المقدمة:
تشهد الساحة اللبنانية منذ مطلع مارس 2026، تحديات وازنة ومتشابكة الأبعاد؛ نظير عدوان إسرائيلي مُغايرٍ لما سبقه باتساع نطاقه وطبيعة مداه وتعدُّد أهدافه، ومسار دبلوماسي شائك ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن، وعوامل إقليمية ودولية متداخلة، وأزمة اقتصادية ومالية خانقة، وسط تجاذب سياسي داخلي عميق لامس البنية الهيكلية “للميثاق الوطني” التاريخي عام 1943، حدَّ نذر الانقسام الطائفي عند إثارة قضايا خلافية جوهرية تطال أُسَّ النسيج المجتمعي والسلم الأهلي.
ورغم وجود مؤشرات مُحرِّكة للانقسام الطائفي اللبناني، تُغذيه ضراوة الهجمات الإسرائيلية ومناطق استهدافها بدافع أطماع صهيونية توسعيَّة، إلا أن الهواجس المتصاعدة من انزلاق البلاد نحو أتون حرب أهلية جديدة تصطدم بمكابح بنيوية إستراتيجية ووعيٍّ جمعيٍّ بخطورة تداعياتها ولزوم تفاديها، دون أن يعني ذلك غياب شبحها القاتم، طالما استمر نهج ترحيل الأزمات عبر تسويات جزئية وليس بناء توافق وطني شامل.
أولًا: العدوان الإسرائيلي وأهدافه الإستراتيجية.
يتخذ العدوان الإسرائيلي المتواصل، منذ 2 مارس 2026، على لبنان نهجًا مُغايرًا لما سبقه، نظير اتساع نطاق العمليات العسكرية ضد عشرات المدن والبلدات اللبنانية لتطال مختلف بيئات المكونات المجتمعية، من الشمال والشرق والجنوب والبقاع إلى عمق العاصمة (بيروت) وضاحيتها الجنوبية صوب مناطق ذات أغلبية لبنانية (مسيحية، وسنيَّة، ودرزية) من خارج معاقل “حزب الله”، بعدما كانت تُصنَّف تاريخيًّا “كمناطق آمنة”، فباتت مُستهدفة بالغارات الجوية الكثيفة والغزو البريِّ وارتكاب المجازر الدموية وتدمير البنى التحتية، بينما يرد “حزب الله” بهجماته على تصعيد إسرائيلي أدى لارتقاء المزيد من الشهداء والجرحى المدنيين اللبنانيين وتهجير زهاء 1.2 مليون مواطن (بحلول منتصف أيار)، وفق وزارة الصحة اللبنانية، مما فاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية المأزومة في البلاد.
وبالتزامن مع احتلال خمسة مواقع إستراتيجية في جنوب لبنان؛ يسعى المخطط الإسرائيلي إلى تحقيق أهداف إستراتيجية وتثبيتها لاحقًا في محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد، وتتمثل في:
- أدت العمليات البرية الإسرائيلية في عمق “المنطقة الحمراء” بجنوب لبنان إلى توسعة نطاقها الممتد بمحاذاة ما يُسمى بـ”الخط الأصفر”؛ لتصل إلى عمق نحو 25 كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية وبعرض يتجاوز 35، بهدف ضم عشرات القرى اللبنانية التي صدرت بحقها إنذارات إخلاء متكررة لسكانها، ومحاولة إضعاف “حزب الله” وتدمير منظومته الصاروخية الدفاعية، وإحداث قطع إستراتيجي في قدرته على تشكيل ما يعتبره الاحتلال الإسرائيلي تهديدًا عسكريًّا مستدامًا على جبهته الشمالية.
- إنشاء “المنطقة العازلة”: تتحرك العمليات البرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني وفق قضم منهجي للمجال الجغرافي الواقع جنوب نهر الليطاني؛ حيث تسعى الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير القرى والبلدات الحافة بالخط الأزرق تدميرًا كاملًا، بهدف تحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السكان والسلاح، بما يضمن تأمين وجوده العسكري الدائم فيها، وعودة المستوطنين إلى شمال فلسطين المحتلة وتهدئة سخطهم المتنامي، وبما يحقق لرئيس حكومة الاحتلال “بنيامين نتنياهو” إنجازًا يعينه على تحسين صورته التي اهتزَّت في الداخل الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023، ويضمن مستقبله السياسي.
وتُعد المطامع الإسرائيلية في نهر الليطاني قديمة، نظير موقعه الإستراتيجي وقربه من الحدود مع فلسطين المحتلة، وإدراجه في المشروع الصهيوني التوسعي الذي يتضمن، وفق تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، مخططَ الاستيلاء على جنوب لبنان وضم الليطاني وتأمين كميات المياه التي يحتاج إليها، مما يجعل أطول أنهار البلاد اللبنانية وأكبرها وأهمها إستراتيجيًّا مركز اهتمام الاحتلال الإسرائيلي، ومحور عمليات عسكرية نفذها في السابق، وموضع مساعيه المتواترة لإبعاد عناصر “حزب الله” إلى ما وراءه، ومما يُفسِّر أيضًا هجماته الكثيفة لتفريغ الأراضي الواقعة بين الليطاني والحدود الشمالية لفلسطين المحتلة من سكانها.
- تبني إستراتيجية “الأرض المحروقة”: نقل الاحتلال الإسرائيلي مدفعيته الثقيلة إلى داخل الحدود اللبنانية، وعمد لتجريف وتدمير قرًى حدودية كاملة، باتباع نموذج مشابه لعملياته العدوانية في قطاع غزة؛ لتجريد المنطقة من مقومات الحياة.
- تفريغ (الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت) من معظم سكانها، بهدف خلخلة التوازن المجتمعي جغرافيًّا، عبر نزوح غالبيتها اللبنانية الشيعية منها إلى الداخل اللبناني؛ إذ تعتبر منطقة الجنوب اللبناني، ذات الموقع الإستراتيجي المهم، مطمعًا دائمًا للاحتلال الإسرائيلي ومركزًا للصراع معه منذ سنوات طويلة؛ حيث تشكل حدودها مثلثًا مع الحدود السورية والفلسطينية، وتضم 5 مخيمات للاجئين الفلسطينيين.
- تغذية الاحتقان الاجتماعي والانقسام الطائفي عبر “هندسة” موجات التهجير من الجنوب باتجاه مناطق ذات أغلبية لبنانية (مسيحية، وسنية، ودرزية)، واستهداف منشآتها السكنية لزعزعة الاستقرار الداخلي.
- تأليب البيئة الداخلية: عبر تدمير إسرائيلي مُمنهج للبنى الاقتصادية والخدمية الحيوية في لبنان، مثل: الطرق، والجسور، وشبكات المياه والكهرباء، والمرافق الصحية، بهدف دفع الحاضنة الشعبية للمقاومة الإسلامية، والبيئات المضيفة لها، للانقلاب على خياراتها وتحميلها مسؤولية الدمار والنزوح.
ثانيًا: أزمة المفاوضات المباشرة.
شهد عام 2026، تحولًا دبلوماسيًّا وازنًا عند انخراط الدولة اللبنانية لأول مرة منذ عقود في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية في واشنطن، مما فجَّر صراعًا سياسيًّا داخليًّا مريرًا حول الشرعية والسيادة، وفتح سجالات علنيَّة بين القوى السياسية اللبنانية حول شرعيتها، ومدى الجدية الإسرائيلية بها، وسبل إدارة ملفها، وشروط التسوية المقبولة، فأنتج سقوفًا متناقضة تجعل محاولة إحراز تقدم فعلي ضمن نطاقها أمرًا بالغ التعقيد.
الموقف المؤيد للحل الدبلوماسي.
يرتكز هذا الموقف على:
- رفض اتهامات الخيانة: أكد الرئيس اللبناني “جوزيف عون” أن “المفاوضات ليست خيانة” (27/4/2026) في سياق ردِّه على معارضي التفاوض المباشر، مفيدًا بتمسُّك الوفد اللبناني الدبلوماسي في واشنطن ببند الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، ووقف الأعمال العدائية، وضمان سيادة لبنان على كامل أراضيه، مقابل التزام الدولة اللبنانية كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن والدفاع في الجنوب اللبناني.
- لا يعدُّ الموقف اللبناني من التفاوض جديدًا؛ إذ سبق قبوله بمفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي؛ لترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية حتى وقع الطرفان “اتفاق ترسيم الحدود البحرية” في 27 أكتوبر 2022، كما أن لجنة “الميكانيزم” الخماسية، التي تضم: الولايات المتحدة الأمريكية، ولبنان، والاحتلال الإسرائيلي، وفرنسا، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة “اليونيفيل”، أُنشئت كآلية مراقبة لتنفيذ اتفاق الهدنة وتثبيته. وبذلك، فإن الرئاسة اللبنانية لم تكن ترَ مانعًا من استمرار المسار التفاوضي غير المباشر، ومن خلال آلية “الميكانيزم” مع إمكانية تطعيمها بخبراء تقنيين غير سياسيين، طالما ظل محصورًا في الإطار الأمني والعسكري ولا يتعداه إلى أي شكل من أشكال التطبيع؛ إذ إن حديث الرئيس اللبناني عن تجربة ترسيم الحدود البحرية التي أُنجزت برعاية أمريكية وأممية، باعتبارها نموذجًا لإمكان تحقيق تفاهمات تحفظ السيادة والمصالح الوطنية، تضع المسار التفاوضي ضمن إطار سياسي وقانوني محدود وواضح.
- ترى شريحة من اللبنانيين في الدبلوماسية الحل الوحيد لوقف التدمير واحتلال المزيد من الأراضي اللبنانية وتحسين الاقتصاد والنهوض بالبلاد.
- تطالب قوى سياسية لبنانية، مثل: أحزاب (القوات اللبنانية، والكتائب) وكلاهما حزبان مسيحيان، وشخصيات مستقلة ومكونات سنية ودرزية، بحصر ملف التفاوض بالدولة اللبنانية، وتطبيق فوري وشامل للقرارات الدولية، لاسيما القرار الدولي 1701[1]، بما يضمن بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح والقرار الإستراتيجي بيَد المؤسسات العسكرية الشرعية.
الموقف الرافض.
يقف “حزب الله”، ومعه حركة “أمل”، في موقع المناهض الشرس للمفاوضات المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي يرى أن أي اتفاق سلام أو تسوية بشروط أمريكية – إسرائيلية يشكل “انحرافًا خطيرًا وطريقًا مسدودًا” يهدف إلى ابتزاز الدولة اللبنانية ودفعها لتقديم تنازلات سيادية متتالية، في ظل بقاء الاحتلال الإسرائيلي بالأراضي اللبنانية واستمرار هجماته العدوانية. ورغم التزام الحزب بمضمون القرار 1701 منذ صدوره، إلا أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية- بالنسبة إليه- يجب أن يكون غير مشروط.
في المقابل؛ يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى ربط انسحابه من الجنوب اللبناني بترتيبات أمنية إضافية أوسع تحقق له أهدافه في لبنان، وبضمانات دولية متقدمة، وبمطلب نزع سلاح “حزب الله” وضبط نشاطه، وربما تعديل دور “اليونيفيل” بما ينسجم مع مصالحه الاستعمارية في المنطقة، مما يجعل الانسحاب مشروطًا وليس مرتبطًا بالاتفاق الأساسي.
وأمام تلك المواقف المتباينة؛ لا شك أن قدرة الدولة اللبنانية على فرض الموقف المُطالب بانسحاب إسرائيلي كامل غير مشروط وباحترام القرار 1701، تبقى محكومة بتوازنات القوة الداخلية والتجاذبات السياسية بين أطراف المعادلة السياسية اللبنانية وإستراتيجية دفاعية وطنية شاملة، وبموازين القوى الدولية والمشهد الإقليمي المضطرب، مما يجعل المسار التفاوضي أسير ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولًا، تطبيقه بدعم دولي عبر انسحاب إسرائيلي كامل يقابله انتشار فوري للجيش اللبناني في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وتعزيز صلاحيات “اليونيفيل”. ثانيًا: “فرض الأمر الواقع” إسرائيليًّا بضغط عسكري يمنح جيشها حرية الحركة الميدانية بحجة منع خرقه، وهو احتمال مرفوض لبنانيًّا وعربيًّا لانتقاصه من سيادة لبنان وترسيخه استدامة الحرب. ثالثًا: المراوحة عند فشل المفاوضات، مما يُبقي الجبهة مفتوحة على مزيد من التدمير الإسرائيلي والأزمات الاقتصادية والديمغرافية اللبنانية.
ثالثًا: جدلية مسؤولية الحرب.
بموازاة العدوان الإسرائيلي، تدور في لبنان سجالات إعلامية وسياسية لا تقل ضراوة، حول تحديد المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي حلت بالبلاد. واللافت هنا، أن النقد المُوجَّه “لحزب الله” من قبل قوى سياسية لبنانية تحوَّل لاتهامات علنيَّة ومباشرة باستدراج الآلة العسكرية الإسرائيلية التدميرية إلى لبنان، وفق المبررات التالية:
- مصادرة قرار السلم والحرب: عبر توريط الدولة والشعب معًا في حرب كارثية ومدمرة عند تنفيذ هجمات سابقة على العدوان الإسرائيلي بعيدًا عن أطر الإجماع الوطني، وبدون التشاور مع المؤسسات الدستورية أو مراعاة للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد.
- تحميله مسؤولية النزوح والدمار الهائل الذي أصاب القرى والمدن اللبنانية، والشلل الذي ضرب القطاعات الاقتصادية، بما يفوق قدرات الدولة اللبنانية المنهارة على الإغاثة والإعمار.
- تهاوي ادِّعاءاته بامتلاك قوة ردع لحماية لبنان أمام الهمجية الإسرائيلية، مما أدى لانكشاف الساحة الداخلية (عسكريًّا، واقتصاديًّا) دون وجود خطط إغاثية قادرة على استيعاب الكارثة.
- تسبب إصراره على ربط مصير لبنان بملفات إقليمية معقدة في إضعاف الزخم الدبلوماسي العربي التقليدي الداعم للبلاد، وجعل العواصم الغربية تتعامل مع القضية اللبنانية من منظور تصفية “الذراع الإيرانية” فقط.
على الجانب الآخر، يرفض “حزب الله” وحركة “أمل” وآخرين، مثل: حليفه التاريخي زعيم تيار “المردة” “سليمان فرنجية”، تلك الرواية من منطلق أن الرد على العدوان الإسرائيلي المتواصل يعدُّ واجبًا وطنيًّا وأخلاقيًّا وقوميًّا لحماية لبنان والدفاع عن شعبه وأراضيه والذود عن سيادته، وأن دحر الاحتلال يصب في مصلحة الأمن القومي اللبناني، فيما تقف صلابة المقاومة اللبنانية في مواجهة الأطماع الصهيونية التوسعية في لبنان.
ويلتف حول الحزب قاعدة شعبية عريضة ترى فيه رمزًا لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الوطن والأرض اللبنانية، بينما يؤدي تصاعد العدوان الإسرائيلي وتدمير القرى الجنوبية واحتلال مزيد من المناطق اللبنانية إلى تعزيز موقفه.
رابعًا: سلاح المقاومة بين النقد والضرورة الوطنية.
تُعد مسألة تنفيذ القرار الدولي 1701، ونشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، التحديَّ الأكبر أمام الحكومة اللبنانية عند الاصطدام بسلاح المقاومة اللبنانية عقب إقرارها، في 5 أغسطس 2025، حصر السلاح بيد الدولة، وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله” بقرار صدر يوم 2 مارس 2026، في ظل ضغوط دولية وتمسك إسرائيلي بشرط “نزع السلاح” لإتمام انسحابه وتقدم المفاوضات نحو التسوية.
ولطالما عبَّر خصوم “حزب الله” الداخليون عن انتقادهم لهيمنته في السياسة اللبنانية، وتفرُّدِه بقرار الحرب، وطالبوا بمناقشة سلاحه وتحجيم دوره العسكري في جنوب لبنان، وقد يرون في إضعافه فرصة سانحة لتحقيق مكاسب سياسية، وقد يجد بعضهم تشجيعًا من القوى الأجنبية لتحقيق هذه الغاية، وربما الضغط على “حزب الله” لتسليم سلاحه، أو الضغط على الحكومة اللبنانية لتكليف الجيش بتمثيل دور أكبر في مواجهة قوته، وليس فقط انتشاره في الجنوب اللبناني_ إلا أن “حزب الله” يرفض تسليم السلاح طالما بقي الاحتلال الإسرائيلي بالأراضي اللبنانية، ويؤكد أن سلاح المقاومة غير قابل للنقاش على طاولة التفاوض، وأن أي حديث سياسي يجب أن يبدأ بوقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي غير مشروط، معتبرًا أن المطالبة بنزع السلاح تحت النار استسلامًا لإملاءات إسرائيلية.
ولا شك أن هذا التباين يجعل مهمة لبنان الرسمي صعبة في محاولة تثبيت الاستقرار بالجنوب اللبناني دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تزامنًا مع إدارة التوازنات الدقيقة بين مقتضيات الأمن الداخلي وحسابات الدور الإقليمي؛ لتجنب أية مواجهة مع “حزب الله” سيكون لها تداعيات سياسية وأمنية سلبية، قد تهدد السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في البلاد.
خامسًا: مؤشرات أصداء الانقسام الطائفي.
تسبب العدوان الإسرائيلي واستهدافه المتواصل لبيوت المدنيين في حركة نزوح واسعة، معظمها من مناطق (الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت) نحو الداخل اللبناني. ورغم تقسيم المناطق اللبنانية وفق التوزيع الجغرافي والانتماءات الحزبية المختلفة، إلا أن أجواء التكافل الشعبي والتضامن الوطني طغت على الانقسامات الداخلية؛ فاستقبل اللبنانيون أقرانهم النازحين في بيوتهم، وسارعت جهود الرعاية الرسمية واللجان والجمعيات الأهلية والأحزاب على اختلافها لفتح المساجد والكنائس والمدارس وباحات الأندية كمراكز إيواء، إلى جانب توفير منازل مجانية لهم، أسوَةً بنشاط مشابه لمنظمات مدنية محلية ومبادرات شبابية وفردية لتأمين احتياجاتهم الأولية، رغم قلة الموارد المتاحة.
غير أن طول أمدِ العدوان الإسرائيلي وتمدُّد رقعة النزوح واختلال التوازنات الديمغرافية وتراكم الأعباء الاقتصادية والمعيشية الخانقة، وسط تجاذبات القوى السياسية اللبنانية_ أدى إلى بروز مؤشرات مُقلقة قد تُهدِّد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي:-
أولًا: الهواجس الديمغرافية، أدت حركة النزوح الكثيفة بغالبيتها اللبنانية الشيعية تجاه مناطق ذات أغلبية لبنانية (مسيحية، وسنية، ودرزية)، مثل: جبل لبنان وبيروت والشمال، إلى نشوء حساسيات موضعية تتعلق بالخشية من تغيير الهوية الديمغرافية للمناطق المُضيفة، وتحُّول ظاهرة النزوح المؤقت إلى واقع دائم في حال تعذر العودة إلى الجنوب بسبب الدمار أو الاحتلال، مما يُغير التوزانات الديمغرافية الدقيقة للبلاد، ويُفرز ضغوطًا هائلة على البنية الاجتماعية اللبنانية الضعيفة، ويخلق توترات (طائفية، واقتصادية، ومجتمعية).
ثانيًا: الاحتكاكات المجتمّعية، سُجلت في العديد من مراكز الإيواء والمناطق اللبنانية المُضيفة احتكاكات وتوترات متكررة بين النازحين والسكان المحليين، فضلًا عن احتكاكات بين النازحين والأجهزة الأمنية، التي تنفذ عمليات إخلاء من عقارات خاصة شُغلت دون موافقة أصحابها. هذه الإشكالات، وإن بدأت بطابع خدمي أو فردي، سرعان ما كانت تتخذ أبعادًا وحساسيات طائفية وحزبية ضيقة نتيجة التعبئة النفسية المسبقة، في ظل تحذيرات من اندلاع فتنة داخلية بين اللبنانيين، أو وقوع حوادث متفرقة قد تتصاعد وتيرتها حدَّ انفلات مجتمعي يصعُب ضبطه.
ثالثًا: راكمت الحرب في لبنان أوضاعًا (اقتصادية، واجتماعية، ومالية) غير محمودة ممتدة منذ سنوات، طالت مختلف القطاعات الحيوية والمرافق العامة والبنية التحتية اللبنانية. وقد أضاف النزوح تحديًّا مُضاعفًا؛ فجُل النازحين يعيشون ظروفًا اقتصادية وصحية صعبة ويعتمدون أساسًا على المساعدات الإنسانية التي غالبًا ما تكون غير كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وهم بذلك يشكلون ضغطًا هائلًا على الموارد والخدمات في المناطق المُضيفة، التي تعاني من الاكتظاظ السكاني وسوء الأحوال المعيشية، مما يفاقم استنزاف مواردها، مثل: المياه والكهرباء، ويشكل تهديدًا لاستقرار المجتمع على المدى البعيد في حال طال أمد الحرب ومعه النزوح، وقد تؤدي الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى تأجيج التوتر والاحتقان الاجتماعي، في ظل نسبة فقر وبطالة عالية؛ حيث يشكل التنافس على فرص العمل أحد أبرز أسباب الاحتكاك بين النازحين والمجتمع المضيف.
رابعًا: يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتعميق التوترات الداخلية عبر ملاحقة أبناء الجنوب اللبناني إلى أماكن نزوحهم واستهدافهم بالقصف والغارات الهمجيَّة لجلب المعاناة المشتركة لهم ولمجتمعهم المُضيف، ومعاقبة الأخير على استضافتهم، أسوة بما حدث في بلدات لبنانية خارج نطاق جبهة الجنوب؛ لإثارة الخلافات الداخلية من مدخل التقسيم الطائفي في لبنان، وإحداث شروخ مجتمعية بين البيئات الحاضنة، وإيجاد حالة من الذعر والتحفظ الشعبي من استقبالهم.
خامسًا: الخطاب الاتهامي، تضجُّ منصات التواصل الاجتماعي والخطابات السياسية وبعض المنابر الإعلامية المحلية بتراشق اتهاميٍّ حاد وحملات تحريضية واسعة؛ إذ ترى قوى المقاومة في معارضي ردِّ العدوان “أدوات للمشروع الأمريكي الإسرائيلي”، ويُحمِّل كثير من القاعدة الشعبية الشيعية الدولة مسؤولية العجز عن حمايتهم، بينما ينظر الطرف المقابل إلى بيئة المقاومة على أنها “دمرت مقومات الدولة وجرت البلاد لحرب جديدة”، مما أوجد حالة استقطاب سياسي حاد وخلق مناخًا نفسيًّا مشحونًا يهدد بأزمة ثقة بين مكونات المجتمع فيما بينها ومع الدولة نفسها.
سادسًا: يُلاحظ بروز تدخلات خارجية لزعزعة استقرار البلاد وخلخلة ضوابط تاريخية متفق عليها بإثارة الدعوة لإعادة النظر في التقسيم لعام 1943، الذي يتضمن توزيع السلطة السياسية بين مختلف الطوائف الدينية في لبنان، باعتبار أن الزمن قد تجاوزه ولم يعد مناسبًا في الوقت الحالي. غير أن محاولات من هذا النوع ستشكل وصفة جاهزة لإشاعة أجواء التوتر والاحتقان حدَّ الصدام المجتمعي، وهي محاذير تدركها القوى السياسية اللبنانية جيدًا وتسعى جاهدة لعدم الانزلاق إليها لصالح تعزيز الوحدة الوطنية.
سادسًا: كوابح الانزلاق إلى حرب أهلية.
رغم خطورة تلك المؤشرات، إلا أن احتمالية انزلاق المشهد اللبناني الداخلي نحو حرب أهلية جديدة لا تزال منخفضة وغير واردة على المدى القصير، بفعل كوابح بنيوية وإستراتيجية حاسمة:
- غياب التكافؤ العسكري بين المكونات اللبنانية: يمتلك “حزب الله” ترسانة عسكرية وتنظيمية ضخمة تجعله أقوى عسكريًّا من أي فصيل داخلي آخر أو حتى من القوى الأمنية النظامية، وبالتالي، لا توجد قوى لبنانية تمتلك الرغبة أو القدرة على الدخول في مواجهة مسلحة مباشرة معه.
- عقيدة الجيش اللبناني: تحظى المؤسسة العسكرية اللبنانية بإجماع وطني واسع وثقة عميقة من أطراف المعادلة السياسية اللبنانية كافة، كما يلعب الجيش اللبناني دور “صمام الأمان” الحقيقي عبر انتشاره السريع والحازم لمنع أية احتكاكات ميدانية في مناطق النزوح، رافضًا الانجرار إلى أتون الفوضى، ومحافظًا على تماسكه ووحدته كركيزة أساسية للدولة.
- الذاكرة الجماعية الأليمة: تدرك القيادات السياسية والروحية اللبنانية، بمختلف توجهاتها، تداعيات الانزلاق لحرب أهلية كارثية على الكيان اللبناني، بما يجعلها حريصة على إبعاد شبحها الذي يُعيد للذاكرة اللبنانية مشاهد صراع دموي عاشته البلاد عقودًا طويلة (1975- 1990)، وممارسة ضبط نسبي للشارع اللبناني ووضع الخطوط الحمراء المضادة للانفلات الأمني الشامل.
- الوعي المجتمعي الذي اختبر محاولات إسرائيلية انقسامية سابقًا وأفشلها، يبدو أنه يصر هذه المرة أيضًا على إحباطها، وسط تأكيد القوى السياسية اللبنانية بضرورة تعزيز الوحدة الوطنية ودعم النازحين، خاصة فيما يتعلق بالإغاثة والإيواء وتعزيز التضامن الوطني.
- تحتاج الحرب إلى تمويل وتعبئة ورعاة إقليميين أو دوليين، وهي شروط غير متوفرة حاليًّا، في ظل غياب الغطاء الإقليمي أو الدولي الذي يمول أو يشجع على اقتتال داخلي عبثي ستكون له تداعياته الإقليمية القاتمة.
ومع ذلك، لا تضمن عوامل الكبح ثيمة الأمان المُطلق؛ إذ قد لا تمنع كثيرًا “التحلل السلمي” للدولة، ونشوء “الأمن الذاتي” في المناطق، والفرز الطائفي الجغرافي، وتفكك المؤسسات الخدمية، والتوترات في مناطق النزوح، والخطاب التحريضي، والاحتكاكات المجتمعية، نحو حالة من الفوضى الأمنية، عند غياب المعالجة المشتركة لها.
وفي المحصلة: فإن الوعي المجتمعي وصمود المقاومة الإسلامية وإدراك القوى السياسية اللبنانية لأبعاد العدوان الإسرائيلي، من شأنها إحباط مخططاته، بما يستدعي، لبنانيًّا، تحصين الجبهة الداخلية ومنع انزلاقها نحو الفوضى الأمنية واجترار حرب أهلية جديدة، عبر إعلاء المصلحة الوطنية على الأطر التنظيمية الضيِّقة، ومأسسة ملف النزوح من منظور وطني إنساني بعيد عن التدخلات الحزبية، وتجريم خطاب الكراهية للحد من حالة الاستقطاب الراهنة ومنع أي احتكاك طائفي ميداني، وإطلاق حوار وطني شامل بعيد عن التجاذبات السياسية والخلافات الانقسامية للنهوض بمشروع جامع يضع التفاعل اللبناني بمختلف مكوناته في مسار تعزيز الوحدة الوطنية، ومواجهة تحديات المرحلة الراهنة، وربما المقبلة أيضًا.
([1]) صدر القرار 1701 عن م جلس الأمن الدولي في 11 آب 2006 بهدف إنهاء الحرب بين الجانب الإسرائيلي و”حزب الله” في جنوب لبنان بعد 34 يومًا من الصراع، ويتضمن بنودًا عدة من أبرزها: وقف إطلاق النار، ومطالبة الحكومة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة “اليونيفيل” بنشر قواتهما في مناطق الجنوب. وبشكل موازٍ، مطالبة حكومة إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان، وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية وممارسة سيادتها عليها، واحترام الخط الأزرق، وهو الحدود المعترف بها دوليًّا بين إسرائيل ولبنان، وإنشاء منطقة بينه وبين نهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة، بخلاف ما يخص حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.




