف الانتماء لهذا النادي.
ولم تعد حملات التعصب وتبادل الكراهية الكروية تقتصر على جماهير الأندية المتنافسة في كل مجتمع عربي، لكنها باتت أحيانًا تتحول إلى صراعات وحروب كروية عربية عربية، وشهدت العشرون سنة الماضية أكثر من حرب كروية بين بلدين عربيين نتيجة فوز أو خسارة كروية، وكانت هذه الصراعات والحروب الكروية أحد أهم الخسائر العربية في زمن التواصل الاجتماعي؛ فقبل هذا التواصل الاجتماع لم يكن الإعلام الكروي في أية دولة عربية يسمح لأي أحد وتحت أي ظروف أن يسيء لدولة عربية أخرى حتى لو اقتصرت الإساءة على الأداء والنتائج الكروية، وبعد زمن التواصل أصبح كل ذلك سهلًا وممكنًا، بل باتت مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي تفرض ذلك حتى على الإعلام الكروي العربي التقليدي، ومثلما يقوم المشجع الكروي في أية دولة عربية بافتعال حروب لمجرد أن يثبت انتماءه لناديه وقدرته على الدفاع عنه، أصبح نفس هذا المشجع يفتعل نفس هذه الحروب؛ ليثبت هذه المرة انتماءه لدولته متخيلًا أن هناك من يحاول الإساءة إليها والانتقاص من قدرها ومكانتها، فلابد من الحرب دفاعًا عنها، وبالطبع يجد هذا المشجع من يصفقون له ويشيدون به عبر صفحات السوشيال ميديا فيتمادى في حربه، ويجد أيضًا من يهاجمونه في الدولة الأخرى ويردون عليه فيستمتع بشهرة مؤقتة تسعده وترضيه وتشبع غروره.
وللبحث عن مزيد من هذه السعادة التي تأتي عن طريق استغلال التواصل الاجتماعي، سواء للدفاع عن نادٍ أو لاعب أو مسؤول أو الهجوم عليهم وانتقادهم، خلقت مواقع التواصل الاجتماعي وبالتحديد اليوتيوب مهنًا ووظائفَ جديدة لم تكن موجودة من قبل، فبات كثيرون يتحدثون يوميًّا مع أو ضد، يخلطون حقائق بأكاذيب وأخبارًا بشائعات، لكن الدافع لم يعد فقط مجرد الاستمتاع والهوى الشخصي، بل أصبح أيضًا وسيلة مهمة لكسب الكثير من المال، وكلما زاد المال زاد الولع بالكلام حتى لو تطلب الأمر تلفيق اتهامات واختراع فضائح. ومع هؤلاء ومؤيديهم الذين يسيرون خلفهم، سواء اقتناعًا بهم وظنًا بأنهم شركاء في الدفاع عن ناديهم أو الحرب ضد منافسيه، باتت هناك أندية تُدار بالتواصل الاجتماعي ويخاف فيها المسؤولون من رد فعل الجمهور عبر مواقع هذا التواصل. وكثير ما كان إرضاء جماهير التواصل الاجتماعي سببًا في قرارات واختيارات خاطئة ليست في مصلحة النادي نفسه، لكن تم اتخاذها وإعلانها فقط هربًا من أية محاولات للهجوم والسخرية والتطاول، الذي يسمح بكل الإهانات والتجاوزات.
وإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد غيرت قانون كرة القدم فأطالت وقت المباريات وجعلته أيامًا وليس مجرد دقائق، فهي أيضًا لم تعد تسمح ببقاء الحكم هو القاضي الوحيد في أي ملعب كرة، الذي يلتزم الجميع بأحكامه وقراراته، لكن أصبح جمهور التواصل الاجتماعي شريكًا لأي حكم في كل قراراته، ورغم أن الحكام كانت لهم دائمًا أخطاؤهم منذ بدأ العالم يلعب كرة القدم، وكان يتم التجاوز عن هذه الأخطاء بمرور الوقت وتجاهلها ونسيانها، لكن بعد التواصل الاجتماعي لم يعد هناك تجاوز أو نسيان مهما طال الوقت وتوالت المباريات والأحداث، وتطور الأمر سريعًا وبدأ اختراع أو تخيل أخطاء لم تحدث لمجرد تبرير الخسارة؛ فمواقع التواصل الاجتماعي لا تعترف معظم جماهيرها بأية خسارة لأنديتها، إنما لابد أن تكون هناك مؤامرة أدت إليها وحكم مخطئ وفاشل أو فاسد سببًا لهذه الخسارة، وكانت النتيجة أن دفع حكام ومسؤولون عرب كثيرون ثمن أخطاء لم يرتكبوها، ومؤامرات لم يصنعوها؛ لأن جمهور التواصل الاجتماعي عاطفته تسبق عقله وتتحكم فيه مشاعره وانتماءاته رغم أنف أي حقائق مهما كانت ظاهرة وواضحة.
وإذا كانت الأندية العربية امتلكت بعض الجماهير المتعصبة والمتطرفة قبل زمن التواصل الاجتماعي، فقد تزامن انتشار شبكات وصفحات التواصل الاجتماعي مع تشكيل روابط لمختلف الأندية حملت كلها لقب الألتراس (أي الجماهير الأكثر تطرفًا وتشددًا وكراهية للآخرين)، وبسرعة انتشر هذا المفهوم فتشكلت في العالم الافتراضي جماعات ألتراس لمسؤول أو لاعب، وتطور الأمر لاحقًا وبات هناك من أصبحوا لجانًا إليكترونية تخوض عبر التواصل الاجتماعي حروبًا كثيرة، إما دفاعًا عن أحد أو هجومًا عليه، ويسود وقتها اعتقاد خاطئ ومضلل بأن هذا هو رأي الأغلبية بينما هو في الحقيقة عمل منظم مدفوع فيه الكثير من المال وكثير من الوعود أيضًا، وتعددت ضحايا هذه اللجان مع طوفان الانتقادات الجارحة والسخرية والاتهامات والإهانات التي لا سقف لها أو نهاية.
والمؤكد أن خسائر الرياضة؛ بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن ظاهرة عربية فقط إنما هي ظاهرة عالمية أيضًا وحتى قبل أن تكون عربية؛ ففي العام الحالي- على سبيل المثال- اضطرت اللجنة الأوليمبية اليابانية للاستعانة بفريق من 22 شابًا وفتاة مهمتهم الوحيدة هي مراقبة منصات السوشيال ميديا وحذف أية تعليقات مسيئة وجارحة وظالمة، بعد أن تلقت لاعبات ولاعبو اليابان في دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في فبراير 2026 أكثر من 60 ألف رسالة وتعليق مسيء وجارح من مواطنيهم في اليابان. وفي مباراة كرة القدم بين إنتر ميلان ويوفنتوس في الدوري الإيطالي الموسم الماضي، قام الحكم فيديركو لابينا بطرد مدافع يوفنتوس بيير كالولو بعد تلقيه الإنذار الثاني، وكان قرارًا فاجأ جماهير يوفنتوس اعتقادًا بأن لاعبها الفرنسي لم يرتكب خطأ يستحق الإنذار الثاني ثم الطرد، وبدأ حكم المباراة يتلقى رسائل غاضبة من جماهير يوفنتوس، وتطور الأمر من الغضب واتهام الحكم بأنه سبب هزيمة فريقها إلى تهديده بالقتل، ولم تكن مجرد رسائل حمقاء واستثنائية، إنما زاد عددها وقسوتها، وبدأ كثيرون يؤكدون للحكم أنهم يعرفون بيته وأنهم سيطلقون عليه النار، وتم –أيضًا- إرسال نفس هذه التهديدات لأسرة الحكم، وأمام كل ذلك اُضطرت الشرطة الإيطالية لمطالبة الحكم بالبقاء في بيته وعدم الخروج للشارع مطلقًا أيًّا كان السبب، ولم يكن ذلك مجرد استثناء أو حدث عابر في عالم التواصل الاجتماعي الحافل بالمجرمين والضحايا ومن يتم تهديدهم بالفضيحة أو القتل.
وفي 2021، ألقت الشرطة الإسبانية القبض على “جوزيب بارتوميو” الرئيس السابق لنادي برشلونة ومعه عدد من مسؤولي النادي الشهير بعد اتهامهم بدفع أموال لشركة علاقات عامة لتنشئ حسابات عديدة عبر فيس بوك تهاجم نجوم فريق برشلونة، مثل: ميسي، وبيكيه، وتهاجم أيضًا آخرين قد ينافسون بارتوميو على رئاسة النادي، وأظهرت أن إدارة بارتوميو دفعت المال لهذه الشركة لتقوم عبر فيس بوك بتشويه صورة اللاعبين والمنافسين، وكلَّ مَن لا يؤيد بارتوميو وقراراته وسياساته، واشتهرت هذه الحكاية باعتبارها أول قضية كبرى كان فيها استخدام التواصل الاجتماعي جريمة حقيقية وقضية مكتملة الأركان تتداولها وتناقشها قاعات المحاكم، وتوالت بعد ذلك الحكايات والتجاوزات والقضايا التي دارت وقائعها عبر مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي في مختلف بلدان العالم، والفارق الوحيد بين العرب والعالم أن العرب نادرًا ما يعتبرون تجاوزات التواصل الاجتماعي جرائم حقيقية تستدعي الانزعاج والمحاسبة والعقاب، بينما أدرك العالم خطورتها وقسوتها وأن الكلمة عبر أيِّ من مواقع التواصل الاجتماعي ممكن في بعض الأحيان أن تتحول إلى سكين في ظهر أي أحد أو مشنقة يلتف حبلها حول رقبته.
وعلى سبيل المثال، قرر مذيعو ونجوم ومحررو شبكة سكاي سبورت البريطانية في 2020، البدء بحملة تليفزيونية ضخمة للتصدي لتجاوزات السوشيال ميديا، ومن يستخدمونها لنشر الكراهية والإساءة والإهانة حتى يبقى للرياضة وجهها الجميل الذي يحاول هؤلاء تشويهه، وبدأت هذه الحملة التليفزيونية بكل نجوم ومعلقي مختلف البرامج والمباريات والألعاب (كرة القدم، والملاكمة، وكرة السلة، وسباقات السيارات والخيول، ونشرات الأخبار)، وهم يتوجهون للجميع بالتصدي لأية تجاوزات تشهدها منصات السوشيال ميديا، وعدم الاستجابة لمن باتوا يحترفون السخرية من الآخرين وإهاناتهم بسبب لون أو عرق أو رأي مخالف أو انتقاد لنادٍ وفريق أو لاعب ومدرب. وكانت هذه الحملة هي الخطوة الأولى وأول جرس إنذار ضد ما يمكن أن يحدث من أزمات بسبب تجاوزات السوشيال ميديا. وفي 2021، تلقى “جاك دورسي” رئيس تويتر، و”مارك زوكيربرج” مؤسس فيس بوك رسالة تطالبهما بما يلي: عدم السماح بنشر أية مواد أو تعليقات عنصرية مسيئة، واتخاذ تدابير قوية وسريعة تمنع تداول أية مواد تعسفية مهينة، ومساعدة الشرطة والسلطات القضائية في حالة طلبها التأكد من بيانات صاحب أي حساب مسيء، ومنع كل من تم التأكد من استخدامهم تويتر أو فيس بوك لنشر مثل هذه المواد والتعليقات غير المقبولة من امتلاك أية حسابات جديدة، سواء على تويتر أو فيس بوك_ ولم يكن الذي أرسل هذه الرسالة مواطنًا عاديًّا تعرض للإساءة أو الإهانة إنما كانت رسالة حملت توقيع كل من: مسؤولي الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، ورابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، وجمعية اللاعبين المحترفين في إنجلترا، ورابطة اللاعبات المحترفات ورابطة مدربي الدوري الممتاز، فقد قرر كل هؤلاء متضامنين معًا مخاطبة أصحاب تويتر وفيس بوك؛ للتصدي لظاهرة العنف المعنوي المتمثل في تعليقات عبر منصات السوشيال ميديا وإساءات وإهانات ومفردات وتعابير قاسية يتخيل أصحابها أنه لا يمكن الوصول إليهم ومحاسبتهم. وبدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد ذلك، ينشئ إدارة خاصة لتعقب جرائم التواصل الاجتماعي لحمايه لاعباته ولاعبيه واقتدت به اتحادات دولية ومؤسسات رياضية كثيرة.
وقد جاء الوقت الذي لابد فيه أن ينتبه العرب لحجم وقسوة وانتشار جرائم التواصل الاجتماعي وخطورتها لتبدأ محاولاتهم للتصدي بها ومحاسبة حقيقية لكل من يُثبت تجاوزه، سواء كان هذا التجاوز اختلاق أكاذيب وتحريض على العنف والكراهية والدم، أو إهانة وتجريح لأي أحد دون وجه حق أو حتى الاستناد إلى أية حقائق ودلائل. وكرة القدم العربية بكل شهرتها ومكانتها وشعبيتها وحجم جماهيرها ومدى ارتباطهم بها، يمكن عن طريق انفلات مواقع التواصل الاجتماعي أن تتحول إلى ساحات مخيفة للفتنة والتعصب ونشر الكراهية والدعوة للعنف، وهو ما يجب الحذر منه وعدم انتظار وقوعه ليبدأ التحرك والاهتمام والانزعاج والحساب.




