2026العدد 206

محدودية القوَّة الأمريكية في الحرب الإيرانية.

بطموحات واسعة وسلة كبيرة من الخيارات دخلت إدارة الرئيس الأمريكي، واحدة من أكبر مغامراتها الجيوسياسية، الحرب على إيران “عملية الغضب الملحمي”، رغم اعتراض دول الخليج العربي على الحرب واستشرافها لمخاطرها، دخلت إدارة ترامب الحرب ضمن خطة تهدف إلى إعادة تشكيل إيران، سواء من خلال إسقاط النظام الحالي وتنصيب نظام يتوافق مع السياسات الأمريكية، أو عبر تفكيك إيران وإنهاء شكلها الحالي، وربما هذا ما قصده الرئيس دونالد ترامب حين هدَّد بمسح إيران عن الوجود.

نظريًّا، بدت المعادلة بسيطة، فارق ميزان القوى، وفسيفسائية إيران، وأزماتها الاقتصادية، ومشاكلها السياسية، كلها معطيات ترجح إمكانية تحقيق تهديدات الرئيس ترامب، ولا سيما إذا جرى إسناد ذلك بضربات مكثَّفة لأسابيع، لكن على الأرض تبدو التفاعلات مختلفة تمامًا، وأن الحسابات الأمريكية وقعت في فخ الاستسهال، دون الأخذ في الاعتبار حقائق عديدةً حاكمة، منها: أن الحضارات والأمم تضعُف ولكنها لا تنتهي بالشكل الذي يجري تصويره، وتتألم لكنها لا تفقد القدرة على الصمود.

بيد أن الأهم من كل ذلك، أن هناك حدودًا لقدرة أية قوى كبرى تعوقها عن تحقيق ما تريده، بدليل أن القوى الاستعمارية كانت قوًى كبرى ولكنها انهزمت أمام حركات تحرُّر وبإمكانات محدودة، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، تراجعت عن مشاريعها في فيتنام وأفغانستان تحت ضغط الخسائر، ولم تسعفها ترسانات صنوف الأسلحة المتطورة من خروج المهزومين، ففي فيتنام لم تستطع القوَّة الناريَّة الأمريكية- على ضخامتها- أنْ تحسم الصِّراع مع قوَّة محلِّيَّة امتلكت الارتباط العضوي بالأرض، والقدرة على الاستنزاف، والنفَس الطويل. وفي أفغانستان، لم يكن الإنفاق الهائل ولا التفوُّق الجوِّي كافيَين لتحويل السيطرة العسكرية إلى استقرار سياسي دائم، ولا شك أن إيران قرأت مسيرة الهزائم الأمريكية وتعلمت منها أن الصمود والصبر أهم عوامل لهزيمة القوى، رغم جبروتها، إلا أنها ضعيفة أمام الخسائر والوقت.

التقييم الخاطئ”فخ التقديرات المتعجلة”.

بنى الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تصوراته لقدرة الولايات المتحدة على تحطيم إيران، بناء على ما قدمته أجهزة التقدير من قراءات للواقع الإيراني والثغرات التي يمكن من خلالها تحقيق انتصار كاسح، سيؤدي إلى دفع إيران إلى الانهيار، وقد صمَّمت إدارة ترامب إستراتيجية عسكرية لإنجاز المهمة؛ بِناءً على هذه المعطيات التقديرية، التي رسمت صورة سهلة للحرب، لدرجة نسي معها واضعو الإستراتيجية تحديد رؤية لما يُراد تحقيقه من هذه الحرب، وبالطبع عدم وضع إستراتيجية خروج منها، وهو نهج غير مهني في تخطيط السياسات العسكرية والخارجية.

وقد أشَّر ضعف التقديرات إلى عدم فهم لديناميكيات الصراع، وهو ما كانت دول الخليج العربي قد نبهت الإدارة الأمريكية إليه قبل التورط في الحرب، لكن بدا واضحًا أن جزءًا من هذه التقديرات قد أسهمت إسرائيل بوضعه، إما لضعف في التقدير لها، أو رغبة في توريط الإدارة الأمريكية في هذه الحرب، ولعل من أبرز هذه التقديرات ما يلي:

قتل القيادات عامل حاسم في النصر: حيث تم اللجوء إلى هذه الوسيلة كافتتاحية للحرب، بناء على تقدير أن قتل رأس النظام الإيراني، سيؤدي مباشرة إلى خلق حالة من الفوضى وحالة من الشلل العام على صعيد اتخاذ القرار، ولا سيما بعد قتل أعداد كبيرة من الصف الأول في الحرس الثوري والاستخبارات، الأمر الذي سيعطل قنوات الاتصال ويجعل إيران دون قيادة ويقطع جميع الاتصالات بين القادة والوحدات القتالية، الأمر الذي من شأنه تسريع عملية الحسم واستسلام إيران دون شروط.

لم يأخذ هذا التقدير بعين الاعتبار حقيقة أن النظام الإيراني تجهَّز جيدًا لمثل هذا الاحتمال، وشكَّل قيادة بديلة في أغلب مستويات القرار لقيادة الحرب، وهو ما تم تفعيله مباشرة في اليوم التالي لاغتيال قادة الصف الأول؛ فقد انتقلت  القيادة الإيرانية إلى بنية قيادة لا مركزية، وعُين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى، وهي خطوة منعت فراغًا سلطويًّا رغم تصفية كبار المسؤولين.

تثوير الشارع الإيراني: وضعت التقديرات الأمريكية -الإسرائيلية إمكانية استثمار الشارع الإيراني للحرب، بعد مقتل القيادات الرئيسة والثورة على النظام، في مكان البديهيات وليس الاحتمالات، وقد تأثرت هذه التقديرات بالتطورات التي شهدتها إيران قبل الحرب بفترة قصيرة، وقمع نظام الملالي للثورة بالحديد والنار، كما وضعت تلك التقديرات بالتوازي مع إمكانية نهوض القوميات ضد السلطة الفارسية؛ حيث العلاقة بين الطرفين متوترة وتصل أحيانًا إلى حد الاشتباك. وبالتالي، فإنه وفقًا لهذا التقدير فإن إيران إن نجت من ثورة داخلية، ستدخل في صراعات قومية تؤدي إلى تفككها.

ما فات هذه التقديرات أن الأمور تتغير في أثناء الحرب وتتغير مواقف الشعوب، لا سيما النواة الأساسية للشعب الإيراني وهم الفرس؛ إذ إن الفرس وإن كانوا يختلفون مع نظام الحكم حول الحقوق والامتيازات وتوزيع الحصص، إلا أنهم يؤيدون سياسات النظام الإقليمية ونفوذه الخارجي، كما يؤيدون برامجه النووية والصاروخية، وهي القضايا التي شكَّلت العناوين الأساسية للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على النظام الإيراني. وأما فيما يخص القوميات الإيرانية، فهي غير موحدة على هدف واحد، وأغلبها، باستثناء القومية الكردية، لا يسعى للانفصال بقدر ما يطالب بتحسين الأوضاع الداخلية.

اختلال ميزان القوى: إذ ركزت التقديرات الأمريكية والإسرائيلية على دور فارق القوَّة بين الطرفين في حسم نتيجة الحرب وتسريع عملية استسلام إيران، في ظل كثافة نيرانية هائلة وبنك أهداف دقيق، إلا أن الوقائع كشفت أن إيران نجحت في إدارة الحرب اللا متماثلة بما تملكه من إمكانات، كما تبين أن مخزونات إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة تم إخفاؤها داخل جبال محصنة يصعب استهدافها.

الرهان على الانقسام داخل القيادة الإيرانية: برز هذا الرهان بشكل جلي بعد أن تبينت القيادة الأمريكية صعوبة تحقيق أهدافها في إسقاط النظام؛ حيث راجت نظريات عن حصول انقسامات داخل بنية القيادة حول الموقف من الحرب والاستمرار بالمواجهة. وقد أشاعت مراكز الدراسات والصحافة الغربية- في مرحلة من المراحل- أن هناك معتدلين ومتطرفين داخل القيادة، وأن صراعًا ينشب بينهم تظهر نتائجه في عدم القدرة على اتخاذ قرار واضح من المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل وصل الاعتقاد إلى أن انفجارًا قادمًا داخل النظام الإيراني، وقد يفوز به المعتدلون، مقابل قادة الحرس الثوري.

تعتمد بنية الحكم في إيران على مزيج معقد من المؤسسات (الدينية، والعسكرية، والأمنية) يتصدرها الحرس الثوري، الذي تحول خلال السنوات الماضية من قوة عسكرية إلى عمود فقري للنظام.

ومع تصاعد التهديدات، بدا واضحًا أن هذا الجهاز أدى الدور الحاسم في احتواء التحديات، سواء من خلال تعزيز القبضة الأمنية أو توسيع نطاق نفوذه داخل مؤسسات الدولة، ويبدو أن النظام حقق نجاحًا في إدارة التوازنات داخل النخبة الحاكمة، وتجنب الانقسامات الحادة التي قد تضعف الجبهة الداخلية. فالنظام يدرك أن تماسك النخبة يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي تهديد وجودي مقلق.

“من خارج صندوق الحسابات” أوراق قوَّة لم تلحظها التقديرات.

تمتلك إيران جملة من العوامل تساعدها على البقاء ومواجهة المخاطر، ولطالما أكدت الدبلوماسية الخليجية، والعربية عمومًا، على حقيقة أن إيران جزء من الإقليم باقية ما دامت الجغرافيا قدرٌ يصعب الفكاك منه، وبالتالي فإن التوصل معها إلى تفاهمات سياسية تعقلن سياساتها وتوجهاتها الخارجية، أفضل من الاشتباك العسكري معها الذي لن يربح منه أحد. هذا الإدراك العربي مردُّه الفهم الواقعي لعناصر قوة إيران، والتي لا يبدو أن إدارة ترامب فهمتها، وهذه العناصر:

الجغرافية عنصر قوة: فإيران التي تبلغ مساحتها أكثر من مليون وستمائة ألف كيلو متر مربع، بتضاريس معقدة، قادرة على استنزاف أي قوة مهما كانت كبيرة في أي صراع. وتعد الجغرافيا واحدة من مكونات نظرية القوة، التي رسختها مدرسة “الواقعية السياسية” في العلاقات الدولية؛ حيث جسدت حمولة الجغرافيا على  السياسة والاقتصاد معًا، وقد أجملت النظرية عناصر قوة الدولة في: الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والطاقة الصناعية، والاستعداد العسكري، والسكان، والشخصية القومية، والروح المعنوية العامة، ونوع الدبلوماسية، ونمط نظام الحكم، معتبرة أن الجغرافيا هي أكثر العناصر استقرارًا في بناء قوة أي دولة.

ورغم ظهور بعض الأفكار التي تقلِّل من أهمية دور الجغرافيا في الحروب الحديثة؛ نظرًا للتطور التقني الكبير في وسائل الاتصال والمواصلات، إلا أن الوقائع على الساحة الدولية تثبت أن دور الجغرافيا أساسي بشكل كبير لدى تقييم عناصر قوة الدولة، ومن الصعب إزاحته في المستقبل المنظور.

استطاعت إيران توظيف العامل الجغرافي في حربها؛ فقد منحتها الجغرافية عوامل مساعدة كثيرة للتعامل مع التحديات والمخاطر الخارجية، مثل: اتساع المساحة ووعورة الأرض، والانفتاح والتشبيك الجغرافي مع دول جوار عديدة، وبعض هذه العناصر لا يتم تفعيلها إلا وقت الأزمات والحروب الكبرى، أو ربما تظهر فعاليتها الحقيقية في مثل هذه الأوقات.

مضيق هرمز وانقلاب المعادلة: لعل أهم عنصر في هذه الجغرافية يتمثل في إشراف إيران على مضيق هرمز، الذي يُصنف كأحد الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم؛ حيث يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط والغاز العالمية، والذي أدى اضطراب الحركة فيه إلى نشوء أمواج من التداعيات غير المحسوبة، من نوع ارتفاع أسعار الطاقة على المستوى العالمي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع نسب التضخم في بلدان عديدة، وتفاقم حالة القلق في الأسواق المالية العالمية.

وقد كسبت إيران، من خلال سيطرتها على الحركة في مضيق هرمز، نفوذًا كبيرًا؛ إذ إن هذه السيطرة تعني التحكم بنقطة العبور اللوجستية الحيوية لمنتجات الطاقة والبضائع الأساسية الأخرى؛ حيث تأثرت بشدة إمدادات الأسمدة الزراعية، والغازات الصناعية، مثل: الهيليوم، والألومنيوم، والبولي إيثيلين،… وغيرها من المدخلات الأساسية؛ إذ إنَّ أكثر من 30% من إمدادات الأسمدة في العالم واليوريا تأتي من دول الخليج، وهي منتجات ضرورية لقطاعات الزراعة والطب، التي تظهر تداعياتها بشكل مباشر على حياة البشر. وقد أدت أزمة الإغلاق إلى نقص كبير في وقود الطائرات، ما سيؤثر بدرجة كبيرة على النقل الجوي والخدمات اللوجستية وقطاع السياحة، ما يعني أن دولًا كثيرة ستتأثر بها قطاعات حيوية تشكل مصادر أساسية لرفد ميزانياتها.

 ويثبت الواقع، بما لا يدع مجالا للشك، أن إيران لا تحتاج إلى استخدام تكتيكات تقليدية وتجهيزات عسكرية وموارد كبيرة للاحتفاظ بسيطرتها على مضيق هرمز؛ إذ يكفي مواصلة الهجمات أو حتى مجرد التهديد بها لإغلاق المضيق فعليًّا،  ما يعني عمليًّا أن إيران باتت تملك ورقة بحجم قوة نووية من شأنها إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من جديد.

ومن الواضح أن إيران تريد تحويل الجغرافيا إلى ابتزاز، والبحر إلى أداة ضغط على العالم، ومن شأن نجاح إيران في هذا الأمر إعادة صياغة معادلات القوة في النظام الدولي الحالي. من هنا، ينظر الأمريكيون لأزمة مضيق هرمز، وقدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة عبره على أن ذلك ليس مجرد أزمة ملاحية وحسب، ولكنه تهديد فعلي للتفوق البحري الأمريكي؛ حيث يعتقد الأمريكيون أن ريادتهم الدولية نتجت عن عدة عوامل: في مقدمتها، تأمين حركة الملاحة عبر البحار والمضائق الدولية، الأمر الذي يعد مهمة عدد كبير من السفن الحربية والمدمرات وحاملات الطائرات والغواصات الأمريكية حول العالم.

إن الخلل في حركة الملاحة البحرية في الخليج العربي لا يعد مجرد خلل في تدفق إمدادات الطاقة العالمية، وما يتعلق بها من منتجات وحسب، ولكنه يُفهم أمريكيًّا على أنه إشارة ضعف يمكن أن تلتقطها أطراف متعددة (إقليمية، ودولية)، وهذا ما لا تريده واشنطن، في وقت تواجه فيه تحديات خطيرة، في شرق آسيا وأوروبا.

نجحت إيران في استخدام ورقة مضيق هرمز في أن تفرض على أمريكا تغيير أولوياتها وتعديل شروط التفاوض والأهداف، لم يعد الهدف من الحرب إسقاط النظام ولا إجبار إيران على توقيع اتفاق نووي من موقع ضعيف، كما لا يعد البرنامج الصاروخي أولوية للمفاوضات مع إيران، بل أصبح فتح مضيق هرمز أمام الملاحة وتسيير التجارة الهدف الأهم، ما يعني أن إيران استطاعت استنزاف طاقة أمريكا التفاوضية، وحرق الجزء الأكبر من أوراقها التفاوضية وحصره في مطلب واحد وهو فتح مضيق هرمز.

القدرة على التكيف.

يمتاز النظام الإيراني، جراء خبرته المديدة في الحكم، بالقدرة على التكيف مع المخاطر وتحويلها إلى فرص، ويمكن تأكيد ذلك من خلال تقييم قدرته في مجالين مهمين:

أولًا: القدرة على مجاراة الحرب والصمود، فقد ركزت التقديرات الأمريكية على فارق القوة بين الطرفين وميَلان ميزان القوة لصالح الأمريكيين والإسرائيليين، بالنظر لفارق التكنولوجيا والأسلحة الحديثة والميزانيات العسكرية الكبيرة، غير أن هذه الحسابات لم تأخذ بعين الاعتبار التحول الجاري في طبيعة الحروب، ولا سيما الحروب غير المتكافئة، والتي باتت تعيد تشكيل موازين القوى عالميًّا، والتجربة الأوكرانية في الحرب مع روسيا أعطت مثالًا ساطعًا على هذا الأمر؛ حيث أدى استخدام المسيرات، متدنية التكلفة إلى حد بعيد، من تقليص الفجوة التقليدية في القوة العسكرية.

ثانيًا: قدرة النظام على إدارة الأزمة، أظهر النظام الإيراني قدرة ملحوظة على إدارة الأزمة التي تعرض لها، ورغم التوقعات بأنه سينهار نتيجة الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية، فقد أدت الضغوط إلى تعزيز تماسك النخبة الحاكمة، وتم توجيه الاقتصاد نحو أنماط بديلة من التبادل التجاري والتمويل، ويعود السر في ذلك لخبرة النظام الإيراني في التكيف مع الضغوط؛ حيث تعامل هذا النظام على مدار عقود مع حالة حصار ومقاطعة وعزلة إقليمية وانتفاضات داخلية، دفعته إلى صناعة شبكات غير رسمية، ولا سيما في تجارة النفط والسلع الأساسية؛ لتجاوز القيود المفروضة. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات لم تحل الأزمات الاقتصادية الخانقة، إلا أنها أبقت على النظام وهذا ما يعتبره داعمو النظام انتصارًا على الأعداء. 

وعلى مدى نحو ثلاثة عقود، أُعيد تشكيل الاقتصاد الإيراني وفقًا لمبدأ “جوتشي” بكوريا الشمالية، وتكشف الأرقام أن إنتاج النفط والغاز يشكِّل ما بين (16 و20) في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لإيران، بينما تمثل السوق المحلية 60 بالمائة من الإجمالي، وقد اعتادت إيران على تصدير النفط دون الحصول على العائدات فورًا، وجاءت معظم الأموال التي تلقتها من السوق السوداء وعمليات غسل الأموال عبر بنوك خارجية.

ثالثًا: القدرة على التعايش مع الحصار، ويبدو أن إيران تنبهت لمسألة احتمالية تعرض موانئها للحصار كخيار ممكن أن تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية لدفعها إلى تقديم تنازلات معينة، ولا سيما في ظل إدارة ترامب التي اتبعت عدة طرق لخنقها اقتصاديًّا، ومن ثم عملت على إيجاد مسارات بديلة، عبر تحوُّل واضح في السياسات اللوجستية ضمن إطار نمط شبكي، بهدف توزيع المخاطر وتقليل التركيز في نقطة اختناق واحدة.

وقد تجلى هذا التحوُّل من خلال التركيز على الطرق البرية؛ فقد سعت إيران إلى الاستفادة من إمكانيات الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية، وهنا يمكن الاستفادة من المسار الغربي عبر تركيا للوصول إلى الأسواق الأوروبية. كما يؤدي العراق دورًا مهمًّا في تأمين السلع، بالإضافة إلى المسارات مع آسيا الوسطى وباكستان، كما بدأت إيران باستخدام السكك الحديدية في تجارتها مع الصين. صحيح أن هذه المسارات لا توازي أهمية مضيق هرمز والتجارة البحرية، لكن يمكنها التخفيف من حدة الحصار على الموانئ الإيرانية.

تبدل المواقع واحتراق الأوراق.

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الحرب، بناءً على جملة من التقديرات والحسابات والرهانات، اعتقدت من خلالها أن هزيمة إيران ستكون محسومة، ولدى التطبيق الميداني تكشفت أعطاب كثيرة في هذه التقديرات والحسابات، فانتقلت إلى خانة الرهانات، والتي ستكشف مجريات الحرب عن عدم واقعيتها، ولا سيما إسقاط النظام وثورة الأقليات الإيرانية، وبقيت ورقة الحصار الاقتصادي آخر الأوراق في جعبة إدارة ترامب، لكنها ورقة محروقة، فالنظام الذي قتل شعبه لمجرد المطالبة قبل أشهر قليلة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، لن يؤثر عليه الحصار الاقتصادي لدرجة أن يشكل مصدر تهديد من نشوب ثورة ضده.

وبدلًا من ذلك، وبعد أزمة مضيق هرمز، وتراجع قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إسقاط النظام أو إجباره على الاستسلام، أخذ النظام الإيراني يراهن على جملة متغيرات، قد تحصل وتضعه في موقع الرابح للحرب

ولعل الرهان على الانقسام داخل أمريكا وفي علاقاتها الخارجية أكثرها أهمية لدى قادة إيران، فقد كشفت الأزمة عن تململ داخل دوائر صنع القرار الأمريكي وانقسامات حادة داخل الكونغرس والمجتمع الأمريكي عمومًا حول توقيت الحرب وما إذا كانت أمريكا مضطرة لها، ويبدو أن دائرة الانقسام تتسع حتى بين مؤيدي إدارة ترامب وحواضنها (السياسية، والمجتمعية)، وتراهن إيران على أن إدارة ترامب لن تستطيع فعل أي شيء ضدها بعد؛ حيث ستكون الولايات المتحدة منشغلة بكأس العالم ولا ترغب في أي فعل قد يفسد هذه المناسبة، وبعدها سيبدأ الانشغال في التحضير لانتخابات الكونغرس النصفية، في تشرين الثاني-نوفمبر من العام الحالي، وطوال هذه المدة ستجري مياه كثيرة ويتراجع حماس ترامب، وبالتالي فإما أنه سيقدم تنازلات للإيرانيين في الملف النووي ومضيق هرمز، أو يعتبر ما حققته إيران على مستوى السيطرة على  مضيق هرمز ووضع نظام جديد للملاحة أمرًا واقعًا وخارج سياق التفاوض بين الطرفين ويمثل الرهان على الانقسام داخل التحالفات الأمريكية في المنطقة والعالم عاملًا مهمًّا في حسابات إيران، التي تعتقد أن التداعيات الاقتصادية ستدفع أوروبا إلى إيجاد طرق للتعامل مع إيران، وفي الخليج العربي، وبعد أن اكتشف هذه الدول أن أمريكا لم تعطِ لحساباتها الأمنية أية أهمية، كما لم تفعل الكثير لحماية أمنها، ستسعى إلى البحث عن وسائل جديدة لحل الأزمة في خليج هرمز بالتفاهم مع إيران.

والملاحظ أن أمريكا، وبدلًا من مسح إيران من الوجود، باتت تقع تحت ظلال أزمة خطيرة تتمثل بمحدودية القوة الأمريكية، فاستمرار النزاع لفترات أطول قد يؤثر على التوازن الإستراتيجي مع الصين وروسيا، ما يضع الولايات المتحدة في موقف ضعف أمام خصوم أقوى، ولا سيما في ظل إرهاق القوتين (الجوية، والبحرية) الأمريكية، اللتين تُعدان الأذرع الأساسية في الحروب الخارجية.

استهلكت أمريكا في حربها مع إيران جميع أوراق القوة دون تحقيق نتائج مهمة، وبعد أن كان هدف الحرب فرض الاستسلام على إيران، تراجعت واشنطن إلى التفاوض على فتح مضيق هرمز، فيما يبدو أنه إدراك متأخر ومكلف لمحدودية القوة، وثمنٌ عادلٌ للجهل بتاريخ الشعوب وقدرتها على الصمود في وجه أعتى المحن.

اظهر المزيد

غازي دحمان

كــاتب ســـوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى