يقوم كل نظام على قواعد، ينتفي وجوده بغيابها؛ إذ تتماهى الماهية هنا مع الوجود، فلا تفارقه. وفي حالة النظام العالمي، تصبح تلك القواعد بمثابة الحد الفاصل مع الفوضى، فهي التي تحدد طرائق التفاعل بين مكونات النظام الأساسية وعلى رأسها الدول، استنادًا إلى ميثاق يقوم بدوره على مرجعيات قيمية جوهرها العدالة؛ حيث الحقوق المتساوية والواجبات المتبادلة. والحقيقة أن استقرار القواعد إنما يفترض وجود العدالة لكنه لا يعني بالضرورة أن تتجسد دائمًا أو كليًّا؛ فالمُثل العليا والقيم المجردة لا تملك سوى الإلهام إزاء واقع موضوعي مركب ومعقد، قد ينحرف عنها بقدر أو آخر، تحت ضغط التفاوت في عناصر القوة بين الفاعلين المختلفين في النظام، دون أن يقلل ذلك الانحراف من الأهمية المبدئية لوجود تلك القواعد. ولعل هذه الحال هي التي نسجت على منوالها منظمة الأمم المتحدة بكل هيئاتها ووكالاتها طوال العقود الثماني المنصرمة؛ حيث وجدت القواعد، التي كثيرًا ما تمتعت الولايات المتحدة بالحق في تفسيرها وتطبيقها؛ كونها بلدَ المقر الأساسي، صاحب التمويل الأوفر، ومن ثم النفوذ الأكبر على كل وكالاتها ومنتدياتها (السياسية، والاقتصادية).
نعم فرضت الولايات المتحدة إرادتها على الآخرين، بالإرغام أو الإغواء، أخذت كل الحقوق، وفي المقابل التزمت فقط ببعض الواجبات، لكن دون أن تتنكر صراحة لوجود قواعد، أو تتصرف بأحادية فجة تكسرها. ولعلنا نتذكر هنا كيف جرت وقائع احتلال العراق مطلع القرن بمبررات كاذبة، لكن من خلال تشغيل شكلي للقواعد انتهى إلى قرار من مجلس الأمن. أما اليوم، فلم تعد تكتفي بممارسة النفوذ من داخل تلك القواعد، بل منحت لنفسها الحق في كسرها وتبديلها، افترضت أن تفوقها العسكري الطاغي هو منبع الحق وأساس القانون، فأسقطت عن هيمنتها جُل أقنعتها.
لن نناقش هنا ضرورة وجود القواعد رغم أهميتها الشديدة لأي نظام يدعي العالمية، ولا عن خطورة غياب العدالة رغم تأثيره المدمر على أي نسق إنساني، بل سنطرح سؤالًا عمليًّا وهو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق مكاسب في ظل نظام عالمي بلا قواعد أكثر مما حققته بالفعل في ظل النظام الحالي المؤسس على قواعد؟ يتصور ترامب أن بلاده باتت عاجزة عن مواجهة صعود الصين من داخل النظام القائم بما يفرضه من ضوابط، فقرر أن يهدمه كي يحرمها من السُلَّم التي صعدت عليه، متوهمًا أن تكلفة هدم النظام القائم وإعادة بنائه أقلُ من تكلفة مزاحمة الصين لأمريكا على قمته، يتوهم أن بلاده قادرة على الجمع بين النظام وبين الفوضى، على بناء نظام جديد، قابل للاستمرار، لا تخضع الولايات المتحدة فيه لأية قواعد واضحة كتلك التي حكمت عمل الأمم المتحدة، أو لأية مرجعيات قانونية وسياسية وإنسانية عامة من قبيل مفهوم السيادة الوطنية واحترام الحدود الدولية، وتجريم فكرة الحرب، وأولوية القانون الدولي الإنساني. يتصور الرجل أن القوى المناوئة لأمريكا سوف تقبل بحريتها المطلقة في التعاطي مع القضايا العالمية خارج أية حدود مرعية وأطر مرجعية، اللهم سوى حدود قوتها العسكرية، ومرجعية أخلاقه هو الشخصية. وهنا مكمن الخطأ القاتل، الذي يهدد مستقبل عالمنا؛ فالصين التي استطاعت مزاحمة أمريكا من داخل النظام الراهن، تستطيع أن تزاحمها أيضًا من داخل النظام الجديد، وأن تساومها حول قواعده؛ لأنها صعدت بالفعل إلى أعلى درجات السُّلَّم، وصار بمقدورها رفض الخضوع لأية قواعد لا تخضع لها منافستها.
تبدو الولايات المتحدة، في عالم بلا قواعد، هي الأقدر على ممارسة القوة وتحقيق الانتصارات. وقد تنجح في ذلك مؤقتًا، لفترة قصيرة تكسب خلالها صراعات محدودة بدون تكلفة كحالة فنزويلا، أو بتكلفة يمكن احتمالها كما تتصور في حالة إيران، لكنها سوف تكتشف، وتلك مفارقة، أن انتصاراتها الصغيرة لن تحقق لها العوائد التي تنقذها من ديونها، وأن تحقيق عوائد كبيرة يقتضي الدخول في صراعات كبيرة عبر نطاق جغرافي واسع، وأن الثمن المترتب على تلك الصراعات يجعل العائد غير مُجدٍ. أما الاكتشاف الأكثر مرارة فهو أن الصين ستظل قادرة من داخل هذا النظام الجديد، عديم القواعد، على خوض الصراعات الصغيرة التي تخوضها، والحصول منها أيضًا على مكاسب توازي مكاسبها، ما يحول دون أن تحقق أمريكا أية قيمة مضافة على حسابها، وعندها يتحول العالم إلى مناطق نفوذ، فتتصرف الهند في جنوب آسيا، وروسيا في القلب الأوراسي، والبرازيل في أمريكا اللاتينية.. إلخ.
في تلك اللحظة الفارقة سيتعين على أمريكا الاختيار بين مسارين: أولهما، هو التراجع إلى الخلف، أي محاولة تبريد الصراع العالمي، والعودة إلى ما تبقى من مؤسسات الأمم المتحدة، وهو الخيار العملي لأية قيادة أمريكية جديدة أكثر خبرة وكفاءة ومسؤولية تجاه العالم، وإن لم يجرِ الاعتراف به نظريًّا إلا بعد الخلاص من إرث ترامب الثقيل. وثانيهما، الهروب إلى الأمام، عن طريق خوض صراعات أكبر وحروب أشرس لإجبار القوى الكبرى المناوئة على احترام القواعد الجديدة التي انفردت أمريكا بوضعها، دون أن تلتزم بها، أي حرمان تلك القوى من التصرف كأقطاب عالمية في مجالاتها الحيوية. وهنا يبدو التناقض مع الصين بالذات، مرجحًا للتصعيد، خصوصًا حول تايوان، ورغم أن الصين لديها من الحكمة ما يكفي لتأجيل المواجهة مع أمريكا لأبعد مدى زمني ممكن، وهو ما يفسر حيادها السلبي تجاه فنزويلا، والإيجابي تجاه إيران، فالأغلب أنها ستحارب بشراسة حال اندلع صراع حول تايوان، بل إن حيادها الحالي ربما يجد تفسيره في إنها تستبقي قوتها وتجمع أوراقها استعدادًا لتلك اللحظة الفارقة، والتي ستفقد عالمنا جل مكتسبات القرن العشرين، وتعيده إلى أجواء القرن التاسع عشر بدلًا من الولوج في الحادي والعشرين.
الحرب وتحولات النظام العالمي.
أخذ مفهوم النظام العالمي في التبلور مطلع القرن السادس عشر، بفعل حركة الكشوف الجغرافية التي مثلت البداية الزمنية للعصر الحديث، وسيادة النظرة العالمية من منظور الجغرافيا السياسية؛ حيث نمت التجارة الإسبانية والبرتغالية، ثم الهولندية والبريطانية والفرنسية مع القارة الأمريكية، في موازاة عمليات استيطانها، الأمر الذي جعل من هذه الدول مراكز للقوة والثروة، تمتلك مستعمرات تمتد إلى محيط العالم الجديد، ثم إلى العالم الجديد عبر ظاهرة الاستعمار الأوروبي، وبالأحرى صنع النظام العالمي “الواسع” للحداثة بسماته الأساسية المستمرة منذ خمسة قرون وأهمها “مركزية الغرب”. في سياق هذه المركزية، احتكر الغرب ظاهرة الهيمنة وإن حدثت تحولات عميقة في بؤر الهيمنة داخل تجاويف الغرب نفسه في مراحل ثلاث أساسية تحت ضغط ظاهرة الحرب:
المرحلة الأولي في الهيمنة العالمية، تأسست على ظاهرة الحروب الدينية في القرنين (السادس عشر، والسابع عشر)، والتي حفزتها حركة الإصلاح الديني وتمثلت محصلتها النهائية في تكريس نظام الدولة القومية أو ” النظام الوستفالي ” الذي نهض بدوره على مجموعة من المعاهدات أنهت حرب الثلاثين عامًا، وخاصة بين (ألمانيا، وفرنسا) في الفترة من (1618 – 1648) م، وقلصت كثيرًا سلطة البابا الدينية على العالم السياسي، فكان ذلك إيذانًا بالقضاء التام على بقايا النظام الإقطاعي وإماراته المحدودة لصالح الدول القومية الواسعة “المركنتيلية” التي فرضت الجمارك والرسوم على حركة التجارة منها وإليها، مما راكم ثروات طائلة آلت إلى سلطة موحدة استخدمتها في بناء الجيوش والأساطيل ودعم القوة العسكرية ومحاولة السيطرة على البحار، والتطلع إلى الهيمنة العالمية. لقد استطاعت هولندا التي لم تنهمك بشكل مباشر لا في حروب الإصلاح الديني، ولا في المنافسات الإسبانية البرتغالية على المستعمرات في القارة الأمريكية_ توظيف النزعة المركنتيلية كركيزة لهيمنتها على النظام العالمي في القرن السابع عشر وحتى بداية الثامن عشر.
والمرحلة الثانية للهيمنة تمتد بين القرنين (الثامن، والتاسع عشر) بإلهام؛ حيث تشاركت فيها فرنسا مع بريطانيا. تأسست الهيمنة الفرنسية على قاعدة الثورة التحررية، والأفكار التقدمية عن الإخاء والمساواة، وبلغت ذروتها مع الحروب النابليونية ضد أغلب الملكيات الأوربية المحافظة، والتي استمرت لثلث القرن وانتهت بمعاهدة واترلو 1815، التي كسرت أنياب نابليون وأجهضت الهيمنة الفرنسية. أما الهيمنة البريطانية، فتأسست على قاعدة الثورة الصناعية الأولى، واستمرت طوال العصر الفيكتوري، أي حتى نهاية القرن التاسع عشر؛ حيث احتلت بريطانيا موقع الصدارة في نظام توازن القوى الذي أحسنت إدارته وتوظيفه لصالحها من خلال إستراتيجيتي (التحالفات المرنة، والعزلة العظيمة)، واستطاعت من خلاله استعمار بلدان عديدة في الشرق، والجنوب، وهو الصراع الذي دخلته ألمانيا بعد تحقيق وحدتها، أي في نهاية القرن، وهو ما أدى إلى تفجر الحرب العالمية الأولي، التي يمكن اعتبارها حرب ألمانية على المستعمرات ضد الإمبراطوريتين الكلاسيكيتين (البريطانية، والفرنسية). وقد أفضت الحرب الأولى بنتائجها الكارثية إلى معاهدة فرساي المذلة، التي دفعت بالنازي إلى تصدر المشهد الألماني ليقوم بتوظيف تراث المثالية الألمانية في تغذية النزعة الاستعلائية الغاضبة والعنصرية، في طريقه إلى الحرب الثانية التي أنهت الهيمنة البريطانية.
أما المرحلة الثالثة، فتمتد في النصف الثاني للقرن العشرين، وقد تأسست على قاعدة الثورة الصناعية الثانية التي نضجت في مرحلة ما بين الحربين، بقيادة الولايات المتحدة، التي كانت دخلت الحرب الأولى متأخرة وخرجت منها رابحة، وإن تأخر الإعلان النهائي عن مغانمها إلى ما بعد الحرب الثانية؛ حيث صارت مع الاتحاد السوفيتي القائدين الرئيسين للصناعات الهندسية والبتروكيماوية والكهربية والنووية وإنْ في سياقين إيديولوجيين مختلفين، الأمر الذي أدى إلى الانشطار المعروف وشبه الكامل في بنية القوة العالمية بين الطرفين، وأسس للنظام ثنائي القطبية وإستراتيجياته المعروفة: كالردع النووي، والحرب الباردة، والوفاق الدولي،… وغيرها. ثم كان الانهيار السوفيتي بعد نحو نصف القرن دون حرب كنتيجة لعجزه عن الاندماج في الثورة الثالثة العلمية والتكنولوجية ومجاراة سباق التسلح الأمريكي. وفي هذا السياق، شهدت القوة الأمريكية الشاملة طفرة هائلة في التسعينيات على نحو صنع فجوة استقطابية شديدة بينها وبين منافسيها الكبار، سواء على صعيد الجغرافيا الاقتصادية، أو على صعيد الجغرافيا السياسية؛ حيث كان التفوق الحاسم الذي مكنها من توفير إنفاق عسكري ناهز حد الـ400 مليار دولار مطلع التسعينيات، وتجاوزها إبان العدوان على أفغانستان والعراق مجموع الإنفاق العسكري للدول العشر التالية لها وعلى رأسهم (روسيا، والصين، وفرنسا، وألمانيا) ما جعلها في موضع القطب العالمي الأوحد بامتياز.
والحقيقة أن الولايات المتحدة، منذ بدأت دورة صعودها أعقاب الحرب العالمية الأولى، كانت واعية بأهمية خطاب الشرعية، فصدَّرت إلى العالم صورتها الليبرالية وخاصة عبر مبادئ ويلسون الأربعة عشر عن حق تقرير المصير لدى شعوب المستعمرات والمحميات الأوروبية، والتي ينسب لها دور معتبر في إلهام حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي في العقود الأربعة التالية. وعندما ارتقت إلى موقع القطب الإستراتيجي، قائد المعسكر الرأسمالي أعقاب الحرب الثانية، ارتبط نموذجها في القيادة على مقومات متعددة: سياسية- ديمقراطية، وقانونية- دستورية، وثقافية- تحررية، واقتصادية- انفتاحية، وفرت له الجاذبية والإلهام وجعلته مقبولًا من الآخرين، تداخلت في تشكيله سينما هوليود، ومقولات الحلم الأمريكي، والفلسفة البرجماتية، ونمط الحياة العملي بمكوناته المعروفة على صعيد المأكل والمشرب والملبس. لكن، ومع نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، بدت الولايات المتحدة كقائد جيش فقد عدوه الواضح. وهنا يكمن سر نظرية صدام الحضارات، التي راجت في تسعينيات القرن الماضي، أي رغبة أمريكا الحارقة في استمرار تكتل أوروبا خلفها، عبر زيادة مخاوفها من مجهول تاريخي يتمثل في الصراع الثقافي- الديني القادم. وبعد جدل مدوي ونقد شديد للنظرية، سواء من داخل الغرب نفسه أو من خارجه، خفت بريقها، لكنها عادت للرواج أعقاب أحداث 11 سبتمبر، والحرب على أفغانستان والعراق.
في سياق الجدل حول الحرب تبنت الولايات المتحدة خطابًا جديدًا للشرعية تحلل من المقولات الليبرالية التي ألهمت دورها العالمي في التسعينيات كمبدأ حق التدخل الإنساني، وحرية التجارة، والعولمة، واستند في المقابل إلى مقولات جديدة تصوغ نزعة تمركز أمريكي، أي نرجسية ثقافية أمريكية تسعى لوراثة النرجسية الأوربية. وهنا حل الحديث المشبع بالإجلال عن الآباء المؤسسين مشيدي الدولة الأمريكية على أسس الحرية والعدل والمساواة كمبادئ سرمدية لا تحيد عنها المواقف العملية إلا على سبيل الاستثناء_ بديلًا للفلسفة اليونانية التي اعتبرت لحظة تشكيل ونقطة انطلاق العقلانية الأوروبية في التاريخ. كما جرت التعمية بعلة الاستثناء على وقائع التدخل العسكري التي وضعت أمريكا في موقف مضاد لمبادئها المثالية وادعاءاتها الليبرالية طوال القرن العشرين، مثلما ادعت المركزية الأوروبية بنقاء العقل الغربي وطهارة روحه طوال خمسة وعشرين قرنًا. ومثلما صار النموذج الأوروبي هو المثال المحتذى وإلا تعالى اتهام الآخرين بالنقص والدونية، أعلنت المركزية الأمريكية قاعدة أن من ليس معنا فهو ضدنا، واعتبرتها أساسًا لخيرية عالمية جديدة. ومثلما رفعت أوروبا شعار مسؤولية الرجل الأبيض عن تحضير العالم بأجناسه المختلفة، تبريرًا لسياساتها الاستعمارية، فإن أمريكا غلَّفت سياساتها الإمبريالية بخليط من المصطلحات الميتافيزيقية كـ(العدالة المطلقة، والحرية اللانهائية، والحرب العادلة)، ووضعتها في قالب تقسيم مانوي للعالم؛ حيث يجري الاختيار بين أخيار وأشرار، واعتبارها بالطبع قائدًا وحيدًا لمعسكر الخير ضد محور الشر، مثلما ذهب وزير الدفاع الأمريكي مؤخرًا في تبرير الحرب على إيران، الأمر الذي أدخل علوم السياسة ومناهج التحليل الإستراتيجي في غياهب النزعة الغيبية التي يرتكز عليها الأصوليون والعنصريون، والتي تعد بابًا شيطانيًّا لكل السياسات العبثية والنزعات الهمجية.
تغيير العالم.. المسافة بين هرمز والسويس.
كم كان الرئيس الأمريكي مغرورًا ومتغطرسًا وواهمًا، وهو يطالب رجال الحرس الثوري الإيراني في اليوم الأول من المعركة، بإلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم مع وعد بالعفو عنهم، مفترضًا أنه حسم المعركة لصالحه وإسرائيل لمجرد نجاحه في اغتيال المرشد “علي خامنئي” وبعض القادة العسكريين، وكأن هؤلاء الرجال مجرد مجموعة من المرتزقة يقاتلون بأجر، فما إن يلوِّح لهم بعفو أو غنيمة سرعان ما يرمون بأنفسهم تحت قدميه. يجهل ترامب، أن إيران دولة أمة، تمتد جذورها في خمسة آلاف عام على الأقل، وتلك عراقة لا يعرفها بلده ولا يمكن أن يعرفها، كونها أمة مهاجرين، على شاكلته هو نفسه، لا يزيد تاريخها السياسي كدولة عن قرنين ونصف القرن، ولا يزيد عمر الموزاييك البشري الذي دشن لها عن خمسة قرون.
لا يعرف ترامب، المتورط بقوة في فضيحة أبستين، والخاضع في الأغلب لعملية ابتزاز إسرائيلي معقدة، أية غايات للحياة سوى اللذة، بكل ما تنطوي عليه من شهوات بدائية كـ(التملك، والاستهلاك، والممارسة الجنسية المتأججة). أما المفاهيم المعنوية والقيم الرمزية فلا يعرف عنها شيء؛ إذ لا يدرك مثلًا مغزى الوطنية كونه متهربًا من الخدمة العسكرية، ولا يتصور معنى التضحية لكونه مغروسًا حتى أخمص قدميه في ثقافة برجماتية ونزعة استهلاكية. وبالقطع، هو لا يفهم ماذا تعنيه فكرة الكرامة القومية أو مشاعر العزة الوطنية مثلما يشعر بهما شخص ينتمي إلى دولة – أمة كمصر أو الصين أو إيران.. إلخ، وليس إلى دولة لقيطة كإسرائيل. هذا المفهوم، أي الكرامة القومية، في اعتقادي، هو الأكثر قدرة على تفسير مجريات الحرب الراهنة، لماذا لم تكن سهلة ولا خاطفة ولا محسومة النتائج لصالح التحالف الصهيو- أمريكي رغم التباين الشديد في موازين القوى بينه وبين إيران، على عكس توهمات ترامب الذي يتصور ويسلك على أساس أنه حاكم العالم وليس الولايات المتحدة فقط.
يعجز العقل السياسي الأمريكي- البرجماتي، عن فهم وتقدير الأمم العريقة، ذات الشخصية الحضارية الراسخة؛ كونه عقلًا نفعيًّا وليس أخلاقيًّا، تشكل في سياق البحث عن السعادة التي لا تعني لديه سوى الوفرة والمتعة، يقيس المواقف بنتائجها العملية، ويفاضل بين الخيارات بمعيار الربح والخسارة، وليس انطلاقًا من مبادئ حاكمة أو مثاليات ملهمة، فلا يفهم قيمة تراب قداسة الأرض ولا معنى الذاكرة والخيال. كان هذا هو الحال طوال التاريخ الأمريكي، حتى في وجود رؤساء يفهمون معنى السياسة، وفي ظل الصراع الإيديولوجي مع الشيوعية، والذي أضفى على السياسة أبعادًا رمزية ومنحها شحنات معنوية، فما بالنا اليوم والجالس على مقعد القيادة رجل، يمثل النسخة الأكثر سوءًا من هذا العقل، كونه الأكثر ضحالة في تمثله، وابتذالًا في تجسيده، لا يكاد يرى في العالم أكثر من صالة قمار. لقد أعلن حربًا تجارية على العالم كله، ومارس سلوك القراصنة ضد فنزويلا، قبل أن يهاجم إيران بأفضل ما تملكه الولايات المتحدة من ترسانة الأسلحة، متوهمًا قدرته على حسم المواجهة في أي وقت وبأي شكل، غير مدرك لسُنة التاريخ الكبرى التي تمنح الفرصة لكل قرصان أن يشعل الحرب لكنها تحرمه من القدرة على أن يطفئها، ولا لحقيقة أن الحرب لا تحسمها القوة العسكرية وحدها، بل لابد لها من قوة معنوية تلهمها وتوجهها، تتطلب وضوح الهدف، وعدالة القضية، وهذان أمران لا يتوفران لحرب كهذه، ظالمة وعبثية لأبعد مدى، لا فائدة منها سوى استعراض القوة، وإشباع غريزة الهيمنة لدى اليمين الإسرائيلي، وربما غرائز المجمع الصناعي العسكري الذي لا ينتعش إلا على وقع الحروب، ولا يهنأ سوى بحفلات الدم، فلا الدولة الأمريكية كانت تخشى فعلًا من عدوان إيراني، ولا تلك الحرب ستزيد من أمن ورفاه الشعب الأمريكي، بل إنها تنطوي على مخاطر جمة، وتتطلب تضحيات غير مبررة، تنتقص من وفرته وتستنزف بعض دمائه.
المفاجأة التي ستصدم ترامب، هي مدى تماسك إيران كأمة، بفعل القوة المعنوية الهائلة التي تمتلكها في مواجهة آلته العسكرية؛ فالشخصية الإيرانية نضالية بامتياز، تتضافر فيها التقاليد التاريخية العريقة مع المجد القومي الفارسي مع المذهب الإسلامي الشيعي المجبول على التضحية والاستشهاد، والذي تحركه روح بطولية ذات نفس ملحمي تتجذر في مأساة الحسين الكربلائية، لا تخشى البطش أو الموت؛ كونها لا تأبه بالحياة قدر ما تبحث عن العدل المفقود في الأرض، ومن ثم فإنها ستدافع عن الأرض والكرامة مهما تكلفت من موارد اقتصادية أو تحملت من آلام إنسانية. وفي حال كهذه، لا، لن يكون أمامه، كونه الأقل رغبة في التضحية وقدرة على تحمل الألم، إلا الفشل والتراجع مهما كان حجم قوته.
لقد باتت أمريكا مرهقة، ديونها ضخمة وأزماتها كبيرة، تناقص نصيبها في الإنتاج العالمي من 40% عند نهاية الحرب الثانية إلى نحو 18% الآن، بات عرش الدولار كمخزن قيمة وعملة احتياط مهدَّدًا من عملات أخرى. وفضلًا عن ذلك، تبدت ثغرات مهمة في بنيان قوتها العسكرية؛ إذ تمكنت إيران من إسقاط طائراتها المتقدمة رغم ضعف دفاعاتها الجوية، وبدا أن مخزون الذخائر قابل للاستنزاف خلال الحرب إلى درجة دفعت أمريكا لقبول بعض الهدن العسكرية لأجل ترميم مخزوناتها من الأسلحة والذخائر. كما تبدت الثغرة الأهم وهي قدرة المسيرات الإيرانية والصواريخ واللانشات والزوارق البحرية قليلة الثمن على تحدي حاملات الطائرات الأمريكية باهظة الثمن، إلى درجة اضطرتها للابتعاد عن ميادين القتال. يحدث ذلك التراجع الأمريكي، فيما الصين تتحرك بقوة نحو موقع القطب الاقتصادي الأول ومن خلفها العالم الآسيوي الذي يتسم بديناميكية واضحة، وجغرافيا طبيعية وبشرية ضخمة، خصوصًا وقد امتلك التكنولوجيا المتقدمة التي لم تعد سرًا، مع باقي أدوات التحديث المادي التي لم تعد قصرًا على الغرب.
في هذا السياق، يحلو للكثيرين أن يقارنوا بين لحظة السويس 1956، حينما واجهت مصر العدوان الثلاثي أعقاب تأميم قناتها الحيوية من السيطرة الغربية، فهُزمت عسكريًّا وانتصرت سياسيًّا. وبين اللحظة الراهنة، لحظة هرمز؛ حيث تواجه إيران عدوانًا ثنائيًّا، فتبدو أقرب إلى الهزيمة العسكرية أمام أمريكا وإسرائيل، بمعيار ما في قوة التدمير، وإلى الانتصار الإستراتيجي بحسب الحسابات السياسية الشاملة. المقارنة تبدو مغرية جدًا، ومشروعة فعلًا، تشي بالحدود التي تسمح للتاريخ بأن يكرر نفسه، بغض النظر عما إذا كان هذا التكرار مأساة يعكسها دهاء التاريخ حسب هيجل، أو ملهاة تعكسها حماقة القوة حسب ماركس. ورغم مشروعية المقارنة، فإن ثمة اختلافات مهمة، قد لا تعوق إمكانية التنبؤ، وإن حالت دون إصدار حكم نهائي بغروب شمس الهيمنة الأمريكية أعقاب لحظة هرمز، مثلما غربت شمس الإمبراطورية البريطانية أعقاب لحظة السويس مباشرة.
أول تلك الاختلافات يتعلق بطبيعة التكوين الجيوسياسي؛ إذ مثلت بريطانيا العظمى نموذجًا معياريًّا لإمبراطورية استعمارية لا تغرب عنها الشمس، تشكل جسدها من كتلة مترهلة من اللحم حول عمود فقري نحيف من جغرافية وطنية، قوامها عشرات الجزر البحرية، وذلك بدهاء السياسة قبل قوة السلاح، في زمن يسبق تجريم فكرة الحرب، ويقبل بشرعنة حق الفتح. هكذا عاشت بريطانيا حقبة طويلة من الهيمنة، بلغت ذروتها في العصر الفيكتوري (1837 – 1901)، واستمرت فعالة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، لكنها أخذت تتراجع تدريجًا وصولًا إلى الحرب الثانية؛ ففي أعقاب ذلك الحدث الكاشف اضمحلت قواها، وأخذت تفقد مستعمراتها بدءًا من الهند في نهاية الأربعينيات، إلى الخليج والمشرق العربي في نهاية الستينيات. ومع سقوط الكتلة المترهلة/ المصطنعة تبدت نحافة الجسد، وتأكد أنه لم يعد يصلح سوى لقوة وسيطة مهما كان تقدمه العلمي؛ فالقطبية العظمى لها شروط طبيعية، وجغرافية، وديموغرافية صارت غائبة. أما الولايات المتحدة فدولة قارة، ثرواتها هائلة، جسدها الطبيعي يمثل أربعين ضعف الجزر البريطانية، نعم جرى اغتصاب جزء كبير منه إبان القرن التاسع عشر، بعد إعلان الاتحاد ووضع الدستور في الربع الأخير من الثامن عشر، خصوصًا في الجنوب والشمال والغرب، لكن ذلك الاغتصاب حدث قبل تجريم فكرة الحرب، جرت شرعنته عبر عملية دمج قصوى لتلك الأجزاء المغتصبة، بـ(قوة التقنية، والديمقراطية) اللتين نجحتا معًا في صمغ الاتساع الجغرافي والتنوع الديمغرافي. ومن ثم، يمكن القول بأن بريطانيا كانت إمبراطورية شكلًا ومضمونًا، استندت إلى الثورة الصناعية الأولى، انتمت إلى الزمن الحديث لا المعاصر، واتسمت بقدر من الاصطناع، فكان انكماشها سريعًا، وأفول هيمنتها حادًا. أما أمريكا، فإمبراطورية على صعيد الشكل فقط، أي على صعيد الممارسة العملية للنفوذ السياسي، والجموح المتكرر إلى تحكيم السلاح، خصوصًا في ربع القرن الماضي، وليس على صعيد المضمون؛ لأن تكوينها الجيوسياسي يبدو طبيعيًّا، وجسدها ليس مترهلًا، فضلًا عن إنها تنتمي إلى الزمن المعاصر، قادت الثورة الصناعية الثانية ولا تزال تقود الثورتين (التكنولوجية الثالثة، والرابعة)، ومن ثم تعكس فائض قوة طبيعي ومتجدد.
وثاني الاختلافات يتعلق بمدى وجود قطب موازٍ قادر على التحدي، مهيأ لوراثة الدور الذي كانت تؤديه بريطانيا قبل لحظة السويس، وهو أمريكا ذاتها، التي كانت قد راكمت فائضًا لا محدودًا من القوة الشاملة، أخذت تستخدمه في توسيع مجالها الحيوي داخل أمريكا اللاتينية طوال القرن التاسع عشر، حسب مبدأ مونرو 1823م، وفي أرجاء العالم تاليًا، طوال النصف الأول من القرن العشرين استنادًا إلى مبادئ الرئيس وودرو ويلسون الأربعة عشر، التي ألهمت حركات التحرر الوطني، وضمنها ثورة 1919م المصرية، فضلًا عن إسهاماتها المتأخرة لكن الحاسمة في الحربين العالميتين، الأمر الذي جعلها وريثًا طبيعيًّا لبريطانيا، خصوصًا وقد كان لها الدور الحاسم في إجبارها مع فرنسا وإسرائيل على الانسحاب من سيناء، سواء جاء ذلك استجابة للإنذار الروسي شديد اللهجة، أو كان توظيفًا له فيما وافق طموحها إلى إخراج بريطانيا من قلب النظام العالمي، ووراثة عرشها في مناطق نفوذها، خصوصًا وقد صار بعضها ساحات للثروة النفطية البازغة، وبعضها الآخر يحيط بخصر الاتحاد السوفيتي، القطب الأيديولوجي المناوئ لها على الهيمنة العالمية. أما الصين اليوم، فلا تبدو متعجلة لوراثة الهيمنة الأمريكية، سواء لأن عناصر قوتها لم تكتمل بعد، خصوصًا على صعيد التكنولوجيا بالغة التقدم كـ(الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي) أو لطبيعة ثقافتها، التي تتسم بالحكمة والحذر، تفضل انتظار نضوج الثمرة وسقوطها على الأرض بدلًا من الوثوب عاليًا لاقتطافها من الشجرة، كي لا تتعرض إلى التواء الساق عند الارتطام بالأرض. وربما يفسر لنا هذا الفارق في الجهوزية التقنية والثقافية سر تلكؤ الصين في إبداء الدعم الصريح والحاسم لإيران، رغم كل ما يجمع البلدين من مصالح نفطية وجيوسياسية مؤكدة.
أما ثالث الاختلافات، فيتعلق بالقيمة التاريخية التي جسدها جمال عبد الناصر في لحظة السويس، ويفتقدها ملالي إيران في لحظة هرمز؛ حيث كان ناصر زعيمًا وطنيًّا، يتبنى قيمًا حداثية وإن شمولية، دافع عن حق الأمة العربية في التحرر والتقدم، ولذا انشق الغرب حوله؛ حيث كرهته بريطانيا وفرنسا وهذا طبيعي، فيما سايرته أمريكا إلى حين، أملًا في استقطابه، ما أتاح له القدرة على المناورة السياسية. أما نظام ولاية الفقيه فيمثل حكمًا ثيوقراطيًّا قروسطويًّا، يعادي حركة التاريخ، يجمع الغرب على رفضه، ولا يتعاطف معه سوى بضعة دول شمولية ومغلقة مثله.
وأخيرًا، يتعلق رابع هذه الاختلافات بملابسات وراثة الهيمنة، فأحد الأسباب المهمة التي سهَّلت على بريطانيا التنازل عن سيطرتها العالمية بسلاسة معقولة لم يشبها مغامرات كبيرة سوى إسهامها في العدوان الثلاثي، هو أنها كانت تنزل من مسرح القوة لصالح ربيبتها الأنجلوسكسونية، أي وريثها الإستراتيجي كان من صلبها الحضاري عمومًا. مثلما كانت فرنسا قد تنازلت لها عن هيمنتها القصيرة أعقاب الحروب النابليونية، فالبلدان الثلاثة شركاء أساسيون في تشكيل ظاهرة الغرب الحديث، وفي ترسيخ المركزية الغربية. وعلى العكس، لا تنتمي الصين، منافس أمريكا الرئيس على الهيمنة، إلى العالم الغربي، بل إلى الشرق الآسيوي. ولعل هذا يدفع الولايات المتحدة إلى التشبث بالهيمنة المنفردة إلى أقصى مدى، بل إنها في سياق الجدل النفس حضاري، قد تتحول إلى أسد جريح، يرفض مغادرة المسرح، أو حتى الهبوط بعض الدرجات على سلمه، حتى أبعد نقطة زمنية ممكنة. وهكذا، تظل مشروعية المقارنة قائمة بين لحظتي (السويس، وهرمز)، لكن مع ضرورة الوعي بالفوارق الثلاثة، التي تجعل أفول الهيمنة الأمريكية تدريجًا وبطيئًا، قد يستغرق عقودًا من الزمن، على عكس أفول الهيمنة البريطانية الذي جاء سريعًا وحادًا.




