2026العدد 207ملف إقليمي

أرض الصومال بين الوحدة والانفصال.

يسعى إقليم أرض الصومال، والذي يقع في أقصى الجنوب الشرقي لجمهورية الصومال الفيدرالية كجزء لا يتجزأ من تلك الدولة، يسعى منذ عقود أو لما يقرب من 35 عامًا، إلى الاعتراف به من جانب المجتمع الدولي كدولة مستقلة، وهو أمر لم يحظَ به بعد. في الوقت الذي تتمسك فيه دولة الصومال الفيدرالية بالوضعية القانونية والدستورية والجيوسياسية للإقليم في إطار الدولة، منذ أول يوليو 1960؛ حيث انضم الإقليم بإرادة شعبية بعد استقلاله عن الاستعمار البريطاني إلى الصومال الكبير، الذي استقل عن الاستعمار الإيطالي في 26 يونيو 1960، أي قبل استقلال الإقليم بخمسة أيام، كجزء لا يتجزأ من الدولة الصومالية في إطار فيدرالي، وليتم التعامل معه دوليًّا كإقليم ذي حكم ذاتي داخل الصومال الفيدرالي.

 يتمتع إقليم أرض الصومال، بالأحرى الصومال، بموقـــع إستراتيجي حاكم على مدخل البحر الأحمر وخليج عدن وعلى مقربة من مضيق باب المندب واليمن في اتجاه قناة السويس؛ حيث حركة الملاحة الدولية بمنطقة البحر الأحمر التي يمر بها حوالي 15 % من حركة التجارة الدولية. وتمتلك الصومال مــن حيـــث “الموضع” موارد طبيعية ضخمة ومتنوعة غير مستغلة بعد: تعدينية (بترول، غاز ليثيوم، يورانيوم، معادن نادرة)، مساحات زراعية شاسعة، ثروة حيوانية ضخمة، ثروة بحرية هائلة؛ حيث تعد سواحل الصومال الأطول في القارة الإفريقية (3330 كم)، عددًا من “الموانئ البحرية” الإستراتيجية المهمة (أمنيًّا، عسكريًّا، وتجاريًّا، ولوجستيًّا)، ومن أبرزها: ميناء بربرة بأرض الصومال أكبر موانئ خليج عدن، والذي يعد مركزًا للتجارة والشحن في الخليج، ويوفر ممرًا حيويًّا لدول المنطقة. وفي هذا الصدد لأرض الصومال نصيب وافر من تلك الثروات: معادن إستراتيجية نادرة (اليورانيوم)، الكولتان (الذهب، النحاس)، عناصر أرضية نادرة (أحجار كريمة)، خام (الحديد، والفحم)، مساحات زراعية كبيرة، وثروة حيوانية وبحرية ضخمة، تعد بجانب الموقع الإستراتيجي مطمعًا لقوى إقليمية عربية وبالجوار العربي وأخرى دولية (غربية، وغير غربية).

على ضوء ما تقدم، يستوجب للتعرف على وضعية ودور أرض الصومال في القرن الإفريقي، أن يتم تناول الأمر في إطار رؤية جيوسياسية لمنطقة القرن الإفريقي، لا تنظر إلى القرن الإفريقي في إطار جغرافي مغلق وضيق، وإنما في إطار جيوسياسي أوسع وأشمل، يتسع ليشمل منطقة البحر الأحمر بدوَلِها المتشاطئة عليه (مصر، والسعودية، والأردن، وإريتريا، والصومال، وجيبوتي، والسودان، واليمن بجانب إسرائيل). هذا فضلًا عن الأخذ في الاعتبار أن البحر الأحمر، بما فيه من خلجان وجزر ومضايق وقواعد عسكرية ثابته، خاصة تلك التي بجيبوتي لقوًى إقليمية ودولية ومتحركة، أساطيل لقوى إقليمية ودولية_ كبحر دولي مفتوح، يعد في واقع الأمر قلب البحار والمحيطات في العالم القديم (أوروبا، وآسيا، وإفريقيا) وواسطة عقدهم، إنه بمثابة بحيرة عربية إفريقية، شاطئه الشرقي عربي وشاطئه الغربي إفريقي.

وهكذا، يسعى الإقليم بمحاولات عديدة إلى تسويق وضعيته مقابل الاعتراف به كدولة: أولًا، بموقعه الإستراتيجي الفريد الحاكم على الشاطئ الجنوبي لخليج عدن؛ ليكون بمثابة بوابة باب المندب المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس، يمر بمضيق باب المندب سنويًّا 35% من حركة حاويات النقل البحري، 21 ألف سفينة تجارية تمثل 12% من حركة الملاحة الدولية، وحوالي 12 % من تجارة النفط المنقول بحرًا. وثانيًا، لكونه يضم ميناء بربرة، الذي يعد رئة أرض الصومال الاقتصادية، كأكبر موانئ خليج عدن وأهم ميناء للواردات الإثيوبية بجانب أهميته الإستراتيجية (أمنيًّا، وعسكريًّا، ولوجستيًّا). وثالثًا، بما يتمتع به من فرص وآفاق استثمارية واعدة؛ حيث يتوافر لديه موارد طبيعية: معدنية، وزراعية، وثروات حيوانية، وبحرية، في مجالات عديدة ومتنوعة.

تأسيسًا على ما سبق، فإن دولة الصومال ومجازًا أرض الصومال تدخل في نطاق الأمن القومي (المصري، والعربي، والإفريقي)، ويتعين بالتالي مواجهة أية تحديات أو مخاطر أو تطورات تهدد الأمن والاستقرار في (منطقة القرن الإفريقي، البحر الأحمر). ولعل مثل هذه الأمور كانت من بين العوامل الرئيسة التي دفعت بدول عربية وإفريقية إلى إنشاء مجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن عام 2020؛ ليضم الثمان دول العربية والإفريقية (مستبعدًا إسرائيل)، وتمحورت أهدافه في الأمن والتنمية، بل تعززت الحاجة الماسة إلى تفعيل دور هذا المجلس بما تشهده تلك المنطقة من تطورات وأحداث في ارتباط ما يجري في منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات القليلة الماضية وحتى تاريخه بصدد العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.

تاريخيًّا، أرض الصومال كانت مستعمرة بريطانية، حصلت على الاستقلال في 26 يونيو عام 1960؛ لتعلن عن مولد ما يسمى بـ”جمهورية أرض الصومال”؛ لتعترف بها آنذاك 33 دولة، إلا أنه في أول يوليو من نفس العام أي بعد خمسة أيام، تم الإعلان عن اتحادها مع الجزء الجنوبي للصومال (وهو الصومال الإيطالي سابقًا)؛ لتتشكل الجمهورية الصومالية، وهو أمر تم استجابةً لرغبة شعبية في تأسيس دولة موحدة لكل المتحدثين باللغة الصومالية في الصومال الكبير، (الذي يضم جيبوتي التي كانت مستعمرة فرنسية، الإقليم الشمالي الشرقي في كينيا، ومنطقة الأوجادين الصومالية التي تم سلخها وضمها إلى إثيوبيا).

عقب 18 عامًا من الوحدة، اندلعت حربٌ أهلية استمرت عشر سنوات قُتل فيها ما يقرب من ربع مليون مدني، وقد نجحت حركة “S N M” الحركة الوطنية الصومالية بصومالي لاند، في هزيمة القوات الحكومية إبان نظام “سياد بري” الديكتاتوري العسكري، الذي استولى على الحكم بانقلاب عسكري على الرئيس المنتخب “شارما ركي” عام 1988؛ حيث أعادت أرض الصومال عندئذ الإعلان من جانب واحد عن الاستقلال في 18 مايو عام 1991 . وإن كان واقع الأمر يعد من الناحية القانونية والسياسية إعلانًا بالانفصال عن الدولة الأم التي تكونت في أول يوليو 1960، وليس استقلالًا لإقليم أو منطقة أو مستعمرة عن دولة احتلال. وتتجلى أهمية تلك الوضعية القانونية والسياسية بصدد الموقف الإقليمي والدولي من الإعلان؛ إذ جاء رافضًا الاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة حيث لم يكن محتلًا من الصومال، وإنما التمسك بوحدة الصومال وسلامته الإقليمية باعتبار أن الإقليم جزء من الدولة الأم منذ يوليو 1960، بإرادة شعبية كما أشرنا من قبل، وأن أي انفصال أحادي لا يُعتد به ما لم تكن هناك تفاهمات بين الجانبين، كما أنه لا يتسق مع مبدأ الاتحاد الإفريقي “احترام قدسية الحدود المتوارثة”، والذي يُعنى أيضًا بمفهوم “المخالفة رفض الانفصال”.

 تقع أرض الصومال شمال شرق الصومال تحدها إثيوبيا من الغرب وجيبوتي من الشمال الغربي وخليج عدن من الشمال، بساحل على الخليج يبلغ حوالي 740 كم يمتد حتي الحدود البحرية مع اليمن. وتبلغ مساحة إقليم أرض الصومال 68000 ميل مربع أي حوالي 177,120 كم، ويبلغ عدد سكانها حوالي 6.2 مليون نسمة طبقًا لإحصاء عام 2024، عاصمتها وأكبر المدن (هيرجيسا). وتجدر الإشارة إلى أن التركيبة السكانية في الصومال عشائرية، ويتكون المجتمع الصومالي من أربع عشائر رئيسة الهُوية: والداروط، والرحانوين، والأسحق، وأقلية تُسمى البانتو. تتوزع جغرافيًّا ككيانات في أقاليم محددة، تدين جميعها بالإسلام وتتبع المذهب السني الشافعي. وبالنسبة لصومالي لاند تعد عشيرة الأسحق الأكبر، ويصل نسبتها لإجمالي سكان الإقليم حوالي 66%، بجانب ثلاثة أفرع صغيرة لعشيرة الداروط هي (الداروط، هارتي وورسنجلي، وجولب هانتا) وتمثل معًا 19 % من الإجمالي، بجانب أيضًا عشائر(الدر، وعيسى، وجادو يرسي) وتمثل معًا حوالي 15 % من الإجمالي . ومن حيث طبيعة النشاط فإن 55 % من العشائر بدو رُحَّل أو شبه رُحل، 45 % بالمناطق الحضرية، وخاصة (هارجيسا) العاصمة، معظم العشائر ينتمون إلى الطرق الصوفية (الأحمدية، الدندراوية، القادرية، الرفاعية، الصالحية).

تبدو أهمية الحديث عن التركيبة العشائرية في صومالي لاند، في التأكيد على أن تلك العشائر ليست علي قلب رجل واحد تجاه توجهات العشيرة الأكبر، الأسحق، التي انتظمت في ثلاثة أحزاب رئيسة طبقًا لدستور الإقليم، بل حدثت انشقاقات في تلك التركيبة؛ حيث أعلنت منطقة سول وعاصمتها لاس عانود في 2025، وفي حضور الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” عن الالتحاق بالدولة الفيدرالية  “رافضة الانفصال  عنها”؛ لتشكل المنطقة ولاية جديدة سادسة تضاف للولايات الخمس الصومالية بمسمى ولاية الشمال الشرقي “خاتومو”. يقطن الولاية أفــرع لعشيرة الداروط وهي (جولبهانته، ورسنجلي) تلك العشيرة أي الداروط التي تقطن إقليم بونت لاند بالجوار لإقليم صومالي لاند المتمتع بالحكم الذاتي في إطار دولة الصومال الفيدرالية . واقع الأمر، أن هذه التطورات جاءت علي خلفية صراع مسلح بين قوات صومالي لاند وقوات تلك المنطقة التي حققت انتصارًا على قوات صومالي لاند؛ حيث كان موقف الأولى أن تلك المنطقة تدخل في إطار الحدود المتوارثة عن الاستعمار البريطاني، بينما موقف الثانية أن كل من (ورسنجلي، وجولبهانته) أفرع لعشيرة الداروط التي تقطن إقليم بونت لاند وامتدادٌ لها، ولذا حظيت قواتهما بدعم منه (أي إقليم بونت لاند).

في التقدير، على الرغم من أن وحدة الصومال وسلامته الإقليمية، في إطار فيدرالي، أمر يمكن إدراك تمسك الشعب الصومالي بعشائره المختلفة بهذه الوحدة وتلك السلامة، بما في ذلك المناطق التي اقتُطعت من الدولة الأم؛ حيث لم تزل تعيش في وجدان الشعب الصومالي كجزء لا يتجزأ من أرض الوطن، إلا أن الوضع الجيوإستراتيجي لإقليم أرض الصومال من حيث (الموقع، والموضع)، وتطورات الأوضاع في الصومال عبر التاريخ بما شهده من تفتيت واقتطاع أجزاء منه لصالح دول بالجوار (كينيا، وإثيوبيا) وما تعانيه الصومال من صراعات داخلية بين العشائر الصومالية على السلطة والثروة، وتدخلات خارجية من دول وقوى إقليمية بالجوار الصومالي، دفعت، وأغرت، دولًا أو قوًى إقليمية بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر نحو استثمار مجمل ما تقدم، في اضطلاع أرض الصومال في البداية كإقليم، أو عبر الاعتراف به في مرحلة تالية كدولة، دويلة_ بدور وظيفي وبطريقة غير مشروعة، تحقيقًا لمطامع هذه الدولة أو تلك، وبانتهاك سيادة الصومال وسلامة ووحدة أراضيه، وبمخالفة صريحة وانتهاك واضح للقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة، مهددة بذلك الأمن والاستقرار في المنطقة، وخاصة الأمن القومي للدول المتشاطئة على البحر الأحمر، سواء في الإطار الثنائي أو المتعدد، والذي يطال الأمن القومي العربي- الإفريقي بصفة خاصة، والأمن والسلم الدولي بصفة عامة.

لقد أعلن الإقليم عام 1991، كما أشرنا من قبل، عن انفصاله، بل واستقلاله من جانب واحد عن الدولة الأم دون تفاهمات مسبقة يتعين القيام بها بين الجانبين؛ ليكتسب أي قدر من الشرعية والقبول، وهو أمر عزز من رفض المجتمع الدولي للانفصال بل التأكيد على وحدة الصومال. لقد جاء الإعلان عن الانفصال عقب اندلاع الحرب الأهلية في الصومال، وعلى إثر انهيار الدولة المركزية- آنذاك- لتسع أرض الصومال عبثًا منذ ذلك الحين، وهو يعيش عزلة سياسية بالسعي نحو الحصول على اعتراف دولي من أعضاء المجتمع الدولي (دول، ومنظمات إقليمية ودولية) كدولة إفريقية جديدة. ومع ذلك فإن أقصى ما تحقق لأرض الصومال في هذا الصدد أن لديها نوع من العلاقات مع كل من: الولايات المتحدة، وتايوان، والإمارات العربية، وإثيوبيا، بالإضافة إلى عدد من الدول الإفريقية والأوروبية، ولكنها لا ترقى إلى الاعتراف بالإقليم كدولة بل في إطار موقفهم الرافض للانفصال أو الاستقلال والتأكيد على وحدة الدولة.

واقع الأمر، لم ينجح الإقليم الانفصالي في تحقيق أي اعتراف دولي به، حتى نهاية عام 2025، لتبادر إسرائيل وتفاجئ العالم بالاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة ذات سيادة، عبر اتصال تليفوني إلكتروني كوسيلة غير مسبوقة في الاعتراف بالدول بين رئيس الإقليم ورئيس الحكومة الاسرائيلية “نتنياهو”، ربما لتعذر تحركه على المستوى الدولي لكونه مطلوب كمجرم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، أشار فيه الأخير أنه يوقع على وثيقة اعتراف إسرائيل بالإقليم كدولة، تأسيسًا على حق الإقليم في تقرير المصير. وإن كان واقع الأمر في هذا السياق افتقارَ الاعتراف لأساس قانوني سليم؛ إذ إن الإقليم لم يكن محتلًا من جانب الدولة الأم ليكتسب حق تقرير المصير المرتبط بحالات الاحتلال من دولة أخرى. وقد توالت الإجراءات المرتبطة بالاعتراف بإقامة تمثيل دبلوماسي، وفتح سفارة للإقليم أو الدويلة الجديدة في القدس في خطوة أحادية غير شرعية في إطار القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يمكن قراءة الدوافع والأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية من هذا التوجه الإستراتيجي وفي هذا التوقيت نحو الاعتراف بأرض الصومال، في عدد من المرتكزات الأساسية التي تتمحور حول فقد دولة الصومال الفيدرالية موقعها الإستراتيجي الحاكم على البحر الأحمر وخليج عدن وانتقاله إلى أرض الصومال كدويلة وظيفية لصالح إسرائيل، على نحو يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة ويباشر آثارًا غير مواتية على الأمن القومي الإقليمي، وخاصة المصري والعربي، وذلك ربطًا بالمحاور الآتية:

أولًا: تطورات القضية الفلسطينية، وسعي إسرائيل نحو تصفية القضية جغرافيًّا بضم أراضٍ، وديمغرافيا بتهجير الفلسطينيين وليس تسويتها، وذلك بترجيح اتخاذ صومالي لاند ملاذًا لتهجير الفلسطينيين، قسرًا من خلال الممارسات الإسرائيلية الجارية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، أو طوعًا عبر إغراءات ووعود.

ثانيًا: تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، من حيث الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي المتواصل على إيران والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وتداعيات كل منهم على الأمن والاستقرار في المنطقة، خاصة بالنسبة لأمن الموانئ والممرات والمضايق المائية، اتصالًا بأمن الطاقة والأمن الغذائي والأمن المائي وسلاسل الإمداد، وانعكاسات هذه التطورات سلبيًّا على الأوضاع الاقتصادية (إقليميًّا، ودوليًّا)، مقترنة بهواجس ومخاوف بأن تنتقل العدوى إلى منطقة البحر الأحمر؛ حيث مضيق باب المندب وقناة السويس، والقواعد العسكرية الثابتة والمتحركة، خاصة مع تواجد الحوثيين في اليمن علي مقربة من باب المندب كأحد الأذرع الإيرانية، التي يمكن لإسرائيل أن تتعامل معهم بل ومع إيران عبر تواجدها على أرض الصومال.

ثالثًا: لا يقف مفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه نتنياهو على ضم أراضي دول عربية، بل امتد على أرض الواقع بتغيير نظم، تغيير توجهات، تفتيت أو تقسيم دول، بما قد يتحقق معه توسيع نطاق الدول الموقعة على الاتفاقات الإبراهيمية، تلك الاتفاقات التي تشمل بُعدًا أمنيًّا بجانب البعدين (السياسي، والاقتصادي). ومن ثم، فإن الاعتراف بصومالي لاند يتيح فرصًا أمام الانضمام إلى تلك الاتفاقات، وبالتالي يكون لإسرائيل دورٌ في المجال الأمني بمنطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

رابعًا: يمثل التواجد الإسرائيلي في صومالي لاند أهمية إستراتيجية بالغة؛ حيث سيتيح لإسرائيل دورًا للهيمنة والسيطرة على منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر من الجنوب إلى الشمال. لقد وجدت إسرائيل في شمال المنطقة بطريقة غير شرعية على أرض عربية وذلك عبر ميناء إيلات وبتواجدها في صومالي لاند في الجنوب وأيضًا بطريقة غير شرعية يعزز من تلك السيطرة والهيمنة، وربطًا بنظرية بن جوريون “شد الأطراف”، والتي اعتمدت على بناء تحالفات مع أطراف محيطه بالعالم العربي لتطويقه سياسيًّا وإستراتيجيًّا وضمان مصالح إسرائيل، خاصة وأن إسرائيل تتحدث في هذا الإطار ولو على استحياء عن ضرورة التصدي- في مرحلة آنية- لمحور إسلامي سني متطرف على حد زعمها، يضم قوى عربية بجانب باكستان وتركيا، التي يتعزز وجودها بقوة في منطقة القرن الإفريقي، وخاصة في دولة الصومال، وأنها حاليًّا (إسرائيل) تتصدى لمحور إسلامي شيعي متطرف.

تجدر الإشارة إلى أن إثيوبيا سعت من قبل أن توجد على نحو سيادي على أرض الصومال عسكريًّا، أمنيًّا، وبنشاط اقتصادي تجاري، بمقابل سياسي يتمثل في الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، وبمقابل مادي تمتلك بموجبه صومالي لاند 30% من أسهم شركة الطيران الإثيوبية، وذلك عبر مذكرة تفاهم تم التوقيع عليها من الجانبين. وهي مذكرة تفتقد إلى أي أساس قانوني صحيح؛ حيث إن صومالي لاند إقليم لا يتمتع بالأهلية القانونية ليوقع مثل هذه المذكرة مع طرف آخر له هذه الأهلية، فضلًا عن أن هذا الأمر يمثل انتهاكًا لسيادة الصومال وسلامة ووحدة أراضيه، ويتعارض مع القانون الدولي والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فضلًا عن تعارضه أيضًا مع مبدأ الاتحاد الإفريقي الخاص باحترام قدسية الحدود المتوارثة عن الاستعمار. ومع ذلك، لم تزل إثيوبيا تسعى لتحقيق وجودها في منطقة البحر الأحمر عبر التصرفات الأحادية غير الشرعية، خاصة مؤخرًا في إريتريا، مؤكدة على أن هذا التواجد يعد أمرًا وجوديًّا ويمكن أن يتم باللجوء إلى القوة المسلحة لتحقيقه تصريحات إثيوبية رسمية بأن استقلال إريتريا خطأ تاريخي يجب تصحيحه. تنطلق الرؤية الإثيوبية من سعي إثيوبيا أن تكون قوة إقليمية برية بحرية في منطقة القرن والبحر الأحمر، وأن تخرج على حد زعمها من نطاق كونها دولة حبيسة بما قد يخدم دول مغلقة بالجوار الإثيوبي (أمنيًّا، واقتصاديًّا، وتجاريًّا).

هذا وإذا كانت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًّا في 17 مايو 2026، بأرض الصومال كدولة مستقلة، فقد جاء موقف المجتمع الدولي، دول ومنظمات (إقليمية، ودولية)، وخاصة الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي_ مؤكدًا على الرفض القاطع لإعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم أرض الصومال الكائن في الصومال، وذلك على ضوء التداعيات الخطيرة لهذا الإجراء غير المسبوق على السلم والأمن في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتأثيراته الخطيرة على السلم والأمن الدوليين، وهو أيضًا ما يعكس عدم التزام إسرائيل الواضح والتام بالقانون الدولي؛ إذ يمثل خرقًا سافرًا لقواعده، ولميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على الحفاظ على سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها. بل وأكد المجتمع الدولي أيضًا، على الدعم الكامل لسيادة الصومال ورفض أية إجراءات من شأنها الاخلال بوحدة الصومال وسلامته الإقليمية وسيادته على كامل أراضيه. وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي دعا إلى حوار بناء بين أرض الصومال والحكومة الصومالية لحل الخلافات العالقة، ربما في إشارة إلى إحياء دور الوساطة، كانت تضطلع به جيبوتي في هذا الصدد.

وقد برزت مصر في هذا الإطار بموقف يؤكد على مجمل ما سبق، بل ويضيف إليه رفض الاعتراف بأية كيانات موازية أو انفصال بطرق غير شرعية وغير قانونية، تحسبًا لما تواجهه بالفعل دول إفريقية أخرى من توجهات انفصالية لأقاليم أو عبر كيانات موازية مستحدثة للدولة الأم، على أساس أيديولوجي أو إثني أو عرقي أو ديني. كما أكدت دولة الصومال أيضًا، على أنها لن تسمح بإنشاء أية قواعد عسكرية أو ترتيبات على أراضيها من شأنها أن تجر الصومال إلى صراعات بالوكالة أو جلب أعمال عدائية (إقليمية، ودولية) إلى هذه المنطقة، ومؤكدة على الالتزام المطلق وغير القابل للتفاوض بسيادتها ووحدتها الوطنية وسلامة أراضيها، كما هو منصوص عليه في الدستور المؤقت لدولة الصومال الفيدرالية وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي. كما أكدت الصومال أن هذا التصرف يخالف المسؤولية الجماعية للدول في مكافحة الإرهاب بما في ذلك حركتي (الشباب، وداعش)، ويخلق ظروف تمكينية للجماعات الإرهابية لاستغلال عدم الاستقرار السياسي في تقويض جهود السلام والأمن المستمرة.

مجمل القول، أن المجتمع الدولي بأعضائه (دول، ومنظمات) يجمع على رفض انفصال إقليم أرض الصومال عن الدولة الأم، والتأكيد على أنه إقليم بالدولة الصومالية الفيدرالية منذ الستينيات وبإرادة شعبية، وأنه لا يمكن قبول انفصال الإقليم بقرار أحادي من جانب واحد دون تفاهمات وموافقة الطرف الآخر، ورفض أيضًا أي اعتراف من جانب أية دولة باستقلال الإقليم وانفصاله عن الدولة الأم؛ لما يمثله هذا الموقف من انتهاك لسيادة الدولة الصومالية، وتهديدًا لوحدتها وسلامتها الإقليمية، طبقًا لأحكام وقواعد القانون الدولي والمواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة، وخاصة تلك المرتبطة بالمنظمات الإقليمية: الجامعة العربية، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومؤخرًا مجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الاحمر وخليج عدن، والذي استحدثت دول به (مصر، الصومال، إريتريا، جيبوتي) اتفاقات دفاع مشترك في إطار ثنائي ومتعدد، وربطًا بإحياء اتفاقات الدفاع العربي المشترك لما تمثله مثل هذه التوجهات من جانب الإقليم وكل من (إسرائيل، وإثيوبيا) عبر تصرفات وممارسات أحادية تفتقر إلى الشرعية، من تهديد للأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بل وللأمن القومي العربي والإفريقي والإقليمي، بل والدولي.

واقع الأمر، لقد فقد الإقليم سيادته كدويلة مستقلة سعى إليها، قبل أن يتم الاعتراف به من جانب إسرائيل، فقد أضحى كيان وظيفي لدى إسرائيل بمظهر سيادي دون مضمون حقيقي لتلك السيادة، بتطلع قيادته السياسية لعشيرة (الأسحق) الانفراد بالسلطة والثروة بدلًا من المشاركة في السلطة واقتسام الثروة في إطار الدولة الأم الصومال الفيدرالي؛ حيث بدا واضحًا اصطفاف المجتمع الدولي في مواجهة هذا الاعتراف ورفضه بقوة تمامًا. لقد جاء الاعتراف بالإقليم من دولة مارقة تمارس إرهاب الدولة، مدانة كدولة من محكمة العدل الدولية في إطار القضية الفلسطينية، وإدانة قاداتها كمجرمي حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، دولة استعمار استيطاني توسعي، جاء اعترافها بأرض الصومال في هذا الإطار وتأسيسًا على النقاط الأربعة المشار إليها آنفًا.

تستوجب تلك التطورات، تحرك دول في الإطار الثنائي ومنظمات إقليمية، وخاصة دول مجلس الدول (العربية، والإفريقية)، والجامعة العربية، في تعاون وثيق مع الاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي؛ للحفاظ على والتمسك بموقفهم المشار إليه تجاه هذا الاعتراف من جانب إسرائيل، والحيلولة دون أن تقدم دول على الاعتراف بالإقليم؛ حيث توجد دول مرشحة لاتخاذ مثل هذه الخطوة، عربية من الموقعين على الاتفاقات الإبراهيمية، وإفريقية مثل إثيوبيا، كما يتردد احتمال الولايات المتحدة عبر ضغوط من الكونجرس. وقد يسهِم في هذا المسار، ولكن من جانب آخر؛ للحفاظ على الإقليم في إطار الدولة الفيدرالية في إحياء دور جيبوتي في التوصل إلى تفاهمات بين الإقليم والدولة الأم، كما قد يكون في تعيين مبعوث للجامعة العربية لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر أسوة بمنظمات أخرى، دورٌ للاضطلاع بمهام في هذا الصدد، عبر فتح قنوات اتصال مع قيادات الإقليم لإحداث تغييرات في مواقفهم بما يتسق وتحقيق الأمن والاستقرار وشيوع السلام.

اظهر المزيد

د. صلاح حليمه

نائب رئيس المجلس المصرى للشؤون الإفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى