مقدمة:
تبنت دول الخليج العربية تجاه إيران سياسةَ ضبط النفس الإستراتيجي في أزمات عدة في حقبتي (الشاه، والمرشد)، ونجحت في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، وفُسِّرت تلك السياسة تقليديًّا بوصفها خيارًا عقلانيًّا ناجعًا مع دولة جارة كبيرة، غير أن تقييم مدى فعاليتها هو ما تضعه الدراسة الحالية موضع الاختبار؛ فمنذ بدء موجة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية في أواخر فبراير 2026، بعدد معتبر من الصواريخ والمسيرات التي طالت منشآت حيوية وبُنًى مدنية، استمرت الدول الخليجية على النهج ذاته.
ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًّا: هل لا يزال ضبط النفس الخليجي بصيغته التقليدية موقفًا فعَّالًا لإدارة العلاقات مع إيران في وقت الأزمات أم يمكن مراجعته وتطويره؟
للإجابة، سنؤصل ضبط النفس الإستراتيجي ونميزه عن المفاهيم المشابهة، ثم نقيِّم الأبعاد الثلاثة لسياسة ضبط النفس الخليجية من: حصر الخسائر، وسحب الذرائع، وتحسُّب للتطورات المستقبلية، وبعدها نحلِّل التوترات البنيوية بين تلك الأبعاد، ونختم بتقييم وتوصيات.
أولًا: تأصيل ضبط النفس الإستراتيجي الخليجي.
يعد “ضبط النفس” أحد مظاهر الحكمة التي تعني القدرة على اتخاذ القرار الأنسب في الظروف المتغيرة والمعقدة لأهداف أسمى، وهو قرار سيادي يعني الامتناع المحسوب عن استخدام القوة والاشتباك في توقيت الطرف الآخر، لا لانعدام القدرة بل لأن الحسابات ترجِّح أن تكون إيجابيات الامتناع عن الرد أعلى من إيجابيات الرد في تلك اللحظة بالذات؛ لذلك ضبط النفس سلوك إيجابي بإرادة واعية وأفق زمني محدد. ويُوصف بالإستراتيجي عندما يتجاوز الهدف التكتيكي المؤقت والعابر، ويتحول إلى أداة سياسية تخدم الرؤية الكبرى والبعيدة المدى للدولة.
وضبط النفس الإستراتيجي ممارسة خليجية متسقة خلال الأزمات وليس رد فعل ظرفي، وثمة نماذج تاريخية عدة لضبط النفس الخليجي مع إيران في أزمات عدة. وفي عام 2024، أقر مجلس التعاون لدول الخليج العربية وثيقة رؤية المجلس للأمن الإقليمي تجعل رفض استخدام القوة أو التهديد بها مبدأً، وجعلت الرؤية “النأي عن محاولات الاستقطاب” مبدأً للحفاظ على سيادة القرار وسياسة ضبط النفس وعدم الانجرار إلى سياسة المحاور.
ولسياسة ضبط النفس الناجعة ثلاثة معايير أساسية وهي: معيار الإرادة والقدرة، هل الدولة الممتنعة عن الرد المماثل قادرة عليه فعلًا لكن تختار مسارًا آخر، أم أنها عاجزة؟ ومعيار الأفق الزمني والهدف، هل للامتناع أفق زمني محدد وهدف إستراتيجي واضح، أم أنه موقف مفتوح بلا سقف زمني ولا غاية محددة؟ فضبط النفس الإستراتيجي الناجح يمتلك دائمًا خارطة طريق ولو ضمنية، ولا ينتظر أن يُملي الطرف الآخر شروطه. ومعيار العتبة، هل ثمة حدود معلنة أو ضمنية لما هو مقبول خليجيًّا، تدرك إيران أن تجاوزه يؤدي إلى تغيير في السلوك الإستراتيجي الخليجي؟ فغياب تلك الحدود يُفقد ضبط النفس مصداقيته.
وبالمقابل، تمثل “التهدئة السلبية” قرارًا اضطراريًّا وتنازلًا منهجيًّا عن مواقع القوة؛ استجابة لضغط الطرف الآخر دون مقابل إستراتيجي، وعادة ما تنبثق عن ضعف هيكلي أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر. وأثبتت التجارب التاريخية أن “التهدئة السلبية” تشجع الطرف الآخر على مزيد من التصعيد بدلًا من كبحه.
ويعد “العجز المقنع” الحالة التي يكون فيها المتلقي للضربات لا يملك فعليًّا خيارات الرد عسكريًّا أو اقتصاديًّا؛ فيحاول أن يضفي على القصور الإستراتيجي والقيود الهيكلية التي تكبله لغة خطابية توهم بأنه خيار مقصود.
عمليًّا، تملك الدول الخليجية القدرة والخيار للرد العسكري المباشر على الاعتداءات الإيرانية، لكنها اكتفت بالدفاع لأهداف إستراتيجية محددة. ومع ذلك، لم ترسم الدول الخليجية عتبات واضحة لإيران إن تجاوزتها سيتغير السلوك الخليجي. وظلت الاستجابة الخليجية الرسمية قانونية ودبلوماسية بشكل أساسي، مثل: استدعاء السفراء، وتقديم مذكرات احتجاج أمام المنظمات الدولية؛ لذلك نحن أمام حالة ضبط نفس إستراتيجي من حيث (النية، والقدرة، والإرادة) مع تعمد الضبابية في العتبة.
ثانيًا: تقييم الأبعاد الثلاثة لسياسة ضبط النفس الخليجية.
يتمثل البعد الأول لسياسة ضبط النفس الخليجية في حصر الخسائر وتعظيم المكاسب، الذي يرتكز على منطق “الدولة العقلانية” التي تقارن أثمان المواجهة المباشرة بخسائر الامتناع عنها. وتتلخص دوافع هذا التوجه في تجنب ثلاث خسائر رئيسة:
تجنب الاستنزاف الاقتصادي؛ فالمواجهة العسكرية المفتوحة لا تستنزف الموارد المالية فحسب، بل تخلق مناخًا يجمِّد قرارات الاستثمار ويعرقل مسارات التنويع الاقتصادي التي تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد.
منع تمدد الحرب؛ فضبط النفس يجنب توسع الصراع ليشمل كل المنطقة في حال المواجهة المباشرة. وتمتلك الدولة الخليجية قدرات عسكرية عصرية تتفوق بأجيال على قدرات إيران، لكن إيران من جانبها تمتلك أذرعًا ممتدة في المنطقة، وهي مصممة لتحويل أية مواجهة ثنائية إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات. ومن ثم، فالرد العسكري الخليجي المباشر يفتح أمامه جبهات ثانوية تستنزف القدرات الدفاعية وتُشتِّت الموارد. فمثلًا، نجح ضبط النفس السعودي بعد هجمات سبتمبر 2019، على منشأة “بقيق” لمعالجة النفط في تجنب اندلاع الحرب وتمددها لكل المنطقة رغم تعطل تدفق حوالي 5.7 مليون برميل يوميًّا.
تجنب الانزلاق نحو حرب غير محسوبة؛ يجنِّب ضبط النفس الدخول في “ديناميكية التصعيد اللاإرادي” وهي الحالة التي يتطور فيها الصراع إلى مستويات لم يقصدها أطرافه ابتداء، مع احتمال الانزلاق نحو مواجهة تتخطى نقطة اللاعودة. نذكر أن الحرب العراقية-الإيرانية كان متوقَّعًا أن تنتهي في خمسة أيام لكن غرق الطرفان في حرب استمرت ثمانِ سنوات، واستنزفت موارد مالية ضخمة وقتل وجرح الملايين من البشر. وهي مستويات لم يتوقعها الطرفان بداية. وتتحسب الدول الخليجية من سيناريو مماثل مع إيران.
ويتمثل البعد الثاني في سحب الذرائع من إيران وبناء الشرعية؛ فضبط النفس وعدم الرد الخليجي أضعف الحجج الإيرانية؛ إذ لا يمكن تبرير “دفاع وقائي” ضد طرف لا يرد، وطرف رفضَ الحرب وسَعى إلى تجنبها ورفض فتح مجاله الجوي للطائرات الأمريكية والإسرائيلية لضرب إيران. وللتعامل مع الوضع، اُضطرت إيران إلى تقليل الاعتداءات المباشرة على الدول الخليجية واعتمدت أكثر على الاعتداءات غير المباشرة عبر بعض ميليشياتها في دول الجوار بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل 2026. وأفادت تقارير بتعرض دول الخليج العربية لأكثر من 1000 هجوم بالمسيرات انطلق من دولة جارة لها.
وتدرك الدول الخليجية أن الشرعية الدولية رأسمال إستراتيجي وشرط للفاعلية وليس رفاهية دبلوماسية في نظام دولي معقد، وتعي أن الدولة التي تمتنع عن الرد العسكري في مواجهة عدوان موثَّق، إنما تُراكم رصيدًا إستراتيجيًّا من المظلومية المُثبَتة دوليًّا يتيح لها لاحقًا تعبئة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي بصورة يصعب مجاراتها من قبل الدولة التي لجأت إلى الرد العسكري وتحوَّلت من ضحية إلى طرف في نزاع.
وفي هذا الإطار، بادرت دول الخليج العربية إلى توظيف القانون الدولي واستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي رقم 2817 بتاريخ 11 مارس 2026، عُرض مشروع القرار على المجلس بدعم 135 دولة، وقرارات أخرى صدرت عن جامعة الدول العربية أدانت بأشد العبارات العدوان ووثقت الانتهاكات الإيرانية، وحمَّلت إيران المسؤولية وطالبتها بالتعويض، وأكدت حق دول الخليج العربية في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مما أرسى قاعدة قانونية متينة لأية استجابة مستقبلية لم تكن متاحة في حالة مواجهة مفتوحة.
كما أتاح ضبط النفس الخليجي ما بعد فبراير 2026، تحقيق مكاسب دبلوماسية، منها: تعزيز التنسيق الأمني مع الشركاء الدوليين والإقليميين، واستثمار الموقف في تسريع صفقات تسليح إستراتيجية في توقيت ملائم. فمثلًا، وافقت واشنطن على صفقة تسليح بقيمة 16.5 مليار دولار (لـلإمارات، والكويت، والأردن) عبر تفويض طوارئ من وزير الخارجية الأمريكي دون حاجة لموافقة الكونغرس.
ومع ذلك، ثمة حدود لهذا البعد، تتمثل في إشكالية قابلية الشرعية الدولية المتراكمة للترجمة فعلًا إلى تأثير ملموس في القرارات المحورية؛ إذ يذكرنا التاريخ بأن القوى الكبرى كثيرًا ما ترجح مصالحها الإستراتيجية على الشرعية القانونية أو الأخلاقية حين تتعارضان؛ ففي أبريل 2026، عطلت روسيا والصين مشروع قرار في مجلس الأمن بشأن فتح مضيق هرمز رغم التعديلات التي أُدخلت عليه. فضلًا عن فخ الانتظار الطويل الممتد لسنوات؛ فبُعد سحب الذرائع قد يُحوِّل ضبط النفس من مرحلة مؤقتة إلى موقف دائم، ويصبح التراكم المستمر للشرعية الدولية غاية بذاتها لا وسيلة نحو هدف أكبر، وهو ما يُفقد الإستراتيجية زخمها وحيويتها.
فضلًا عن ذلك، يتطلب بناء الشرعية الدولية التحفظ والانضباط وإتاحة الوقت للمؤسسات الدولية للبت في مظالم موثَّقة. في المقابل، يضغط الرأي العام الخليجي (الشرعية الداخلية) نحو استجابة تعبر عن صون الكرامة الوطنية والسيادة. وهذا التوتر بين الشرعيتين ليس ثانويًّا بل توتر جوهري بين جمهورين مختلفين لكل منهما منطقه الخاص: الجمهور الدولي الذي يكافئ التحفظ ويعاقب التسرُّع، والجمهور الداخلي الذي قد يُفسِّر التحفظ المطوَّل على أنه ضعف أو قصور في الاستجابة.
وأخيرًا، للشرعية أثر مزدوج ومفارقة إستراتيجية دقيقة تكمن في أن الشرعية الدولية المتراكمة قد تُقيِّد في لحظة معينة حرية الاستجابة العسكرية؛ إذ تخضع الدول المتمتعة بأعلى رصيد من الشرعية لتوقعات دولية بالتحفظ تجعل أي تحوُّل نحو الرد العسكري أكثر تكلفة دبلوماسيًّا مما هو متوقع.
ويعد التحسب للتطورات المستقبلية وللمآلات الإستراتيجية بُعدًا ثالثًا في إستراتيجية ضبط النفس الخليجية يرتكز على ادِّخار أوراق الضغط للَّحظة الأكثر فعالية؛ والزمن في هذه الحالة متغير إستراتيجي؛ فأعمق الفروق بين (السياسي، والإستراتيجي) أن الأول يدير الحاضر، بينما يدير الثاني الزمن والمستقبل.
ويساعد الرهان الخليجي على الزمن في التموضع المثالي لمرحلة ما بعد نهاية الحرب في المنطقة والاقتراب من لحظة إعادة رسم النظام الأمني الإقليمي. والدولة التي تدخل تلك اللحظة وقد راكمت رصيدًا من الشرعية الدولية، تملك موقعًا تفاوضيًّا أقوى ممن يدخلها وقد استنفد قدراته في مواجهة مفتوحة. ويتيح ضبط النفس الخليجي التموضع بمرونة في المشهد الإقليمي والدولي المتحول؛ فهو لا يقفل أي باب مع أية قوة كبرى، ويُبقي على هامش مناورة واسع في ظل نظام دولي تتشابك فيه المحاور وتتقاطع فيه المصالح.
لكن من جانب آخر، قد ينقلب الرهان على الزمن سلبًا على الدول الخليجية وقد يتحول من ورقة قوة إلى عبء إستراتيجي؛ فإذا ثبَّتت إيران مكاسبها وترجمت التصعيد المتكرر إلى وقائع ميدانية راسخة، وإذا تبدَّلت موازين وبنية التحالفات الدولية، فسيصبح الزمن عاملًا في صالح إيران وليس في صالح الدول الخليجية. ويستلزم الرهان على الزمن، أن تظل الدول الخليجية مالكة لزمام توقيت الاستجابة وعدم الخضوع للضغوط، غير أن تصاعد الضغط من الحلفاء قد يُفقدها هذه السيطرة ويدفعها إلى الرد في توقيت غير مناسب، وهو الوضع الأسوأ إستراتيجيًّا؛ لأنه يجمع بين سلبيات الرهان على عامل الوقت وسلبيات التصعيد المتسرع. وفي هذا الإطار، نجحت الدول الخليجية في تجنب ضغوط الدخول الرسمي المباشر في الحرب رغم ضغوط الحليف الأمريكي.
ثالثًا: التوترات البنيوية بين الأبعاد الثلاثة لسياسة ضبط النفس الخليجية.
“التوتر” حالة من التدافع والضغط بين الأبعاد الثلاثة؛ بسبب تباين الأهداف والآفاق الزمنية بحيث يؤدي السعي لتحقيق نجاح في أحد الأبعاد إلى خلق ضغوط وتحديات على الأبعاد الأخرى، ويختلف عن “التناقض” الذي يعني علاقة تصادمية صفرية بين عناصر ينفي وجودُ أحدها الآخر بالضرورة. وتطرح الأبعاد الثلاثة توترات أساسية فيما بينها تظهر في مستويين:
أولًا: تبرز إشكالية التوتر بين الآفاق الزمنية للأبعاد الثلاثة، فحصر الخسائر الآنية، ومنع الانفجار وحماية المكتسبات التنموية يركز على المدى القصير، في حين تركز سياسة سحب الذرائع من إيران وبناء الشرعية الدولية على المدى المتوسط، والتحسب للتطورات المستقبلية يكون على المدى البعيد ويراهن على تغير موازين القوى مستقبلًا. لكن ما يخدم الاستقرار وينقذ الدولة “الآن” من حصر للخسائر قد يقلص فعالية الحزم مع إيران على المدى المتوسط، وما يسحب الذرائع من إيران ويبني الشرعية دوليًّا قد يتسبب في عدم رضا الرأي العام الخليجي ويُثبِّت مكاسب إيران الميدانية في المدى البعيد. وهو أمر لا يخدم الاستقرار الإقليمي.
ثانيًا: يمس التوتر منطقي (الحزم، والتحفظ) بين الأبعاد الثلاثة؛ فالحزم ضمن البعد الثالث المتمثل في التحسب للمستقبل يشترط وضوح النية في الرد ومصداقيتها، غير أن ضبط النفس في بعده الأول يرسل في الوقت ذاته رسالة مضادة قد يفسرها الطرف الآخر على أنها غياب للنية في الرد لا ضبط واعٍ لها. والدولة التي تمتنع عن الرد على الاعتداء وتصرِّح في الوقت ذاته بأنها لن تقبل التصعيد، ترسل إشارتين متعارضتين تولدان الغموض في حسابات الطرف الآخر. فمثلًا، صرحت بعض الدول الخليجية بأن إيران تجاوزت الخط الأحمر وأنها تحتفظ بحق الرد لكن لم ترد، مما شجع إيران على التصعيد لجس نبض “عتبات التحمل” الخليجية؛ لأن إيران رجَّحت أن الكلفة الفعلية للتصعيد أقل مما تصرِّح به الدول الخليجية.
وهنا تحديدًا تتقاطع هذه التوترات مع التمييز بين المفاهيم الذي أُسِّس في الجزء الأول؛ إذ إن الفجوة بين ضبط النفس كما تقصده الدول الخليجية وكما تدركه إيران هي ما يفتح الباب أمام إعادة تصنيف الموقف الخليجي في الحسابات الإيرانية؛ فمن منظور صانع القرار الإيراني، قد لا يُقرأ الامتناع المتكرر عن الرد بوصفه “ضبطَ نفس إستراتيجي”، بل قد يصنَّف “عجزًا مقنَّعًا”.
والمفارقة، أن معيار الإرادة والقدرة متحقق فعليًّا لدى الدول الخليجية، غير أن تحققه الموضوعي لا يكفي ما دام غير مُدرَك لدى إيران؛ فما يوجِّه السلوك الإيراني ليس القدرة الخليجية بذاتها بل تقدير إيران لها، وبذلك لا يكمن التحدي في أن يكون ضبط النفس الخليجي عجزًا حقيقيًّا (فالقدرة قائمة والامتناع اختيار) بل في أن يصبح غير قابل للتمييز عن العجز في إدراك الطرف الآخر، فيُنتج الأثر ذاته الذي يُنتجه العجز الفعلي وهو إغراء إيران بمزيد من التصعيد.
ومع ذلك، لا تتعارض الأبعاد الثلاثة فيما بينها، وتوفِّر المبادئ الواردة في رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي لعام 2024 أساسًا صُلبًا لتذليل أية تباينات. ويمكن تحويل التوتر البنيوي بينها إلى تكامل بشروط محددة: أولها، “الإرادة الإستراتيجية الخليجية الموحّدة” المتمثلة في توافق الدول الخليجية على ترتيب أولويات الأبعاد الثلاثة، بما يحدد أيها يُقدَّم على الآخر حين يتعارضان؛ فغياب هذا التوافق يحول التوتر بين أبعاد سياسة ضبط النفس الخليجية إلى تبايناتٍ مكشوفة تستطيع إيران أو غيرها استغلالها، مما يفرض جهودًا مضاعفة بين الدول الخليجية لسد التباين.
كما لا يمكن أن تعمل الأبعاد الثلاثة بصورة متكاملة دون تحديد واضح للعتبة أو العتبات الإستراتيجية والتوافق الخليجي حولها بشأن ما تقبله جميع الدول الخليجية ويمكن التعايش معه وما يستدعي تحولًا نوعيًّا في الاستجابة. والوضوح الصريح أو الضمني هو ما يعطي ضبط النفس مصداقية في نظر الخصوم وحتى الحلفاء.
وقد يبرر بأن غياب العتبات المعلنة ليس قصورًا بل غموضًا محسوبًا؛ فالغموض الإستراتيجي يُبقي الخصم في حَيرة عن موضع “الخط الأحمر” فتفرض عليه الحذر عبر مدى واسع من الأفعال بدل أن يناور بأمان حتى عتبة معلومة؛ بل إن إعلان عتبة صريحة ثم التقاعس عن تنفيذها يكون أشد ضررًا من عدم إعلانها؛ لأنه يستنزف المصداقية.
فضلًا عن ذلك، يتعين تعزيز الأدوات غير العسكرية الخليجية؛ إذ يعمل ضبط النفس كإستراتيجية متكاملة حين يكون مصحوبًا بتلك الأدوات من: دبلوماسية، وعقوبات، وتأثير اقتصادي، وضغط إعلامي. بمعنى آخر، ضبط النفس العسكري لا يعني سكونًا شاملًا بل إعادة توجيه الجهد الإستراتيجي نحو مجالات أكثر فاعلية في اللحظة الراهنة، كما أن التواصل الإستراتيجي الفعَّال يحسن إيصال الدول الخليجية دلالة موقفها، ليس لجمهورها الدولي فحسب بل لإيران كذلك، بما يضمن أن ضبط النفس الإستراتيجي يُقرأ بوصفه اختيارًا للحكمة والتعايش السلمي لا ضعفًا.
خاتمة:
نجحت حكمة الموقف الخليجي بضبط النفس مع الاعتداءات الإيرانية التي بدأت أواخر شهر فبراير 2026، بشكل كبير في الجمع بين ثلاثة أبعاد: حصر الخسائر البشرية والمادية، وفي حرمان إيران من ذرائع سياسية أو قانونية موضوعية تبرر بها اعتداءاتها، وبناء شرعية دولية لصالح الدول الخليجية. كما عززت الدول الخليجية تأثيرها بشأن أية تطورات مستقبلية تتعلق بمصير أمن المنطقة.
وأثبتت أن ضبط النفس عقلانية إستراتيجية خليجية وخيار محسوب ومجرب لإدارة المخاطر والتعايش السلمي مع إيران في بيئة أمنية إقليمية ودولية مضطربة، ينبع من المعرفة الخليجية العميقة بالسلوك الإيراني والقدرة على كبح الانزلاق نحو حرب شاملة.
غير أن هذا التقييم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نجاحًا كليًّا لسياسة ضبط النفس الخليجية؛ فاستمرار الاعتداءات الإيرانية بل وتصاعدها في بعض جوانبها رغم الامتناع الخليجي عن الرد الرسمي العلني يكشف أن ضبط النفس الخليجي في صيغته الراهنة يمكن تطويره وتعزيزه، فإيران باتت تقرأ الانضباط الخليجي بوصفه عجزًا لا حكمة ولا رغبة في التعايش السلمي.
ولا تكمن الإشكالية في مبدأ ضبط النفس ذاته؛ فالبدائل المتاحة أشدُّ كلفة في سياقها الراهن، بل في البنية المؤسِّسة له، والتي لاتزال تفتقر إلى عتبات إستراتيجية متدرجة واضحة، وإلى تواصل إستراتيجي فعال، وإلى أفق زمني محدَّد يحُول دون تحوُّل الامتناع المؤقت عن الرد إلى جمود دائم.
وليست التوترات البنيوية بين الأبعاد الثلاثة لضبط النفس الخليجي والمتمثلة في حصر الخسائر، وسحب الذرائع، والتحسُّب لتطورات مستقبلية عيبًا ينسف الإستراتيجية كلها، بل معطًى قابلًا للإدارة. والهدف ليس بلوغ ضبط نفس إستراتيجي خليجي خالٍ من التوتر بين أبعاده، بل إستراتيجية تُدير توتراتها بذكاء وانضباط وتتطوَّر تدريجًا نحو “جيلٍ ثانٍ” متكامل، يحوِّل الامتناع عن الرد في مواجهة العدوان -أيًّا كان- من موقف دفاعي إلى خيار إستراتيجي وفق منظومة متكاملة، تقرن ضبط النفس بوضوح عتبة التعايش السلمي ومصداقية الحزم ومزيد من التنوع في أدوات الضغط وعمق التحالفات واستثمار الشرعية الدولية ضمن أفق زمني محدد، ليس لإضعاف إيران أو عزلها بل لدفعها للتحول نحو دولة طبيعية تلتزم بالقانون الدولي.




