2026العدد 206

تداعيات إستراتيجية إيران بأقلمة الحرب وتحويلها عبر هرمز إلى حرب اقتصادية.

شكلت الإستراتيجية الإيرانية تجسيدًا صريحًا لتوظيف مفهوم أقلمة الحرب بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير المنصرم، من خلال نقل مركز الثقل الإستراتيجي من ميدان المواجهة المباشرة إلى ساحات التأثير الإقليمي والدولي، بما يسمح بإعادة توزيع الكلفة الإستراتيجية للصراع على نطاق أوسع، ويحتل مضيق هرمز موقعًا محوريًّا في هذه المقاربة، باعتباره أحد أهم الاختناقات الجيوسياسية في النظام الاقتصادي العالمي، بما منح إيران قدرة كامنة على تحويله من ممر ملاحي إلى أداة للإكراه الاقتصادي والضغط الإستراتيجي، عبر تهديد تدفقات الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل دراسة هذا التحول لا تقتصر على تحليل السلوك الإيراني في لحظة أزمة، بل تمتد لفهم التحول الأوسع في طبيعة القوة؛ حيث أصبحت السيطرة على الجغرافيا الاقتصادية جزءًا أصيلًا من إدارة الصراع وصناعة الردع.

انطلاقًا من هذا، تبرُز مجموعة من التساؤلات المركزية لعل أبرزها ما يلي: كيف يمكن تأطير مفهوم أقلمة الحرب ضمن الأدبيات الإستراتيجية المعاصرة؟ وكيف توظف إيران الجغرافيا الاقتصادية لمضيق هرمز كأداة للإكراه الإستراتيجي وتحويله إلى ساحة حرب اقتصادية؟ وما الآليات التي اعتمدت عليها في نقل الصراع من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي؟ وما الأهداف الإستراتيجية التي تسعى طهران إلى تحقيقها من خلال تدويل الكلفة الاقتصادية للحرب وأقلمة آثارها؟ وأخيرًا، ما طبيعة التداعيات الناتجة عن هذه الإستراتيجية على بنية النظام الإقليمي وعلى معادلات الأمن الدولي لاسيما في ظل تصاعد مركزية أمن الطاقة والممرات البحرية في إعادة تشكيل توازنات القوة العالمية؟ 

الإطار النظري لمفهوم أقلمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

أرسى “باري بوزان”، و”أولي ويفر” الأُطر التحليلية لنظرية مجمع الأمن الإقليمي ليعرِّفا المنطقة الأمنية بوصفها وحدة تتميز بنمط داخلي من الاعتماد الأمني المتبادل، وتتفاعل مع محيطها الدولي عبر آليتين متمايزتين: الانتشار الرأسي للتهديدات من المركز نحو الأطراف، والانتشار الأفقي عبر الامتداد الجغرافي المتصل،  ومن ثم لا يمكن اعتبار مفهوم أقلمة الحرب مفهومًا وليدًا في أدبيات دراسات الأمن؛ إذ شهد تصاعدًا ملحوظًا بين الأكاديميين في أعقاب تحولات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ حيث يُقصد بالمفهوم في أبسط تعريفاته: العملية التي تتجاوز بموجبها الديناميكيات الصراعية، الحدود الوطنية لتخلق شبكات متشابكة من التوترات والتهديدات عبر منظومة إقليمية أوسع، ما يجعل مفهوم أقلمة الحرب إحدى الإستراتيجيات، التي تلجأ إليها الدول ذات القدرات الاعتراضية المحدودة حين تجد نفسها في مواجهة تفوق عسكري ساحق، فتعمد إلى توسيع دائرة النزاع (جغرافيًّا، واقتصاديًّا، وسياسيًّا) بهدف رفع تكاليف الحرب على الخصم إلى مستوى يُجاوز منافعها المتوقعة. 

يكتسب هذا الإطار النظري أهمية بالغة في السياق الإيراني تحديدًا؛ إذ إن الجمهورية الإسلامية بحكم موقعها الجغرافي في قلب ثلاثة أنظمة أمنية فرعية: الخليج العربي، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، تحتل مكانة القوة المُنشِئة لمعادلات الربط الأمني بين هذه الأنظمة، ومن ثم، فإن إطلاق الحرب ضدها، أو انخراطها في صراع مباشر، لا يظل محدودًا بحدودها الوطنية، بل يُفضي إلى تنشيط آليات الانتشار والإسقاط عبر المجمع الأمني الأشمل؛ حيث وظفت طهران لعقود شبكة واسعة من الفاعلين من غير الدول (حزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي باليمن، والفصائل العراقية المسلحة) بوصفها أذرعًا إقليمية تمكنها من توزيع التكاليف الإستراتيجية وتقليص الأعباء الموجهة مباشرة إليها([1]).

لذا تتقاطع في تفسير تعطيل الجمهورية الإسلامية لمضيق هرمز ثلاثة أطر نظرية رئيسة: الأولى، نظرية الردع الموسع اللاتماثلي التي تتمحور حول قدرة الدول الأضعف على تعويض الفجوة في القوة التقليدية باستهداف ركائز النظام الدولي الاقتصادية، وبإغلاق مضيق هرمز خلقت طهران نموذجًا جديدًا للردع يقوم على المخاطرة الاقتصادية لا على التوازن العسكري التقليدي. بينما الإطار الثاني يتمثل في نظرية الإكراه الاقتصادي، التي تمكن الدول من استخدام الأدوات الاقتصادية كأسلحة إستراتيجية؛ فالنفوذ الإيراني في هرمز يقوم على واقع اقتصادي غير قابل للدحض؛ إذ تعتمد ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية و25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال على حرية الملاحة في هذا الممر. أما الإطار الثالث، يرتبط بالنظرية الأمنية؛ حيث تُسهم مدرسة كوبنهاغن في فهم الديناميكيات الإيرانية من خلال نهجها الشامل للأمن، الذي يُقسم المفهوم إلى أبعاد (عسكرية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وبيئية)، وفي هذا الإطار، نجحت طهران في تحويل مضيق هرمز من مسألة ملاحية بحتة إلى قضية أمن وجودي تمس النظام الاقتصادي العالمي برمته، مما يُوسع قاعدة الأطراف المعنية بالصراع، وتتحول الدول المستهلكة الكبرى لطاقة هرمز كـ(الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ودول الآسيان) من أطراف متضررة سلبيًّا إلى فاعلين رئيسين باتت مصالحهم الاقتصادية تفرض عليهم مسؤولية سياسية مباشرة في إدارة الاستقرار في المنطقة([2]).

الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز. 

لا يُمثل مضيق هرمز ممر مائي ضيق تفصله حدود إيران وسلطنة عُمان، بل هو البنية الجغرافية الاقتصادية الأكثر تأثيرًا في استقرار الاقتصاد العالمي، فرغم أن عرضه عند أضيق نقطة لا يتجاوز 34 كيلومترًا (21 ميلًا)، ولا تتعدى كل حارة ملاحية فيه ثلاثة أميال بحرية، إلا أن قيمة هذا الممر الإستراتيجي تقاس بنسبة حركة التجارة العالمية التي يحتجزها وبغياب البدائل القابلة للاستدامة، وهو ما يجعل هرمز النموذج الأكثر اكتمالًا لمفهوم نقطة الخنق الإستراتيجي في الأدبيات الأمنية المعاصرة؛ إذ يُعد من أبرز نقاط العبور النفطية في العالم حساسيةً وأكثرها أهمية، لذا فإن إغلاقه يعني حرمان الأسواق الدولية من الجزء الأكبر من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية العالمية([3])

تمنح هذه الحقيقة الجغرافية الاقتصادية إيران، بحكم إشرافها المباشر على الساحل الشمالي للمضيق، نفوذًا هيكليًّا فريدًا لا تستطيع أي قوة عسكرية خارجية أن تُلغيه بقرار سياسي، بل ينبغي لمواجهته خوض عمليات عسكرية مكثفة ومكلفة تطال البنية التحتية الساحلية الإيرانية بأسرها، ويرتكز النفوذ الإيراني في جوهره على غياب بدائل تستوعب حجم التدفق العادي في حال انقطاعه، فلا تمتلك سوى السعودية والإمارات خطوط أنابيب تعمل فعليًّا وتستطيع إعادة توجيه صادراتها متجاوزةً المضيق؛ إذ تصل الطاقة الإجمالية المتاحة لهذين المسارين البديلين ما بين (3.5 و5.5) مليون برميل يوميًّا فحسب، أما (العراق، والكويت، والبحرين، وإيران ذاتها)، فلا تمتلك أيٌّ منها بنية تحتية للأنابيب تمكنها من تجاوز المضيق، مما يجعل صادراتها رهينةً كليًّا لفتح المضيق([4]).

ولعل القيمة الإكراهية لهرمز تتجلى في أثرها الاقتصادي، وهو ما يكشف عن نموذج الضغط التدرجي الذي مكَّن إيران من ترجمة ورقة الجغرافيا إلى نفوذ تفاوضي حقيقي؛ حيث تشير البيانات إلى أن سعر خام برنت ارتفع بنسبة 10-13% في غضون أيام من اندلاع الحرب. وعلى المستوى الكلي، رصد تقرير الأونكتاد في تقييمه لأزمة هرمز تباطؤ نمو التجارة السلعية العالمية من نحو 4.7% في عام 2025، إلى ما بين 1.5% و2.5% في عام 2026، في ظل تراجع الطلب العالمي وتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وقد قدرت دراسات اقتصادية متخصصة أن تكلفة إغلاق مضيق هرمز تبلغ نحو 20 مليار دولار يوميًّا في صورة خسائر للناتج المحلي الإجمالي العالمي([5]).

وفي هذا السياق، لا يُمثل الموقع الجغرافي للمضيق وحده مصدر النفوذ الإكراهي، بل ثمة أهمية جوهرية للمنظومة العسكرية التي تُحول تلك الجغرافيا إلى تهديد قابل للتنفيذ؛ حيث يعتمد التفوق الإيراني على تضافر الجغرافيا مع استثمار مدروس في قدرات بحرية متخصصة للمياه الضيقة، تشمل: أساطيل القوارب السريعة، والحقول البحرية من الألغام، والبطاريات الصاروخية الساحلية، وأساليب الأسراب المنسقة للزوارق الصغيرة، فبينما يكفي لإيران في حالة الصراع المفتوح توجيه أي قذيفة متفجرة نحو ناقلات النفط أو ناقلات الغاز لتحقيق الشلل الوظيفي، تضطر الولايات المتحدة إلى تنفيذ عمليات واسعة النطاق لقمع البنية العسكرية الساحلية الإيرانية قبل أن تستطيع ضمان الملاحة الآمنة المستدامة([6])

المحفزات الإيرانية لإرساء حرب اقتصادية إقليمية.  

تنبثق إستراتيجية إيران في تحويل الصراع العسكري إلى حرب اقتصادية من ضرورة وجودية فرضتها المعطيات الميدانية بعد اندلاع المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير 2026، فحين واجهت الجمهورية الإسلامية ضربات جوية غير مسبوقة النطاق والعمق طالت منظومات الدفاع الجوي ومواقع التخصيب النووي ورأس الهرم القيادي، أدرك صانعو القرار الإيراني أن مواصلة الصراع في الميدان التقليدي تعني قبول شروط الخصم على أرض يمتلك فيها تفوقًا ساحقًا. في مقابل ذلك، وفر مضيق هرمز ميدانًا بديلًا تنقلب فيه موازين القوة النسبية؛ ليحقق جملة من المكاسب الإستراتيجية لطهران لعل أبرزها ما يلي:

حماية النظام: يُشكل الهدف الأول والأهم في الإستراتيجية الإيرانية هو ضمان استمرار النظام القائم في مواجهة عمليات أنتجت انهيارًا سريعًا؛ حيث وسعت إستراتيجية الحرب الإيرانية دائرة الصراع لتشمل الميدانين (السياسي، والاقتصادي) بالتوازي مع العسكري، بهدف الصمود أمام القصف حتى تغدو الكلفة التي يتحملها الطرف الأمريكي والإسرائيلي مستعصية على الاستدامة لتتحول إلى ضغط سياسي داخلي يُقيد خيارات القوى الكبرى. 

إنقاذ الشرعية الداخلية: عانت الجمهورية الإسلامية، قبيل حرب فبراير، من أزمة شرعية حادة تجلت في احتجاجات يناير 2026، وسقوط آلاف القتلى المدنيين، لذا وفرت الحرب فرصة لتوحيد الرأي الداخلي تحت راية الوجود القومي؛ إذ أطَّر النظام الحرب داخليًّا بوصفها وجودية، لا للنظام الحاكم فحسب، بل للاستقلال الوطني الإيراني، وقد رسخت الحرب الاقتصادية عبر هرمز هذه الرواية الداخلية؛ فإيران لا تنهزم، بل تُعطل الاقتصاد العالمي، وتُجبر أكبر قوة في العالم على التفاوض معها، وهذه الصورة الرمزية ذات قيمة إستراتيجية داخلية لا تقل عن قيمتها التفاوضية الخارجية([7]).

المكاسب الاقتصادية: أعلنت إيران عن تأسيس “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA) بوصفها جهة تنظيمية تضطلع بمهمة الترخيص لعمليات العبور البحري عبر المضيق والإشراف عليها؛ حيث تطمح إيران لجني رسوم طائلة من خلال فرض رسوم عبور على السفن التي تستخدم المضيق، تصل إلى مليوني دولار للعبور الواحد تُسوَّى باليوان الصيني وتحويلات بيتكوين إلى محافظَ رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ما يحول البلاد إلى حارس لتدفقات الطاقة العالمية. لكن في المقابل، قُدرت الخسائر اليومية الإيرانية بنحو 435 مليون دولار يوميًّا، الناجمة عن تطبيق الحصار البحري الأمريكي المضاد بدءًا من الثاني عشر من أبريل 2026([8]).

تدويل كلفة الحرب : نقل الأعباء الاقتصادية للصراع من الأطراف المباشرة إلى الاقتصاد العالمي، ما يستدعي تدخل أطراف لم تكن طرفًا في الصراع، فلا تتعامل إيران مع الصراع باعتباره صراعًا مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل بوصفه صراعًا متعدد المسارح تتكامل فيه الجبهات المختلفة، وقد أثمر هذا النهج عن نتائج مباشرة؛ حيث أنشأ منظومة مكافآت للدول المحايدة والصديقة، مثل: الصين، وروسيا، والهند، وباكستان، ومنظومة عقوبات للدول الغربية المتحالفة مع واشنطن، مما يُعمق الشقاق داخل التحالف الدولي، كما أثبتت هذه الإستراتيجية فعاليتها في تعريض البنية الأمنية التي روجتها واشنطن لشركائها الخليجيين على مدى أربعة عقود للشك؛ إذ وجدت دول الخليج نفسها أمام ضغط صاروخي إيراني مباشر وتعطيل مُدمر لمصالحها الاقتصادية.

ورقة على طاولة المفاوضات: إغلاق هرمز كان أداة للإكراه التفاوضي لا غايةً في ذاتها؛ حيث ظل المضيق الورقة الرئيسة لإيران في الصراع، فعرضت طهران فتح المضيق مقابل رفع الحصار الأمريكي وإنهاء الحرب، مع تأجيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة، وهي صياغة تكشف بوضوح عن الطبيعة التفاوضية لورقة هرمز؛ إذ يُمثل الانسحاب من المضيق ثمنًا مقابل تنازلات أمريكية محددة لا استسلامًا مجانيًّا، وباتت إعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز المسألة الجوهرية في المفاوضات، فيما سعت إيران إلى ترسيخ ترتيبات قانونية جديدة لإدارة المضيق، وهو مطلب يُشير إلى طموح نحو إعادة تعريف الوضع القانوني للمضيق بما يُكرس نفوذًا إيرانيًّا دائمًا وشرعيًّا([9]).

البرنامج النووي: تخدم الحرب الاقتصادية عبر هرمز هدفًا إستراتيجيًّا أعمق وهو الحفاظ على البرنامج النووي -أو ما تبقى منه- وضمان عدم تكرار الضربة في المستقبل وتهديد البنية التحتية النووية؛ حيث أعلن المرشد الأعلى الجديد “مجتبى خامنئي” أن “إيران ستُدافع عن قدراتها النووية والصاروخية بوصفها رأس مال وطنيًّا”، وهو إعلان يكشف أن الإكراه الاقتصادي الذي تمارسه طهران عبر هرمز يمثل الورقة التي تُمكن إيران من المساومة على الملف النووي من موضع قوة. 

تحييد التفوق الجوي والتكنولوجي: تمتلك القوات الجوية الأمريكية قدرة تدميرية لا مثيل لها، لكن هذه القدرة غير قادرة وحدها على فتح المضيق أو وقف صواريخ الزوارق السريعة وإزالة الألغام البحرية، فبينما يكفي لإيران توجيه أي قذيفة متفجرة نحو ناقلات النفط لتحقيق شلل اقتصادي، تحتاج الولايات المتحدة إلى عمليات مكثفة ومكلفة لقمع البنية العسكرية الساحلية الإيرانية بأسرها قبل ضمان الملاحة المستدامة، هذا التناقض بيْن سهولة التعطيل وصعوبة الاستعادة هو الذي يُنتج التعادل غير المتكافئ الذي تعتمده الجمهورية الإسلامية([10]).   

آليات تحول مضيق هرمز لسلاح اقتصادي. 

وظفت الجمهورية الإسلامية مضيق هرمز خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل كسلاح جيواقتصادي عبر أربعة مستويات متتالية ومترابطة: يقوم المستوى الأول، المتمثل في الإكراه الهيكلي، على التهديد الكامن لتقييد السلوك الدولي ومحاولة السيطرة على الخيارات العسكرية لواشنطن وتل أبيب؛ فبإثبات طهران قدرتها على تعطيل شريان الطاقة العالمي، رفعت كلفة أي عمل عسكري مستقبلي ضدها، مُنشئةً ردعًا مبنيًّا على المخاطرة الاقتصادية. بينما ركز المستوى الثاني المرتبط بالإكراه الانتقائي على الإغلاق الجزئي أو التمييزي؛ حيث تُمنح دول بعينها امتيازات العبور وتُحرم منها أخرى، وهو ما أثبتت إيران فاعليته حين أعلنت السماح بمرور سفن (الصين، وروسيا، والهند) محولةً قضية أمن الطاقة العالمية إلى ورقة دبلوماسية تستقطب تأييد القوى الكبرى غير الغربية وتُعمق الانقسام داخل النظام الدولي.

ولعل المستوى الثالث المرتبط بتدويل الضغط، تجلى بوضوح في تحويل الأزمة من ثنائية إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى أزمة متعددة الأطراف تستدعي تدخل القوى الكبرى الآسيوية لحماية مصالحها الاقتصادية الحيوية؛ فالدول الأكثر اعتمادًا على طاقة هرمز كـ(الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية) تتحول من أطراف متضررة سلبًا إلى فاعلين مباشرين تفرض عليهم مصالحهم الاقتصادية مسؤولية سياسية مباشرة في الضغط من أجل استقرار الملاحة العالمية. فيما تجسد المستوى الرابع وهو المستوى الأعمق؛ حيث تحولت الأزمة إلى صدمة نظامية تُعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية العالمية؛ حيث فشلت القوى الإقليمية والدولية -حتي الآن- في استعادة حركة ملاحة تجارية آمنة عبر المضيق([11]).  

تداعيات الإستراتيجية الإيرانية على النظام الإقليمي والدولي.

تمتد تداعيات الإستراتيجية الإيرانية في تحويل  المواجهة العسكرية إلى صراع اقتصادي إلى ما هو أبعد من الأطراف المنخرطة بشكل مباشر؛ لتسهم في إعادة تشكيل خريطة النظامين (الإقليمي، والدولي)، فبإمساك إيران بالخيط الاقتصادي العالمي عبر هرمز، تحولت أزمة أمنية ثنائية إلى اضطراب شامل طال الهياكل الأمنية الإقليمية وتوازنات القوى الكبرى ومنظومة أمن الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الغذائية والنووية؛ حيث مثَّل إغلاق مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي مع تداعيات تضخمية واسعة النطاق خاصة في الاقتصادات الصناعية الكبرى المعتمدة على واردات الطاقة الخليجية، كما أن اضطراب الملاحة البحرية في المضيق أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وإعادة توجيه خطوط التجارة العالمية، بما يعكس هشاشة سلاسل الإمداد الدولية أمام الصدمات الجيوسياسية([12]).

وفي هذا الإطار،  تبرز الإشارة إلى أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى إسراع الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، إلى محاولة تنويع مسارات تصدير النفط والغاز عبر خطوط الأنابيب والموانئ البديلة خارج نطاق هرمز؛ لربط الخليج بأوروبا عبر مسارات برية وبحرية عبر (سوريا، والأردن، وتركيا). فضلًا عن هذا، أعادت الأزمة تسليط الضوء على الأهمية الجيوسياسية للممرات البحرية التقليدية بما في ذلك قناة السويس وطرق الطاقة العابرة للبحر الأحمر وشرق المتوسط،  ما عزز من أهمية الموقع المصري ضمن معادلات أمن الطاقة والتجارة العالمية في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بتأمين الممرات البحرية البديلة عن الخليج العربي. كما تجاوزت تداعيات إغلاق مضيق هرمز البعد النفطي إلى تهديد الأمن الغذائي العالمي؛ إذ حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) من أن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز سيرفع أسعار الأسمدة والطاقة والنقل البحري، بما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء عالميًّا في الدول النامية التي تمتلك مخزونات محدودة ما يجعلها معرضة لشبح أزمة غذائية قد تمتد إلى ما بعد عام 2027. ([13])

فيما تعاظمت تداعيات الإستراتيجية الإيرانية خارج بنية الأمن الاقتصادي العالمي، كاشفةً عن خلل هيكلي في العقد الإستراتيجي القائم منذ عقود بين دول الخليج والولايات المتحدة، فالمبرر الأساسي للمظلة الأمنية الأمريكية التي استثمرت فيها دول الخليج عبر أجيال متعاقبة من عقود تسليح واتفاقيات القواعد العسكرية والشراكات الدفاعية كان في جوهره حماية ضد الخطر الإيراني، غير أن هذا الحصن الدفاعي الذي استند إلى استثمارات مكثفة في منظومات الحماية الأمريكية، لم ينجح في تحقيق مستوى الردع المطلوب؛ إذ وجدت مدن الخليج نفسها عرضة لتهديدات صاروخية إيرانية بسبب قرارات تل أبيب وواشنطن، وقد أفضى ذلك إلى تحول نوعي في المقاربة الأمنية الخليجية، لاسيما في ظل تنامي النزعة نحو عسكرة المجال البحري الخليجي، مع تزايد الوجود البحري الغربي، وارتفاع احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة في الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، ما عزز من مركزية الأمن البحري في العقيدة الدفاعية الخليجية؛ حيث تصاعدت الدعوات لإنشاء ترتيبات أمن جماعي أكثر استقلالًا عن المظلة الأمريكية التقليدية([14]).

بينما على صعيد انعكاسات الصراع الاقتصادي على القوى الدولية، نجد أن موسكو استثمرت انشغال واشنطن بمضيق هرمز لتخفيف الضغط الإستراتيجي عنها في ساحة الصراع الأوكراني،  ويتجاوز هذا المكسب الميداني الانتعاش الطاقوي الذي موَّل المجهود الحربي الروسي بصورة غير مباشرة؛ إذ مثَّل ارتفاع أسعار النفط عاملَ دعم مهم للاقتصاد الروسي، ما عزز قدرته على تمويل عملياته العسكرية ما بعد فبراير 2026، فروسيا المستفيد الأول والمباشر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ إذ بنت موسكو موازنتها الفيدرالية لعام 2026 على سعر نفط يبلغ قرابة 60 دولارًا للبرميل، فجاء ارتفاع خام برنت إلى أكثر من 120 دولارًا منقذًا للاقتصاد الحربي الروسي([15])

وعلى عكس روسيا، واجهت الصين معضلة إستراتيجية بالغة التعقيد في إغلاق المضيق؛ فهي الدولة الأكثر تضررًا طاقويًّا من بين القوى الكبرى، والأكثر مصلحةً في انتهاء الحرب؛ حيث تستورد الصين ما يصل إلى 40 % من نفطها و30 % من غازها الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ولكن في خضم التداعيات السلبية على الصين جراء إغلاق المضيق والحصار الأمريكي الذي تبعه، تسعى بكين إلى توظيف أزمة هرمز كبيئة مواتية لتعزيز نفوذها في سوق الطاقة النظيفة،  فقد تُسرع الأزمة من بروز الصين بوصفها موردًا عالميًّا لأمن الطاقة في آسيا -الإقليم الأكثر تضررًا من تراجع تدفقات الطاقة عبر هرمز- عبر تصدير تقنياتها في الطاقة النظيفة وهو ما يُحول الضعف الطاقوي إلى ركيزة مستقبلية للنفوذ التكنولوجي([16]).

علاوة على هذا، كشفت أزمة هرمز عن صدوع عميقة داخل المنظومة الغربية ذاتها، بما يتجاوز ثنائية الصراع الأمريكي الإيراني؛ حيث هددت الولايات المتحدة بإعادة النظر في انتشار القوات الأمريكية داخل أوروبا، في ظل رفض بعض حلفائها السماح باستخدام قواعدها العسكرية لدعم العمليات الأمريكية ضد  إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. وفي المقابل، برزت بريطانيا وفرنسا في موقع قيادي جمعي يعكس طموحًا لإعادة تنظيم الاستجابة الغربية بصورة متعددة الأطراف بعيدًا عن القيادة الأحادية للولايات المتحدة؛ إذ استضافت لندن وباريس اجتماعًا لوزراء دفاع أكثر من أربعين دولة، بهدف وضع الخطط العسكرية الرامية إلى استعادة حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز، شملت قدرات لإزالة الألغام والمرافقة والشرطة الجوية ضمن مهمة بحرية دفاعية، وأعلنت الدولتان إلى جانب 24 دولة أخرى دعم إطلاق مهمة عسكرية فور توفر الظروف المناسبة([17]).

الخاتمة: 

يمكن القول إن الإستراتيجية الإيرانية الساعية إلى أقلمة الحرب لم تعد محكومة بمنطق المواجهة العسكرية المباشرة، بل باتت تستند إلى إعادة هندسة مسرح الصراع عبر توظيف الجغرافيا الإستراتيجية كأداة للإكراه الاقتصادي والضغط السياسي، ومن ثم تحول مضيق هرمز من ممر ملاحي حيوي إلى مركز ثقل في معادلة الردع الإقليمي والدولي، بما يعكس تحولًا نوعيًّا في طبيعة الصراعات المعاصرة؛ حيث أصبحت القدرة على تهديد تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد جزءًا أصيلًا من منظومة القوة الشاملة، بما يفرض على الفاعلين الإقليميين والدوليين إعادة تقييم مفاهيم (الأمن، والردع، والاعتماد المتبادل) في بيئة شديدة الهشاشة والتشابك.

واستنادًا لما سبق، تفرض الأزمة الراهنة اختبارًا حقيقيًّا لقدرة النظام العربي على الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى منطق التكامل الإستراتيجي المؤسسي، خاصة في مجالات: أمن الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، وبناء البدائل اللوجستية الإقليمية. إذ إن تآكل الاعتماد على الممرات الدولية التقليدية- وفي مقدمتها مضيق هرمز- يعظم الحاجة إلى بناء شبكة عربية متكاملة تربط بين القدرات الخليجية الإنتاجية، والبنية التحتية المصرية والموانئ (العربية، والإفريقية، والأوروبية) على البحرين (الأحمر، والمتوسط) بما يعزز الأمن الاقتصادي الجماعي ويحد من قابلية الابتزاز الجيوسياسي الخارجي، ما يمثل فرصة إستراتيجية لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي العربي بصيغته التكاملية من خلال تأسيس منظومة عربية مشتركة لأمن الطاقة والنقل البحري، تتجاوز الحسابات القطرية الضيقة نحو مقاربة جماعية أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.


([1]) S. Ramaswamy, The 2026 Iran Conflict: Geopolitical Rupture, the Strait of Hormuz Blockade, and the Global Energy Crisis, International Journal for Multidisciplinary Research, Volume 8, Issue 2, March-April 2026, available at: https://www.ijfmr.com/papers/2026/2/73613.pdf

([2]) Fakhira A. Faisal, Iran’s Maritime Power Play: Strategic Patterns and the 2024 Strait of Hormuz Crisis. Modern Diplomacy, 6/12/2025, available at: https://moderndiplomacy.eu/2025/12/06/irans-maritime-power-play-strategic-patterns-and-the-2024-strait-of-hormuz-crisis/

([3]) Iran Conflict and the Strait of Hormuz: Impacts on Oil, Gas, and Other Commodities, (Report R45281). Library of Congress, 11/3/2026, available at: https://www.congress.gov/crs-product/R45281

([4]) تأثيرات إغلاق مضيق هرمز على إمدادات الطاقة عالميًّا، المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية، 13/5/2026، متاح على الرابط التالي: https://icss.ae/studies/view/%D8%AA%D8%A3%D8%AB%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B6%D9%8A%D9%82-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%8B%D8%A7

([5]) UNCTAD, Hormuz Disruption Deepens Global Economic Strain Across Trade, Prices and Finance, Geneva: United Nations Trade and Development , March 2026   available at:

https://unctad.org/news/hormuz-disruption-deepens-global-economic-strain-across-trade-prices-and-finance

([6]) Mohsen Khezri, Disruption in the Strait of Hormuz Is a Global Inflation, Shipping and Growth Story, LSE Business Review, 12/3/2026, available at: https://blogs.lse.ac.uk/businessreview/2026/03/12/disruption-in-the-strait-of-hormuz-is-a-global-inflation-shipping-and-growth-story/

([7]) Ali Mamouri, Iran has a powerful new tool in the Strait of Hormuz that it can leverage long after the war, The Conversation, 16/4/2026, available at: https://theconversation.com/iran-has-a-powerful-new-tool-in-the-strait-of-hormuz-that-it-can-leverage-long-after-the-war-280442

([8]) Iran sets up Hormuz transit authority to charge ships for passage, Euro News ,18/5/2026, available at: https://www.euronews.com/2026/05/18/iran-sets-up-hormuz-transit-authority-to-charge-ships-for-passage

([9]) Michael Young, Iran Rewrites Its War Strategy, Carnegie Endowment for International Peace,30/3/2026, available at: https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/03/iran-rewrites-its-war-strategy

([10]) Daniel Byman, Iran’s Strait of Hormuz Gambit and the Limits of U.S. Military Power, Center for Strategic and International Studies, 20/4/2026, available at: https://www.csis.org/analysis/irans-strait-hormuz-gambit-and-limits-us-military-power

([11]) Naim Tahir Baig, Chokepoint as Weapon: Iran’s Strait of Hormuz Blockade Strategy in the February–March 2026 War, Journal of International Security Studies, Vol. X, No. 1, March 2026,   Available at: https://www.researchgate.net/publication/401603985_CHOKEPOINT_AS_WEAPON_Iran’s_Strait_of_Hormuz_Blockade_Strategy_in_the_February-March_2026_War

 

([12]) Iran War: Gulf Unity, Economic Shocks, and Regime Scenarios, Arab Gulf States Institute, 25/3/2026, available at:

([13]) خالد الجابر، رهان إيران الإقليمي وانعكاساته على مستقبل أمن الخليج، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 2/3/2026، متاح على الرابط التالي: https://mecouncil.org/ar/blog_posts/%d8%b1%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%b9%d9%83%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa%d9%87-%d8%b9%d9%84/

([14]) Abram Paley, How the Iran war could change the US relationship with Gulf states, Atlantic Council, 25/3/2026, available at: https://www.atlanticcouncil.org/dispatches/how-the-iran-war-could-change-the-us-relationship-with-gulf-states/

([15]) Gregoire Roos, The Iran War Exposes the Limits of Russia’s Leverage in a Fragmenting Regional Order, Chatham House,2/3/2026, available at: https://www.chathamhouse.org/2026/03/iran-war-exposes-limits-russias-leverage-fragmenting-regional-order

([16]) Chip Usher, How the Iran War Is Reordering the World: Second and Third-Order Effects, The Cipher Brief, 8/4/2026, available at: https://www.thecipherbrief.com/iran-war-reordering-the-world

([17]) Farah N. Jan , Why the Iran war is breaking the US‑European strategic alliance, The Conversation, 18/5/2026, available at: https://theconversation.com/why-the-iran-war-is-breaking-the-us-european-strategic-alliance-281975

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى