مقدمة:
على العكس من موقف التحالف الأطلسي من حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران منذ 28 فبراير الماضي، والتي أدت إلى صدع واضح في التحالف الغربي مع تجنب معظم الدول الأوروبية الاصطفاف الكامل مع نهج المواجهة العسكرية الذي تبناه ترامب، اتخذت كلًّا من (روسيا، والصين) موقفًا رافضًا للحرب ومُدينًا لها، مع التأكيد على دعم قدرة إيران على الحفاظ على الاستقرار الداخلي واستعادته ومعارضة أي تدخل خارجي، وعرض البلدان وساطتهما في الصراع، مع التأكيد بأنه لا يوجد حل عسكري له.
وعلى حين طالبت القوتين (الولايات المتحدة، وإسرائيل) بوقف عملياتهما العسكرية فورًا، قامتا – في الوقت ذاته- بحثِّ إيران على التوقف عن مهاجمة دول الخليج. وزادت الصين على ذلك “دول الجنوب العالمي”، مطالبة إيران بضرورة أخذ مصالحها في الاعتبار. وقد فُسر ذلك برغبة كلًّا من (موسكو، وبكين) الحفاظ على علاقاتهما بدول الخليج العربية وتطويرها، ومن ثم ليس من مصلحة البلدين تأجيج الصراع بين إيران وجيرانها.
ومن منظور العديد من المحللين الغربيين، تظل قدرة كلًّا من (روسيا، والصين) على تقديم دعم عسكري مباشر لطهران محدودة، إلا أن الحرب وفرت للقوتين فرصة جيدة لتقويض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه، وأنهما حريصتان على استغلال الحرب لإضعاف النفوذ الأمريكي، ولدى كلا البلدين خيارات عديدة لتحقيق ذلك: دبلوماسية، وعسكرية، علنية وسرية.
وعلى صعيد التداعيات الجيوسياسية للحرب على القوتين، وبحكم علاقاتهما القوية بإيران، من الطبيعي أن تتأثر الدولتين بتلك الحرب، وإن بدرجات متفاوتة كما سيلي البيان، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة في حالة الصين، وتحويل الأنظار عن الصراع الأوكراني في الحالة الروسية.
واستنادًا إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحًا للصراع هي بقاء نظام إيراني ضعيف في بيئة تتسم بعدم استقرار إقليمي طويل الأمد، تشير التحليلات الإستراتيجية إلى أن هذا الصراع وإن كان ينذر بنجاح عسكري تكتيكي للولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنه يحقق مكاسب إستراتيجية للصين وروسيا والجهات الفاعلة الإقليمية التي تسعى إلى ملء الفراغ الناتج.
أولًا: موقف روسيا من الحرب وتداعياتها الجيوسياسية عليها.
مع اندلاع الحرب، سارعت روسيا إلى إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل، وقدم الرئيس بوتين تعازيه للقيادة الإيرانية الجديدة بعد مقتل المرشد الأعلى “علي خامنئي”، ووصف عملية القتل بأنها اغتيال “ارتكب بانتهاك سافر لمعايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي”. وفي بيانها في الأول من مارس 2026، أشارت الخارجية الروسية إلى أن موسكو استقبلت خبر مقتل المرشد الأعلى بـــ “غضب وحزن عميق”. وفي رسالة تهنئة لمجتبى خامنئي بعد انتخابه مرشدًا أعلى، أعرب الرئيس بوتين عن ثقته بأن الزعيم الجديد “سيستمر بشرف في طريق والده”. وعكس ذلك، اهتمام روسيا بتقديم انتقال القيادة في إيران على أنها استمرار للخط السياسي القائم، وليس كتطور يمكن أن يقوض استقرار النظام في طهران والتعاون مع موسكو.
وقد سعت روسيا إلى العمل الدبلوماسي منذ بداية الأزمة، فقد أجرى الرئيس بوتين مكالمات هاتفية مع القادة الإقليميين: الرئيس الإيراني “مسعود بيزشكيان”، وقادة دول الخليج التي تعرضت لهجمات إيرانية. واستقبلت موسكو، وبوتين شخصيًّا، وزير الخارجية الإيراني أكثر من مرة. وأفادت تقارير روسية بأن رئيس الاستخبارات العسكرية الروسي “إيجور كوروبوف” كان حاضرًا لقاء بوتين وعراقجي في 27 أبريل الماضي. كذلك التقى وزير الدفاع الروسي “أندرية بيلوسوف” بنائب وزير الدفاع الإيراني “رضا طلائي” في قيرجستان، وسافر طلائي بعدها إلى بيلاروس. وفضلًا عن ذلك، عرض الرئيس الروسي المساعدة على واشنطن في التوسط مع إيران.
وإلى جانب الاتصالات بقادة دول المنطقة، عملت موسكو أيضًا ضمن المؤسسات الدولية المعنية؛ فقد عقد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية جلسة خاصة، بناءً على طلب الوفد الروسي في فيينا، في 2 مارس؛ لمناقشة المخاطر الناجمة عن الضربات على المنشآت النووية.
ويصف بعض الكتاب الروس الموقف الروسي من الحرب بـ “المحايد”، لافتين الانتباه إلى أن ذلك لا يعني انسحابها من المنطقة، بل إنه يعكس المنطق البنيوي لمصالح روسيا المتعددة الأوجه في الشرق الأوسط، ويضيفون أن روسيا ترتبط بإيران بعلاقات سياسية وعسكرية تقنية وتعاون في مجالات الطاقة والنقل. في الوقت ذاته، لدى موسكو مصلحة قوية في إقامة علاقات مستقرة مع دول الخليج، خاصة في تنسيق المواقف بشأن سوق النفط والتعاون الاستثماري والدبلوماسية الإقليمية.
وفي تناولهم لموقف موسكو من الحرب، يعترف الكتاب الروس بأن بلدهم تتمتع بقدرات مماثلة للبنية التحتية العسكرية الأمريكية في الخليج، وهيمنة الولايات المتحدة على نظام الأمن الإقليمي في المنطقة من خلال القواعد الأمريكية المنتشرة فيها وأنظمة القيادة والاستخبارات والدفاع الجوي، والتكامل العملياتي. ويضيف هؤلاء أن هذا الهيكل الأمني سيظل قائمًا، حتى في الوقت الذي تسعى فيه دول الخليج إلى قدر أكبر من الحكم الذاتي وترتيبات أكثر قابلية للتنبؤ بها. وقد تُراجع دول الخليج شروط تعاملها مع واشنطن، غير أن البنية الأساسية للأمن تظل دون تغيير.
في السياق عاليه، تشدد التحليلات الروسية على أن موسكو لا يمكنها القيام بدور المزود الأمني الرئيس في الخليج؛ حيث يتطلب هذا الدور وجودًا عسكريًّا دائمًا، ونظامًا من التحالفات، وحجمًا من الموارد التي لا تمتلكها روسيا في هذه المنطقة. وتضيف التحليلات أن هناك تحولًا أكثر أهمية داخل الخليج نفسه، فلم تعد دولًا، مثل: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، تعتمد على الضمانات الخارجية وحدها؛ حيث تعمل هذه الدول على تطوير قدراتها الدفاعية وصناعات الدفاع الوطنية والشركات التكنولوجية.
ووفقًا لتقارير أمريكية، استمر التعاون الأمني بين روسيا وإيران منذ بدء الحرب؛ حيث قدمت موسكو لطهران معلومات استخباراتية ساعدتها في مهاجمة الأصول العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بعد أن عطلت الولايات المتحدة الاتصالات الإيرانية عبر الأقمار الصناعية. وفضلًا عن ذلك، تساعد روسيا إيران في تنفيذ تكتيكات تشغيل الطائرات بدون طيار المتقدمة، التي تم اختبارها وتطويرها خلال الحرب في أوكرانيا. ولا تستبعد تقديرات إسرائيلية إمكانية أن تكون روسيا زودت إيران بمعلومات استخباراتية حول إسرائيل.
وفيما يتعلق بالتداعيات الجيوسياسية للحرب على روسيا.
تشير التقديرات الروسية إلى أنه بالرغم من التحديات التي فرضتها الحرب على روسيا، إلا أنها وفرت لها عددًا من الفرص، تشمل: تحول تركيز الولايات المتحدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومعه تحولت مواردها أيضًا. كذلك أدى قيام إدارة ترامب برفع العقوبات المفروضة على النفط الروسي لكبح جماح ارتفاع أسعار النفط، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة لموسكو؛ فقبل اندلاع الحرب كان النفط الخام الروسي يتداول بمتوسط سعر 40 دولار للبرميل، وقد قفز هذا السعر إلى 116 دولار، مما زاد من عائدات روسيا الشهرية بنسبة 52% في مارس 2026 بالمقارنة بالشهر السابق.
وبجانب المكاسب المالية المباشرة، أجبرت الحرب الولايات المتحدة على استنزاف ترسانتها العسكرية بمعدل يتنافس بشكل مباشر مع احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية.
وتضيف التقديرات الروسية أن موسكو استقبلت بارتياح كبير الضرر الذي ألحقته الحرب بالتحالف الغربي؛ حيث زادت من الفجوة بين واشنطن وأقرب حلفائها في أوروبا، فلم تصطف دول الاتحاد الأوروبي بالكامل مع الولايات المتحدة، ورفض بعضها استخدام القواعد الأمريكية في أراضيها لضرب إيران.
ومع ذلك، أشار بعض الكتاب الروس، ومنهم: فاسيلي كوزنيتسوف، في مقال له في دورية المجلس الروسي للشؤون العالمية RIAC)) في 24 أبريل الماضي، إلى أن الحرب ضد إيران تشكل تحديًا خطيرًا لموسكو وأنه لا ينبغي أخذ التكهنات بأن روسيا قد تستفيد من الصراع، على سبيل المثال: من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، على محمل الجد. فالمخاطر المرتبطة بهذه الحرب أكبر بكثير، والخطر الرئيس يكمن في التخلي المحتمل عن الإستراتيجية الروسية التقليدية “الصداقة مع الجميع”، التي قد تؤدي إلى فقدان شركاء رئيسين، لا تقتصر على إيران فقط، بل إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي أيضًا.
وعلى صعيد الفرص الاقتصادية والنفوذ الإستراتيجي الروسي ارتباطًا بنتائج الحرب، تشير التقديرات الروسية إلى أنه في حال حفاظ إيران على استقرارها الداخلي بما يحقق استدامة للنظام، فقد يوفر ذلك نافذة فرص لروسيا، سواء في تعزيز رؤيتها للأمن الإقليمي، لا سيما “مفهوم الأمن الجماعي في الخليج الفارسي”، أو في توسيع التعاون الثنائي، خاصة في المجالات (العسكرية، والتقنية، والعلمية، والتكنولوجية)، مع كل من: إيران، والممالك العربية الخليجية. وتشير التقديرات، في معرِض الحديث عن احتياجات إيران ما بعد الحرب، بما فيها إعادة الإعمار الاقتصادي والتكنولوجي أو اهتمام دول الخليج بتنويع شراكاتها الخارجية، إلى إمكانية قيام روسيا بتنسيق جهودها مع الصين في هذا الشأن، بما في ذلك الأطر المتعددة الأطراف.
وتشير التقديرات إلى ممرات النقل كمجال رئيسٍ للتعاون الروسي الصيني في المنطقة، ولا يتعلق الأمر هنا بممر النقل الشمالي – الجنوبي فحسب، بل أيضًا بإمكانية امتداده إلى المشرق والخليج، والذي قد يصبح آلية ربط رئيسة للنظام الإقليمي. ومع ذلك، تعترف التقديرات الروسية بأن موسكو لا يمكنها أن تؤدي دورًا رئيسًا في ضمان أمن الروابط الأبعد في هذه السلسلة اللوجستية، مثل: مضيق هرمز، والطرق البحرية في المحيط الهندي، مما يجعل من التنسيق مع الصين والجهات الأخرى المعنية بمثابة ضرورة.
والواقع أن أغلب التقديرات الغربية تؤكد أن قدرة روسيا على تحقيق الاستقرار الاقتصادي لإيران ما بعد الحرب تبقى محدودة للغاية مقارنة بقدرة الصين، كما أن القيود الاقتصادية الداخلية التي تواجهها موسكو بعد الحرب في أوكرانيا تحدُّ من قدرتها على تقديم دعم كبير لإعادة الإعمار.
ومن ثم، من المرجح أن يقتصر دور روسيا على تقديم الدعم الأمني والجيوسياسي لإيران بعد الحرب بدلًا من الشراكة الاقتصادية.
هذا وقد استخلص المحلل السياسي “إيفان تيموفيف” المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية، في مقال له في 3 مارس الماضي حول “الأزمة الإيرانية وروسيا”، بعض الدروس المستفادة بشأن علاقات روسيا المتدهورة بالغرب، أبرزها:
- أن الغرب يتبع إستراتيجية طويلة الأمد للاستنزاف، لا تمثل سوى تمهيد لاستخدام القوة العسكرية.
- أن تقديم التنازلات أحيانًا لا يجلب سوى المزيد من الضغوط، وأن قيادة الدولة والبيروقراطية العليا فيها باتت أهدافًا عسكرية مباشرة في العصر الحالي.
- على روسيا أن تعترف بأن الصمود الداخلي يشكل عاملًا مركزيًّا في منع التدخل الخارجي؛ حيث يُنظر إلى الانقسامات الاجتماعية في الغرب على أنها نقاط ضعف تغري بالهجوم، وأنه في عالم من الصراعات التي لا مفر منها، يجب على روسيا أن تعتمد فقط على قوتها الخاصة.
ثانيًا: موقف الصين من الحرب وتداعياتها الجيوسياسية عليها.
منذ الأيام الأولى للحرب، عبرت الصين عن موقف رسمي واضح يدين الهجمات على إيران والاغتيال العلني لقائد دولة ذات سيادة، والتحريض على تغيير النظام، باعتبارها أفعالًا غير مقبولة ومخالفة للقانون الدولي والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية.
وفي تصريحات صحفية في 8 مارس الماضي، اعتبر “وانج يي” وزير الخارجية الصيني أن “هذه حرب ما كان ينبغي أن تندلع أصلًا”، وأنه ” لا رابح فيها”، مؤكدًا أن الحل السليم للملف الإيراني ولأزمة الشرق الأوسط يقتضي الالتزام بخمسة مبادئ مترابطة: احترام سيادة الدول، رفض الاستخدام التعسفي للقوة، التمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، حل القضايا الساخنة سياسيًّا عبر الحوار، قيام الدول الكبرى بدور بناء قائم على العدل وحسن النية. ويلاحظ فيما يتعلق بالموقف الصيني، تشديد بكين على أن سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها يجب أن تحترم، وذلك جنبًا إلى جنب مع إدانتها للهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وبمعني آخر، بدت الصين – مثلها في ذلك مثل روسيا – حريصة على تجنب الاصطفاف الأحادي مع إيران، والسعي إلى احتواء الحرب ومنع تحولها إلى انفجار إقليمي أوسع.
وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، أوفدت الصين مبعوثها الخاص للشرق الأوسط “لينج يان” في 19 مارس الماضي؛ حيث قام بجولة شملت (السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين، والكويت)، كما التقى بأمين عام جامعة الدول العربية والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي. وخلال جولته، شدد المبعوث الصيني على أن الوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء الأعمال العدائية يمثلان الحل الجوهري، وعلى ضرورة احترام سيادة دول مجلس التعاون الخليجي وأمنها وسلامة أراضيها، وعدم استهداف الأهداف غير العسكرية، وعدم تعطيل سلامة الممرات البحرية.
وفي الأمم المتحدة، حافظت الصين على هذا الموقف، والتنسيق الوثيق في ذلك مع روسيا منذ بداية الأزمة من خلال اتصالات ومشاورات ثنائية على أعلى مستوى، وكذلك في إطار الأمم المتحدة عندما تناول مجلس الأمن الصراع. وعرضت الصين وساطتها لإنهاء الحرب، كما أعلنت في 31 مارس الماضي، عن مبادرة مشتركة مع باكستان تضمنت إنهاء الأعمال العدائية فورًا ووقف الهجمات على البنى التحتية والسماح بتقديم المساعدات الإنسانية وضمان المرور الآمن في مضيق هرمز، واستعادة الحركة الطبيعية فيه، بجانب الدفع نحو إجراء مفاوضات عاجلة، مع التعهد بعدم استخدام القوة خلال المفاوضات.
ووفقًا للرئيس ترامب، أسهمت الصين في إقناع إيران بالانخراط في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مما أفضى إلى وقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن الصين عرضت وساطتها وهي تدرك أنها لن تكون قادرة على فرض تسوية شاملة بمفردها، أو حتى إحداث تأثير ذي مغزًى في مسار الصراع، إلا أنها أرادت الكشف عن واقع أن استعداد الولايات المتحدة للتصرف بشكل أحادي ودون أية قيود قانونية تقليدية، يجعل من الصعب للغاية على واشنطن التمسك بموقف أخلاقي راسخ إذا ما تحركت الصين لغزو تايوان أو أقدمت روسيا على مزيد من التدخلات العسكرية ضد جيرانها. فكل معيار تنتهكه الولايات المتحدة الآن هو معيار لا يمكنها إجبار الآخرين على احترامه في المستقبل.
علاوة على ما تقدم، تضيف التقديرات الأمريكية أن الصين أرادت أن تُظهر أنها “القوة المسؤولة” التي سعت إلى إنقاذ العالم من حرب مجنونة أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن من شأن ذلك أن يخلف تداعيات دولية لن تصب في صالح الولايات المتحدة.
وكما هو الحال بالنسبة لروسيا، فقد كشفت الحرب عن حدود ما يمكن أن تقدمه الصين فيما يتعلق بأمن المنطقة؛ ذلك وإنه بالرغم من الحضور الصيني الضخم فيها، في مجالات: الطاقة والبتروكيماويات والموانئ والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، إلا أنها لم تطور مظلة أمنية مستقلة تحمي هذه المصالح، إذا تحول الخليج إلى مسرح حرب مفتوحة.
وقد أشارت تقارير أمريكية إلى أن الصين قدمت مساعدات لإيران شملت مكونات كيميائية لصواريخها الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب، وقد تسعى إلى تعزيز دعمها بتزويدها بأنظمة رادار متطورة وصواريخ كروز مضادة للسفن أسرع من الصوت.
وفيما يتعلق بالتداعيات الجيوسياسية للحرب على الصين.
أشار خبراء غربيون إلى أن الحرب وجهت ضربة مزدوجة لأمن الطاقة الصيني وشبكة شراكاتها الإقليمية في الشرق الأوسط. واعتبر إستراتيجيون أمريكيون أن الحرب ضربة لاعتماد الصين على ما أسموه “محور الفوضى” (روسيا، إيران، كوريا الشمالية وفنزويلا) لتقويض المصالح الأمريكية. أما الصين، فقد رأت هذه الحرب اختبارًا لنوايا واشنطن الإستراتيجية طويلة الأمد، كما تعكس إستراتيجية جديدة للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ويضيف هؤلاء أنه من خلال إضعاف إيران، التي تعد ركيزة أساسية لمبادرة الحزام والطريق، تتحدى الولايات المتحدة مباشرة مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الصينية في إيران.
ومع ذلك، يشير محللون أمريكيون آخرون إلى أنه بالرغم من أن الأزمة الحالية كانت مؤلمة لبكين، فيما يتعلق بصدمة الطاقة؛ إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من نصف واردات الصين من النفط الخام وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، إلا أنه بعد عقدين من التوسع السريع في استخدام الكهرباء، التي تمثل الآن أكثر من 30% من إجمالي استهلاك الصين للطاقة، والتوسع الهائل في توليد الطاقة محليًّا من الفحم ومصادر الطاقة المتجددة، أصبحت الصين في وضع أفضل مما كانت عليه لولا ذلك، ما يمكنها من استيعاب الصدمات الخارجية بسبب نقص الإمدادات. كذلك ساعد الصين المخزون الضخم من احتياطيات النفط الإستراتيجية التي راكمتها، وأنه من المرجح أن تسرِّع من وتيرة كهربة قطاعي (النفط، والصناعة)، وأن تسعى إلى إيجاد مصادر بديلة، محلية وعالمية، أكبر للمعادن الحيوية، وأن تواصل توسع احتياطاتها وبنيتها التحتية للشبكة ومرافق التخزين.
ويعتقد محللون غربيون أنه من الناحية الاقتصادية، ركزت الصين على تجنب الخسائر، بينما تجسدت مكاسبها من الحرب في الجوانب السياسية والدبلوماسية؛ فقد نجحت في تقديم نفسها كقوة مانحة مسؤولة، داعية جميع الأطراف إلى التفاوض والتسوية السلمية. وقد اتسمت تصريحات مسؤوليها بالاتزان والدبلوماسية الراسخة، وبينما كانت الدول الأوروبية والآسيوية تعاني من تحركات الولايات المتحدة غير المتوقعة، تبنت الصين أسلوب الدبلوماسية التقليدية، مظهرة بذلك مصداقيتها كطرف عالمي فاعل، في وقت تتصرف فيه الولايات المتحدة كقوة هيمنة لا يمكن التنبؤ بسلوكها.
وتؤكد تحليلات إستراتيجية غربية إلى أنه بالنظر إلى أن السيناريو الأرجح لانتهاء الحرب سوف يتمثل في إيران ضعيفة، ولكن مع نظام سياسي مستمر في بيئة إقليمية غير مستقرة، ستكون الصين القوة التي تمتلك أكبر حافز وقدرة هيكلية للانخراط بشكل بناء مع إيران الضعيفة، وأن مصالحها تتمحور بالدرجة الأولى حول الجوانب الاقتصادية والبنية التحتية أكثر من الجوانب الأيديولوجية، مما يمنحها ميزة كبيرة على الولايات المتحدة في ترسيخ نفوذها بعد انتهاء النزاع. ولدى الصين عدد من الأدوات الإستراتيجية في هذا الشأن أبرزها:
- اتفاقيات طويلة الأجل لإمدادات الطاقة من إيران (إيران تمتلك 10% من احتياطيات النفط العالمية).
- استثمارات وتمويل البنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق.
- غطاء دبلوماسي من خلال حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي.
- توسع الوجود الجيوسياسي الصيني ليحل محل النفوذ الغربي.
وتؤكد التقديرات أن الأدوات عاليه تضع الصين في وضع يؤهلها لتكون شريكًا في إعادة الإعمار لأي حكومة إيرانية باقية أو لاحقة. وهذا ما يجعل الصين الطرف الأبرز والأكثر ترجيحًا للاستفادة الإستراتيجية من الحرب ضد إيران.
هذا ولا يستبعد خبراء أمريكيون أن تسعى إيران في الأمد القريب إلى إعادة بناء دفاعاتها العسكرية عبر توسيع شراكتها مع الصين. ويرى هؤلاء أنه وإن كان صحيحًا أن بكين تتجنب دعم طرف على حساب آخر في الشرق الأوسط، إلا أن حساباتها قد تتغير؛ فقد ترى وجود فرص جديدة في مساعدة إيران على استعادة بعض قوتها المدمرة، وأنه وإن ظلت موسكو دائمًا الشريك الدفاعي الأقرب إلى طهران، إلا أن العلاقة المعقدة لروسيا مع إسرائيل قلصت حجم المساعدة التي كانت راغبة في تقديمها. كذلك قلصت الحرب في أوكرانيا قدرة روسيا على بيع الأسلحة إلى مشترين من الخارج. وعلى سبيل المثال، أعلنت إيران عام 2023 عن صفقة لشراء طائرات “سوخوي – 35” المقاتلة من روسيا، إلا أنها لم تتسلم، حتى الآن، سوى طائرتين من أصل 50 طلبتها إيران.
والخلاصة: هي أن المقاربتين (الروسية، والصينية) للحرب ضد إيران تقوم على توازن إستراتيجي حذر؛ إذ بينما تقدم القوتان دعمًا دبلوماسيًّا واسعًا لإيران وتدين هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنهما حرصتا على تجنب الاصطفاف الأحادي مع إيران والتأكيد على ضرورة احترام سيادة دول الخليج العربية وأمنها وسلامة أراضيها، وفي الوقت ذاته تتفاديا أية خطوات تصعيدية في علاقاتهما بواشنطن وتل أبيب، وإن اختلفت أسباب كل منهما.
وفيما يتعلق بالتداعيات الجيوسياسية للحرب على روسيا، فإنه بالرغم من التحديات التي فرضتها عليها، لا سيما بالنسبة لإستراتيجية روسيا في المنطقة والقائمة مع “الصداقة مع الجميع” وإمكانية التخلي المحتمل عنها، إلا أن الحرب وفرت لروسيا عددًا من الفرص، تشمل: تحول تركيز الولايات المتحدة عن أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومعه تحولت مواردها أيضًا. كذلك أدى قيام إدارة ترامب برفع العقوبات المفروضة على النفط الروسي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة لموسكو. وتشير التقديرات الإستراتيجية إلى أن هناك نافذة فرص لروسيا في الإقليم؛ سواء لتعزيز رؤيتها للأمن الإقليمي، أو لتوسيع التعاون الثنائي، خاصة في المجالات العسكرية.
وبالنسبة للتداعيات الجيوسياسية للحرب على الصين، فإنه بالنظر إلى أن السيناريو الأرجح لانتهاء الحرب سوف يتمثل في إيران ضعيفة، ولكن مع نظام سياسي مستمر في بيئة إقليمية غير مستقرة، فإن الصين هي القوة التي تمتلك أكبر حافز وقدرة هيكلية للانخراط بشكل بناء مع إيران الضعيفة، وأن مصالحها تتمحور بالدرجة الأولى حول الجوانب الاقتصادية والبنية التحتية، مما يمنحها ميزة كبيرة على الولايات المتحدة في ترسيخ نفوذها بعد انتهاء النزاع، مستخدمة في ذلك أدواتها الإستراتيجية.
ورغم أن الصين وروسيا لن تحل محل الولايات المتحدة كضامن للأمن الإقليمي، إلا أن تقديرات إستراتيجية غربية عديدة تشير إلى أن كليهما، خاصة الصين، قد تؤديا دورًا مهمًا في بناء نظام إقليمي جديد؛ حيث تعيد دول الخليج النظر في إستراتيجياتها الأمنية. وقد تجني القوتان مكاسب سياسية ومعاييرية ونفوذًا معنويًّا نتيجة الاستياء والسخط العالمي على سياسات الولايات المتحدة، مما يوفر لهما فرصًا للتفاعل والتدخل على حساب الولايات المتحدة، التي ستخرج من هذه الحرب منهكة عسكريًّا ومستنزفة، بما لذلك من تداعيات سلبية على الدفاع عن المصالح الأمريكية حول العالم. ويشار في ذلك بصفة خاصة إلى ما كشفت عنه الحرب من حدود للقوة العسكرية الأمريكية، وأن الدولة التي كان من المفترض أن تضمن أمن الخليج عرضته للخطر. كذلك فإن ما أظهرته إيران من قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، بجانب استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، يمكن أن يخلق توازنًا للردع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يسمح لطهران بانتزاع تنازلات لا يستهان بها من الناحيتين (التكتيكية، والسياسية).




