مقدمة:
في ليلة 12/13 يونيو الماضي، شنت إسرائيل عملية واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية والأصول العسكرية التقليدية، مما أسفر عن مقتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين واغتيال (11) من كبار علماء البرنامج النووي الإيراني. وقد تطورت الحملة، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية الأسد الصاعد” إلى حرب استمرت 12 يومًا؛ حيث بدأت إيران حملتها الانتقامية في أعقاب الهجوم الإسرائيلي، مُطلِقة عملية “الوعد الحق 3″، على نمط عملياتها السابقة في 13 أبريل و11 أكتوبر 2024، بمواصلة القصف الصاروخي اليومي حتى اليوم الأخير من الصراع. وفي فجر 22 يوليو شن سلاح الجو الأمريكي ضربة عسكرية استهدفت منشآت نووية محصنة تحت الأرض استُخدم خلالها 6 قنابل خارقة للتحصينات من طراز (57 – GBU). ووفقًا للتقارير الرسمية تزن القنبلة نحو 30 ألف رطل، وهي واحدة من أخطر أدوات الردع في الترسانة العسكرية الأمريكية.
وفي 23 يونيو 2025، أطلقت إيران وابلًا من الصواريخ الباليستية على قاعدة العديد الجوية في قطر، مقر القيادة المركزية الأمريكية؛ ردًّا على الضربات الأمريكية في اليوم السابق، وذلك قبل أن يتم التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار بحلول 24 يونيو.
وقد شكلت الهجمات على إيران تحديًا كبيرًا متعددَ الأوجه بالنسبة لكل من (روسيا، والصين)، بما لديهما من مصالح ونفوذ عالمي وإقليمي، يسعيان إلى الحفاظ عليه من خلال شراكاتهما في المنطقة، بما فيها “الشراكة الإستراتيجية الشاملة” لكل منهما مع إيران. ولم يقف قلق البلدين عند حدود الآثار الإستراتيجية البعيدة المدى للحرب، بل وأيضًا محاولة إسرائيل إسقاط النظام في طهران والتحريض عليه، في سياق استخدام مفرط ومنفلت للقوة بالتواطؤ مع إدارة أمريكية يصعب التنبؤ بسلوكها.
وقد اعترضت موسكو وبكين على قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 12 يونيو الماضي، والذي يدين “عدم امتثال” إيران لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي. واتسم موقف البلدين من الهجمات بقدر واضح من التوازن الحذر؛ حيث بدا حرصهما على إبداء موقف معارض للهجمات مع التأكيد على ضرورة الالتزام بحل سياسي لوقف الحرب دون الانخراط فيها، وتجنب استفزاز واشنطن لأسباب مختلفة. واتضح التنسيق المشترك بين البلدين خلال الأزمة، بما في ذلك قيام الرئيس الصيني بتقديم مقترحات لحلها، في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي في 19 يونيو. وليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن الموقفين الروسي والصيني من الهجمات لم يكن مفاجِئًا لإيران أو لأي من دول الإقليم، كما سيلي البيان.
أولًا: الدلالات الدولية لموقف موسكو وبكين.
لعل النتيجة الأكثر ديمومة للهجمات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، هي تأثيرها على المشهد العالمي لمنع الانتشار النووي والنظام النووي العالمي. ويضاف إلى ذلك تداعيات أخرى تتعلق بتنافس القوى العظمي، وذلك على تفصيل الآتي:
- التداعيات على المشهد العالمي لمنع الانتشار النووي والنظام النووي العالمي:
ذهبت تقديرات غربية عديدة إلى أن انضمام إدارة ترامب إلى الهجمات الإسرائيلية ضد المواقع النووية الرئيسة في إيران كانت بمثابة “خروج غير مسؤول عن الدبلوماسية وزيادة من خطر إيران مسلحة نوويًّا”.
وفي هذا السياق، حذر مسؤول السياسة الخارجية والأمنية السابق في الاتحاد الأوروبي “إنريكي مورا”، الذي شارك عن كثب في المفاوضات النووية مع إيران، من أن الضربات الأمريكية قد تدفع إيران أخيرًا إلى اتخاذ قرار بأنها بحاجة إلى أسلحة نووية لحماية نفسها، وقال: “قد يُسجَّل 21 يونيو 2025 في التاريخ، باعتباره اليوم الذي وُلدت فيه إيران النووية بشكل لا رجعة فيه”.
وأضافت التقديرات أنه من المرجح، ولكن على المدى الطويل، أن تدفع هذه الهجمات الأمريكية إيران إلى استخلاص نتيجة مفادها أن الأسلحة النووية ضرورية للردع، وأن واشنطن غير مهتمة بالدبلوماسية.
وما أود الإشارة إليه هنا، ارتباطًا بالموقف الروسي والصيني، هو أنه من المتفق عليه أن لا روسيا ولا الصين ترغبان في أن تكون إيران قوة نووية، ومن ثم شارك البلدان ودعما بقوة الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ويواصلان دعوة جميع الأطراف للعودة إليه. ويدعم البلدان مطالب إيران بأن ترفع الولايات المتحدة العقوبات التي أعادت إدارة ترامب فرضها في عام 2018، وذلك قبل أي تجديد للاتفاق. وتشير تقارير عديدة إلى أن كلا البلدين ضغطتا على طهران سرًّا للعودة إلى طاولة المفاوضات الأمريكية مع إيران، مع دعمها لحقها في التخصيب لأغراض سلمية، وذلك في حدود النسبة المشار إليها في اتفاق عام 2015 (3.67%).
من ناحية أخرى، كثيرًا ما سعت روسيا إلى دور الوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، وآخرها خلال جولة المفاوضات التي جرت قبل الهجمات الأخيرة، عندما عرض الرئيس بوتين تخزين اليورانيوم الفائض عن حاجة إيران للاستخدام السلمي في بلاده. ويُلاحظ أن بعض التحليلات الأمريكية -مقال للكاتبين “كريستوفر إس شيفز” و”جاك كيتنج”، الباحثين في مؤسسة كارنيغي في مقال لهما نُشر في 8 أكتوبر 2024، بعنوان “التعاون بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا: التهديدات المستقبلية والحالية والمحتملة لأمريكا”- أشارت إلى أن تطور العلاقات بين إيران وروسيا خاصة دعم الأولى للثانية في حربها مع أوكرانيا، قد يدفع موسكو للقبول بإيران باعتبارها قوة نووية إذا قامت بتأمين قدراتها بنفسها، بدلًا من التصدي لها كما تفعل الولايات المتحدة. وقد تصبح حيازة طهران للأسلحة النووية بهذه الطريقة نقطة اشتعال بين روسيا والولايات المتحدة.
وبإيجاز، فإن الفشل في حل الأزمة النووية الإيرانية، وما سببته الضربات الأمريكية والإسرائيلية لبرنامج إيران السلمي، سيؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة في النظام العالمي لمنع الانتشار النووي وتشجيع المزيد من الدول على التفكير في السعي للحصول على أسلحة نووية لإحباط هجمات الدول الأخرى المسلحة نوويًّا، وتحديدًا إسرائيل التي تحتكر وحدها القدرات النووية العسكرية في المنطقة، وهي دولة خارج نطاق نظام منع الانتشار النووي. ومن الطبيعي أن يثير انضمام الولايات المتحدة إليها في الحالة الإيرانية مخاوفَ جديَّة لدى دول المنطقة.
- التداعيات على تنافس القوى العظمى:
لم تقف كلٌ من (روسيا، والصين) عند حدود الإدانة الدبلوماسية للهجمات على إيران، بل اتهمتا واشنطن بتقويض النظام الدولي، وتجاوز المؤسسات الأممية؛ بسبب أن القصف طال منشآت تخضع لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد نقلت صحيفة (South China Morning Post) عن خبراء دبلوماسيين صينيين، أن الضربات الأمريكية لم تكن مجرد تصعيد عابر، ولكنها إشارة قوية وواضحة لاحتمال تدخل الولايات المتحدة في صراعات أخرى تمس المصالح الحيوية الصينية.
وأكد تقرير الصحيفة أن التصعيد عمَّق قناعة بكين بصعوبة التنبؤ بتصرفات البيت الأبيض، وهو ما يدفعها إلى تعزيز استعداداتها الإستراتيجية في مضيق تايوان وبحر جنوب الصين؛ تحسبًا لسيناريوهات مشابهة خارجة عن الأصول التقليدية للنزاعات.
وفي تقدير بعض الكتاب الغربيين، فإن الدرس الذي قد تستخلصه بكين من حرب الاثني عشر يومًا ضد إيران، هو أن ترامب سعى لوقف إطلاق النار، ولم يكن مستعدًا لإشراك الولايات المتحدة في حرب طويلة. وقد تستخلص بكين من ذلك، ارتباطًا بتايوان، أن واشنطن ستتردد في الرد على مستوى من الضغط العسكري المتزايد على تايوان.
من ناحية أخرى، يقدِّر بعض الكتاب الصينيين “كينوشو” أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشعب الصينية، أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران هي “ستار لتعطيل قطار التعددية القطبية الذي يمضي بخطى متسارعة نحو إنهاء الانفراد الغربي بالهيمنة على النظام العالمي”. ويضيف شو أن “ازدواجية الغرب تزداد فجاجة، وأنها تكشَّفت مؤخرًا في غزة وإيران والحرب في أوكرانيا، وأن ما نشهده من نزاعات، بما فيها الهجمات ضد إيران، ربما يكون مخاضًا في هذا الاتجاه”.
من ناحية أخرى، يشير بعض الكتاب الغربيين إلى أنه على العكس من موقف الولايات المتحدة، التي أظهرت قدرتها العسكرية من خلال تدخلها السريع والقوي واستعدادها لحماية الحلفاء ومركزيتها في إدارة الأزمات العالمية، “ظلت الصين وفيةً لعلامتها التجارية غير التداخلية”، مؤكدةً على الدبلوماسية وضبط النفس والتعددية. ويضيف البعض أن ذلك الموقف أساسيٌّ في الرواية العالمية للصين، “فهي لا تفرض، ولا تُكره، ولا تتشابك، ويتردد صدى هذا الموقف في أجزاء من جنوب الكرة الأرضية؛ حيث تكمن جاذبية الصين في وعدها بالتنمية دون تدخل”. غير أنه في لحظات الأزمات، يثير افتقار بكين إلى اتخاذ إجراء حاسم – سواء بسبب القيود أو الاختيار – الشكوكَ حول فعاليتها في تشكيل النتائج. ويبدو وأن مبادرة الأمن العالمي الصينية، مع تركيزها على “الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام”، لا تناسب بيئة لا تزال فيها القوة الصلبة تملي الشروط. وتخلص التقديرات الغربية في ذلك إلى التأكيد على أنه بالرغم من كل الجدل حول تشابكاتها في الشرق الأوسط، تظل واشنطن الضامن الأمني النهائي للمنطقة، وهو واقع لا يفيد حلفاء الولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا دُولًا مثل الصين، التي تحمي مصالحها تحت نفس المظلة.
أما فيما يتعلق بروسيا، فقد ذهبت تحليلات غربية عديدة، ومنها على سبيل المثال: مقال لكل من (مايكل ماكفول، وعباس ميلاني) في دورية الشؤون الخارجية بتاريخ 25 يوليو 2025، بعنوان “المعنى الحقيقي لفشل بوتين في الشرق الأوسط”، إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد منشآت إيران النووية -أهم حليف إقليمي لروسيا- قد جعلت “سمعة روسيا كراعٍ وضامن للأمن في المنطقة في حالة يرثى لها، وفي ظل الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل الآن، لم تعد هناك حاجة إلى موسكو”. ويخرج الكاتبان من ذلك إلى القول بأن تخلِّي روسيا عن شركائها في المنطقة، وتحديدًا إيران وسوريا “ينبغي أن يكون درسًا قيِّمًا لشي جينبينج والحزب الشيوعي الصيني؛ ففي أوقات الأزمات لن تكون روسيا حليفًا يُعتمد عليه”. ويضيف الكاتبان أنه في حال نشوب صراع أمريكي صيني، على سبيل المثال: حول تايوان، يمكن لواشنطن أن تتوقع من موسكو البقاء على الحياد، تمامًا كما فعلت مع شركائها في الشرق الأوسط.
وفي تقديري أن الكاتبين يتجاهلان حقيقة مستفادة بوضوح من سياسة روسيا الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، منذ بداية الألفية الثالثة، وهي أن روسيا لم تعتبر نفسها في أي وقت راعيًا أو ضامنَ أمنٍ في المنطقة. وهناك توافقٌ بين العديد من المحللين الغربيين المختصين بالشأن الروسي حول أن روسيا لم تستهدف أبدًا أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، أو أن تحل محل الولايات المتحدة كموردٍ أمني، أو مصمِّم للدبلوماسية الإقليمية بكل ما ينطوي عليه ذلك من أعباء ومسؤوليات ومخاطر. وبدلًا من ذلك، تهدف موسكو إلى الاحتفاظ لنفسها – قدرَ الإمكان – بمقعد على المائدة، مستخدمة ما لديها من أدوات، خاصة عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وصادراتها من الأسلحة، لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية.
وفي تقدير بعض التحليلات الغربية، فإنه داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة، من المرجح أن تستدعي روسيا والصين حرب الـــ 12 يومًا الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، في أي مواقف قادمة تناشد فيها دولة غربية المجتمع الدولي لدعم القانون الدولي في صراع آخر. والواقع أن كلًا من (الصين، وروسيا) تواصلان، من خلال دبلوماسية نشطة ثنائية ومتعددة الأطراف، في إطار الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون_ استخدام سياسات القوة والهيمنة الأمريكية للمطالبة بنظام عالمي جديد يقوم على تعددية الأقطاب والعدالة، والنظر إلى هذه الأطر الجديدة المتعددة للأطراف على أنها منصات مفتوحة قادرة على تنسيق جهود الدول غير الغربية على أساس وظيفي، دون فرض التزامات صارمة أو متطلبات للإجماع. في الوقت ذاته، النظر إلى هذه المنصات على أنها حاضنة للمعايير والمبادئ التي يقوم عليها “النظام العالمي الجديد”.
ثانيًا: الدلالات الإقليمية.
أثارت الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد المنشآت الإيرانية قلق دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي؛ حيث أعربت عن مخاوفَ متزايدةٍ بشأن استقرار الإقليم، داعية إلى ضبط النفس وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى زعزعة الأمن الإقليمي. وعلى صعيد ردود الفعل، أدانت دول المنطقة، وعلى رأسها كلٌ من (مصر، وتركيا)، الهجمات والتي وصفت بأنها “استفزازٌ واضح يتجاهل القانون الدولي”.
وقد عززت الهجمات من وجهة النظر القائلة بأن إسرائيل باتت مصدر التهديد الرئيس لأمن الإقليم، وليس إيران؛ إذ ذهبت تحليلات عديدة إلى التأكيد على ضرورة قيام الدول العربية ببناء إستراتيجية موحدة للحد من طموحات إسرائيل التوسعية.
ويمكن عرض الدلالات الإقليمية للموقفين (الروسي، والصيني) من الهجمات في جانبين رئيسين هما:
- الهجمات كاختبار حاسم لمدى قوة العلاقات الإيرانية بكل من (روسيا، والصين):
ارتباطًا بالنقطة عاليه، أدت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية إلى المزيد من ضعف القدرات العسكرية الإيرانية والبنية التحتية ذات الصلة، ناهيك عن انهيار وكلائها في الإقليم، مما سيدفع إيران إلى الاهتمام بتعميق شراكاتها الإستراتيجية مع كلٍ من (روسيا، والصين)، اللتين تجنبتا الانخراط المباشر في الحرب اكتفاءً بالدعم السياسي.
والواقع أن موقفي كلٍ من (موسكو، وبكين) من الحرب كان متوقعًا، سواءٌ للإيرانيين أنفسهِم في سياق علاقاتهم الثنائية أو بالنسبة لدول الإقليم الأخرى التي توقعت ردود الفعل نفسها. ويُستفاد ذلك بوضوح- فيما يتعلق بالصين- من إستراتيجية التحوط التي كثيرًا ما تمسكت بها الصين في سياستها الخارجية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. ويتسق ذلك مع رؤية دول المنطقة للشراكة الاقتصادية والتجارية مع الصين، والتي تظل خيارًا واقعيًّا في سياق تنويع الخيارات مع القوى الكبرى المتنافسة في المنطقة، وغيرها من ساحات التنافس الأخرى. وبهذا المعنى، يظل للصين دورٌ إقليمي لا غنى عنه، بل ويصعب على الولايات المتحدة المنافسة فيه. وفيما يخص روسيا، فقد تبنَّت- كما هو موقف الصين- نوعًا من التحوط الإستراتيجي للاستفادة من أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة وحالة الفوضى وعدم الاستقرار.
وقد أتاح هذا التحوط لكلا البلدين قدرًا من المرونة وتبني سياسة واقعية تراعي مصالح البلدين في الإقليم.
ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى أنه في مؤتمر صحفي متلفز في مدنية سان بطرسبرج في 19 يونيو الماضي، وبعد أن حذَّر من “كارثة جيوسياسية” نتيجة للصراع، مؤكدًا دعم إيران سياسيًّا، وأن الضربات الإسرائيلية، بدلًا من إضعاف النظام الإيراني، أدت إلى “تعزيز الدعم الشعبي للقيادة السياسية” في طهران، ملمِّحًا إلى أن التصعيد الإسرائيلي قد يعود بنتائجَ عكسيةٍ من حيث الإستراتيجية_ نفى الرئيس بوتين بشكل قاطع أن تكون طهران قد طلبت دعمًا عسكريًّا روسيًّا. وقد فسرت بعض التحليلات الروسية هذا النفي على أنه رسالة مزدوجة للتقليل من احتمالات التورط المباشر من جهة، ومن جهة أخرى لتخفيف الضغوط الغربية المحتملة على موسكو وسط أزمة أوكرانيا، التي وجدت روسيا تعاطفًا بشأنها من إدارة ترامب لا تريد أن تفقده.
وما ذكره الرئيس بوتين هنا لا يجب أن يُدهش أحدًا في ضوء تاريخ العلاقات الروسية الإيرانية، وحقيقة أنه جاءت فترات لم يتمكن فيها الروس من بيع السلاح لإيران؛ لأن التفاهمات بين روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كثيرًا ما كانت تتم على حساب إيران. وفي الفترة من (2007 – 2010)، فرض مجلس الأمن الدولي حظرًا على بيع الأسلحة لإيران، وتعاون الروس مع هذا الحظر خلال بعض تلك السنوات، في إطار سياسة إعادة الضبط Reset Policy لعلاقاتهم مع الولايات المتحدة، في محاولة لبناء علاقات أوثق مع إدارة أوباما. وفي السنوات الأخيرة، وبعد التدخل الروسي في أوكرانيا، أوقف الروس بيع أسلحتهم لإيران، حسبما أفادت تقارير إسرائيلية عديدة، مبررة ذلك بتفاهم غير معلن بين تل أبيب وموسكو يقضي بعدم تزويد إيران بأسلحة تُخلُّ بالتوازن، وفي المقابل، لن تزود إسرائيل أوكرانيا بمنظومات القبة الحديدية.
والواقع، أن الموقف الروسي من الحرب – والذي وُصف بـ “السلبي” من قبل البعض – لا ينفي رؤيتها لإيران كشريك بالغ الأهمية، وقد أصبح الدعم العسكري الإيراني لروسيا حاسمًا بالنسبة لحربها في أوكرانيا، بل إنه دفع موسكو أيضًا إلى ربط البرنامج النووي الإيراني بالتوترات الأوسع نطاقًا مع الغرب. ومن المرجح أن تكون علاقات التعاون العسكري مع روسيا محلَّ مراجعة شاملة من جانب إيران بعد الضربات الإسرائيلية.
ورغم أن حجم ونوعية المساعدات العسكرية والأمنية الروسية لإيران غير معروفة، إلا أن الشراكة بين البلدين في هذا الشأن ظلت محل مراقبة المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين منذ سنوات ونظرتهم القلقة إزاء الشراكة المتطورة بين موسكو وطهران. ففي يوليو 2023، سلَّط مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية السابق “ويليام بيزنر” الضوء على التعاون الروسي في برنامج إطلاق المركبات الفضائية الإيراني، مستشهدًا بوجود فنيين روس “يعملون في برنامج إطلاق المركبات الفضائية في إيران وجوانب أخرى من برامجهم الصاروخية”. وفي سبتمبر 2024، كشفت الاستخبارات الأمريكية أن روسيا وسعت تعاونها النووي مع إيران في مقابل صواريخ باليستية قصيرة المدى. كما أعرب مسؤولون وخبراء إسرائيليون عن مخاوفهم من أن روسيا قد تساعد إيران في مجال تكنولوجيا التسلُّح، ردًّا على تصريح “ديمتري ميدفيدف” نائب رئيس مجلس الأمن الروسي – الذي وُصف بالاستفزازي -: “يجب أن نفكر في أي من أعداء الولايات المتحدة قد ننقل إليهم تقنياتنا النووية”. وقد رد ترامب على ذلك بالقول بأن بلاده ستدمر البرنامج النووي الإيراني مرة أخرى إذا حاولت إعادة بنائه.
وارتباطًا بما تقدم، أشار “فابيان هينز” الباحث في معهد الدراسات الدولية، في مقال بعنوان “إستراتيجية إيران الصاروخية المحطمة” نشرته دورية Survival في عددها الـ (67) في يوليو 2025_ أنه في ضوء الضعف الذي كشفت عنه الهجمات في الدفاعات الجوية الإيرانية، والتي تعتبر أساسية لكل من: الردع عن طريق الإنكار، والردع عن طريق الانتقام، فإن تعزيز هذه القدرة بسرعة سيكون أمرًا صعبًا وملِحًّا على حد سواء. ويضيف أنه يمكن لروسيا تقديم تقنيات لدعم تحسين قدرات الدفاع الجوي الإيراني، إلا أنه من غير المرجح أن تزودها روسيا بأنظمة كاملة بأعداد كبيرة؛ بسبب احتياجاتها الخاصة ارتباطًا بالحرب في أوكرانيا. ومن ثم قد تكون الصين المصدر الأكثر قابلية لتلبية احتياجات إيران في هذا الشأن، ولديها محفظة واسعة من أنظمة الدفاع الجوي الأرضية والقدرة الصناعية على تسليمها على نطاق واسع. كما يمكن لبكين أن تؤدي دورًا رئيسًا، إذا اختارت إيران تنشيط قواتها الجوية المهملة منذ فترة طويلة، وهو خيار يمكن أن يكتسب زخمًا بعد نجاح باكستان في استخدام الطائرات المقاتلة الصينية وصواريخ جو – جو بعيدة المدي ضد الهند. وبطبيعة الحال، من الصعب معرفة ما إذا كانت الصين مستعدة لتحمل التكاليف السياسية المرتبطة بتزويد إيران بالأسلحة على نطاق واسع.
ومن شأن التفعيل المحتمل لإعادة فرض عقوبات من قبل الدول الأوربية الثلاث (فرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا)، والتي من شأنها أن تعيد فرض حظر الأسلحة من قبل مجلس الأمن الدولي على إيران_ أن يزيد من تعقيد أي ترتيب من هذا القبيل بالنسبة لبكين.
- تعميق الصدع بين إسرائيل وحلفائها الغربيين من ناحية ودول الشرق الأوسط الرئيسة لصالح كلٍّ من (روسيا، والصين):
أشارت تقديرات غربية رصينة إلى أنه على حين أشاد البعض في أوروبا (المستشار الألماني/ فريدريك ميرز)، وأمريكا الشمالية بإسرائيل لقيامها بـ “العمل القذر” المتمثل في منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، إلا أن خطة إسرائيل الواضحة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال عقيدة إستراتيجية للحرب الوقائية، أثارت قلقًا متزايدًا في المنطقة.
وأضافت التقديرات أن استنتاج بعض المراقبين الأمريكيين والإسرائيليين بأن الشركاء العرب للغرب (دول الخليج العربي، ومصر، والأردن) يوافقون على الهجمات على إيران سرًا، هو استنتاج يتسم بقدر كبير من السذاجة والتمني. ففي واقع الأمر تغيرت تصورات التهديد العربي بعد هذه الهجمات؛ ذلك أنه في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من العالم العربي حذر للغاية من طهران، تعلمت المملكة العربية السعودية والإمارات دروسًا واقعية حول حدود القوة العسكرية في اليمن؛ حيث انخرطت في صراع دموي مع الحوثيين المدعومين من إيران بين عامي (2015 و2022). وبمساعدة الصين، سعى البلدين إلى إذابة الجليد في العلاقات مع إيران مما أدى إلى تهدئه التوترات في الخليج.
وتضيف التقديرات أنه باعتبارها المستضيفة للمنشآت والقوات العسكرية الأمريكية، تتعرض دول الخليج للانتقام الإيراني في كل مرة تتصاعد فيها التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وبالنسبة لمصر، فقد وضعت الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، والمدعومة أمريكيًّا، علاقات القاهرة بتل أبيب تحت ضغط هائل، وشهدت علاقات القاهرة بطهران تطورات إيجابية ملحوظة في الأشهر الأخيرة وكانت مصر في مقدمة الدول التي أدانت بقوة الضربات الإسرائيلية واعتبرتها تهديدًا للاستقرار الإقليمي. وتضيف التقديرات أن أصدقاء إسرائيل وحلفاءها في المنطقة رفضوا احتمال تغيير النظام في طهران الذي أبدته إسرائيل، وتحدثت عنه واشنطن بشكل أكثر غموضًا؛ إذ يمكن أن يؤدي انهيار النظام في إيران إلى تمهيد الطريق لخليفة أكثر راديكالية.
والخلاصة هنا، أن التورط الأمريكي المباشر في الهجمات ضد منشآت إيران النووية، فضلًا عن دعمها المطلق وغير المشروط لإسرائيل، سوف يدفع دول المنطقة إلى التمسك بسياساتها الحالية والمتمثلة في تنويع الخيارات والمزيد من تعميق شراكاتها مع كٍل من (الصين، وروسيا)، واللتان تبدوان حريصتين على توثيق علاقاتهما بدول المنطقة، من خلال جذبها إلى الأطر المتعددة الأطراف التي تنظر إليها القوتان على أنها المنصات الحاضنة للمبادئ التي يقوم عليها النظام العالمي الجديد الذي تدعوان إليه.
استخلاصات:
جاء رد الفعل الروسي والصيني على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية متوقَعًا، سواء من قبل إيران أو الدول الأخرى في الإقليم. ويُستفاد ذلك بوضوح فيما يتعلق بالصين من إستراتيجية التحوط التي كثيرًا ما تمسكت بها الصين في سياستها الخارجية في المنطقة، كما يتسق مع رؤية دول المنطقة للشراكة الاقتصادية والتجارية مع بكين، والتي تظل خيارًا واقعيًّا في سياق تنويع الخيارات مع القوى الكبرى المتنافسة في المنطقة وغيرها من ساحات التنافس الأخرى. وبهذا المعنى، يظل للصين دورٌ إقليمي لا غنى عنه، بل ويصعب على الولايات المتحدة المنافسة فيه.
وفيما يتعلق بروسيا، فقد تجنبت الانخراط في الحرب والتأكيد على شراكتها الإستراتيجية مع إيران مكتفية بالدعم السياسي، مثل: الصين، ومتجنبة استفزاز الولايات المتحدة في وقت تطمح فيه إلى استعادة علاقاتها الثنائية بها في سياق مساعي ترامب وقف الحرب في أوكرانيا.
ومع ذلك، ستظل إيران في حاجة إلى المزيد من تعميق شراكتها مع القوتين الكبريين، سواء فيما يتعلق بحاجتها الملحة إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، أو دعم موسكو وبكين لأي جهود دبلوماسية ارتباطًا بالمفاوضات المستقبلية المحتملة حول البرنامج النووي. ويظل هذا الدعم حيويًّا، إذا ما أخذنا في الاعتبار المقاربة الأمريكية لمشكلات المنطقة، واقتناع واشنطن بأن أمن واستقرار الشرق الأوسط مرهون بإضعاف إيران.
أخيرًا، من المؤكد أن الموقف الأمريكي من الهجمات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، والذي تأرجح بين العمل العسكري والضغط المحموم من أجل هدنة، وبما عكسه من افتقار واشنطن إلى رؤية إستراتيجية طويلة المدى للمنطقة، من شأنه أن يعزز من الحضور الروسي والصيني فيها. وتدرك دول المنطقة أنه بدون مسار موثوق به لخفض التصعيد، تظل المنطقة على حافَة الهاوية، خاصة وأن الأسباب الجذرية للصراع بين إسرائيل وإيران لا تزال قائمة، كما تبدو الولايات المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في كبح جماح إسرائيل. كل ذلك سيزيد من الأهمية الإستراتيجية لتوجه دول المنطقة نحو المزيد من ترسيخ سياسة تنويع الخيارات وتعميق الشراكات مع مختلف القوى الدولية، لا سيما كلًّا من (روسيا، والصين).




