2026العدد 206ملف دولى

ضعف الموقف الأوروبي وقلة حيلته رغم تداعيات الحرب على أوضاع دولِه

مقدمة:

مع كل موجة تصعيد تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يعود التساؤل ذاته إلى الواجهة: ما موقع أوروبا من هذه الأزمات؟ وقد أعادت الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط طرح هذا السؤال بإلحاح، في ظل موقف أوروبي بدا محصورًا في إطار التصريحات الدبلوماسية والدعوات إلى ضبط النفس، بينما كانت المنطقة تقترب من احتمالات مواجهة إقليمية واسعة بين (إيران، وأمريكا، وإسرائيل). ولا يعكس هذا المشهد مجردَ تردد سياسي عابر، بل يثير تساؤلات أعمقَ حول قدرة الاتحاد الأوروبي على ممارسة دور فاعل ومؤثر في إدارة الأزمات الدولية المعقدة.

فعلى الرغم من امتلاك أوروبا لمقومات اقتصادية ودبلوماسية تجعلها من أبرز الفاعلين الدوليين، فإن تأثيرها السياسي غالبًا ما يتراجع عند لحظات الاختبار الحقيقية؛ نتيجة غياب رؤية موحدة بين الدول الأعضاء. وينعكس هذا الانقسام على قدرة الاتحاد الأوروبي في تبني موقف موحد وسريع، الأمر الذي يؤدي غالبًا إلى ظهور استجاباته متأخرة أو محدودة التأثير، خاصة في بيئة إقليمية تتسم بسرعة التحولات وتصاعد المخاطر.

ومع ذلك، فإن تفسير الموقف الأوروبي باعتباره تعبيرًا عن “الضعف” فقط، قد يختزل طبيعة الحسابات المعقدة التي تحكم السلوك الأوروبي؛ فالدول الأوروبية ترى أن هذه الحرب اندلعت دون مبرر إستراتيجي واضح،([1]) وتدرك أيضًا أن أي انخراط في تصعيد مباشر مع إيران قد يفضي إلى تداعيات أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها، لا سيما أن منطقة الشرق الأوسط تمثل محورًا أساسيًّا في معادلات الطاقة والتجارة العالمية.

ومن هذا المنطلق، قد يبدو الحذر الأوروبي خيارًا براغماتيًّا بقدر ما يبدو مظهرًا من مظاهر التردد. إلى جانب ذلك، لا يزال الإرث المرتبط بالاتفاق النووي الإيراني يشكل محددًا مهمًّا للمقاربة الأوروبية تجاه طهران؛ إذ تنظر العواصم الأوروبية إلى الاتفاق باعتباره أحد أبرز النجاحات الدبلوماسية متعددة الأطراف التي ينبغي الحفاظ عليها. لذلك، فإن تبني مواقف تصعيدية حادة قد يقوض فرص إحياء الاتفاق أو إعادة التفاوض بشأنه، بما يهدد بفقدان إحدى الأدوات القليلة التي لا تزال تمنح أوروبا مساحة من التأثير في الملف الإيراني. غير أن استمرار الرهان على هذا المسار، رغم تعثره المستمر، يثير تساؤلات متزايدةً بشأن مدى قدرة أوروبا على توسيع خياراتها الإستراتيجية بدلًا من الارتهان لنهج محدود الفاعلية.

محدودية التأثير السياسي للدور الأوروبي:

أوروبا ليست فاعلًا أمنيًّا رئيسًا في الشرق الأوسط مقارنة بالولايات المتحدة.

تكشف التحولات الجارية في الشرق الأوسط عن حقيقة بنيوية فحواها محدودية التأثير السياسي الأوروبي في المنطقة، وهو ما يرتبط بدرجة كبيرة بغياب دور أمني فاعل قادر على موازنة النفوذ الأمريكي؛ ففي بيئة إقليمية تتزايد فيها أهمية القوة الصُّلبة وإعادة تشكيل موازين القوى، تظل الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على إدارة الأزمات والتأثير في مساراتها، سواء من خلال حضورها العسكري المباشر أو عبر شبكات تحالفاتها (الأمنية، والإقليمية) الممتدة. وقد بدا هذا التفاوت بوضوح خلال التصعيدات الأخيرة المرتبطة بإيران؛ إذ كشفت التطورات أن مركز الثقل الحقيقي في إدارة الأزمة لا يزال يتمركز في واشنطن، خاصة مع وجود الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وسياسته التهميشية لأوروبا، بينما اقتصر الدور الأوروبي على المتابعة وإصدار المواقف السياسية، دون امتلاك أدوات فعلية تتيح التأثير المباشر في مجريات الأحداث. وبدلًا من أن تكون أوروبا طرفًا مُسهِمًا في صياغة الاستجابات أو احتواء التصعيد، بدت أقرب إلى مراقب يتفاعل مع التطورات أكثر مما يسهم في توجيهها، وهو ما يعكس تراجع وزنها السياسي في أحد أكثر ملفات الأمن الإقليمي حساسية.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن سياق أوسع من التحول في الأولويات الإستراتيجية الأوروبية، خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت القارة الأوروبية إلى إعادة تركيز اهتمامها ومواردها السياسية والعسكرية نحو الجبهة الشرقية. وقد أدى هذا التحول إلى تراجع نسبي في الحضور الأوروبي داخل الشرق الأوسط؛ لتصبح الاستجابة للأزمات الإقليمية في كثير من الأحيان أقرب إلى ردود أفعال متفرقة تفتقر إلى إطار إستراتيجي موحد. كما ظهر هذا التراجع سابقًا في التعامل الأوروبي مع أزمات إقليمية أخرى، وعلى رأسها الحرب في غزة؛ حيث عجز الاتحاد الأوروبي عن بلورة موقف سياسي موحد أو ممارسة ضغط فعلي يمكن أن يؤثر في مسار الصراع. وأسهم هذا المشهد في تعزيز صورة أوروبا بوصفها فاعلًا منقسمًا يفتقر إلى القدرة على التأثير الحاسم في اللحظات المفصلية. وفي الإطار ذاته، يعكس التراجع الأوروبي في الملف الإيراني تآكل قدرتها في الحفاظ على موقعها التقليدي كوسيط أو شريك رئيسٍ في إدارة الأزمات الإقليمية، ويجعلها أكثر تأثرًا بتداعيات الأزمات من كونها طرفًا قادرًا على صياغة مآلاتها.([2])

أدوات أوروبا الأساسية: دبلوماسية واقتصادية وليست عسكرية مباشرة.

محدودية التأثير السياسي للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط ترتبط ارتباطًا مباشرًا بطبيعة أدواته ونمط حضوره الخارجي؛ إذ يرتكز الحضور الأوروبي بصورة أساسية على الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، في مقابل محدودية الاعتماد على الأدوات العسكرية أو آليات الردع المباشر. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره فاعلًا أمنيًّا رئيسًا في المنطقة على غرار الولايات المتحدة، التي تمتلك حضورًا عسكريًّا واسعًا وشبكة ممتدة من القواعد والتحالفات الأمنية، لا سيما في منطقة الخليج، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في موازين القوى الإقليمية وإدارة الأزمات. في المقابل، يقوم الدور الأوروبي على ما يمكن وصفه بـ”القوة المؤسسية الناعمة”؛ حيث يوظف الاتحاد الأوروبي حزمة متنوعة من الأدوات الاقتصادية والتنموية لتعزيز نفوذه الخارجي، وتشمل هذه الأدوات: المساعدات الإنسانية والتنموية، وبرامج دعم الاستقرار، والتمويل المرتبط بالإصلاحات السياسية والاقتصادية، فضلًا عن اتفاقيات الشراكة والتعاون التجاري. كما يحتفظ الاتحاد بحضور اقتصادي مهم من خلال الاستثمارات في مجالات: البنية التحتية، والطاقة، وإعادة الإعمار في عدد من دول المنطقة، إلى جانب استخدام أدوات مالية، مثل: قروض بنك الاستثمار الأوروبي، وآليات الدعم المرتبطة بسياسات الجوار الأوروبية. ([3])

وعلى المستوى السياسي، يعتمد الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على الدبلوماسية متعددة الأطراف، عبر الوساطة والحوار السياسي ودعم مسارات التفاوض في القضايا الإقليمية المعقدة، ([4]) إلا أن فاعلية هذه الأدوات تبقى محدودة في كثير من الأحيان؛ نظرًا لاعتمادها على الحوافز والتوافقات أكثر من اعتمادها على أدوات الإلزام أو فرض التسويات السياسية.

وتزداد هذه المحدودية وضوحًا في البيئات الإقليمية التي تهيمن عليها اعتبارات القوة العسكرية وتوازنات الردع؛ ففي سياقات التصعيد الحاد، كما هو الحال في التوترات المرتبطة بإيران، تصبح الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية أقل قدرة على التأثير في حسابات الأطراف الفاعلة مقارنة بالقوة العسكرية المباشرة أو التهديد باستخدامها. ونتيجة لذلك، ينحصر الدور الأوروبي غالبًا في الدعوات إلى التهدئة والحفاظ على قنوات الاتصال، دون امتلاك قدرة حقيقية على إعادة تشكيل مسار الأزمة أو التأثير في موازين الردع القائمة. كما تعكس طبيعة العلاقات الأوروبية مع دول الشرق الأوسط هذا النمط من النفوذ المحدود؛ إذ ترتكز بصورة رئيسة على المصالح الاقتصادية والتجارية، لا سيما في قطاعات الطاقة والغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر، إلى جانب التعاون في ملفات الأمن غير التقليدي، مثل: الهجرة، وإدارة الحدود، ومكافحة الإرهاب. ([5]) ورغم أن هذه العلاقات تمنح أوروبا موقعًا اقتصاديًّا مؤثرًا وشراكات إستراتيجية مهمة، فإنها لا تُترجم بالضرورة إلى نفوذ سياسي حاسم في إدارة النزاعات أو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

الخوف الأوروبي من اتساع نطاق الصراع.

هناك قلق أوروبي تجاه احتمالات اتساع نطاق الصراع الإقليمي، في ظل إدراك متزايد بأن تداعيات الحرب لن تبقى محصورة داخل حدود الشرق الأوسط، وإنما ستمتد لتطال المصالح الأوروبية (الأمنية، والاقتصادية، والسياسية) بصورة مباشرة وغير مباشرة. وفي هذا السياق، تتعامل العواصم الأوروبية مع الأزمة بوصفها مصدرًا محتملًا لاضطرابات واسعة النطاق قد تعيد تشكيل البيئة الإقليمية وتفرض تحديات جديدة على القارة الأوروبية.([6])

على المستوى الأمني، أظهرت التطورات الأخيرة أن أوروبا لم تعد بمنأى عن تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة في منطقة شرق المتوسط؛ فقد دفعت المخاطر المرتبطة بالتصعيد الإيراني وبعض التهديدات الأمنية المصاحبة له عددًا من الدول الأوروبية، من بينها (فرنسا، وإيطاليا، واليونان، وإسبانيا، وهولندا)، إلى تعزيز حضورها الدفاعي لحماية المصالح الأوروبية في محيط قبرص، في مؤشر يعكس تنامي الانخراط الأمني الأوروبي خارج نطاقه التقليدي. ويزداد المشهد تعقيدًا في ظل استمرار التوترات القائمة مع تركيا بشأن شمال قبرص، وهو ما يثير مخاوف أوروبية من احتمالات الاحتكاك غير المباشر بين أطراف تنتمي في الوقت ذاته إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ويعكس ذلك هشاشة البيئة الأمنية في الجناح الجنوبي لأوروبا، ومدى قابليتها للتأثر السريع بالتحولات الإقليمية.([7])

أما اقتصاديًّا، فتأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصادات الأوروبية، التي ما تزال في مرحلة إعادة التكيف مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، خصوصًا في ملف الطاقة؛ فمنذ عام 2022، عملت أوروبا على تقليص اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وتنويع شركائها، غير أن أي اضطراب واسع في الخليج العربي، خاصة في مضيق هرمز، يهدد بإعادة إنتاج أزمة الطاقة بصورة مختلفة، عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة معدلات التضخم، بما يضغط على النمو الاقتصادي الأوروبي ويحدُّ من قدرة الحكومات على توسيع الإنفاق العام.([8])

كما قد تؤدي هذه الضغوط الاقتصادية إلى انعكاسات (سياسية، واجتماعية) داخلية، تتمثل في تصاعد النزعات الشعبوية والقومية، وازدياد الانتقادات الموجهة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، لا سيما إذا ترافق ارتفاع الأسعار مع تباطؤ اقتصادي أو تراجع في مستويات المعيشة. ويُضاف إلى ذلك، ملف الهجرة، الذي قد يكتسب مزيدًا من التعقيد مع احتمالات نزوح جديدة من دول متأثرة بالصراع، في وقت تتجه فيه السياسات الأوروبية نحو مزيد من التشدد في قضايا اللجوء والهجرة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، قد تؤثر الحرب الإيرانية كذلك في توازنات القوى الدولية المرتبطة بأوروبا؛ إذ يمكن أن تسهم في تشتيت الاهتمام الغربي عن الحرب في أوكرانيا، وفي منح روسيا مكاسب اقتصادية غير مباشرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة. كما تثير الأزمة تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الولايات المتحدة على توزيع التزاماتها العسكرية بين أكثر من جبهة صراع في الوقت نفسه، وما إذا كان ذلك سينعكس على مستقبل الضمانات الأمنية داخل الغرب.([9])

أوروبا تسعى لتجنب سيناريوهات تؤثر على الملاحة والطاقة.

تسعى الدول الأوروبية إلى تجنب أي سيناريو قد يؤدي إلى اضطراب حركة الملاحة البحرية أو تهديد أمن الطاقة العالمي؛ إدراكًا منها لحجم التداعيات الاقتصادية التي قد تترتب على ذلك. ويكتسب هذا القلق أهمية مضاعفة في ضوء الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ حيث يعبر حوالي 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي عبره، ما يجعله نقطة محورية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية.([10]) ويعكس التصعيد العسكري في المنطقة مخاوف أوروبية متزايدة من احتمالات تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، لاسيما أن الاقتصادات الأوروبية لم تستكمل بعد عملية التعافي الكامل من تداعيات أزمات الطاقة السابقة؛ فبعد سنوات من إعادة هيكلة منظومة الإمدادات عقب الحرب الروسية– الأوكرانية، أصبحت أوروبا أكثر حساسية تجاه أي اضطراب جيوسياسي قد يهدد استقرار الأسواق أو يرفع تكاليف الواردات الطاقية. وقد انعكست هذه المخاوف بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية؛ حيث شهدت أسعار النفط والغاز تقلبات حادة مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران واحتمالات التأثير على أمن الملاحة في الخليج العربي. ولا تقتصر تداعيات هذه الاضطرابات على ارتفاع تكلفة الطاقة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى زيادة تكاليف (النقل، والإنتاج الصناعي، وسلاسل الإمداد)، الأمر الذي يفاقم الضغوط التضخمية داخل الاقتصادات الأوروبية، ويؤثر سلبًا على معدلات النمو وفرص التعافي الاقتصادي.([11]) ومن ثم، يبدو أن التوجه الأوروبي العام يميل إلى تبني مقاربة قائمة على احتواء التصعيد بدلًا من الانخراط فيه، وهو ما ينعكس في القرارات الوزارية للاتحاد الأوروبي؛ انطلاقًا من قناعة بأن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تُفضي إلى تداعيات اقتصادية يصعب احتواؤها، ليس فقط على مستوى أسعار الطاقة، وإنما أيضًا على استقرار الاقتصاد العالمي ككل.

الانقسام والتردد داخل أوروبا.

“معضلة القرار الموحد”، فلا يزال الموقف الأوروبي يعاني من حالة واضحة من الانقسام الداخلي، تعكس اختلاف الأولويات الإستراتيجية وتباين تقييمات المخاطر بين الدول الأعضاء؛ ففي حين تدفع بعض الدول نحو تبني موقف أكثر صرامة يشمل تعزيز الحضور البحري الأوروبي وحماية خطوط الملاحة، تُفضل دول أخرى مقاربة أكثر حذرًا تقوم على تجنب أي انخراط قد يؤدي إلى تصعيد عسكري مباشر. ويظهر هذا التباين بصورة واضحة في النقاشات المتعلقة بأي دور أوروبي محتمل في تأمين الملاحة بمضيق هرمز؛ حيث لا تزال الرؤى الأوروبية متباعدة بشأن طبيعة التدخل وحدوده، فضلًا عن مستوى التنسيق المطلوب مع الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تدعو فيه بعض الأطراف إلى تعزيز المهام البحرية الأوروبية وتوفير مرافقة أمنية للسفن التجارية، تميل أطراف أخرى إلى الاكتفاء بإجراءات تقنية أو دفاعية محدودة، مثل: إزالة الألغام دون الانخراط في عمليات عسكرية مباشرة؛ خشية الانجرار إلى مواجهة أوسع.([12])

كما يرتبط هذا الحذر الأوروبي برغبة عدد من الدول في إعطاء الأولوية للمسارات السياسية والدبلوماسية، باعتبار أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة بدلًا من احتوائها. ومن ثم، فإن التردد الأوروبي لا يعكس فقط محدودية القدرة على اتخاذ القرار، وإنما أيضًا تعارضًا في التصورات حول الكيفية الأنسب لإدارة المخاطر الأمنية والاقتصادية الناجمة عن الأزمة. ويؤدي هذا الانقسام بطبيعة الحال إلى إضعاف قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني موقف موحد وسريع، وهو ما ينعكس على مستوى فاعلية الاستجابة الأوروبية في اللحظات الحاسمة.

وفي السياق نفسه، قدَّمت أوروبا دعمًا متفرقًا للدفاع الجوي لعدد من دول الخليج؛ حيث عززت فرنسا وبريطانيا وجودهما العسكري وأسهمتا في اعتراض بعض الهجمات، بينما لجأت دول أخرى إلى تحركات ثنائية أو قدرات محدودة حالت دون تشكيل استجابة أوروبية جماعية منسقة، ما مثَّل فرصة ضائعة لتعزيز الدور السياسي الأوروبي في منطقة تتجه فيها دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الأمنية. ([13])

إرث الاتفاق النووي الإيراني وتأثيره على المقاربة الأوروبية.

لا يمكن فهم طبيعة الموقف الأوروبي تجاه إيران بمعزل عن الإرث السياسي والدبلوماسي المرتبط بالاتفاق النووي الإيراني، الذي يمثل بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية أحد أبرز إنجازات الدبلوماسية متعددة الأطراف خلال العقود الأخيرة.([14]) فبالنسبة للعواصم الأوروبية، لا يزال الاتفاق يشكل الإطار الأكثر واقعية لاحتواء التوترات النووية ومنع انزلاق المنطقة نحو سباق تسلح جديد. وفي هذا السياق، تواصل أوروبا التمسك بخيار التفاوض والحوار، حتى في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع فرص إحياء الاتفاق بصيغته السابقة.

ويرتبط هذا النهج بقناعة أوروبية مفادها أن تبني سياسات ضغط قصوى أو الانخراط في مقاربة تصعيدية قد يدفع إيران نحو مزيد من التشدد، وربما يؤدي إلى تقويض ما تبقى من فرص الحلول الدبلوماسية، كما تدرك الدول الأوروبية أن البيئة السياسية الداخلية في إيران باتت أكثر تعقيدًا، في ظل تصاعد نفوذ التيارات المحافظة وتزايد الضغوط المرتبطة بالأمن القومي. ومن ثم، ترى بعض العواصم الأوروبية أن الحفاظ على قنوات الاتصال، حتى وإن بدت محدودة النتائج، يبقى خيارًا أكثر واقعية من تبني سياسات قد تؤدي إلى قطيعة كاملة أو مواجهة مفتوحة.

ومع ذلك، يثير استمرار الرهان الأوروبي على هذا المسار تساؤلات بشأن مدى فاعليته في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وما إذا كانت أوروبا لا تزال تمتلك بالفعل الأدوات اللازمة للتأثير في الحسابات الإيرانية أو الحفاظ على موقعها كوسيط دبلوماسي مؤثر في المنطقة.

خاتمة:

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية عن إشكالية أعمق تواجه أوروبا، لا تتعلق فقط بتعقيد المشهد الإقليمي، وإنما أيضًا بطبيعة الدور الذي تسعى إلى ممارسته داخل النظام الدولي؛ فبينما تحاول أوروبا ترسيخ صورتها بوصفها قوة معيارية تدافع عن القانون الدولي والاستقرار العالمي، تبدو في كثير من الأحيان مترددة في ترجمة هذا الطموح إلى مواقف أكثر حسمًا عندما تتطلب الأزمات قرارات سياسية أو أمنية أكثر صرامة. وتؤدي هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة إلى إضعاف صورة الاتحاد الأوروبي كفاعل دولي قادر على التأثير المستقل.

في المقابل، لا يمكن اختزال هذا السلوك الأوروبي في مفهوم الضعف وحده؛ إذ يرتبط أيضًا بحسابات براغماتية تعكس إدراكًا أوروبيًّا لحدود القوة المتاحة، خصوصًا في ظل الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية، ومحدودية الأدوات العسكرية الأوروبية مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى. ولذلك، تميل العواصم الأوروبية إلى تجنب الانخراط المباشر في أزمات لا تمتلك أدوات حاسمة للتأثير في مخرجاتها. غير أن هذا النهج، رغم ما ينطوي عليه من واقعية سياسية، يطرح تحديًا طويل الأمد يتمثل في احتمال تآكل النفوذ السياسي الأوروبي تدريجًا لصالح قوى أكثر قدرة على توظيف أدوات القوة الصلبة وإدارة التوازنات الإقليمية.

كما أن استمرار الانقسامات الداخلية الأوروبية تُزيد من صعوبة بلورة سياسة خارجية موحدة وفعالة تجاه القضايا الإقليمية المعقدة. وبذلك، لا تبدو الأزمة الإيرانية مجرد اختبار جديد للاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، بل تمثل أيضًا اختبارًا لمكانة أوروبا ذاتها داخل النظام الدولي، ولمدى قدرتها على الانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع الفاعل القادر على المساهمة في صياغة مساراتها.


([1]) Biscop, S. (2026, April). Why does Europe have no impact on the war in the Gulf? Egmont Policy Brief No. 410. The Gulf Between Europe and Strategic Reality – Egmont Institute

([2]) Barnes-Dacey, J. (2026). Europe and the Middle East: between strategic drift and transactional realism. CIDOB. https://www.cidob.org/en/publications/europe-and-middle-east-between-strategic-drift-and-transactional-realism

([3]) Manners, I. (2002). Normative power Europe: A contradiction in terms? Journal of Common Market Studies, 40(2), 235–258.

([4]) Ergül Jorgensen, F. A., & Jørgensen, K. E. (2025). The European Union and the crisis of multilateralism in an era of uncertainty and power politics. Third World Quarterly, 46(15), 1959–1978. https://doi.org/10.1080/01436597.2025.2518319

([5]) Wolff, S. (2012). The Mediterranean dimension of the European Union’s internal security. Springer.

([6]) Swoboda, H. (2026, March 24). Iran war and its consequences for Europe: A shock and a vision. Institute for International Peace Vienna. https://www.iipvienna.com/new-blog/2026/03/23/iran-war-and-its-consequences-for-europe-a-shock-and-a-vision

([7]) Pierini, M. (2026, March 12). The Iran War’s Dangerous Fallout for Europe. Carnegie Endowment for International Peace. https://carnegieendowment.org/posts/2026/03/the-iran-wars-dangerous-fallout-for-europe

([8]) الأطراف الأكثر تضررًا تداعيات حرب إيران: الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.” France 24، 24 مارس 2026.

([9]) مكاسب بوتين من حرب إيران.. هل تستمر بعد نهايتها؟” الجزيرة نت، 26 مارس 2026، https://www.aljazeera.net/politics/2026/3/26/ملفات-أوكرانيا-والاقتصاد-الحرب-على

([10]) McCandless Farmer, B. (2026, March 15). Strait of Hormuz disruption threatens to shake global economy. CBS News.

([11]) Marta Pacheco. (2026, March 31). Strait of Hormuz shutdown: What implications for Europe, for how long and how high can prices go? Euronews. https://www.euronews.com/2026/03/31/strait-of-hormuz-shutdown-what-implications-for-europe-for-how-long-and-how-high-can-price

([12]) انقسام غربي بشأن مضيق هرمز: لماذا تردد حلفاء واشنطن في دعم ترامب؟” الشرق (Asharq), 15 Apr. 2026, https://asharq.com/iran/179423/انقسام-غربي-بشأن-هرم-لماذا-تردد-حلفاء-واشنطن-في-دعم-ترمب/

([13]) Biscop, S. (2026, April). P. 2-3

([14]) Alcaro, R. (2023). Weathering the geopolitical storms: The ever-elusive success of EU policy towards Iran. The International Spectator, 59(1), 98–119. https://doi.org/10.1080/03932729.2023.2273852

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى