2026العدد 206ملف عربي

تداعيات الحرب على الأوضاع في غزة والضفة الغربية

لم تكن فترة الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران فترة هدوء، أو وقف لإطلاق النار بالنسبة للفلسطينيين؛ إذ منذ بدء الهدنة (ت1/أكتوبر 2025)، بموجب خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والتي أتت بعد عامين على حرب الإبادة الوحشية الإسرائيلية ضد فلسطينيي غزة، حتى مطلع أيار/مايو 2026، قتلت إسرائيل حوالي ألف من الفلسطينيين، ضمنهم 824 فلسطينيًّا وأصابت 2316 آخرين؛ وفق إحصائيات رسمية فلسطينية، ما يبين مدى هشاشتها.

وكانت تلك الخطة وقعت في اجتماع مشترك عقده قادة الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر (شرم الشيخ، 13/10/2025)، وهي تضمنت عدة مراحل، ضمنها وقف إطلاق النار، وبعدها- في المرحلة الثانية- إرساء ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد تتأسس على تشكيل إدارة انتقالية، وإرساء حكم تكنوقراطي، والشروع في إعادة الإعمار، ونزع سلاح حركة “حماس”، ثم انسحاب كامل القوات الإسرائيلية من القطاع، وكان المبعوث الأمريكي “ستيف ويتكوف” أعلن بدئها (14 يناير/كانون الثاني 2026).

واضح من ذلك أن ذلك الاتفاق هو بمثابة خطة أمريكية وإقليمية، وأن الفلسطينيين المعنيين، بخاصة المتمثلين بالسلطة وبحركة “حماس”، لم يكونوا طرفًا مقررًا فيها؛ إذ كان المطلوب منهم فقط الموافقة على بنودها بالجملة، وهو ما حصل؛ باعتبار أنهم باتوا يفتقدون القدرة، أو إمكانية طرح خياراتهم، في الظروف الدولية والإقليمية والعربية الراهنة، بخاصة أنهم باتوا في نكبة ثانية، بعد خراب قطاع غزة، وبعد هيمنة إسرائيل عليهم، من النهر إلى البحر، أكثر من أية فترة مضت، في ظل هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف في إسرائيل، وهو أمر بات يثير مخاوف الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم.

الحرب ضد إيران.

هكذا أتت الحرب ضد إيران باعتبارها امتدادًا للحرب التي شنتها إسرائيل ضد غزة، وضد “حزب الله”، ومختلف الأطراف الأخرى، على رغم أن ثمة جانب، أو استهداف، خاص إسرائيلي ضد النظام الإيراني.

من جهة التداعيات الفلسطينية لتلك الحرب، يمكن ملاحظة ثلاثة جوانب أساسية أثرت أكثر من غيرهما؛ إذ بيّنت الحرب، أولًا: عمق العلاقة التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية بإسرائيل، وتاليًا مدى اعتمادية إسرائيل على الولايات المتحدة، في ضمان أمنها الوجودي، وضمان تفوقها (اقتصاديًّا، وتكنولوجيًّا، وعسكريًّا) في الشرق الأوسط، على مختلف الأطراف الآخرين. ثانيًا: أدت تلك الحرب إلى تصعيد مكانة إسرائيل في المنطقة باعتبارها قوة عظمى إقليمية إزاء الأطراف الإقليميين في المنطقة؛ إنه بالنظر لقوتها العسكرية والتكنولوجية المستمدة أيضًا من الدعم الأمريكي، أو بالنظر لذراعها الطويلة، التي بيَّنت جهوزيتها واستعدادها لخوض حرب متعددة الأطراف. ثالثًا: أدت تلك الحرب إلى تعزيز مكانة تيار اليمين القومي والديني في إسرائيل، باعتباره التيار الذي مكَّنها من استعادة صورتها كدولة رادعة، وتأكيد دورها المركزي في المنطقة، وتعزيز مكانتها على الصعيد الدولي، إضافة إلى أنه التيار الذي استطاع صدَّ، أو هزيمة، الأطراف المعادية لإسرائيل، أو توجيه ضربات قاصمة لها، بما يشمل: “حماس” و”حزب الله” والنظام الإيراني، مع أثر كل ذلك على انهيار النظام السوري، وبديهي أن كل تلك الأمور جعلت من هذا التيار هو المقرر في السياسات الإسرائيلية، وضمنها في الشأن الفلسطيني، مع معرفتنا بأن هذا التيار المحسوب على اليمين القومي والديني المتطرف، لا يعترف إطلاقًا بأي حق للفلسطينيين، وإنه يعمل على اقتلاعهم وتهميشهم وإزاحتهم من المكان والزمان والمعنى. كما كشفت تلك الحرب أن الفلسطينيين باتوا مكشوفين إزاء السياسات الإسرائيلية، المدعومة أمريكيًّا، وإن حلمهم بإقامة دولة مستقلة مازال بعيد المنال، أو بحاجة إلى مزيد من التفاعلات والمعطيات العربية والدولية المواتية لهم، ما يفرض عليهم إعادة ترتيب أحوالهم، وربما أن المؤتمر الثامن لحركة “فتح” (14-16/2026) أتى كمحاولة في هذا السياق.

التأثير المباشر على الفلسطينيين.

تبعًا لما تقدم، فإن تلك العناصر أو التطورات التي ذكرناها، والتي أتت لصالح حكومة نتنياهو والمتطرفين في إسرائيل، أسهمت في تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وصرف الأنظار عن معاناة الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة؛ إذ إن تلك الحرب شغلت العالم كله بتأثيراتها، بما يفوق أي حدث آخر.

هكذا، فمن ناحية الفصائل الفلسطينية، ثمة تأثيرات متباينة ومختلفة؛ إذ بالنسبة للقيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، فإن ازدياد قوة إسرائيل في الشرق الأوسط، يعني زيادة مقدرتها على تهميش الكيان الفلسطيني الناشئ في الضفة والقطاع، وبالتالي ترسيخ وتسريع التآكل في مكانة السلطة الفلسطينية، ما يعني إطلاق يد إسرائيل في مصادرة الأراضي، وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وفصل قطاع غزة عن الضفة، وضمن ذلك فتح مسار مستقبلي لإيجاد بدائل فلسطينية مقبولة من قبل إسرائيل، وهو ما رأت تباشيره في تشكيل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، بموجب المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، الذي سبق أن أتينا على ذكره. وبالتأكيد، فإن هذا الوضع شكل دفعًا للقيادة الفلسطينية لعقد مؤتمر “فتح”، كبرى المنظمات الفلسطينية، كمحاولة لصد تلك التوجهات، ضمن إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

أما بخصوص حركة “حماس”، فبديهي أن الحرب ضد إيران، هي استمرار للحرب ضد تلك الحركة، وضد كل أطراف محور “المقاومة والممانعة”؛ إذ إن تلك الحرب، عدا عن استهدافها تدمير قدرات إيران (النووية، والصاروخية، والاقتصادية، والتكنولوجية) فإنها تستهدف إنهاء نفوذها في بلدان المشرق العربي، وقطع إمداداتها (المالية، والتسليحية) إلى الميلشيات التي تدعمها، كحزب الله في لبنان، والميلشيات الطائفية في العراق واليمن، وكذلك إلى حركة “حماس”، التي استمدت جزءًا كبيرًا من قوتها (المالية، والتسليحية، والسياسية) من إيران، ومن باقي أطراف محور “المقاومة والممانعة”.  

  مع كل تلك التأثيرات السلبية، فإن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، بما أحدثته من هز الاستقرار الأمني والاقتصادي (دوليًّا، وإقليميًّا) بيَّنت أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هي علاقة مرَضية، أي تعود بالسلب على الاستقرار الدولي، وعلى توجهات أو خيارات الولايات المتحدة في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، بل إنها أضرت بالولايات المتحدة ذاتها؛ بحيث باتت موضع تساؤل عند الأمريكيين، ليس فقط في أوساط الحزب الديمقراطي، وإنما في أوساط الحزب الجمهوري أيضًا، وحتى في الأوساط اليمينية- الانعزالية، المحسوبة على تيار الرئيس ترامب ذاته، وهذه تطورات تحسب لصالح الفلسطينيين، بخاصة على الصعيد المستقبلي.

خطط إسرائيلية.

وفيما يخص ما تحاول إسرائيل تمريره، وسط الانشغال الدولي والإقليمي بتداعيات الحرب الجارية ضد إيران (سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا) فثمة عديد من التوجهات، ضمنها مثلًا، السعي لإلغاء اتفاق أوسلو، وبالتالي شطب أو تحجيم كيان السلطة الفلسطينية، وفقًا لمتطلبات اليمين القومي والديني في إسرائيل، وذلك بعد تقويض ذلك الاتفاق من الناحية العملية، بخاصة في الحقب التي ترأس فيها نتنياهو حكومات إسرائيل (1996 – 1999، و2009 – 2021، و2022 حتى الآن)، وصولًا حتى لإمكان الضم المتدرج للضفة الغربية، وفصل غزة عنها.

ففي عهود نتنياهو تلك، جرى تحجيم السلطة الفلسطينية على الأراضي والموارد، وحتى في صلاحياتها الإدارية إزاء الفلسطينيين، مع توسيع الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية وفي منطقة القدس، وإنشاء ميلشيات مسلحة للمستوطنين، وفرض واقع جديد في الأماكن المقدسة في مدينتي (القدس، والخليل)، كما جرى في السنوات الماضية، حجز أموال “المقاصة” العائدة للسلطة الفلسطينية من العوائد التجارية، الأمر الذي أضر بقدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها إزاء موظفيها، وإزاء موازناتها، وخلق أزمة اقتصادية ومعيشية واسعة بين الفلسطينيين.

ويمكن تقديم فكرة عن بعض التصورات الإسرائيلية، التي تنظِّر لسياسات حكومة المتطرفين في إسرائيل بقيادة (نتنياهو، وسموتريتش، وبن غفير) من خلال مقالة كتبها باحثان عسكريان وأكاديميان، هما: العقيد البروفيسور “غابي سيبوني”، والعميد “إيرز فينر” اقترحا فيها ما سمياه “نهجًا إستراتيجيًّا شاملًا يتصدى للتهديدات الراهنة، ويستعد للتحديات المستقبلية”، ويتمثل أولًا بـ “إنشاء نظام مناطق عازلة أمنيًّا حول المستوطنات، وعلى طول طرق المواصلات الرئيسة… خالية من أي وجود فلسطيني، وسيتم الرد عسكريًّا على أي تحرك مشبوه فيها”. ثانيًا: “مواجهة شاملة لمصادر تمويل المنظمات الإرهابية… حسم الأموال المُحوَّلة إلى عائلات الإرهابيين من الأموال المُحوَّلة إلى السلطة”. ثالثًا: “اتخاذ إجراءات حاسمة ضد البناء غير القانوني في المنطقة (ج)”. رابعًا: “التصدي للتحريض على أعمال إرهابية… ربط المساعدات الاقتصادية وفتح المعابر بوقف تعليم الكراهية وإزالة المحتوى التحريضي من الكتب المدرسية”. خامسًا: “قد يُؤدي اعتزال أبو مازن… إلى فراغ قيادي يُفضي إلى فوضى عارمة… بما في ذلك شنُّ هجمات إرهابية ضد إسرائيل… في حال انهيار السلطة… قد تُضطر إسرائيل للعودة إلى الحكم العسكري في مناطق معينة من الضفة… الهدف منع الفوضى والسماح بإعادة تنظيم قيادة فلسطينية مسؤولة، مع ضمان مصالح إسرائيل الأمنية”. سادسًا: “أحد البدائل للسلطة تطوير نموذج الإمارات المحلية أو الحكم الذاتي المحلي في مختلف المناطق. يقوم هذا النموذج على قيادة محلية غير ملتزمة بالإيديولوجية الوطنية الفلسطينية، وتهتم أكثر بالتنمية الاقتصادية وجودة حياة السكان”.

عمليًّا، يتضح أن إسرائيل تطبق تلك المقترحات على الأرض، ويأتي ضمن ذلك تشريع الاستيطان، وشراء الأراضي في كل شبر من الضفة الغربية، وتعزيز الإدارة المدنية – الإسرائيلية للضفة، ما يفيد بأن إسرائيل، في ظل الحكومة الحالية، تحاول فرض القانون الإسرائيلي في الضفة.

المهم أن الفلسطينيين، كمنظمة وكسلطة وكفصائل، باتوا خارج دائرة الفعل، أو غير قادرين على صد إسرائيل وهي تفعل ما تفعله في الضفة الغربية، بالتوازي مع حرب الإبادة التي تشنها ضد فلسطينيي غزة.

تآكل مبنى الدولة الفلسطينية المفترضة.

مع ذلك لا يمكن اعتبار الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بترسيخ هيمنة إسرائيل على الضفة الغربية أمرًا جديدًا أو مفاجئًا، بالنسبة للفلسطينيين؛ لسبب بسيط مفاده أن إسرائيل لم تتوقف يومًا، لا بالمواقف السياسية ولا بالقوانين ولا بالممارسة، عن القيام بكل شيء لتأكيد هيمنها على الضفة الغربية، وتكريس احتلالها لها، عبر مصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة الجدار الفاصل، الذي يقطع أوصال الضفة، ويحدُّ من التواصل بين القرى والمخيمات والبلدات والمدن الفلسطينية.

ومعلوم أن إسرائيل ظلت ترفض الانسحاب من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967، بخاصة في الضفة (5680 كم2، 21 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية)، بموجب اتفاق التسوية مع إسرائيل 1993، بدعوى الحفاظ على أمنها القومي، وعلى الوجود الاستيطاني، والبقاء في المقدسات اليهودية، وفق ذلك فهي فرضت تقسيم الضفة، في اتفاقات أوسلو، إلى ثلاث مناطق (أ) حيث السيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية (وهي ظلت سيطرة منقوصة كما قدمنا)، ومنطقة (ب) حيث السيطرة الفلسطينية – الإسرائيلية المشتركة، ومنطقة (ج) وهي منطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهي تشمل 60 بالمئة من أراضي الضفة.

وكما قدمنا، فإن سطو إسرائيل على الضفة الغربية لا يتعلق فقط بإجراءات سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو إدارية، على أهمية كل ذلك، فثمة واقع يجري تشكيله على الأرض أيضًا، وهو يتمثل بزيادة عدد المستوطنين؛ إذ ثمة 750 ألف مستوطن في الضفة، ثلثهم في القدس، وبحسب شاؤول أرئيلي، ثمة “497.589 شخصًا، يعيشون في 134 مستوطنة و120 بؤرة استيطانية غير قانونية”. (“هآرتس”، 20/7/2024). كما يتمثل ذلك بزيادة عدد المستوطنات وتوسيعها، في كل أرجاء الضفة، وخاصة في القدس ومحيطها، بهدف تغيير طابعها الديمغرافي، وتقطيع أوصالها، وعزل القدس عن رام الله، وعن بيت لحم والخليل في الشمال، وعن أريحا والأغوار في الشرق، بربط الجدار الفاصل عبر هذا التوسع الاستيطاني الثلاثي الأبعاد. وبديهي إن من شأن ذلك تحويل الضفة إلى كانتونات معزولة، لا تواصل بينها، سيما مع الطرق الالتفافية والجسور والأنفاق والجدار الفاصل، الأمر الذي يقوض أية محاولة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلًا. 

أيضًا الوضع الاقتصادي في الضفة لا يشتغل لصالح الفلسطينيين، بقدر ما يشتغل لصالح إسرائيل أيضًا، وتكريس التبعية لها، فهي التي تسيطر على المعابر، وعلى التجارة، وحركة المصارف، ووسائل الاتصال، كما إنها تسيطر في مجالي العملة، والبني التحتية، إضافة إلى وجود عمالة فلسطينية، كانت تقدر قبل الحرب بحوالي 160 ألف عامل (إضافة إلى 20 ألفًا من غزة)؛ هذا من دون احتساب أن إسرائيل تعد من الدول القوية (اقتصاديًّا، وتكنولوجيًّا، وعلميًّا) علمًا أن الناتج المحلي السنوي في إسرائيل 522 مليار دولار، وحصة الفرد 55 ألف دولار سنويًّا.

وكان ألون بنكاس تحدث عن مدى ضعف السلطة، وارتهانها لإسرائيل، بقوله: “توجد عملة واحدة وغلاف ضريبي واحد وتجارة خارجية واحدة. 55 في المئة من استيراد الفلسطينيين مصدره إسرائيل، و80 في المئة من التصدير الفلسطيني مخصص لإسرائيل. نحو 80 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل في فرع البناء، و15 ألفًا في الصناعة والخدمات. إذا كان هناك أي أحد يبحث عن أدلة وشهادات على الضم بحكم الأمر الواقع…فإن الاقتصاد الفلسطيني هو المكان لرؤيتها. ما بدأ كرابطة قوية أصبح اعتمادًا اقتصاديًّا مطلقًا للفلسطينيين على إسرائيل واقتصادها. تبلغ الميزانية السنوية العامة للسلطة 5.7 مليارات دولار…65 في المئة من الميزانية مصدرها الضرائب التي تجبيها إسرائيل”. (“هآرتس”، 8/1/2025).

 أما د. روعي فايبرغ، وهو من مجموعة أبحاث “تمرور” الإسرائيلية، فشرح عمق الاعتمادية الفلسطينية اقتصاديًّا على إسرائيل، باعتبارها الشريكة التجارية الرئيسة للسلطة الفلسطينية، مع حجم تجارة سنوي يبلغ 5 – 6 مليارات دولار. تظهر المعطيات أن حوالي 65 بالمئة من الاستيراد الفلسطيني مصدره إسرائيل، و85 بالمئة من التصدير الفلسطيني يوجه للسوق الإسرائيلية. ويظهر بعد آخر من الاعتماد الاقتصادي في سوق العمل؛ فحتى اندلاع الحرب الحالية فإن حوالي 130 ألف فلسطيني كانوا يعملون في إسرائيل وفي المستوطنات بشكل قانوني، وحوالي 50 ألفًا كانوا يعملون بدون تصاريح. وفي المحصلة، فقد أدت الحرب إلى ارتفاع في نسبة البطالة في السلطة الفلسطينية، من 25 – 30 بالمئة إلى 50 – 60 بالمئة، ونسبة البطالة مرتفعة بشكل خاص في أوساط الشباب. علمًا أن نسبة الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة ارتفعت من 40 بالمئة في العام 2010 إلى الثلثين تقريبًا اليوم” (“هآرتس”، 20/7/2024)؛ إذ إن السلطة تؤمن ميزانيتها السنوية من أموال “المقاصة” التي تجبيها إسرائيل ومن مساعدات الدول المانحة.

هشاشة الوضع الفلسطيني راهنًا .

القصد من كل ما ذكره توضيح حقيقة مفادها أن الفلسطينيين إزاء حقبة جديدة في الصراع مع إسرائيل، على حقوقهم، وعلى أرضهم، وعلى مكانتهم السياسية، والمشكلة أن حركتهم الوطنية، أو كياناتهم السياسية الجامعة (المنظمة، والسلطة، والفصائل) هي في أضعف أوقاتها، مع خلافاتها، وهشاشة قواها، وانكشاف ظهرها على أكثر من صعيد، فاقمَ من كل ذلك وضع، أو نكبة، فلسطينيي غزة، وتغول إسرائيل في الشرق الأوسط.

لذا ففي كل الأحوال فإن الأولوية اليوم، مع الاحترام لكل الشعارات والرغبات والعواطف، يفترض أن تتركز على تعزيز صمود الفلسطينيين، وتمكينهم في أرضهم، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، قبل أي شيء آخر؛ إذ إن المسألة لم تعد تتعلق بـ”فتح” أو “حماس”، ولا بوجود سلطة أو دولة، وإنما بوجود، أو بتمكين، الشعب الفلسطيني في أرضه.

وفي الواقع فإن إسرائيل، لا سيما في ظل المعطيات الدولية والإقليمية السائدة، باتت تستسهل هذه النقلة في سياساتها التوسعية والاستعمارية، التي ربما تشمل لاحقًا الانتقال من سياسة الضم المتدرج العملي للضفة إلى إعلان الضم الرسمي لها، أو لمناطق منها، والانتقال من انتهاج سياسة إدارة الصراع مع الفلسطينيين إلى سياسة حسم الصراع معهم، وهذا ما يشكل حالة قلق للفلسطينيين، علمًا أن ذلك يمثل سياسة إسرائيلية صرفة ضدهم، رغم أنه يأتي اليوم كواحد من التداعيات الناجمة عن الحرب ضد إيران، أو التي سرعتها تلك الحرب أكثر من ذي قبل.

معنى ذلك أن الفلسطينيين، بعد كل ما حصل، إزاء كل تلك المخاطر والتحديات، التي تفرضها عليهم السياسات الإسرائيلية الراهنة، باتوا أقل قدرة من قبل على مواجهتها،  سيما أن إسرائيل باتت تعتبر أنه لم يعد يوجد شيء، أو طرف ما، قادرٌ على كبحها، بخاصة مع الدعم الذي تتلقاه من إدارة ترامب، والتي تشرعن ما تقوم به إسرائيل، بخاصة بعد أن قامت بـ”تبييض” صفحتها في حرب الإبادة الوحشية والمدمرة، بضمها إلى “مجلس السلام”، الذي شكله ترامب أخيرًا، علمًا بأن الرئيس الأمريكي، إبان حقبة إدارته الأولى، منح نوعًا من الشرعية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة، ولضم إسرائيل للقدس باعتبارها عاصمة موحدة لها.

ما يفترض ملاحظته في هذا الطور، من السياسة الإسرائيلية، أن اليمين القومي والديني المتطرف يحاول أن يفرض تصوراته في تحديد طبيعة إسرائيل وحدودها، وشكل علاقتها مع الفلسطينيين، من أهل الأرض الأصليين، بين البحر والنهر. وعن ذلك، وتحت عنوان: ” هذا ما تفعله إسرائيل الآن”، يقول المحلل الإسرائيلي “جدعون ليفي”: “رؤساء مجلس “يشع” والمستوطنون من جهتهم ينظمون أنفسهم لبسط السيادة منذ فترة طويلة، وينفذون تغييرات على الأرض، ويعملون مع الجهات ذات الصلة في الولايات المتحدة للدفع قدمًا بفكرة الضم في المدى الزمني القريب، وذلك بالتوازي مع العمل في إسرائيل حيال أعضاء الحكومة. تجري التغييرات في الساحة الأمنية، الحزبية، والسياسية”. (“هآرتس”، 27/2/2025)

ما العمل فلسطينيًّا؟

إزاء كل تلك الأوضاع والظروف الصعبة والمأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وقضيته الوطنية، تحاول القيادة الفلسطينية، وهي قيادة (المنظمة، والسلطة، و”فتح”) تدارك المخاطر والتحديات التي تفرضها السياسات الإسرائيلية والأمريكية، وربما أن مؤتمر “فتح” الثامن أتى في هذا الاتجاه، كما قدمنا، من أجل إعادة بناء البيت الفلسطيني، وتجديد حيويته وشرعيته، وضمن ذلك إنهاء حال التشظي، واستعادة الإجماع الوطني الفلسطيني.

مع ذلك، فإن الأزمة الوطنية الفلسطينية، لا تقتصر على أزمة في الشرعية، أو بناء البيت، على أهمية هذين العاملين؛ إذ هي أزمة في السياسة والبنية، كما إنها أزمة في الخيارات السياسية والكفاحية، التي تبين إخفاقها في التجربة، رغم كل التضحيات والمعاناة والبطولات، أي إن المطلوب جملة وتفصيلًا، تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية: تجديد بناها، وخطاباتها، وعلاقاتها، وأشكال كفاحها، ضد إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، مع التركيز في هذه المرحلة على تمكين الفلسطينيين من الصمود في أرضهم، بين النهر والبحر، وبناء البيت الفلسطيني على قواعد مؤسسية ووطنية وديمقراطية جامعة، بعيدًا عن العقليات الفصائلية (المستهلكة، والمتقادمة).

عمومًا، فإن مخرجات مؤتمر حركة “فتح”، أكدت على أهمية تعزيز “الوحدة الوطنية… في منظمة التحرير، وعلى قاعدة الالتزام بشرعيتها وقرارات مجالسها الوطنية المتعاقبة وكذلك الأمر التزاماتها الدولية، وعلى أساس وحدة النظام السياسي الفلسطيني في الضفة بما فيها القدس الشرقية وغزة”.

مع ذلك، فإن ما يجب أن تدركه القيادة الفلسطينية أن مؤتمر “فتح” ليس نهاية المطاف، وإنما هو بمثابة خطوة نحو استعادة شرعية وحيوية وفاعلية منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة، وتاليًا إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، وتجديد شرعيته، كما يتطلب ذلك إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في السلطة الفلسطينية، مع إطلاق ورشات حوار لخلق أساس سياسي لإجماع وطني فلسطيني، يتأسس على القيام بمراجعة نقدية ومسؤولة للتجربة الوطنية الفلسطينية، وعمرها ستة عقود، للإجابة على سؤال أين أخطأنا؟ أين أصبنا؟ أو أين كنا وأين صرنا؟ ولماذا؟ وما العمل؟     

اظهر المزيد

ماجد كيالي

بــاحــث فلسطيــني - سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى