2026العدد 206ملف إقليمي

دور تركيا تجاه دعم الوساطة بين إيران وأمريكا رغم معارضة إسرائيل

حاول حزب العدالة والتنمية منذ بدء مسيرته في السلطة العام 2002 أن ينتهج مسارًا يمكن القول أنه “محايد” ويسعى لحل مشكلات دول المنطقة بالوسائل السلمية. وصادف وصول العدالة والتنمية إلى السلطة انفجار أزمة العراق والغزو الأمريكي له خارج أية شرعية دولية من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة.

وكانت صورة تركيا لدى العالم العربي حينها أنها لا تخدم في سياساتها الخارجية القضايا العربية ولا تقف إلى جانبها، منذ أن كانت أول دولة مسلمة تعترف في العام 1949 بقيام دولة إسرائيل في العام 1948.

لذا كانت مبادرة رئيس الحكومة الأول لسلطة حزب العدالة والتنمية “عبدالله غول” العمل لانعقاد أول مؤتمر لدول الجوار العراقي لافتة للنظر ومؤشرًا على أن تركيا “الجديدة” تنحى منحًى مختلفًا عن الحكومات السابقة في مقاربة مشكلات المنطقة.

واشتهرت تركيا في السنوات التي تلت بمحاولات وساطة في قضايا شائكة جدًا وأولها الصراع العربي- الإسرائيلي، مثل: التوسط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل وسوريا. وامتدت المحاولات لتطال العلاقات التركية – الأرمنية، وأحرزت تلك الوساطة اختراقًا تاريخيًّا في العام 2009، برعاية وزير الخارجية “أحمد داود أوغلو” الذي عُرف بأنه مهندس الوساطات التركية مذ كان مجرد مستشار في رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية إلى أن أصبح وزيرًا للخارجية في العام 2009. وبرز في هذا الإطار أيضًا الدور التركي – البرازيلي الوسيط بين أمريكا وإيران فيما يتعلق بالمسألة النووية.

لكن تورط تركيا بعد العام 2011 بالشؤون الداخلية العربية، ولا سيما في (مصر، وسوريا، وتونس، وليبيا، والمغرب،… وغيرها) أثر سلبًا في صورة “الدور الوسيط” وخرجت منه لتباشر مرحلة جديدة من الدور المنحاز لأطراف دون أخرى في الصراعات الإقليمية والدولية.

غير أن الانهيار الاقتصادي الذي واجهته تركيا بعد العام 2016، ولا سيما انعكاسه خسارات انتخابية في الانتخابات البلدية عامي (2019 و 2024) قد عمل على إعادة تركيا في سياساتها الإقليمية أملًا في الحصول على مساعدات مالية من دول الخليج النفطية، ولا سيما السعودية والإمارات، كما عملت على فتح صفحة جديدة مع إسرائيل وتبادل المسؤولون في البلدين الزيارات من أجل توسط إسرائيل لدى الولايات المتحدة لتقليص الضغوط على الاقتصاد التركي. وكان الاجتماع الشهير بين الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” مع رئيس وزراء إسرائيل “بنيامين نتنياهو” في نيويورك في 19 أيلول / سبتمبر 2023.

وبرز التحول التركي في أوضح وجوهه في وقوفها، بعد أسبوعين على لقاء أردوغان – نتنياهو، على الحياد في الأسبوعين الأولين من عملية “طوفان الأقصى”، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وتوصلت تركيا إلى معادلة  واضحة: الانتقاد اللفظي الحاد لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مقابل استمرار كل العلاقات المتبقية (الدبلوماسية، والسياسية، والاقتصادية) مع إسرائيل.

غير أن إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وضع تركيا أمام امتحان صعب وهو مواجهة الضربات الإسرائيلية لقدرات الجيش السوري واحتلالها مزيدًا من الأراضي خارج نطاق خط وقف النار لعام 1974، وصولًا إلى قمة جبل الشيخ الإستراتيجية. ولم توفر إسرائيل جهدًا في ضرباتها قلب دمشق ومقر رئاسة الأركان السورية، وقد تعامل النظام الجديد في سوريا برئاسة أحمد الشرع بليونة فائقة عندما قال بأن سوريا ليس لها أعداء مشتركين سوى إيران ولا تشكل خطرًا على إسرائيل.

غير أن العدوان الإسرائيلي على سوريا وفرضها السيطرة الأمنية على جنوب سوريا  كان يهدف أيضًا إلى مواجهة ما تصفه بالتوسع التركي، وعدم تجاوز خط تدمر بالإغارة على مطارات قيل إن الجيش التركي كان يستعد للتمركز فيها.

وهنا يمكن القول بأن أول واجهات الدور التركي “الوسيط” في المنطقة ولو بشكل غير مباشر كان في كيفية سلوك دمشق مع الهجمة الإسرائيلية على سوريا.

الحرب على إيران.

شكلت حرب الاثني عشر يومًا الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في منتصف حزيران/ يونيو 2025، الجولة الأولى من المواجهة الشاملة بين الطرفين، وفي الوقت نفسه الامتحان الثاني أمام سياسة الدور التركي الوسيط في المنطقة. وكان واضحًا أن جولة أو جولات أخرى ستلي الجولة الأولى، بدافع أن المحور الإسرائيلي – الأمريكي كان يرى في توجيه ضربات قوية إلى “محور المقاومة” هو فرصة لتوجيه “ضربة نهائية” عمادها منع إيران من امتلاك أية إمكانية لتخصيب اليورانيوم على أراضيها ولتخليص إسرائيل نهائيًّا من “تهديد” النظام الإيراني وصواريخه كما من حزب الله.

وهذا ما حصل في 28 شباط/فبراير2026، عندما اغتالت أمريكا وإسرائيل المرشد الأعلى للثورة الاسلامية “السيد علي خامنئي” ومعظم قيادات الصف الأول (المدنية، والدينية، والعسكرية) في إيران.

كان هذا امتحانًا حساسًا لأنقرة لتقرير موقفها من حليفتها الولايات المتحدة، ومن إسرائيل التي تعترف بها منذ 77 عامًا وتنسج علاقات قوية معها من جهة، ومن جارتها الإسلامية إيران من جهة أخرى.

كانت تركيا ترى- قبل أشهر- الخطر الآتي على المنطقة، وعندما تصاعدت وتيرة التوتر في مطلع كانون الثاني /يناير 2026، استخدم الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” علاقاته الجيدة من “صديقه” الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والقيادة الإيرانية واتصل هاتفيًّا بترامب عارضًا عليه أن يلتقي الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان”، ولم يعارض ترامب. وفي وقت كانت المفاوضات تتقدم بين تركيا وكلٍّ من (أمريكا، وإيران)، وإذ كان محتملًا أن تنعقد جولة مفاوضات أولى بين إيران وأمريكا في إسطنبول، فاجأت طهران الجميع بأنها ستعقد جولة المفاوضات هذه  في مسقط وليس في إسطنبول وقد وافقت أمريكا على الاقتراح.

تفاجأت تركيا من الرفض الإيراني لإسطنبول كما من الموافقة الأمريكية لتغيير المكان، ويُعزى السبب هنا إلى أن إيران رفضت التحضيرات التركية لتحويل مناسبة افتتاح المفاوضات إلى جلسة استعراض دولية تشارك فيها دول إقليمية وعالمية، وهو ما لا يناسب القضية التي يتم التباحث حولها وفقًا لوجهة النظر الإيرانية، كما أن السفير التركي السابق في طهران “أوميت يارديم” عزا تغيير المكان إلى أن إيران لا تريد لها الانعقاد في تركيا؛ لأنها دولة أطلسية.

وهكذا انطلقت مباحثات الجولة الأولى في مسقط عاصمة عمان وبوساطة وزير خارجية عمان، ومن ثم في جولة ثانية في جنيف وبوساطة الوزير العماني.

هنا كانت تركيا تشعر بخذلان إيران لها بعدما كانت تمني النفس بانتصار دبلوماسي تبحث عنه في قضية ما منذ سنوات، وبالتالي انتقلت تركيا إلى الموقف المتفرج، بل انطلقت أصوات الإعلام الموالي لحزب العدالة والتنمية إلى الشماتة بإيران بأن “تقلع أشواكها بأظافرها” وبأن أية حرب مقبلة ستكون إيران هي السبب.

اندلعت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران صبيحة 28 شباط/فبراير 2026، وسط مخاوف تركية كثيرة من نتائجها. وعلى الرغم من مرور ساعات على اغتيال خامنئي، لم يصدر أي تعليق على ذلك من قبل المسؤولين الأتراك، واكتفت وزارة الخارجية بتحذير المواطنين الأتراك في الخارج ودعوتهم للإبلاغ الدائم عن مكان وجودهم. في وقت كان بعض الكتَّاب الموالين يرون أن اغتيال خامنئي والهجمات على إيران هي نتيجة رفض إيران بداية قبول أن تكون إسطنبول مكانًا للوساطة بينها وبين الولايات المتحدة.

وفي أول تصريح له على الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ، قال الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”: إنه تواصل هاتفيًّا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبحث معه الأوضاع. وقال: إنه يشعر “بالحزن والقلق البالغين إزاء الهجمات على جارتنا إيران والتي بدأت باستفزازات نتنياهو”. وقال: “إن الهجمات تنتهك سيادة إيران وتهدد بشكل سافر سلامة الشعب الإيراني الشقيق”. ورفض أردوغان في الوقت نفسه هجمات إيران الصاروخية على دول الخليج “الشقيقة”، بغض النظر عن المبررات. وإذ أعرب من جديد عن استعداده للتوسط بين إيران والولايات المتحدة، دعا العالم الاسلامي للتحرك بشكل عاجل، وقال: “إن تركيا تدير أمن الحدود ومجالها الجوي بشكل ناجح وأن القوى الأمنية والجيش اتخذوا كل التدابير الاحتياطية.

وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانًا “رماديًّا” بقولها إن الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على دول ثالثة تحمل مخاطر جدية على الاستقرار في المنطقة والعالم. ودعا البيان إلى وقف الهجمات مجددًا واستعداد تركيا للتوسط بين المتحاربين.

وقال “برهان الدين دوران” رئيس دائرة الاتصالات بالقصر الرئاسي إن التوتر بين إيران وكلٍّ من (إسرائيل، والولايات المتحدة) هو “مصدر قلق جدي لتركيا من تحوله إلى حرب إقليمية”. وانتقد دوران وسائل التواصل الاجتماعي التي زعمت أن تركيا أبلغت أمريكا أنها تقف إلى جانبها في هذه الهجمات قائلًا: “إن تركيا دائمًا تقف إلى جانب الحلول السلمية لمشكلات المنطقة”.

أما زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض فقد قال إنه: “على الرغم من ممارسات النظام الإيراني القمعية لكنني لا أؤيد التدخلات الخارجية في شؤون الدول الأخرى، وإن الشعوب هي التي تقرر مصيرها بنفسها”. وقال: “إن الولايات المتحدة تضرب بعرض الحائط القانون الدولي وتريد تغيير النظام في إيران وفي كل بلد في العالم لا تعجبها سياساته”.

وأظهر الرئيس التركي السابق “عبدالله غول”، بتعبير صحيفة “قرار”، “ردة فعل حادة جدًا” على العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران. قال غول: “إن هذا العدوان سيجعل العالم أقل استقرارًا”. وقال: “إن الولايات المتحدة التي تقف خلف هذه الهجمات إنما أصبحت آلة في خدمة الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل، وبذلك تدفع بالشرق الأوسط ليكون ساحة للفوضى والنار، و ليس لهذا العدوان أية مشروعية دولية”.

وقال رئيس حزب المستقبل “أحمد داود أوغلو”: “إن الهدف من الهجوم هو ضرب النظام وإسقاط إيران؛ لتكون الطريق مفتوحة أمام إسرائيل الكبرى”. ودعا داود أوغلو الحكومة التركية إلى إغلاق قاعدة إينجيرليك ورادار كوريجيك وإشراف الجيش التركي الصارم عليهما؛ لمنع استخدامهما في الهجوم على إيران. ودعا داود أوغلو إلى إنشاء آلية ثلاثية مع السعودية ومصر تعمل على مواجهة الفوضى في المنطقة وإنشاء آلية أمنية مع العراق للهدف نفسه.

وفي وقت قال وزير الدفاع “ياشار غولر”: “إنه لا خوف الآن من موجات هجرة؛ لأن الثلج يغطي الحدود، رأى الكاتب فاتح تشيكيرغيه في صحيفة “حرييات” إن تركيا تواجه الآن أكثر من تحدٍّ: أوله، موجات الهجرة المحتملة، وتأثير التوتر على الاقتصاد وارتفاع الأسعار وإمدادات الغاز الإيراني إلى تركيا، كما مخاطر انتقال الحرب إلى تركيا بتحريض من نتنياهو.

إسرائيل… ترامب.

كان موقف تركيا من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران واضحًا ومحدَّدًا؛ تعارض تركيا العدوان على دولة لم تبادر إلى الاعتداء على أحد، وتركيا تبذل جهدها كي تكون بمنأًى عن التورط في الحرب وهي تحاول القيام بدور محايد عله يمنحها بطاقة الوساطة في وقت لاحق بدلًا من عمان.

لكن الموقف التركي من الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران كان يتسم بجزئية مهمة للغاية. في كل بيانات وزارتي الخارجية والدفاع في تركيا كانت أنقرة توجه انتقادات لإسرائيل على عدوانها على إيران، كذلك الأمر ينسحب على مواقف وتصريحات المسؤولين الرسميين وفي رأسهم رجب طيب أردوغان، لكن أحدًا لم يكن يشير لا تلميحًا ولا تصريحًا، إلى أن الولايات المتحدة هي رأس العدوان والأساس في عمليات القصف والتدمير والقتل.

قال أردوغان في منتصف آذار/مارس: “إن كلٌّ يعرف أن إسرائيل بعدوانها على غزة ثم اليمن ولبنان والآن إيران، لا تريد فقط ضمان أمنها القومي، بل تطبيق سيناريو حرب القيامة المنبثق من هذيان “الأرض الموعودة”. وأضاف أردوغان: “إن إسرائيل تريد امتلاك القوة المتفوقة على كل جيرانها وجر المنطقة إلى كارثة”.وقال :” إنه إذا لم نفعل ما يجب فعله فلن نستطيع التحرر من أن نكون ضحايا مخططات “قسِّم، فرِّق، سُدْ”.

 وإلى أردوغان كرر مسؤولو حزب العدالة والتنمية المعزوفة نفسها: إسرائيل هي المسؤولة، فيما يلتزمون صمتًا مطبقًا حول الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب في العدوان على إيران. بالتأكيد لا يريد أردوغان الاصطدام بـ “صديقه ترامب”، كما لا يمكن تفسير الموقف بالخوف من جنون ترامب، بقدر ما هو انسجام مع الموقف التاريخي لتركيا من الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي، بدءًا من حلف بغداد وصولًا إلى إسقاط بشار الأسد وصولًا إلى عدم استنكار موقف ترامب من خطة تهجير الفلسطينيين من غزة وعدوان الاثني عشر يومًا على إيران، والآن شراكة أمريكا في العدوان من جديد على إيران. حتى بيانات وزارتي (الخارجية، والدفاع) التركيتين، بدورها، تتحدث دائما عن إسرائيل ولا تذكر أمريكا، كما كانت تشير إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي على أنهم “حلفاؤنا”.

والآن تحديدًا ربما يرى الأتراك أن تجنب التهديد الصهيوني المتمثل بالعمل على  “إسرائيل الكبرى” يمكن لجمه من خلال الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي ودائمًا برعاية أمريكية. مع الإشارة هنا إلى أن سقوط نظام بشار الأسد هو الذي فتح شهية إسرائيل في سوريا وفتح أمامه تحسس تركيا بمخاطر المشروع الصهيوني عليها. ولكن على أنقرة أن تتذكر دائمًا أنها كانت هي العامل الأساسي في إسقاط النظام، وهذا لا يعكس غباشة في الرؤية بل أولوية محاربة النفوذ الإيراني في المنطقة على مواجهة الخطر الصهيوني.

كذلك هناك في أنقرة من يعتقد أن ضرب إيران يحقق لتركيا هدفين: الأول، هو تصفية حسابات تاريخية ومذهبية وعرقية وسياسية بدأت بين العثمانيين والحكم الصفوي في مطلع القرن السادس عشر وصولًا إلى اليوم، ويضغط هذا العامل اليوم في ظل وجود حكم إسلامي يعتبر نفسه أمينًا على الإرث العثماني. أما الهدف الثاني: فيتمثل في أن ضرب إيران والتخلص منها نهائيًّا، يمنح تركيا دورًا متقدمًا ورياديًّا في المنطقة بالشراكة مع إسرائيل، ولكن ماذا لو فشل العدوان الأمريكي – الإسرائيلي في تحقيق هدف تصفية النظام وتركيع إيران؟ أو جر المنطقة إلى فوضى وكارثة لن تسلم منهما تركيا؟.

“الجزئية الكردية”.

يبدو أن إصرار إيران على تحدي العدوان الأمريكي – الإسرائيلي عليها وتوسيع جبهة الحرب لتشمل الدول التي توجد فيها قواعد أمريكية، ولا سيما الدول الخليجية منها، قد فاجأ ترامب ودفعه إلى التفكير بغزو بري لإيران. وبرز في هذا الإطار تركيزه على مناطق التواجد الكردي في شمال العراق فضلًا عن أكراد شمال غربي إيران، وكان لافتًا أن إيران صبت استهدافاتها في إقليم كردستان لتطال مراكز أمريكية ومراكز تحشدات كردية وأخرى معارضة لطهران.

وإذ تدرك طهران خطورة الجبهة الكردية، فقد حذرت العراق وإقليم كردستان من فتح الحدود مع إيران أمام أية مجموعات مسلحة كردية، وقد ردت الرئاسات العراقية الثلاث بأن العراق لن يكون منطلَقًا لتهديد أية دولة مجاورة.

وهنا برزت مخاوف تركيا؛ نظرًا لأنها تخوض معركة كبيرة ضد حزب العمال الكردستاني منذ أربعة عقود، وأنقرة تعتقد أنها نجحت في إنهاء النشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني في الداخل التركي، وهي أنهته إلى حد كبير في شمال العراق. كما أنها قضت على خطر قيام دويلة كردية في شمال سوريا؛ لذا فإن خطط الولايات المتحدة لاستخدام أكراد العراق أو حتى فقط أكراد إيران لفتح جبهة ضد طهران، انعكست قلقًا بالغًا في تركيا، لا سيما أن ترامب على ما تقول الأخبار وعد الأكراد بمنطقة حكم ذاتي أو شبيهة لها في إيران، وهذا يعني أن التهديد الكردي الانفصالي يطل برأسه من جديد هذه المرة من البوابة الإيرانية.

من هنا كان بيان وزارة الدفاع التركية، على الرغم من قصره، في غاية الدلالة عندما حذَّر ضمنًا من هذه المخططات، وجاء في البيان “أننا نراقب عن كثب الأنشطة  الإرهابية لحزب الحياة الحرة الكردستاني(المعارض للنظام الإيراني) في إيران والتطورات في المنطقة، وبالتنسيق مع المؤسسات المعنية في دولتنا”.

ولا شك أن معارضة تركيا تحريك المسألة الكردية في إيران كان عاملًا مؤثرًا وضاغطًا وحاسمًا من أجل ألا يتحرك ترامب بريًّا انطلاقًا من المناطق الكردية، وهذا عُدَّ إنجازًا أمنيًّا تركيًّا.

سوريا التالية .. تركيا تتحسب!

تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا إلى ذروة غير مسبوقة عندما وصف مسؤولون إسرائيليون بعبارات بذيئة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، ولا سيما من جانب وزير خارجية العدو “يسرائيل كاتس”. كما إن رئيس وزراء العدو “بننيامين نتنياهو” اتهم أردوغان (12 نيسان / أبريل 2026) بأنه يقتل الأكراد ولا يعارض الحركات الإرهابية وإيران في المنطقة وأن تركيا نمر من ورق.

يرى الكاتب مراد يتكين إن إسرائيل خاب ظنها مرتين: أولًا، عندما كانت تتوقع أن يهاجم الأكراد الإيرانيون إيران، ولكن تركيا عارضت ذلك بشدة، وهذا سبب إشارة نتنياهو إلى قتل تركيا للأكراد. وثانيًا، عندما امتنعت تركيا عن الرد على الصواريخ الإيرانية وهي تلك التي نفت إيران مسؤوليتها عنها؛ لذلك كان هذا الهجوم على أردوغان ووصف تركيا بأنها نمر من ورق.

غير أن ردة فعل وزير الخارجية “حاقان فيدان” كانت استثنائية في مستوى حدتها، وأطلق بعيدًا عن التشنج والانفعال مواقفَ تمس صميم القوة الإسرائيلية، ولم توفر في طريقها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وقد أدلى فيدان بتصريحاته في مقابلة مع وكالة أنباء الأناضول.

قال فيدان: “إن إسرائيل ليست تلك البنية التي تولد قوتها من تلقاء ذاتها فقط، بل هي ذهنية نجحت من خلال الصهيونية في اختراق(السيطرة على) النظام السياسي الأمريكي” واصفًا خطوات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بأنها غير عقلانية وهي تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر من المصالح الأمريكية نفسها. وقال: “إن هذا وضع لا ينشأ إلا عند التأثير في سياسة ذلك البلد”. وعن الموقف التركي من الحرب على إيران قال فيدان إن سياسة تركيا هي “البقاء خارج الحرب”.

وفي أعنف موقف ضد إسرائيل قال فيدان: “إن إسرائيل لا تسعى من خلال هجماتها على لبنان إلى الأمن، بل هذا جزء من إستراتيجية التوسع الإقليمي لها، وما تفعله في غزة تكرره في لبنان في تهجير السكان وهدم البنى التحتية”. ورأى فيدان أنه بعد لبنان سيأتي الدور على سوريا وهو ما يشكل حساسية زائدة بالنسبة لتركيا التي تستعد لأسوأ السيناريوهات.

وقال فيدان: “إن دولًا عديدة تتبنى خطابًا معارضًا بالكامل مع إسرائيل، لكن نظرًا لاختلاف صوت تركيا ومنهجيتها في معارضة إسرائيل يلقى خطابها قبولًا في العالم وهو ما يثير غضب إسرائيل ويجعلها توجه الاتهامات لنا ولرئيسنا الذي يشكل عقدة لها”.

وفي إشارة إلى  مضيق هرمز، دعا فيدان إلى التعاون الإقليمي والبدء بمشروع “طريق التنمية” من ميناء الفاو على الخليج عبر العراق إلى تركيا؛ ليكون مخففًا من آثار إغلاق مضيق هرمز. وقال: “إن هذا المشروع قد عرقلته دول إقليمية”. ودعا فيدان إلى عقد ميثاق أمني  بين دول المنطقة أساسه احترام سلامة وسيادة الدول الأخرى بحيث تزال مسألة انعدام الثقة بين هذه الدول.

وبعد سقوط الوساطة العمانية، كان الدور للوساطة الباكستانية؛ حيث لم تبد تركيا حماسة لمحاولة الوساطة من جديد لعلمها المبدئي أن الأزمة في الخليج معقدة ولم يحنْ بعدُ موعدُ الوساطات، بل استهزأ بعض الكُتُّاب الأتراك بوساطة إسلام آباد ولتتجرع الكأس المرة بدلًا من أن تتجرعها تركيا.

وفي مقالة له في صحيفة “قرار” المعارضة قال زعيم حزب المستقبل “أحمد داود أوغلو”: “إنه من الطبيعي أن تنهار جولة المفاوضات الأولى بين إيران وأمريكا بوساطة باكستانية، ومن المرجح أن تفشل الجولة الثانية في حال انعقادها، وهذا ما حصل”. وقال داود أوغلو: “إن السبب في الفشل هو أن المفاوضات الثنائية لا يمكن أن تنجح، وإن الحاجة هي إلى إطار إقليمي شامل”. وقال: “إن أي اتفاق كي يكون قابلًا للتطبيق ينبغي له أن يحقق هدفين: إرساء سلام دائم وتقديمه كنجاح للشعب في كل بلد، وتحقيق هذا التوازن الدقيق معقد جدًا؛ بسبب دخول إسرائيل كعامل مؤثر في التطورات.

وقال “داود أوغلو”: “إن الأزمة الحالية تتقاطع عند أربعة خطوط صدع رئيسة: مضيق هرمز، البرنامج النووي الإيراني، غياب بينية إقليمية أمنية والقضية الإسرائيلية الفلسطينية. والتقدم يجب أن يحصل بالتساوي على كل هذه الخطوط. وانتهى داود أوغلو إلى الدعوة لعقد مؤتمر دولي إقليمي لصوغ إطار اقليمي للأمن وإجراءات بناء الثقة.

يختصر الموقف التركي من المشكلات الإقليمية، ولا سيما المواجهة بين أمريكا وإيران بأنه محايد ويهدف إلى إبقاء تركيا خارج الحرب، وإذا كانت تركيا تخشى من النتائج المضادة غير أنها لا تنزعج من نتائج تفضي إلى تعاظم الدور التركي في المنطقة لتكون فعلًا لا قولًا لاعبًا مؤسسًا في التوازنات الإقليمية، بل أحيانًا العالمية. وفي كل هذه السياقات فإن أولوية تركيا تبقى عدم استفزاز الولايات المتحدة، ولا سيما رئيسها الحالي “دونالد ترامب”، الذي منحها غطاء كاملًا للسيطرة على سوريا وزيادة نفوذها في المنطقة. فيما يبقى العداء لإسرائيل ضمن سقوفه اللفظية ولحسابات سياسية داخلية. وتواصل تركيا في الخلاصة القيام، ولو نسبيًّا، بدور المحايد في كل الخلافات الإقليمية بما يذكر بالسياسات الخارجية التي كانت عليه تركيا في عهد أتاتورك بين عامي (1923 و 1938) تحت شعار “سلام في الوطن سلام في الخارج”.

اظهر المزيد

د. محمد نورالدين

أستاذ في الجامعة اللبنانية - بيروت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى