يعد واحدًا من نواتج حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران 2026، واندلاع عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، تشكل إطار أولي صاعد أو تكتل ثلاثي ناشئ يضم كل من (تركيا، وباكستان، والسعودية)، لاسيما بعد التوقيع على “اتفاق مكة” باعتباره اتفاقية دفاع مشترك (أمنية، وإقليمية) إستراتيجية وقَّعتها الدول الثلاث في 7 أغسطس 2026، بمكة المكرمة؛ إذ ينص الاتفاق على مبدأ الدفاع المشترك بحيث يُعد أي هجوم مسلح على أي دولة منها هجومًا عليها جميعًا، ويستهدف تعزيز الردع الجماعي وبناء هيكل أمني إقليمي مستدام، ويستند إلى قيم مضافة ومزايا نسبية تتمتع بها كل دولة في مجالات مختلفة تشمل: الأمن، الدفاع، والاقتصاد والدبلوماسية بما يقود إلى تكامل أو تكافؤ القوة للدول الأعضاء من خلال العمل على تطوير منظومة مشتركة للإنتاج الدفاعي، فضلًا عن تشكيل آلية وبنية أمنية جماعية لمواجهة التحديات الإقليمية الضاغطة، ووجود إستراتيجيات مشتركة ومنسقة بشأن القضايا الجيوسياسية الإقليمية، على نحو يحاول الإسهام في التأثير في مسار السياسة الإقليمية، بصور متعددة، بعد تراجع نسبي في تأثير محور إيران وتمدد سياسات إسرائيل في الشرق الأوسط.
وتسعى الدول الأعضاء في اتفاق مكة إلى مأْسسة شكل من الأمن الجماعي لتقليص الاعتماد على الفاعلين الدوليين (وخاصة واشنطن) من خارج المنطقة، وتجاوز الاستقطاب المتأصل بين إيران وإسرائيل على نحوٍ ينعكس إيجابًا على المصالح الوطنية لدول التكتل. غير أن هذا التكتل يواجه قيود بنائية تؤثر على أدائه ومسار عمله، منها: تباين الرؤى تجاه المهددات الأمنية، وامتداد التوترات الإقليمية إلى بعض الدول الأعضاء، الأمر الذي قد يحد من إمكانات التكتل، ويجعله أقرب إلى إطار للتنسيق في أوقات الأزمات بدلًا من تحالف مؤسسي قابل للاستدامة.
في هذا السياق، يناقش هذا التقرير عدة نقاط رئيسة، أبرزها: الاجتماعات الدورية للدول الأعضاء في اتفاق مكة، والمقومات الداعمة لها كتكتل ناشئ، والأهداف الحاكمة لها، والتحديات الضاغطة على أدائها ومسار تطورها، والانعكاسات والتأثيرات الأمنية الإقليمية على أطرافها.
أولًا: الاجتماعات المنظمة لعمل الدول الأعضاء في اتفاق مكة.
عُقد “اتفاق مكة للدفاع المشترك” في 7 أغسطس 2026، بمكة المكرمة، بين ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”، والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، ورئيس الوزراء الباكستاني “شهباز شريف”، وهو ما يعكس حرصًا من الدول الثلاث على تعزيز أمنها المشترك، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار الإقليمي والدولي، كما سيتم إنشاء أمانة عامة في السعودية “لدعم أعمال الدول الثلاث في إطار اتفاق مكة، وسيتولى رئاسة الأمانة في مرحلتها الأولى، أمينٌ عام من باكستان لمدة 3 سنوات”.
كما عقد وزراء الخارجية والدفاع وقادة قوات الدفاع ورؤساء هيئات الأركان العامة في الدول الثلاث، في 31 أغسطس، اجتماعًا في مدينة إسطنبول، في إطار اللجنة السياسية والدفاعية الإستراتيجية المنشأة بموجب اتفاق مكة للدفاع المشترك لتتولى وضع التوجه الإستراتيجي للأنشطة التي ستنفذ في إطارها. وشارك في الاجتماع من الجانب السعودي: وزيرا الخارجية والدفاع “فيصل بن فرحان”، و”خالد بن سلمان”، ورئيس الأركان العامة “فياض الرويلي”. ومن الجانب التركي: وزيرا الخارجية والدفاع، “هاكان فيدان” و”يشار غولر”، ورئيس الأركان “سلجوق بيرقدار أوغلو”. ومن الجانب الباكستاني: وزيرا الخارجية، “محمد إسحاق دار”، والدفاع “خواجه محمد آصف”، ورئيس الأركان “عاصم منير”.
وتناول الاجتماع قضايا الأمن الدولي، وتطوير القدرات الدفاعية، وتعزيز التكامل على صعيد العمليات بين القوات المسلحة للدول الثلاث، وتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، بما في ذلك: الإنتاج المشترك، والبحث والتطوير، وتعزيز الجهود المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب. وأكدت الدول الثلاث، وفق البيان المشترك الصادر عنها، “عزمها على العمل معًا في إطار اتفاق مكة لتحقيق السلام والاستقرار المستدام في منطقتها، وتحقيقًا لهذه الغاية، ستواصل الدول الثلاث دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وضبط النفس، بما يشجع على الحل السلمي للأزمات”.
واتفقت الدول الثلاث على “اتخاذ مزيد من الخطوات لإضفاء الطابع المؤسسي على تعاونها في إطار اتفاق مكة، على نحو يعزز تضامنها، ويضمن مصداقية وفعالية الردع والدفاع الجماعيين، ويسهم في الجهود الإقليمية والأمن التعاوني الراميين إلى تحقيق سلام عادل وشامل ودائم”. ومن ثم، يمثل اجتماع إسطنبول أول اختبار عملي لقدرة الدول الثلاث على تحويل الاتفاقية من التزام دفاعي معلن إلى آليات تعاون (سياسي، وعسكري، وصناعي) أكثر تنظيمًا، وهي النقطة التي ستحدد إلى حد كبير طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه “اتفاقية مكة” في منظومة الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
فالاتفاقية تقوم، على ثلاثة مرتكزات أساسية يتمحور أولها حول “الردع”؛ إذ أشار البيان إلى أن هدف الاتفاقية هو “تعزيز الردع المشترك ضد أيِّ اعتداء”، يمكن أن تتعرض له الدول الثلاث. أما المرتكز الثاني، فيتمحور حول مفهوم الأمن الجماعي؛ إذ أشار البيان إلى “أن أيًّ هجوم مسلح على أيٍّ من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”. في حين ينص المرتكز الثالث، وهو الأكثر واقعية، على “تطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي” بين الدول الأعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية تُعدُّ أول إطار أمنٍ جماعي يشمل دولًا عربية وغير عربية منذ إنشاء “حلف بغداد”، في فبراير 1955، الذي ضم، إلى جانب العراق، كلًّا من: تركيا، وباكستان، وإيران، وبريطانيا.
ثانيًا: المقومات الداعمة للدول الأعضاء في اتفاق مكة.
تتمتع الدول الأعضاء في اتفاق مكة بعدد من المميزات “النسبية”، التي تدعم من دورها في الإقليم، على النحو التالي:
1- امتلاك الدول الأعضاء مزايا نسبية في مجالات متنوعة: بحيث يُسهم كل عضو بمجموعة متميزة من القدرات في مجالات مختلفة؛ فباكستان تمتلك أداة الردع النووي والقوة العسكرية العملياتية، في حين تمتلك تركيا صناعةً دفاعية مُتقدِّمة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمعَدَّات البحرية، كما تمتلك السعودية وفرة رأس المال والنفوذ في مجال الطاقة، وتتمتَّع أيضًا بنفوذ ديني وروحي في العالم العربي والإسلامي. ويمكن لنقاط القوة المذكورة أن تُعزز هيكل قوة ذات أبعاد مركبة في الشرق الأوسط. بعبارة أخرى، إن الجمع بين الثروة السعودية والصناعة العسكرية التركية والخبرة والقدرات العسكرية الباكستانية يمكن أن يوفر عناصر منظومة ردع أكثر تكاملًا.
2- تدشين منظومة للإنتاج الدفاعي المُشترك: يشير اتجاه في الكتابات إلى أن مِنْ بين السمات الرئيسة للدول الثلاث تطوير منظومة مُشتركة للإنتاج الدفاعي بين هذه الدول لتقليل الاعتماد على القوى الخارجية في مجال المُشتريات الدفاعية؛ إذ إن تطوير منظومة للإنتاج الدفاعي المشترك من شأنه أن يحوِّل هذه البلدان من علاقات (المشتري-المورِّد) إلى شبكة من الإنتاج المشترك. وفي هذا السياق، يُمكن للقاعدة الصناعية في تركيا، والتمويل السعودي، والقوى العاملة والمدخلات الفنية لدى باكستان، أن تُساعد في التصنيع المُشترك لطائرات الاستطلاع والقتال والطائرات من دون طيار، وأنظمة الصواريخ، والمعدات البحرية بما في ذلك السفن الحربية. ويُمكن للجهود المُشتركة التي تبذلها هذه الدول أن تُساعِد أيضًا في توطين سلاسل التوريد الدفاعية وتقليل الاعتماد على أسواق الأسلحة الغربية.
3- تشكيل آلية أمنية جماعية: بدأت إرهاصات تشكيل مجموعة الدول الموقعة على اتفاق مكة بعد إبرام اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المتبادل (SMDA) بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، ثم السعي لتنفيذها بعد حرب إيران، ثم محاولة توسيع الترتيبات الأمنية الثنائية لتشمل دولًا أخرى ذات تفكير مُماثل. ومع ذلك، وعلى عكس اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المُتبادل بين السعودية وباكستان، تُناقش مجموعة الدول الثلاث حاليًّا إمكانية تعزيز القدرات العسكرية والأمنية المشتركة، عبر إجراء التدريبات (العسكرية، والجوية، والبحرية)، وتنظيم برامج تدريب الطيارين المُقاتلين، وتطوير أُطر تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق الاستجابة للأزمات. وهذا يعني أن مجموعة دول اتفاق مكة ستعمل على تطوير بنية أمنية جماعية لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.
4- تنسيق عملية اتخاذ القرارات الإستراتيجية: مِن بين المقومات الرئيسة الأخرى لمجموعة دول اتفاق مكة، وجود إستراتيجيات مشتركة بشأن القضايا الجيوسياسية الإقليمية، بما من شأنه أن يضمن تحقيق المصالح الوطنية لهذه الدول؛ فعلى سبيل المثال: تتطلب حرب إيران، وأمن البحر الأحمر، والمُشاركة في مجلس السلام لإدارة وإعمار قطاع غزة، وقضية فلسطين، وما إلى ذلك من قضايا_ إستراتيجيات مُشتركة لتخفيف الضغوط الخارجية، وبخاصة تلك التي تُمارسها القوى الكبرى. علاوة على ذلك، من المرجّح أيضًا أن يعمل التكتل الثلاثي على تطوير آلية للتنسيق الدبلوماسي في المنظمات الدولية والإقليمية، مثل: منظمة التعاون الإسلامي.
5- القيام بأدوار الوساطة في الأزمات الإقليمية: يمكن لبعض الدول الأعضاء في اتفاق مكة توظيف شبكة علاقاتها الإستراتيجية في الدبلوماسية الإقليمية، على نحو ما فعلته باكستان في الحرب الأمريكية الإيرانية، وأيضًا ما تتطلع إليه تركيا في انفتاحها المتزايد على قطر؛ إذ يجمع الدول الأربع إدراك مشترك بأن مصالحهما الإستراتيجية تجعل منع التصعيد أولوية ملحة، بدءًا من أمن الطاقة في الخليج، واستقرار الملاحة البحرية، واحتواء التداعيات الإقليمية للحرب.
ثالثًا: الأهداف الحاكمة لمجموعة دول اتفاق مكة.
يجمع الدول الثلاث في التكتل الناشئ هدف عام يتصل بإحداث توازن في البيئة الأمنية الإقليمية، من خلال:
1- دعم القدرات الذاتية للدول الأعضاء في الاتفاق: هناك توجه حاكم لكل من (السعودية، وتركيا، وباكستان) بالارتقاء بالقدرات الداخلية، وخاصة المرتبطة بالمكون الدفاعي، بما يؤدي إلى تقليل حالة عدم اليقين في المنطقة؛ إذ أكد البيان الصادر عن الدول الثلاث في 31 أغسطس أن الدول الثلاث “ستعمل من خلال الفعاليات المشتركة على تعزيز قدراتها الدفاعية وتماسك قواتها المسلحة، من خلال: التعاون المتين في مجال الصناعات الدفاعية، وتطوير الإنتاج، والتقنيات المشتركة”.
2- خفض التصعيد وتعزيز السلم والاستقرار الإقليمي: تعمل مجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة، وفقًا لما جاء في البيانات الرسمية لوزارات الدفاع ورؤساء هيئات الأركان لها، على تهيئة الأجواء السياسية لخفض التصعيد في المنطقة، وتجنب التورط في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وإيلاء أهمية مواصلة الجهود المشتركة لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية؛ لتجنب اتساع نطاق الصراع، واحتواء التصعيد الراهن في ظل ما أسفرت عنه الحرب الأمريكية الإيرانية من تداعيات (أمنية، واقتصادية، وجيوسياسية) خطيرة على المنطقة والعالم، والتي تتطلب تآزر جميع الأطراف للخروج من تلك الحرب، وفتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة.
3- التصدي لتوحش أو تمدد سياسات إسرائيل في الشرق الأوسط: يجمع الدول الثلاث الأعضاء في اتفاق مكة السعيُ لفرملة وضبط السلوك الإسرائيلي الذي يحاول تصدير قدرته على ردع أي تهديد، قائم أو محتمل، من دول أو فواعل مسلحة ما دون الدولة، وبما يقصي أي فعالية للقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بأنه “عدو مشترك للإنسانية والأمن الدولي” جراء ارتكابه الإبادة الجماعية، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حاسم لإيقاف سياسته التوسعية الاستعمارية التي تهدد أمن المنطقة والعالم. وفي هذا الإطار، كتب رئيس وزراء قطر السابق “حمد بن جاسم” عبر حسابه على منصة “إكس”، بتاريخ 8 أغسطس 2026: “اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مهمة، وخطوة تدعو إلى التفاؤل، عسى أن تبادر بقية دول مجلس التعاون بالانضمام لها، فتكون بداية لصحوة فاعلة نحو إستراتيجية دفاعية مشتركة تصنيعًا وتسليحًا وتخطيطًا وإعدادًا ميدانيًّا؛ لمواجهة الأطماع والتهديدات التي تواجه المنطقة”.
4- حل المشكلات الإقليمية بتصورات إقليمية: يشير اتجاه في الأدبيات إلى أن التداخل في الأدوار بين الدول الثلاث يمكن أن يشكل “نواة إستراتيجية” لتحالف إقليمي واسع يعيد تعريف معادلات الأمن في الشرق الأوسط وآسيا؛ إذ إن إدراكًا متزايدًا لدى هذه الدول بأن التحديات الأمنية الراهنة، لا سيما في ضوء الحرب الأمريكية على إيران، كشفت محدودية الاعتماد على القوى الكبرى في ضمان الاستقرار الإقليمي. بعبارة أخرى، إن المرحلة الحالية قد تشكل نقطة تحول في التفكير الإستراتيجي للقوى الإقليمية الرئيسة؛ حيث إن الاستقرار الإقليمي يعد شرطًا أساسيًّا لأي مشروع تعاون واسع، فضلًا عن مواجهة التوترات الأمنية المشتركة. بعبارة أخرى، يرى الدول الأعضاء في اتفاق مكة أن الحلف يعد ترسيخًا لمفهوم العمل على حل مشكلات المنطقة من خلال دولها، وليس من خلال التدخلات الخارجية التي عمقت من المشكلات وزادت من حدتها.
5- تعزيز التعاون الدفاعي البحري الإقليمي: لاسيما في ضوء التهديدات المتزايدة التي تستهدف الأمن البحري، بما في ذلك: الهجمات على السفن التجارية، وناقلات الطاقة، والبنية التحتية البحرية، وما تشكله من مخاطر على سلامة الملاحة البحرية، واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، والاقتصاد الدولي. لذا، جاء الإعلان عن التحالف الدفاعي البحري بقيادة السعودية، وبمشاركة باكستان وتركيا، في 30 يوليو 2026، في وقتٍ تشهد فيه منطقة البحر الأحمر تصاعدًا في المخاطر الأمنية، بحيث تم انتقال ملف أمن البحر الأحمر من كونه قضية مرتبطة بحماية السفن فقط، إلى ملف أوسع يتصل بالتوازنات الإقليمية، وأمن الطاقة بشكل خاص، لاسيما في ضوء الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر؛ إذ يُعد الأخير أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ حيث يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، ويشكل طريقًا رئيسًا لحركة التجارة بين (آسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط).
رابعًا: التحديات الضاغطة على مجموعة دول اتفاق مكة.
تواجه مجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة حزمة من التحديات، التي تؤثر على نهج عملها، على النحو التالي:
1- تباين المدركات حول المهددات الأمنية: يتمثل أحد القيود الأساسية أمام مجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة في غياب تصور مشترك للتهديد. ومع أن الدول الثلاث تمتلك – تقريبًا- تصورات متقاربة تجاه التهديد الإسرائيلي، إلَّا أنها لديها تصورات مختلفة تجاه التهديد النابع من إيران. ففي الوقت الذي تَعتبر فيه السعودية إيران عدوًا أساسيًّا وحجر عثرة كبيرًا أمام تعزيز نفوذ الرياض في أرجاء المنطقة، تمتلك دول أخرى في التكتل مواقف مختلفة نسبيًّا تجاه طهران؛ إذ تمزج باكستان بين تعاون انتقائي مع إيران، ودعم السعودية عسكريًّا ودبلوماسيًّا، في حين تُحافِظ تركيا على توازن بين التنافس والانخراط الاقتصادي. ولا تبدو باكستان مستعدة للدخول في علاقات عدائية مع إيران، التي تتشاركها أيضًا، الموقف من الجماعات الانفصالية في إقليم (سيستان وبلوشستان) المشترك بين البلدين.
وفي حين تبقى الهند مصدر التهديد الرئيس في العقيدة الدفاعية الباكستانية، تتحرك تركيا ضمن بيئة أمنية تواجه فيها تحديات من جانب (إسرائيل، واليونان) خصوصًا. وفي الحالتين، لا تتشارك السعودية النظرة نفسها؛ إذ ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية كبيرة مع الهند، وترتبط السعودية كذلك بعلاقات قوية مع اليونان. ووفق سياسة التحالفات، فإن الآراء المختلفة أو التصورات المتباعدة حول تصورات التهديد قد تقود إلى غياب الوضوح الاستراتيجي أو تقليص مستويات الالتزام. وتتوقع السعودية دعمًا قويًّا في أي نزاع مع إيران، في الوقت الذي قد تُفضِّل القوى الأخرى الحياد أو عدم التصعيد. ويعد هذا قيدًا هيكليًّا وليس مؤقتًا؛ لأن تحالفات شرق أوسطية مشابهة أخفقت في الماضي؛ بسبب اختلاف التقييمات المتعلقة بالتهديد بين أطرافها.
2- معضلة الاستدامة والفاعلية المالية: من المحتمل أن تواجه مجموعة الدول الثلاث عقبات جوهرية فيما يتعلق بالاستدامة والفاعلية العملياتية على الأمد البعيد؛ إذ تُمَثِّل القدرة على العمل العسكري المشترك مشكلة كبرى؛ نظرًا لامتلاك الحكومات الثلاث أنظمة دفاعية مختلفة، بما فيها (الأمريكية، والروسية، والصينية، والمحلية)، ناهيك عن اختلاف هياكل القيادة. وسيستغرق الأمر سنوات من العمل والاستثمارات المالية الضخمة لبناء آلية تنسيق متماسكة لتحقيق التناغم في العمل الدفاعي والعسكري المشترك. ولعل ما يزيد من صعوبة الاستدامة القيود المالية؛ إذ يمكن للسعودية تمويل بعض المشاريع الدفاعية المحددة، إلا أن تركيا وباكستان تعاني قيودًا مالية، ما يجعل من الصعب على هذه الدول الثلاث الحفاظ على التزامات دفاعية جوهرية مع مرور الوقت. لذلك، فإن التكتل الثلاثي سيعتمد كثيرًا على المساعدة المالية السعودية، علمًا بأن الأخيرة تعاني أيضًا ضغوطًا مالية ناجمة عن ضخامة متطلباتها وخطتها التنموية ضمن رؤية 2030.
3- الطبيعة المرحلية الدافعة لنشأة مجموعة اتفاق مكة: يشير اتجاه في الكتابات إلى أن أحد التحديات التي تعوق تطور مجموعة الثلاث، كتكتل ناشئ، أنه يحمل طابعًا مرحليًّا تفرضه ظروف الحرب الإيرانية، وأن الدلائل على هذا الطابع المرحلي تتمثل في أن تدشينه جاء كرد فعل مباشر على: التصعيد الإقليمي، والتراجع الإيراني، والتمدد الإسرائيلي، والأزمة الاقتصادية العالمية الناتجة عن تعطل حركة ناقلات النفط. ويظل المستقبل هو الشاهد على إمكانية تطوره مستقبلًا إلى إطار تعاون أوسع، ومحاولة للعب دور أكثر فاعلية في حل النزاعات الإقليمية، باعتبار التكتل الرباعي “منصة تنسيق سياسي قوية”. ولذا، عبر رئيس وزراء قطر السابق “حمد بن جاسم” عن هذا التخوف في منصة أكس بتاريخ 8 أغسطس: “إنني أتمنى وأسأل الله عز وجل أن تكون الاتفاقية واضحة وصريحة بعيدًا عن الآنية المرتبطة بالظروف الزمنية، حتى يمكن البناء عليها لتصبح حلفًا دفاعيًّا مكتمل الأركان يستمر إلى ما لا نهاية، فيكون الآلية الأمثل لضمان مستقبل المنطقة وأمنها”.
4- إدارة المصالح الناقصة بين الدول الأعضاء: تشير “المصالح الناقصة” بين (تركيا، والسعودية، وباكستان) إلى التوازن الدقيق بين التحالفات الاقتصادية والدفاعية الكبرى وبين القيود الجيوسياسية. ورغم الشراكات المتنامية، تتداخل هذه المصالح وتتعارض في عدد من الملفات، مما يجعل التحالفات بينها مرنة. وهنا يمكن الإشارة إلى الطموحات القيادية الإقليمية المتنافسة، مثل: الرغبة التركية في التوسع في شمال إفريقيا وإدارة الملفات الإقليمية، والتي تتقاطع أحيانًا وتتباعد في أحيان أخرى مع المصالح المصرية في المنطقة. ويظهر نقص المصالح في اعتماد باكستان المفرط على المساعدات المالية السعودية، بالإضافة إلى عدم توافق كامل في الرؤى تجاه بعض القوى الإقليمية الأخرى، مثل: إيران، مما يفرض قيودًا على التحالف في بعض الأحيان، فضلًا عن اختلاف الأولويات الإستراتيجية؛ حيث ينصب تركيز باكستان الأكبر على الملفات الآسيوية والأمن في جنوب آسيا، مثل: الأزمة مع الهند. ومن ثم، فإن هذا التشابك في المصالح يجعل من الصعب تحويل هذه العلاقات إلى تحالف واحد مغلق، وهو ما يفسر خروج مصر من الإطار الرباعي الناشئ.
5- طبيعة التهديدات غير التقليدية لأمن دول التحالف: إذ تشير بعض الكتابات إلى صعوبة مواجهة الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية التي تستخدم أساليب حرب غير تقليدية (كالطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية) من مناطق جبلية وعرة، مما يصعب القضاء عليها بالعمليات البحرية وحدها. وهنا، ثمة عائق يتصل بمعضلة الردع وتجنب الحرب من بعض القوى الرئيسة بالتحالف؛ حيث تسعى بعض دول التحالف، وخاصة الرياض؛ لتجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع، مما يجعل الخصوم يستغلون هذه الرغبة عبر مواصلة الهجمات غير التقليدية دون توقع ردع عسكري شامل.
خامسًا: التأثيرات الإقليمية على مجموعة دول تحالف مكة.
تتمثل أهم الانعكاسات والتأثيرات الأمنية الإقليمية على الدول الأعضاء في اتفاق مكة، في الآتي:
1- موازنة “ثنائية القطبية” بين إيران وإسرائيل: تُدرِك مجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة أنه بعد إضعاف كلي أو جزئي للمحور الإيراني في الشرق الأوسط، في أعقاب حرب 2026، لن يكون لإسرائيل مُنافس إستراتيجي في المنطقة، وبالتالي فإن ضعف إيران قد يؤدي إلى زعزعة البنية الأمنية ثنائية القطبية في المنطقة. وظهور “التكتل الثلاثي” قد لا يحل محل المحور الإيراني بشكل كامل، ولكنه قد يُشكِّل قُطبًا ثالثًا في البنية الأمنية الشرق أوسطية. علاوة على ذلك، سيعمل التكتل الرباعي على زيادة الاتصالات الدبلوماسية مع القوى الغربية، ولاسيما الدول الأوروبية، من أجل تسوية قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما يمثل مناكفة لإسرائيل؛ حيث تعمل حكومتها على تصفية القضية بل وعدم تنفيذ اتفاق شرم الشيخ للسلام الرامي لانسحاب إسرائيل من قطاع غزة.
2- تدشين شبكة للأمن الجماعي الإقليمي: لدى مجموعة الدول الثلاث القدرة على التحول إلى إطار أمني جماعي مؤسسي فضفاض. وتُشير المُناقشات الجارية بشأن آليات الدفاع والترتيبات العسكرية التعاونية إلى أن هناك رغبة في كل دولة مُشاركة في المجموعة الثلاثية لإضفاء الطابع الرسمي على تصورات التهديد المُشترك وإنشاء آليات لتنسيق استجابات الدول الأعضاء. والتدريبات العسكرية والبحرية والجوية المشتركة، وآليات تبادل المعلومات الاستخبارية المشتركة، وربما الردع المنسق من شأنها أن تعزز القدرات الدفاعية للمجموعة الثلاثية.
3- التعامل مع تحولات الحليف الأمريكي “غير المستقر“: يشير تيار رئيس في الأدبيات إلى أن واشنطن لم تعد حليفًا مستقرًا للعديد من الحلفاء التقليديين في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنه يعطي الأولوية لمصالح إسرائيل في الإقليم ويحتمل أن يضحي بمصالح حلفائه في ظل أوضاع إقليمية سائلة. ومن ثم، إن أحد العناصر المميزة لمجموعة الأربعة هو استجابتها الضمنية للانسحاب الأمريكي الملحوظ من المنطقة، وعدم اتساق سياسة واشنطن الشرق أوسطية، ومساعيها للتركيز على التنافس مع الصين في منطقة بحر الصين الجنوبي، باعتبار بكين المنافس الرئيس لقيادة مشتركة معها على إدارة الاقتصاد العالمي. بعبارة أخرى، من المُرجح أن يظل نفوذ الولايات المتحدة قويًّا في المنطقة، فإن تشكيل التكتل الثلاثي يُشير إلى تحوُّل نحو التحوط الإستراتيجي للدول الأعضاء ضد الانسحاب الأمريكي المُحتمل من المنطقة في الأمد البعيد.
4- إدارة أزمات إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: تعد واحدة من الانعكاسات الرئيسة لمجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة، قدرتها على التعامل مع مجموعة الأزمات أو الصراعات أو الحروب القائمة الإقليمية، والتي كانت تتدخل لإدارتها وليس لتسويتها القوى الدولية الكبرى، على نحو ما كانت تفعله الولايات المتحدة وروسيا وبعض الدول الأوروبية وبدرجة أقل الصين؛ حيث تعمل على خفض التصعيد منعًا لتضرر مصالحها الاقتصادية. لكن الدول الثلاث الأعضاء في التكتل ترغب في تَوَلي مسؤولية إدارة النزاعات لتصبح إدارة أزمات الإقليم من خلال دوله وليس من خارج أطرافه. غير أنه لا يزال من المبكر الجزم بإمكان نجاح جهود مجموعة الدول الثلاث في ترسيخ تهدئة طويلة الأمد بين طهران وواشنطن، لا سيما في ظل المساعي الإسرائيلية لإفشالها.
5- الحد من التأثيرات والصدمات الاقتصادية الفجائية للأزمات الإقليمية والدولية: لن تقتصر الآلية التي ستنشأ عن مجموعة دول اتفاق مكة على المقاربات الجيوسياسية ذات الدوافع الأمنية، بل سترتبط أيضًا بالحسابات الجيواقتصادية؛ وفقًا لاتجاه في الأدبيات. وكشف الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني عن هشاشة ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد والمضائق البحرية، وبخاصة مضيق هرمز. وفي هذا السياق، تتوقع بعض التقارير الإعلامية أن تسعى الدول الأعضاء في مجموعة الدول الأعضاء في اتفاق مكة للتأثير في القوى الإقليمية للعمل معًا للدفاع عن تدفق التجارة والطاقة؛ حيث كشفت حرب إيران تسييس الممرات الملاحية والمضائق الدولية، بحيث تتزايد أهمية ضمان أمن الممرات المائية في منطقة الشرق الأوسط على تعدد ممراتها الإستراتيجية وموقعها الحيوي على طرق التجارة الدولية، لاسيما في ظل تعدد المخاطر والمهددات التي تحيط بها من كل اتجاه، لاسيما بعد حرب الأربعين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. كما سبق أن شهد البحر الأحمر وخليج عدن في العقدين الماضيين زيادة ملحوظة في الأنشطة الضارة بالأمن البحري، مثل: تهريب الأسلحة، وتمدد أنشطة القراصنة، وتمويل جرائم الإرهاب، وتزايد الجريمة العابرة للحدود، والهجرة غير النظامية، فضلًا عن تهديد جماعة الحوثيين شن هجمات على السفن التجارية المارة قبالة سواحل اليمن، بعد التنسيق مع الجانب الإيراني في أعقاب انهيار مذكرة التفاهم في يوليو 2026، وهو ما اختبرته قبل ذلك بعد حرب غزة الخامسة.
خلاصة القول: أن تحالف مكة للدفاع المشترك G3 كتكتل ناشئ لا يزال في مرحلة الاستطلاع، ولم يصل بعد إلى مستوى التحالفات المتماسكة، خاصة إن الشرق الأوسط يمر بمرحلة سيولة إقليمية متسارعة، في حين يرجح البعض الآخر التداخل والتكامل في الأدوار للدول الثلاث، بحيث يمكن أن يشكل التكتل “نواة إستراتيجية” لتكتل إقليمي واسع يعيد تعريف معادلات الأمن في الشرق الأوسط، على المدى البعيد؛ لأن خيار “ائتلاف الضرورة” بين (السعودية، وتركيا، وباكستان) يمثل خطوة إستراتيجية لا تحتمل التأجيل، وسيتطور في حال انضمام مصر إليه. فالتحديات الأمنية الراهنة، لا سيما في ضوء الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، كشفت محدودية الاعتماد على القوى الكبرى في ضمان الاستقرار الإقليمي، وتشكل نقطة انعطاف نحو تبنِّي مقاربة جديدة قائمة على الاعتماد الذاتي.
وهنا، يعِّول البعض على نواة من تكتل إقليمي يمتلك عناصر قوة متباينة، لكنها متكاملة من الثقل السكاني والموقع الجغرافي إلى النفوذ الاقتصادي والمالي، والتسليح العسكري والسلاح النووي، وشريكة في هندسة التسوية السياسية للأزمات الإقليمية ذات الأبعاد الدولية كالحرب الأمريكية الإيرانية، حتى تتحول من وسيط مؤقت إلى طرف مؤسس للنظام الإقليمي اللاحق، بعد سكوت المدافع في الشرق الأوسط. غير أن اختلاف الأولويات والرؤى ومصادر التهديد للنخب السياسية في الدول الأعضاء في اتفاق مكة يحدُّ من قدرتها على التحول إلى إطار دفاعي فاعل، ويدفع في اتجاه بقائها ضمن حدود تحالف سياسي – أمني يرتكز، في الدرجة الأولى، على تبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب والمناورات المشتركة، والدفاع الجوي والصاروخي، والتصنيع الدفاعي المشترك.




