بعد مرور ما يقرب من أربعين يومًا على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على بنك أهداف داخل إيران، أعلن الجانبان(الأمريكي، والإيراني) في 8 أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة؛ إذ نجحت جهود المساعي الحميدة والوساطة التي قامت بها بعض الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها باكستان، بحيث تضمن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين دون اتفاق على أيِّ بند من البنود الخمسة عشر الأمريكية أو العشرة الإيرانية، والبدء في مفاوضات في إسلام آباد من أجل التوصل إلى اتفاق يحقق وقفًا دائمًا للحرب.
وجاء اتفاق الهدنة قبل ساعتين فقط من انقضاء مهلةٍ حددها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”؛ لفتح مضيق هرمز قبل ضرب محطات الطاقة والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية الإيرانية. وقد جرت جولة واحدة من المفاوضات المباشرة بين وفود البلدين ولكنها لم تثمر عن توافق؛ لأن المفاوضات جرت في سياقٍ شديد التوتر وتتناول قضايا خلافية وأبعادًا فنية معقدة، إذ يعني أن التوصل إلى اتفاق متماسك مستدام لا يُطبَّق بسرعة، ودفعةً واحدة، وإنما على مراحل في جولات مفاوضات متعددة مقبلة، دون أمد زمني محدد. وظلت عملية تبادل الرسائل بين الطرفين (الأمريكي، والإيراني) دون حسم للقضايا العالقة. وفي 18 مايو 2026، قرر الرئيس ترامب تأجيل استئناف الضربات العسكرية على إيران بناء على طلب من ثلاث دول خليجية هي (السعودية، والإمارات، وقطر).
غير أن هناك اتجاه رئيس في الكتابات يرى أن ثمة وقفًا لإطلاق نار يعيد ترتيب أدوات الحرب أو الصراع ولا يوقفه؛ إذ تم الانتقال فقط من الضربات الجوية المتتالية المتتابعة إلى الضغط البحري، سبيلًا للإكراه التفاوضي. وذلك يعني بديهةً أن انهيار المحادثات- إن حدث- سيكون في سياق حرب وتصعيد، وفق أرضية مهيأة للاشتعال في أي وقت، وليس في سياق تهدئة واستقرار، بما يعنيه ذلك من حاجة إلى استئناف التحضير والتحشيد للحرب، وهو ما أشارت إليه تصريحات الرئيس ترامب ردًّا على سؤال أحد الصحفيين في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا في 3 مايو 2026، وتأثيراتها الانتشارية (سياسيًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا) على دول الشرق الأوسط.
أولًا: المسببات الرئيسة لإيقاف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
إن المنطق الحاكم للعلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يمكن وضعه في وضعية ما بعد الحرب وما قبل التسوية (أقرب إلى حالة اللاحرب واللاسلم)، بل سيكون تحولًا نحو طور جديد من الصراع المحدود، تتداخل فيه أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، مع استمرار التفاوض المتقطع غير المباشر، وهو ما يمكن تفسيره استنادًا لمجموعة من العوامل الملحة لكلا الطرفين، على النحو التالي:
1- دوافع إستراتيجية، التيتمثلت فيما يلي:
أ- تعثر حسم الحرب بالقوة العسكرية: عكست هذه الحرب ضرورة إدراك أن للقوة العسكرية حدودًا في تغيير المعادلات الإقليمية، فعلى الرغم من القوة الشاملة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، وكذلك إسرائيل إلا أنها لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني؛ فقد بدا واضحًا للرئيس الأمريكي” ترامب” أن الحرب التي بدأها وفق حسابات روَّجت لها إسرائيل، ومفادها أن القضاء على النخبة السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية الحاكمة سيفتح الباب أمام ثورة شعبية تؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل إخضاع ما تبقى منه، جاءت بنتائج عكسية؛ إذ تبوأت السلطة في إيران قيادة أكثر تشددًا، المتمثلة في الحرس الثوري. وهذا يعني أن العملية العسكرية التي كان يُفترض أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة سوف تطول، مع تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي ترامب قد هدَّد بالعودة إلى القتال بنسخة أشرس في حال لم تؤدِّ الهدنة إلى اتفاق ملموس، فإن ثمَّة تصورًا بأنَّ الولايات المتحدة وإيران لا ترغبان – كلٌّ لأسبابه – بالعودة إلى القتال، خصوصًا في ضوء المعارضة الدولية لاستمرار التصعيد، وما يتركه من أثر في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنظور، اتجه الرئيس ترامب إلى فرض حظر بحري على إيران، في سياق رغبته في اختبار خيارات أخرى غير استئناف الحرب العسكرية الشاملة، التي قد تورطه في غزو بري عالي التكاليف وغير مضمون النتائج.
فإيران 2026 ليست عراق 2003 ولا أفغانستان 2021؛ إذ إن إيران أكبر من البلدين منفردين ومجتمعين على جميع المستويات، ونظامها يقوم على مؤسسات فاعلة ومتماسكة وقوية نسبيًّا لاعتبار عقائدي، مدعومة بموقع جيوسياسي مميز وأدوات ردع صاروخية متطورة، ولديها قوة بحرية فاعلة وشبكات نفوذ إقليمية ممتدة. إلى جانب ذلك، مسرح عملياتها مؤثر في سوق الطاقة وطرق التجارة العالميَّين، وبإمكانها التحكم في 20% من الأولى و30% من الثانية. وهذا ما يرجِّح القول بأن خيار واشنطن يتجه للإكراه المتدرج بعيدًا عن الحسم بالقوة عبر الاحتلال الخارجي وإسقاط النظام وتفكيك الدولة.
ب- توازنات الضعف بين الأطراف المتحاربة: نظرًا لعدم قدرة أي من الأطراف المحلية المتحاربة على حسم الحرب لصالحه، بحيث ساد تحركها ومواجهتها يغلب عليه الضعف النسبي في مواجهة الأطراف الأخرى، وهو ما يقتضي الوصول إلى لحظة “الإنضاج” Rapping Moment، والتي يمكن من خلالها التفكير بأن خيار التهدئة والسلم هو المسار الأفضل مقارنة باتجاه التصعيد والحرب؛ لأن الخسائر المترتبة على الأول تفوق النواتج المرتبطة بالثاني، مما استوجب البحث عن مسار تفاوضي.
فعلى الرغم من نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إضعاف القدرات الشاملة للنظام الإيراني، سواء القدرات الجوية أو القوات البحرية أو استهداف النخبة الإستراتيجية أو إضعاف كوادره الاستخباراتية، إلا أنها لم تسقطه أو تعدل سلوكه الخارجي سياسيَّا أو حتى تجبره على الجلوس على مائدة التفاوض. ولذا، يدرك النظام الإيراني أن ترامب يسعى لتحقيق استسلام تفاوضي، بحيث تحقق في التفاوض ما عجز عنه في الحرب. غير أن درس حرب الأربعين يومًا يشير إلى عجز واشنطن عن أن تدفع طهران، للاستسلام والخضوع لشروطها التفاوضية. ولذا، أعلن ترامب في 19 مايو 2026 استعداده لمنح الدبلوماسية في الصراع الإيراني فرصة حتى مطلع الأسبوع المقبل، وتأجيل استئناف العمليات العسكرية حتى ذلك الحين.
ج- صعود أدوار القوى الإقليمية الوسيطة: وهو ما تعبر عنه باكستان التي برزت كشريك إقليمي موثوق ومارست الوساطة بحياد، وحظيت بثقة جميع الأطراف للوصول إلى الهدنة ورأب الصَّدع، الذي دعا إليه رئيس وزرائها “شهباز شريف” وقائد الجيش الباكستاني المشير “عاصم منير” وتجاوبت معهما الأطراف المتنازعة؛ لنزع فتيل الأزمة القائمة ومنع العودة إلى الحرب؛ إذ عرضت إسلام آباد في 23 مارس 2026 استضافة المدينة كمكان للمفاوضات بين الطرفين، وبدأت في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران.
وقد أسهمت باكستان في التوصل إلى هدنة هشة مدتها أسبوعان في 8 أبريل 2026، واستضافت جولة مفاوضات مكثفة في (11-12) أبريل 2026 في العاصمة الباكستانية، استمرت أكثر من 20 ساعة، شارك فيها وفد أمريكي برئاسة نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” ووفد إيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى الإيراني “محمد باقر قاليباف”. ورغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي في تلك الجولة، استمرت باكستان في دفع الجهود لعقد جولة ثانية، مع زيارات قادتها العسكريين والمدنيين إلى (طهران، والرياض، وأنقرة) في محاولة للحفاظ على قناة الاتصال مفتوحة وتجنب عودة التصعيد.
وتسهم الجغرافيا بدور محوري في انخراط إسلام آباد في الوساطة؛ حيث تشترك باكستان مع إيران في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، وبذلك فهي قريبة من ميدان الصراع. وتعد هذه الحدود ممرًا حيويًّا للتجارة والنقل وإمدادات الطاقة، وهي بالفعل عرضة لعدم الاستقرار، فضلًا عن التعاون الأمني السابق لباكستان في منطقة بلوشستان، وحسن رعاية الشيعة في باكستان (حوالَي 20 بالمئة من عدد السكان) مما يجعل إسلام آباد حساسة تجاه التطورات الإيرانية، كما أن باكستان لا تعترف بإسرائيل مما يقلل من الشكوك الإيرانية تجاهها.
فضلًا عن العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيس ترامب والمشير منير، علاوة على إشادة باكستان المبالغ فيها بجهود ترامب في التوسط لوقف إطلاق النار بينها وبين الهند في مايو 2025. وقد رشحت إسلام آباد الرئيس الأمريكي، رسميًّا، لجائزة نوبل للسلام في الشهر التالي، بخلاف تعزيز الشراكات بين باكستان والولايات المتحدة في مجالات العملات الرقمية والمعادن الحيوية ومكافحة الإرهاب، أضف إلى ذلك انشغال باكستان بالحفاظ على أمن الطاقة، وتأمين واردات النفط، والحصول على دعم مالي من دول الخليج لتجاوز أزمة اقتصادية خانقة.
وتشير التصريحات الصادرة عن مسؤولين باكستانيين خلال فترة الحرب أو توقفها أنهم لا ينوون التخلي عن دورهم الرامي إلى تسوية الأزمة، لاسيما في ظل دعم دورهم من قبل “الرباعية العربية الإسلامية” المكونة من (باكستان، والسعودية، وتركيا، ومصر). فقد عقدت هذه المجموعة اجتماعات في الرياض (مارس 2026) وإسلام آباد (29 مارس 2026)، ثم اجتماعًا آخر في أنطاليا (أبريل 2026) على هامش منتدى أنطاليا للدبلوماسية. وركزت الاجتماعات على تنسيق الجهود للتهدئة ودعم دور باكستان كميسر رئيس خاصة مع دعم السعودية كحليف وثيق، ومشاركة تركيا ومصر في تعزيز التنسيق الدبلوماسي. وأصبحت هذه الرباعية آلية للضغط على الأطراف نحو الحوار ومنع توسع الصراع.
كما حظيت الوساطة الباكستانية بدعم الصين؛ حيث دعا وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” نظيره الباكستاني “إسحاق دار” في 13 مايو 2026، إلى “تكثيف” جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، والمساعدة في معالجة مسألة إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما جاء قبل ساعات من زيارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لبكين، علاوة على زيارة وزير الداخلية الباكستاني “محسن نقوي” إلى إيران في 17 مايو 2026؛ حيث التقى نظيره الإيراني “إسكندر مؤمني” وناقشا جهود تعزيز السلام الإقليمي بعد أيام من زيارة قائد الجيش الباكستاني “عاصم منير”. وقد أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات للصحفيين بتاريخ 12 مايو، بدور الوساطة الذي تؤديه باكستان في المفاوضات بين واشنطن وطهران ورفض فكرة استبدال إسلام آباد بوسيط آخر.
د- تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية موسعة: ينطلق تيار رئيس في الأدبيات من افتراض مفاده أن تقاطع مصالح أطراف متعددة (دولية، وإقليمية) عند هدف واحد من التوصل لاتفاق أو تهدئة مرحلية هو تجنب الانفجار، أي عدم الاندفاع نحو حرب قد تكون كلفتها السياسية والإستراتيجية مرتفعة؛ فالولايات المتحدة قد تجد في بيئة مضبوطة من التوتر مبررًا لاستمرار حضورها الأمني وتعزيز تحالفاتها السياسية، دون الانخراط في حرب واسعة النطاق.
وفي المقابل، ترى إيران في هذا النموذج مساحة للحفاظ على نفوذها الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة عالية الكلفة، وتلوح طهران بين الحين والآخر أنه في حال شن هجمات عسكرية جديدة سترد بأوراق جديدة. ونقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إيسنا) بتاريخ 19 مايو عن المتحدث باسم الجيش “محمد أكرمي نيا” قولَه: إنه “إذا كان العدو متهوِّرًا بما يكفي للوقوع مجددًا في الفخ (الإسرائيلي)، وشن عدوان جديد على بلدنا العزيز، فسنفتح ضده جبهات جديدة وسنستخدم معدات وأساليب جديدة”. وشدد المتحدث على جاهزية الجيش الإيراني، مؤكدًا أنه “يعتبر فترة وقف إطلاق النار بمثابة فترة حرب، وقد استغل هذه الفرصة لتعزيز قدراته القتالية”.
وتجدر الإشارة إلى أن الأهم أن هذا النمط لا يعمل في الفراغ؛ فثمة منظومات أوسع تتكيف معه وتستفيد من استقراره النسبي، بدءًا من أسواق الطاقة وصولًا إلى شبكات التأمين والنقل، مرورًا ببنية الردع والتحالفات. هذه القطاعات لا تنشأ بسبب التوتر، لكنها تعمل بكفاءة أعلى حين يكون التوتر قابلًا للإدارة وليس مفتوحًا على الفوضى. بهذا المعنى، لا يُنتج الاتفاق فراغًا بعد الصراع، بل بيئة أكثر قابلية للتشغيل؛ فإيران لا تعمل على إنهاء مصادر الخطر بل إعادة توزيعها من خلال تقليل ما يهدد النظام الدولي والإقليمي بشكل مباشر، والإبقاء على ما يمنح القدرة على التأثير ضمن حدوده.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في إشكالية فتح أو إغلاق مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر مائي دولي حيوي، بل مساحة تتقاطع فيها اعتبارات السياسة ومصالح الاقتصاد وهواجس الأمن. وعليه، لم يعد السؤال هو ما إذا كان يمكن إغلاقه أم لا، بل كيف يمكن التأثير في طريقة عمله دون الوصول إلى الإغلاق الكامل؟ فحتى في ظل بقاء المضيق مفتوحًا، يمكن لارتفاع كلفة التأمين، أو ازدياد المخاطر المحتملة، أو تعقيد حركة الملاحة، أن تترك كلها أثرًا ملموسًا على الأسواق العالمية.
ه- تضرر دول الخليج من الهجمات العسكرية على إيران: لاسيما بعد الهجمات التي شُنت من إيران على دول الخليج وحولتها إلى ساحة حرب وأصبحت دول الخليج في قلب دائرة النار، سواء من خلال استضافة قواعد أمريكية وأجنبية إذ شكلت أهدافًا لجزء من الضربات الإيرانية، أو عبر تعرض مدنها وعدد من منشآت الطاقة والمطارات لأضرار مباشرة أو تهديدات صاروخية ومسيَّرة. وهنا، تعكس الهجمات المتوالية الإيرانية على منشآت النفط والغاز في الخليج تحوُّلًا من “الردع التقليدي” إلى “الردع عبر التوسُّع” بما يوسِّع نطاق الصراع بدل احتوائه.
ويعبر ذلك عن غلبة نمط الحروب “الهجينة” في الإقليم إذ ينزلق الأخير تدريجًا إلى نمط من الحروب المركَّبة أو الهجينة؛ حيث تتكامل الأدوات العسكرية التقليدية مع أدوات (سيبرانية، واقتصادية، وإعلامية) في إطار مسرح عمليات واحد متعدد الأبعاد. فإلى جانب الضربات الصاروخية والطائرات المسيَّرة والعمليات الجوية المباشرة، تتصاعد عمليات الحرب السيبرانية الموجهة ضد شبكات الطاقة والمؤسسات المالية والاتصالات، التي شهدت دول الخليج على إثرها موجة متزايدة من الهجمات الإلكترونية التي طالت البنوك وشركات الطيران ومنصات الخدمات الحكومية. كما يترافق ذلك مع حرب معلوماتية تستهدف تشكيل الرأي العام وإعادة تأطير سرديات الشرعية والتهديد، فضلًا عن ممارسات تعطيل الملاحة البحرية، مثل: التحرش بالسفن وعمليات التخريب المحدودة واحتجاز الناقلات، وهي ممارسات سبق أن وُثِّقت في الخليج ومضيق هرمز وتعد من السمات الجوهرية للحرب الهجينة في الإقليم.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في 18 مايو 2026، أنه سيؤجل خطة الهجوم على إيران المقررة في 19 مايو، مستندًا إلى طلب من قادة (قطر، والسعودية، والإمارات) مؤكدًا أن المفاوضات لإنهاء الحرب تزداد جدية؛ حيث كتب ترامب في منصة “تروث سوشيال”: “طلب مني أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، وولي عهد المملكة العربية السعودية، محمد بن سلمان آل سعود، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد آل نهيان، تأجيل الهجوم العسكري المخطط له على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي كان مقررًا غدًا، وذلك نظرًا للمفاوضات الجادة الجارية حاليًّا، وإيمانهم، بصفتهم قادة وحلفاء عظماء، بإمكانية التوصل إلى اتفاق يحظى بقبول واسع لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لدى جميع دول الشرق الأوسط وخارجها”.
2- محركات اقتصادية، التي تمثلت، على النحو التالي:
أ- اختناق حركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية: يعد أحد التفسيرات للتهدئة هو السعي الأمريكي لتخفيف الأعباء عن الاقتصاد العالمي بعد أن قام “الحرس الثوري الإيراني” بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة البحرية، بما أدَّى إلى أزمة اقتصادية عالمية. وتحول الموقف الإيراني بعد إغلاق المضيق إلى المطالبة بوضع المضيق تحت التصرف الإيراني، وتمكين السفن من المرور وعبوره بعد التنسيق مع “الحرس الثوري”؛ في إطار ما تطلق عليه حق “المرور البريء” لا “المرور العابر”، لاسيما في ظل استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ والسفن الإيرانية أو الأجنبية الواردة على تلك الموانئ أو الصادرة عنها. وهنا، حاولت إدارة ترامب تخفيف الأعباء عن اقتصادات دول العالم.
ب- تصاعد أزمة الطاقة في الأسواق العالمية: نتج عن إغلاق إيران مضيق هرمز، أزمة خُصوصًا على صعيد الطاقة، سواء على مستوى العالم أو الولايات المتحدة، وذلك بسبب أهمية المضيق في شحن الطاقة العالمية. بعبارة أخرى، تتجلى أهمية المضيق في قلب الصراع الحالي بوصفه ركيزة رئيسة في تعزيز معادلة الردع الاقتصادي والإستراتيجي؛ إذ يُعدُّ من أهم ممرات عبور النفط والغاز عالميًّا؛ حيث تدفق عبره قرابة 20 مليون برميل يوميًّا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من البترول والغاز الطبيعي المسال.
ج- تأثر نسبي للأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران: حيث يشير اتجاه في الكتابات إلى أحد أسباب لجوء ترامب للتهدئة هو تنامي إدراكه بأن استمرار الحرب يعني درجة أكبر من الانعكاسات الاقتصادية على حال المواطن الأمريكي، مع ارتفاع الأسعار في محطات الوقود في الولايات المتحدة الأمريكية، وامتداد آثارها إلى الصناعات البتروكيميائية الحيوية. ومن ثم، فإن المسألة تتعلق بقدرة تحمل المواطن الأمريكي لتكاليف هذه الحرب التي تواجه معارضة واسعة داخل أمريكا عامة ووسط قاعدة ترامب خاصة؛ إذ أخفقت إدارة ترامب في إقناع قطاع واسع من الأمريكيين بأن هذه الحرب ضرورية لأن إيران تمثل تهديدًا لهم.
على الجانب الآخر، إن استمرار الحرب سيعني توجيه المزيد من الضربات للبنية التحتية في إيران، بما في ذلك منشآت الكهرباء والنفط، وربما محطات تحلية المياه أيضًا، والتي يمكن أن تضاعف بؤس دولة كانت حتى قبل الحرب تصارع الفقر، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه والتردي البيئي. ومن ثم، أدرك جناح داخل دوائر الحكم في إيران أن الحد من الأضرار طريقة أكثر واقعية لتقليص كلفة إعادة الإعمار التي سوف تتزايد في حال استمرار مسار العمليات العسكرية.
3- أسباب انتخابية، وهي اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس: إذ يشير اتجاه في الأدبيات إلى أن استئناف التفاوض بين واشنطن وطهران لا يمثل عودة لما قبل الحرب، بل الانتقال إلى قواعد جديدة للتفاوض، ترسم حدوده وتحدد مساراته وترتب أولوياته وتقيم نتائج الحصار وقدرة طهران على الصمود. ولكن هذا المسار يتوقف أيضًا على قدرة ترامب على تحمُّل تبعاته الاقتصادية والسياسية، لاسيما في الداخل الأمريكي، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026؛ إذ قد يجد الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب نفسه رازحًا تحت عبء حرب لا تحظى بالشعبية بشكل عام أو على الأقل لدى قطاع ليس بالقليل من الرأي العام الأمريكي. وهنا، يحاول الرئيس ترامب البحث عن إستراتيجية للخروج من الحرب التي تحمل تبعات ضخمة.
ثانيًا: التحديات الضاغطة لاستمرار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران.
ثمة مجموعة من العقبات الناشئة والمتجددة بين واشنطن وطهران والتي تحول دون الاتفاق بينهما، وهي:
1- سيادة نهج “الانتصار” لدى الأطراف المتحاربة في أثناء التهدئة والتفاوض: إن الطرفين دخلا المحادثات وهما يحملان شعورًا نسبيًّا بالنجاح بل والانتصار على الطرف الأخر؛ فإيران رأت أنها استطاعت الحفاظ على التماسك والصمود، وأنها لم تُدفع إلى تغيير إستراتيجي جذري رغم الضغوط. وفي المقابل، عَدَّت الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل- أن الضربات العسكرية والضغط المتواصل منحاها موقعًا تفاوضيًّا متقدمًا. وعندما يذهب الطرفان إلى الطاولة وهما يتصرفان من منطلق الإحساس بعدم الهزيمة بل بقدر من الثقة بالقدرة على الاستمرار، فإن فرص التنازل المتبادل تتراجع؛ لأن كل طرف يراهن على إمكانية انتزاع مزيد من المكاسب بدلًا من الاكتفاء بتسوية وسط.
2- التحول من التهدئة إلى التصعيد لدى إدارة ترامب: يظلُّ هذا الاحتمال واردًا إذا أخذنا بالحسبان استمرار الجاهزية الأمريكية عبر حاملات الطائرات والترسانة البحرية العسكرية في المنطقة، وتزوُّدها بالمزيد من العتاد على مدى الفترة الماضية. وهناقد يظهر تأثير ما يطلق عليه “مجموعة الصقور” أو “اتجاه الحرب” لدى مستشاري الأمن القومي في واشنطن بحيث تتجه العلاقة مع طهران إلى التصعيد العسكري في حال استمر التباين بشأن القضايا الخلافية، ومنها فتح مضيق هرمز للملاحة البحرية والتجارة العالمية، فضلًا عن البرنامج النووي، لاسيما تعليق التخصيب على أراضيها، ونقل مخزون اليورانيوم البالغ 440 كجم، وكذلك إشكالية العلاقة بين طهران والفصائل المسلحة الشيعية في كل من (العراق، ولبنان، واليمن) التي التزمت بقواعد الاشتباك التي وضعها “الحرس الثوري”، بما يعني أنَّ الميليشيات لا تزال ورقةً فاعلةً بيد الحرس. فضلًا عن ملفيِّ: رفع العقوبات، وتحرير الأرصدة المجمدة الإيرانية في البنوك لدى بعض الدول حيث تطالب بهم طهران، بخلاف ملف المطالبة بالتعويضات عن خسائر الحرب.
3- التشدد الإسرائيلي تجاه التفاوض مع طهران: فلم ترَ تل أبيب في المفاوضات الآلية التي تُلبي مطالبها الإستراتيجية، التي كانت تبتغي تحقيقها من شنِّ المواجهة العسكرية ضدَّ العدو (أي إيران) الذي تعدُّه_ خطرًا وجوديًّا، وقبلت على مضض بوقف القصف على بيروت باعتباره شرطًا إيرانيًّا للانخراط في جولة المفاوضات. ومن المحتمل أن تسعى إسرائيل – التي قالت إنَّ حربها مع إيران لم تستكمل، وأن ثمَّة أهدافًا ينبغي عليها تحقيقها لتحقيق الردع، وألمحت إلى أنَّها ستواصل استهداف القيادات الإيرانية – إلى إجهاض الهدنة في الفترة المقبلة، سواء عبر تصعيدٍ يستلزم من إيران تصعيدًا مُماثلًا أو تأكيدًا على إنهاء التزامها بالهدنة مع الولايات المتحدة، أو من طريق القيام بخطوة من شأنها القضاء على وقف إطلاق النار، خصوصًا في ضوء تأكيدها على ضرورة فصل المشهد اللبناني عن الهدنة مع إيران والرغبة في القضاء على الخطر الذي يمثله “حزب الله” على مستوطنات الشمال بشكل خاص، وعلى إسرائيل عمومًا.
وهنا تجدر الإشارة إلى وجود سوابق لإسرائيل، خلال الحرب، في إطار محاولات ضرب أيِّ مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، وإجهاض كل اتفاق محتمل بينهما، كما فعلت عندما اغتالت أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني “علي لاريجاني”، الذي كان يتولى إدارة المفاوضات في الجولة الأخيرة من المحادثات بين واشنطن وطهران في فبراير 2026. كما سارعت، قبل انتهاء المهلة التي حددها ترامب، وفي إطار دفعها بقوة نحو تدمير محطات الطاقة الإيرانية، إلى شنِّ هجوم في 6 أبريل 2026، على أكبر موقع للصناعات البتروكيماوية الإيرانية في عسلوية، والذي يُنتج نحو 50 في المئة من إجمالي إنتاج إيران من البتروكيماويات؛ بهدف إيصال رسالة إلى إيران حول جدِّية التلويح بتنفيذ التهديد المتعلق بتدمير البنية التحتية الإيرانية؛ فإسرائيل دائمًا تمسك بعود كبريت لإشعال أي اتفاق محتمل أو تفاهم قريب بين واشنطن وطهران.
4- عدم تقديم “الحرس الثوري” تنازلات تجاه القضايا الخلافية مع واشنطن. يأتي هذا العائق من الداخل الإيراني، في ظل السيطرة الكلية للحرس الثوري على مقاليد القرار، لاسيما في ضوء غياب الحضور الفعلي للمرشد الجديد “مجتبى خامنئي” الذي يُعدُّ في الوضع التقليدي المُمسِك الوحيد بمقاليد القرار السيادي الإيراني. يُعاني المجال السياسي الإيراني من تشظٍ في مراجع اتخاذ القرار. وعلى الرغم من مشاركة عدد من جنرالات الحرس الثوري في المفاوضات التي استضافتها باكستان، فإن الحرس أظهر أنه يحمل أجندة مختلفة لا ينوي التنازل عنها، خُصوصًا في مجال السيطرة على مضيق هرمز؛ حيث الاختلاف الأساسي بين واشنطن وطهران.
كما أن هناك عدة ميليشيات داخل بعض دول الإقليم متحالفة مع الحرس الثوري تؤثر في المشهد أيضًا، وبينما أعلنت هذه الميليشيات التزامها بهدنة الأسبوعين، فإنها أظهرت في خلال اليوم الأول منها مستويات من عدم الالتزام حين أطلقت صواريخ ومسيرات باتجاه بعض الدول العربية المجاورة، بما يمكن أنْ يزيد احتمال عدم التزامها بالهدنة نتيجة حسابات داخلية أو نتيجة إيعاز من “الحرس الثوري” أو قناعة بضرورة الرد على تصعيد تقوم به إسرائيل.
5- الخلافات بين الأطراف الإقليمية بشأن جدوى التهدئة مع إيران: وهو ما تبديه دول الخليج بالأساس؛ لأنها ليست طرفًا في المفاوضات بين واشنطن وطهران رغم تعرضها للاستهداف خلال الحرب من قبل إيران، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن ملف الصواريخ البالستية الإيرانية الذي كان على مرِّ الأعوام الماضية أحد مواطن الخلاف الأساسية بين إيران والمجتمع الدولي، لكنه يبدو غائبًا في المفاوضات الأخيرة؛ سواءٌ بسبب الضربات التي تلقاها البرنامج الصاروخي الإيراني أو بسبب التركيز الأمريكي على أولويات أخرى. فالتسويات الكبرى لا تتطلب اتفاقًا بين الأطراف المباشرة فقط، بل إعادة ترتيب أوسع في التوازنات الإقليمية والدولية، وهي عملية تتجاوز حدود أي تفاوض ثنائي.
خلاصة القول: إن مستقبل المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، ومآلاتها، يتمثل في ثلاثة سيناريوهات أساسية: أولها، الاتفاق الشامل (وهو المسار الذي تسعى إليه عدة أطراف إقليمية ودولية، تمثلها باكستان التي تواصل جهودها لعقد صفقة بين الجانبين تنهي الحرب، وتُفضي إلى فضِّ الخلاف بشأن بعض الملفات العالقة، لكنه خيار مُستبعَد حاليًّا). وثانيها، انهيار المفاوضات والعودة للمواجهة العسكرية بدفع من الجاهزية الأمريكية والرغبة الإسرائيلية، ويدعم الخطاب الأمريكي عالي النبرة هذا الخيار، بالتركيز على منطق الضغط الأقصى المسنود بالقوة الناجزة، والتأكيد على أن التهدئة لم تُنهِ الحرب وإنما جمَّدتها مؤقتًا في انتظار نتائج مرضية.
وثالثها، مواصلة الولايات المتحدة الحصار البحري على إيران وهو المسار الذي قرَّر الرئيس الأمريكي فرضه على إيران ابتداء من 13 أبريل 2026، وبدأت البحرية الأمريكية في تطبيقه ردًّا على قرار إيران بإغلاق المضيق. ويضعُ مسار الحصار الجانبين في سياقٍ يشبه لعبة ليِّ الأذرع؛ فعلى الجانب الأمريكي، ثمة قناعة بأن الحصار الذي يمكن توسيع نطاقه، يحصد من الثمار أكثر من الذي تحصده العودة إلى الحرب. وتعلن قيادة القوات المركزية الأمريكية أنَّ الحصار استطاع أنْ يوقف حركة الملاحة نحو إيران، بما فيها الملاحة النفطية التي يستند عليها الاقتصاد الإيراني. ورابعها، اللجوء لسيناريو “أنصاف الحلول” عبر اتفاق جزئي يُمدِد الهدنة مقابل خطوات من شأنها التوصل إلى إطار عمل مشترك لإثبات حُسْن النوايا والتحول من انهيار الثقة إلى استعادة الثقة إلى إجراءات من شأنها بناء الثقة بل وتمتينها بين الطرفين، وجدولة الملفات الخلافية مستقبلًا.
وربما يكون المزج بين الخيار الثالث والرابع (السيناريو الهجين) هو الأكثر ترجيحًا بما يؤدي إلى عدم العودة إلى الخيار الأقصى، بل تشير الأوضاع- على الأغلب- إلى تصعيد مضبوط تحت سقف محدد، أي حرب محدودة الأدوات حتى وإن امتدت في الزمن، بضربات انتقائية ومواجهات مستمرة في المضيق وحواليه، ويصاحب ذلك مفاوضات غير مباشرة. وبالطبع سترد إيران بضربات محسوبة ومحدودة، تثبيتًا للردع دون الانزلاق إلى حرب أوسع، وستوظف قدراتها في الاحتكاك البحري، وهي قدرات بدا أن لها فاعلية ونجاعة في الفترة الماضية، ولا يستبعد أن تزيد الضغط على الملاحة عن طريق حلفائها جماعة أنصار الله (الحوثيين) في مضيق باب المندب، على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ومن ثم، يمكن هنا الإشارة إلى غلبة سيناريو الحرب المحدودة الممتدة زمنيًّا على سيناريو الحرب الشاملة أو السلام النهائي والمستقر والمستدام. فهذه لحظة يغلب عليها ممارسة ضغط متبادل، تحت سقف هدنٍ سياسية هشة، لاسيما في ظل تعلم واشنطن من دروسها السابقة في كلٍّ من (العراق، وأفغانستان) بحيث تميل واشنطن إلى إدارة التصعيد بأقل التكاليف البشرية والأعباء المالية، بعيدًا عن مغامرات الحسم العسكري الشامل التي جُرِّبت في البلدين، فكانت النتيجة هزيمة إستراتيجية، قياسًا على الأهداف المعلنة. لذلك، لا يُرجَّح أن تتطور الأحداث في اتجاه مسار يُبنى على ثنائية حرب أو سلم بل على ما يقتضيه تفاوض متعثر في سياق حرب مضبوطة، أو محدودة تعيد إنتاج التفاوض وفق قواعد الضغط والإكراه المتبادل.
ومن ثم، يمكن القول إن أخطر ما قد يحققه الاتفاق أو التهدئة الظرفية ليس إنهاء الحرب وإنما تحويلها إلى نظام مستدام؛ أي صراع لا ينفجر ولا ينتهي في الوقت نفسه، لاسيما في ظل عمق التباين بين الطرفين (الأمريكي، والإيراني) لاختلافات جوهرية تمس مفاهيم الأمن والسلام والتوازنات الإقليمية والدولية، على نحو يعكس صراعًا بين نموذجين: نموذج الهيمنة الأمنية الأمريكية، ونموذج الاستقلال الإستراتيجي الإيراني، إلى جانب انعدام الثقة المتراكم، الذي خلَّفته تجارب الفشل والانهيار في المفاوضات السابقة، وعلى رأسها تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال إدارة دونالد ترامب الأولى.




