يدور في كواليس العواصم الإقليمية الحديث عن اتفاق سلام موسَّع، يشمل جميع الفاعلين الإقليميين، وتكون إحدى مخرجاته تأسيس إطار عام يضبط الصراعات والتفاعلات في المنطقة بعد التصدعات الكبيرة التي شهدتها في السنتين الأخيرتين، وتراهن الأطراف الداعمة لهذا التوجه على أن المعطيات (الميدانية، والسياسية) بعد حرب إسرائيل وإيران، باتت تشجع إلى حد كبير على المضي في طريق بناء السلام؛ ارتكازًا على تلك المعطيات وفي محاولة لالتقاط الفرصة التي لا تتهيأ دائمًا.
بيد أن هذه المبادرات ترتكز بشكل أكثر وضوحًا على العامل الاقتصادي، وهو العامل الذي كان له دور فاعل في إحلال السلام في أوروبا وبين دول آسيا، انطلاقًا من تشابك وتعقيدات المصالح الاقتصادية، وارتباط الاقتصاد بالفضاء العولمي، عبر سلاسل الإمداد التي أصبحت جزءًا أساسيًّا في العلاقات الدولية. بالنظر لسياسات الاعتماد المتبادل التي باتت أحد ثوابت العلاقات الدولية، وبالتطبيق على المنطقة، يمكن القول إن ثمة تشبيك، وإن لم يأخذ صفة رسمية، بدأ يظهر بشكل واضح من خلال المشاريع المشتركة، مثل: أوتوستراد السلام الذي تشترك فيه (تركيا، والعراق، وقطر، والإمارات)، والممر الهندي الذي يربط دول الخليج بالأردن وإسرائيل، وبرعاية أمريكية.
وقد يشكل السلام مناسبة لإطلاق ديناميكيات عديدة، ولا سيما على مستوى الاقتصاد؛ حيث تزخر المنطقة بمشاريع تنموية، قد تكون الأهم على المستوى العالمي، وهذه المشاريع تحتاج تعاون تقني ولوجستي، وحتى على صعيد العمالة، واستخدام الموانئ والطرق والمعابر، الأمر الذي من شأنه خلق شبكات مصلحية بين الأطراف الإقليمية، ستخلق عالمًا موازيًا من المؤسسات اللازمة لإدارة هذا الوضع، وقطاعات إقليمية فوق وطنية، ومصالح مشتركة يجري صياغتها في سياسات دفاعية وخارجية مشتركة، كما أن العديد من دول المنطقة، وبعد أن دمرت الحروب الأهلية والخارجية بُناها وعمرانها، باتت اليوم بحاجة لإعادة إعمار شاملة، وهو ما سيتطلب تعاون إقليمي على مستوى عالٍ، وعلى صعيد الكثير من القطاعات، وسيوفر فرصًا استثمارية تشمل عوائدها جميع الأطراف الإقليمية، التي يملك كل طرف منها ميزة ما في مجال معين، سواء امتلاكه للرساميل أو القوَّة البشرية العاملة أو الخبرة أو الطرق والمعابر.
بلا شك أن مثل هذا المشهد يبدو جميلًا من الناحية النظرية، لكن يبقى السؤال كيف يمكن تفعيله على أرض الواقع، وما القوة التحويلية التي ستشكل الطاقة التشغيلية اللازمة لإطلاق هذه الديناميات في ظل الاختلافات السياسية والعقدية والمصلحية المقيمة في الواقع الإقليمي والمترسخة في مفاصله ومنعطفاته بقوَّة؟
المقاربة الأمريكية.
يستند الحديث عن السلام في المنطقة إلى رؤية أمريكية، يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى الترويج لها والدفع بها في سياقات المنطقة، التي عانت، وما زالت من عبء صراعات وحالة من الفوضى العميقة التي شملت أغلب أرجاء الإقليم، وتأثرت بها جميع الأطراف الإقليمية، ويبدو أنه في تقديرات إدارة ترامب أن المنطقة وبعد كل ما مرَّت به باتت مهيأة لقبول فكرة السلام واحتضانها أكثر من أي وقت، ولا يجب الانتظار حتى تتغير المعطيات وتضيع بالتالي الفرصة الذهبية لإحلال السلام.
وتفيد قراءة العقل السياسي الأمريكي، التي كثيرًا ما نقرأ مخرجاته عبر تصريحات مسؤولي إدارة ترامب، أو ما تكتبه مراكز الأبحاث والصحف الأمريكية، في فهم دوافع ومحركات الإدارة الأمريكية، وطبيعة المقاربة التي ترسمها واشنطن لصنع السلام في المنطقة، وتقوم فكرة ترامب على أساس أن المنطقة وصلت إلى ذروة الصراع، وأن السلام هو المخرج الوحيد والطبيعي لمثل هذه الأوضاع، ويتأسس هذا المنطق على اعتقاد أن ثمة بيئة للسلام تتمثل بقناعة النخب وحتى الشعوب في المنطقة بضرورة البحث عن مخارج لأزمات المنطقة وإيجاد صيغ تساعد مجتمعاتها على الالتحاق بركب التطور العالمي.
ترسخت القناعة الأمريكية بعد جولة الحرب الأخيرة في المنطقة، والتي انتهت إلى نتائج كارثية، لكنها حطمت موازين القوى بشكل يصعب إصلاحها في وقت قريب، وفرضت إسرائيل لاعبًا أساسيًّا ومقررًا لتوجهات المنطقة وسياساتها، وليس سوى مبادرة سلام، أو صفقة، يمكن من خلالها التفاهم على إرساء معادلة جديدة تشذِّب الواقع الذي وصلت له المنطقة، وتجعله مقبولًا من جميع الأطراف، وإن لم يكن عادلًا ولا متوازنًا بالشكل المطلوب.
وكانت الاتفاقيات الإبراهيمية المرجعية التي على أساسها بنى ترامب خطته لإحلال السلام في المنطقة، فهي بتقييمه نجحت إلى حد بعيد في استيعاب التوترات الحاصلة في المنطقة، ورسخت المصالح بين إسرائيل والدول المنخرطة معها في اتفاقيات التطبيع، وبالتالي تصلح نموذجًا قابلًا للتعميم، في إطار خطة إقليمية كبرى تشمل العديد من الأطراف العربية والإسلامية. وهذه الخطوات يمكن تعزيزها بعد أن تم إضعاف الممانعة الإقليمية، والمتمثلة بإيران والمنظمات التي تتحالف معها في المنطقة، والتي كانت إلى حد بعيد تعرقل حصول عملية سلام كبرى في المنطقة، وبحسب تقديرات الإدارة الأمريكية، أن ليس فقط حيثيات القوَّة والميدان هي ما تم إضعافها لدى الممانعة، بل وحتى الأيديولوجيا التي تتبناها، والتي انهزمت في الحروب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على إيران ولبنان، فقد ثبت أنها لم تعد تشكِّل خيارًا لشعوب المنطقة يمكن اللجوء له في مواجهة الضغط الإسرائيلي، بعد أن تحوَّلت إلى مشاريع لحروب أهلية في المنطقة وثبت حجم ارتهانها لمشروع إيران، وبالتالي فإن الشعوب والنخب في المنطقة باتت معنية بالبحث عن خيارات أخرى وبدائل تضمن لها تحقيق طموحاتها والعيش بأمن وسلام، وليس سوى مشروع سلام موسَّع يحقق لها هذه الأهداف.
تنطوي المقاربة الأمريكية لبناء السلام على أعطاب عديدة ستؤثر بدرجة كبيرة على إمكانية تطبيقها، فهي مقاربة يشوبها الانحياز لإسرائيل، عبر أخذها بالاعتبار مصالح إسرائيل الأمنية والاقتصادية بالدرجة الأولى، دون أي اعتبار للأطراف الأخرى، بل يمكن اعتبارها استدراكًا لما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بالحرب، وحسب المقاربة الأمريكية، تحتفظ إسرائيل بالمكاسب الأرضية، وتضيف لذلك المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية التي ستحصل عليها كثمن لقبولها السلام.
الإشكالية الثانية، وهي متولدة عن الأولى، أن المقاربة الأمريكية لا تعالج الأسباب الجذرية للنزاع، أو تحدي عدم تناسق القوَّة بين الأطراف، ولا تهتم بتهيئة الظروف لحل النزاع بشكل مستدام، أي أن المقاربة تعمل على إبقاء الوضع الراهن، مع محفزات اقتصادية لإسرائيل، في محاولة لدفعها لقبول السلام، باعتبار أن السلام وحده بدون حوافز ليس بالأمر المغري لإسرائيل، في ظل موازين القوة التي تميل بدرجة كبيرة لصالحها، ولا يوجد ضغط دولي يجبرها على التراجع عن مواقفها، وبناء على ذلك تصبح المقاربة الأمريكية منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي في المنطقة.
بناء السلام.
بناء السلام هو تشييد البنية الأساسية والهياكل التي تساعد أطراف النزاع على العبور من مرحلة إلى أخرى، تشمل عملية بناء السلام، مستويات مختلفة بحسب الحالة التي يتم بحثها والتفاوض بشأنها، ولا يمكن بناء عملية سلام دون الأخذ في الاعتبار هذه المستويات، ومدى مطابقة كل مستوى للحالة التي يجري حلها، ولتوضيح الفكرة أكثر يمكن تحديد المستويات كما يلي:
إدارة النزاع: الهدف المُراد تحقيقه في هذا المستوى هو الاحتواء المؤقت لحالة الصراع العنيف من أجل خلق بيئة إيجابية تشكل أرضية مناسبة لإيجاد تفاعلات أكثر عمقًا، ويتم تحقيق ذلك من خلال أدوات مختلفة: ردع الخصم وإجباره على التنازل عن مطالبه، أو عبر التوصل إلى حل وسط بالتفاوض، غير أن إدارة النزاعات غالبًا ما تُطبق في ظل صراعات صفرية؛ لذا فإن منطق الردع يتغلب على المساومة.
تسوية النزاع: التوصل إلى اتفاق بشأن النزاع بين أطرافه، بحيث يتمكنون من إنهاء حالة النزاع والسلوك العنيف الذي يتبعه، وللوصول إلى نتائج عادلة يُشترط وجود نوع من تكافؤ القوى بين الطرفين، وإلا سيكون نوع من فرض الاستسلام؛ حيث سينتهز الطرف الذي يعتبر نفسه مغبونًا فرصة اختلال موازين القوى والعودة للنزاع، كما حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث تراجعت ألمانيا عن اتفاق السلام الذي فرضته دول التحالف (فرنسا، وبريطانيا)، وأطلقت المسارات التصعيدية التي ستجر العالم إلى الحرب الثانية.
فض النزاع: عبر معالجة الأسباب الجذرية للنزاع وحلها، وإنهاء الحالة العدائية وتغيير بنية النزاع، بما يضمن عدم العودة للنزاع نهائيًّا، والمثال الأبرز هو حالة أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
تحويل النزاع: وهو مرحلة متقدمة وطويلة المدى؛ حيث يجري عبرها بناء السلام الدائم والتنمية المستدامة، وتقوم على أحداث تغيير ومعالجة عميقة وجذرية، هيكلية وبنيوية، لكامل مصادر ومسببات الصراع أو العنف على كافة المستويات.
بناءً على ذلك، يبدو أن المطروح حاليًّا لا يتعدى حدود إدارة النزاع، الذي يبقي على الأوضاع الراهنة دون تغيير كبير على الأوضاع الإستراتيجية، واحتواء الصراع بشكل مؤقت، كمدخل للانتقال إلى مرحلة تسوية النزاع، وهي مرحلة تنطوي على تعقيدات كبيرة؛ لأن نجاحها يتطلب معالجة جذرية لكل ملفات الصراع، أما تحويل النزاع عبر تغيير المسارات ودفعها باتجاه مشاريع التنمية المشتركة، وصنع هياكل وأطر أمنية وسياسية على المستوى الإقليمي لإدارة هذه المشاريع وإدارة النزاعات، فهي مسألة متقدمة جدًا بالنظر للواقع الإقليمي المعقد.
العقبات التي تواجه بناء السلام.
في الحديث عن بناء السلام في المنطقة، تتوجب مراعاة قضية وجود تمايزات بين الدول العربية بهذا الخصوص، ويمكن هنا تمييز فئتين: دول وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل (مصر، والأردن، والسلطة الوطنية الفلسطينية)، وتشكل هذه الاتفاقيات الناظم للعلاقات بين الطرفين، بيد أن هذه الاتفاقيات باتت موضع تساؤل من قبل الأطراف المذكورة في ظل سياسات إسرائيل الراهنة، كما تمر العلاقات بين الأطراف العربية الموقعة على هذه الاتفاقيات بمرحلة جمود ويمكن وصفها بـ”علاقات الحد الأدنى”.
وضمن هذه المجموعة، الدول العربية التي دخلت مؤخرًا في “الاتفاقيات الإبراهيمية” وتشمل هذه الدول (الإمارات العربية، والبحرين، والمغرب، والسودان)، وتتميز هذه الدول ببعدها الجغرافي عن إسرائيل وعدم وجود نزاع حول الأراضي معها، لكنها مرتبطة قوميًّا وعقائديًّا بالقضية الفلسطينية، وقد كان أحد الدوافع للانخراط في الاتفاقيات الإبراهيمية رغبة الدول المشار إليها في التأثير في الاندفاعة الإسرائيلية صوب قضم الأراضي الفلسطينية والقضاء على حل الدولتين.
المجموعة الأخيرة من الدول هي التي لم توقع حتى الآن على اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وفي الغالب هي المقصودة بالتحرك الدبلوماسي الآن، يأتي على رأس قائمة هذه الدول (المملكة العربية السعودية)، التي قطعت شوطًا من التفاوض بشأن التطبيع مع إسرائيل، لكنها أوقفت هذه المفاوضات جراء الحرب الإسرائيلية على غزة، وعدم وجود رد إسرائيلي صريح على الطلب السعودي المتمثل باعتراف إسرائيل بحل الدولتين.
الدول الباقية ضمن هذه المجموعة، هي في الأغلب الدول التي تمر بأزمات سياسية نتيجة الصراعات التي شهدتها في السنوات الأخيرة، ومن ضمنها دولتان لهما أراضٍ محتلة من قبل إسرائيل (سوريا، ولبنان)، وتواجهان اعتداءات إسرائيلية دائمة، بالإضافة إلى (اليمن، وليبيا، والعراق)، ودول مستقرَّة لكن لا توجد مؤشرات على توجهها صوب السلام مع إسرائيل (تونس، والجزائر).
لكن هذه التمايزات بين الدول العربية لا تلغي حقيقة أن جميع الأطراف العربية باتت معنية بإعادة تعريف السلام، وربما إعادة النظر بالاتفاقيات الموقَّعة مع إسرائيل؛ ذلك أن جميع تلك الاتفاقيات تضمنت، بطريقة أو أخرى، بنودًا تتعلق بالسلام الإقليمي والوضع الفلسطيني، كما يوجد بنود غير مكتوبة تم الاتفاق عليها مع إسرائيل بشأن سياساتها الاستيطانية وسواها من الملفات التي تخص القضية الفلسطينية.
لكن، ثمَّة عقبات كثيرة تقف في وجه تطوير السلام في المنطقة، أو تحقيق اختراقات جديدة في هذا الملف؛ نظرًا للتغيرات الحاصلة في المنطقة، والظروف التي تمر بها.
- عدم وضوح الموقف الأمريكي: ينطوي موقف الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها الجهة التي ترعى عملية بناء السلام، على غموض التصورات لهذه العملية وطبيعة الضمانات التي يمكن أن تقدمها للأطراف، فضلًا عن انحيازها الصريح للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، كما أن سياسات ترامب الإقليمية في غالبها تقوم على رد الفعل والمزاجية وقصر النفس والرغبة بتحقيق صفقات سريعة، وهي سياسات تفتقر إلى التماسك الإستراتيجي، مما يترك الحلفاء غير متأكدين والخصوم في حالة من عدم اليقين.
ويعطي ترامب الأولوية للمظهر على حساب الأطر الإستراتيجية الدائمة، في حين أن مشروع بناء السلام في منطقة معقَّدة كالشرق الأوسط، وضمن بيئة عدائية، وظروف غير طبيعية، يحتاج إلى تفكير إستراتيجي عميق وتقييم سليم للأوضاع وتقدير لكل الاحتمالات، ووضع بدائل وخيارات لمواجهة العقبات التي تواجه سير عملية البناء، وهو ما لا يمكن أن توفره إدارة ترامب بظروفها الحالية.
- التركيبة المتطرفة للحكومة الإسرائيلية: حيث يسيطر على مراكز صنع القرار الإسرائيلي أحزاب وشخصيات تنتمي لأقصى اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي لا يعطي للسلام أية أولوية في سلوكه أو في برامج عمله، وتصوراته للسلام ليست متطابقة، ولو بالحدود الدنيا، مع بناء السلام في المنطقة؛ فالسلام الذي تريده إسرائيل، التي انزاحت بشدة باتجاه التطرف، يقوم على استسلام الفلسطينيين ودول الطوق، والتنازل عن حقوقهم والقبول بما تمنحهم إياه إسرائيل.
وقد رفعت الحروب التي شنتها إسرائيل مؤخرًا، ضد إيران وحزب الله، من سقف تصوراتها لنفسها كقوة إقليمية متفردة لا يوجد في المنطقة من يضاهيها، وبتقدير أن قوَّة الردع الإقليمية تصدعت إلى حد كبير ولا يمكن تعديل موازين القوى في الأمدين (المنظور، والمتوسط) مما يمنح إسرائيل القدرة على فرض المعادلات الجيوسياسية في المنطقة، إلى حد تغيير الخرائط وتركيب الدول وأشكالها، وبالتالي فإن السلام الذي يناسبها لا يتم عبر الصفقات والمفاوضات، التي قد تضطرها لتقديم التنازلات، بل عبر اعتراف الآخرين بقوتها وأحقية نفوذها.
- عدم توفر المحفزات الكافية على الجانب العربي: لا تستسيغ غالبية الدول العربية تصورات إسرائيل عن نفسها القوة الإقليمية رقم واحد، وفي التقديرات العربية أن هذا الأمر سيساهم بخلق المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، كما ترفض الدول العربية، المطبِّعة مع إسرائيل وغير المطبعة، سياساتها الإقليمية، ولا سيما تجاه سوريا ولبنان، وتهديد وحدة أراضيهما، وقد ظهر ذلك جليًّا في البيان الصادر عن (دول الخليج، ومصر، والعراق، والأردن، إلى جانب تركيا)، على هامش أحداث السويداء في 17 يوليو الماضي، وأدان ما وصفها بـ”الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية”، واعتبارها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
وفي ظل رفض إسرائيل تغيير سلوكها تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة، واستمرار سياسات التنكيل بالفلسطينيين، ورفضها القبول بحل الدولتين، فإن الدول العربية لا تجد ما يحفزها على اتخاذ خطوات بشأن السلام أو تدعيمه مع إسرائيل، ولم يعد العامل الإيراني مهما في لعبة إسرائيل في تصوير وجود عدو مشترك مع الدول العربية، بعد أن فتحت أغلب الدول العربية قنوات تواصل مع إيران وأجرت تفاهمات معها، في إطار سياسات التحوُّط التي تتبعها الدول العربية لتأمين مناخ استقرار في المنطقة.
- تعقيدات الواقع العربي: حيث تعاني الكثير من الدول العربية حالة عدم استقرار وتوازن، ولدى بعضها أزمات شرعية، في حين تغرق بعض الدول بالانقسامات والصراعات السياسية، ولا يشكل السلام مع إسرائيل أولوية لها، أو أن القيادات الحالية، بفعل الأزمات السياسية، لن تكون قادرة على اتخاذ خطوات مهمة في طريق بناء السلام، ومثال ذلك الأبرز: سوريا، ولبنان؛ حيث يوجد في البلدين رأي عام معادٍ لإسرائيل، جراء سياساتها العدوانية، ما يشكِّل عائقًا أمام إمكانية الانخراط بعملية سلام مع إسرائيل، بالإضافة إلى أن إسرائيل تحاول فرض الاستسلام على الطرفين (السوري، واللبناني)؛ إذ ترفض الانسحاب من الأراضي المحتلة سابقًا، والأراضي التي احتلتها في الآونة الأخيرة، ما يجعل السلام مغامرة لا يمكن للقيادات السياسية الإقدام عليها.
- الوضع الفلسطيني: تعمل إسرائيل على تدمير الوضع الفلسطيني بشكل نهائي، بعد تدمير غزة وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ولا تخف أهدافها الحقيقية في تهجير الفلسطينيين والسطو على أراضيهم، كما لا يبدو أن للحرب التي تشنها على الفلسطينيين نهاية، وهذا ما من شأنه إحباط أي عملية سلام ممكنة؛ إذ في ظل مثل هذه الأوضاع، لن تُقدم أي من الدول العربية على الانخراط في عملية سلام لعدم توفر الشروط اللازمة، وأهمها عدم توفر شريك إسرائيلي، ما يجعل من إمكانية دمج إسرائيل في النظام الإقليمي تحديًّا لقادة الدول العربية في وقت تستمر فيه إسرائيل بحرب الإبادة والإلغاء ضد الفلسطينيين وقضيتهم.
- الصراع والتنافس الدولي: تشهد المنطقة تدخلات خارجية وتشابك دولي معقد للمصالح، بالنظر لأهميتها الجيوسياسية وإمكاناتها الاقتصادية، وتسعى القوى الدولية لأن يكون لها حصة في النفوذ والامتيازات، في حين تحاول الولايات المتحدة الاستحواذ على تفاعلات المنطقة، وتطرح نفسها اللاعب الأساسي فيها، ما يضعها على خط صدام مع الأطراف الدولية الأخرى التي ترى نفسها متضررة؛ لذلك، تحاول هذه الأطراف طرح أنفسها كبدائل مجدية وأقل تكلفة من الوجود الأمريكي، والتخريب على المشاريع الأمريكية في المنطقة، من خلال دعم بعض الأطراف، كإيران على سبيل المثال؛ لعرقلة ترتيبات واشنطن في المنطقة.
الخلاصة.
رغم أن كل الحروب والصراعات بين الأمم تصل إلى مرحلة يتم عبرها طي صفحتها، في ظل ظروف دولية وإقليمية مساعدة، وعبر عملية طويلة لبناء السلام، إلا أن هذه اللحظة يبدو أنها لم تأتِ بعد على المنطقة، بل ربما أن الأمور مرشحة للتصعيد في ظل حكومة إسرائيلية متشدِّدة تجد لديها فائض قوّة يدفعها، ليس إلى التعنت ومحاولة فرض شروط السلام بالقوة، بل تذهب إلى طرح مشاريع من نوع “إسرائيل الكبرى” التي تهدِّد أمن ومصير العديد من الدول العربية.
وتزيد مثل هذه الطروحات من التعقيدات التي تشهدها الأوضاع العربية الراهنة، المليئة بالتحديات الداخلية والمشاكل التي تصل حد الاستعصاء في بعض الدول العربية، وحتى الدول العربية التي لديها أوضاع (أمنية، وسياسية، واقتصادية) أكثر أمانًا واستقرارًا، تجد في سياسات إسرائيل عقبة في وجه تطوير مبادرات السلام معها، بل أن الكثير من الدول العربية التي سبق وعقدت اتفاقيات أو تفاهمات معينة مع إسرائيل، تتعاطى اليوم معها ضمن الحدود الدنيا من العلاقات، وتعيد تقييم اتفاقياتها مع إسرائيل على ضوء التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة.
وتتمثل المشكلة الأكبر في هذا السياق بانحياز الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها المحرك والضامن للسلام، وافتقادها لتصوُّر واضح وإستراتيجية حقيقية لبناء السلام، ومحاولتها تلفيق شكل من الترتيبات التي من شأنها تسكين الصراع مؤقتًا وليس إنهاءه ومعالجة جذوره.
كل ذلك يجعل من السلام أملًا بعيدَ المنال، ما يفرض على الجانب العربي صناعة دور عربي قادر على مواجهة تغوُّل إسرائيل الذاهبة إلى مسح الفلسطينيين وتفكيك دول المشرق العربي، وإلا فلن يسلم العرب من التداعيات المدمِّرة التي ستتركها سياسات إسرائيل في المنطقة.




