2026العدد 207ملف عربي

مغامرة لبنان الكبرى: استعادة الدولة ومواجهة الاحتلال.

يخوض لبنان معركة مؤجلة لاستعادة سيادته واستقلال قرار دولته. لا تتعلق الورشة باستعادة زمام أمور فقدت إثر الحرب الأخيرة في لبنان، بل إعادة إنعاش منطق الدولة بالمعنى البديهي، والذي تشوه خلال العقود الأخيرة؛ بسبب غلبة الوصايات وعقائد تشكلات ما دون الدولة المسلحة والتي جعلت من البلد، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ظاهرة يعرفها العالم بصفتها مسلَّمة تتقاطع داخلها حسابات الداخل وأجندات الخارج.

ولئن شكل “اتفاق القاهرة” الذي شرّع الوجود الفصائلي الفلسطيني المسلح عام 1969 حجر الأساس لقبول الدولة، بضغط عربي مستند على انقسام محلي لفكرة قبول الدولة بالتنازل عن قسط من قرارها وسيادتها لصالح الإكراهات الجيوسياسية الطارئة، فإن تلك “البدعة” والتي كان من المفترض أن تكون استثناءً، استدرجت تحت أنظار العواصم المعنية (القريبة، والبعيدة) تعامل العالم مع البلد وفق هذه القاعدة، وتتوالي الوصايات الخارجية وامتداداتها داخل أوردة العصب السياسي اللبناني الداخلي وثنايا تعدده (الأيديولوجي، والديني، والطائفي الاجتماعي).

والمعنى، أن ما يجهد لبنان ودولته وحكومته في اجتراحه هذه الأيام لم يكن فقط حاجة للاستجابة إلى كارثة الحرب التي تناسلت من حدث “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023 في غزة، بل عملية تعيد اختراع الدولة، ليس داخل الصف السياسي والمؤسسات الدستورية، بل داخل وعي الناس التي اعتادت أجيالٌ وراء أجيال على الترعرع في ظل غياب الدولة أو التعامل مع قدرها واجهة صورية ضعيفة لإدارة المظاهر وتمثيل البلد لدى المنابر الدولية، ولأغراض تشريع الوصايات وميليشياتها.

تقوم تحولات لبنان على تحولات دولية وإقليمية قلبت موازين قوًى، وأتاحت بثقلها إعادة إنتاج السلطة في لبنان على مقاس تلك التحولات. وسواء في حدثِ انتخاب قائد الجيش “جوزيف عون” رئيسًا للجمهورية أو تكليف القاضي الدولي “نواف سلام” تشكيل أول حكومة في العهد الجديد، فإن نفس التحولات هي التي تدفع السلطة الجديدة في البلاد إلى استعادة قرار الدولة، سواء في قرار الحكومة بحصرية السلاح بيَد الدولة واعتبار الجناح العسكري لحزب الله غير قانوني، أو بقرار رئيس الجمهورية بتولي الدولة اللبنانية إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية والتوصل إلى اتفاق مستقلٍ تمامًا عن مجريات الصراع الأمريكي الإيراني.

استعادة الدولة: حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم.

شهد لبنان، منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 30 أكتوبر 2022، فراغًا رئاسيًّا استمر أكثر من عامين، عُدَّ رمزًا لغياب الدولة ومؤسساتها الفعالة. تكررت محاولات انتخاب رئيس جديد ثلاث عشرة مرة دون جدوى؛ نتيجة الانقسامات الطائفية والسياسية، وسيطرة حزب الله وحلفائه على مفاصل القرار. غير أن التاسع من يناير 2025، شكل نقطة تحول تاريخية، حين انتخب مجلس النواب اللبناني قائد الجيش العماد “جوزيف عون” رئيسًا للجمهورية بـ99 صوتًا من أصل 128 في الدورة الثانية، منهِيًا بذلك مرحلة الشغور.

أدى عون اليمين الدستورية فورًا، وأعلن في خطاب القسم عن “بدء مرحلة جديدة”، مؤكدًا التزامه بممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة، ومشددًا على حق الدولة في “احتكار حمل السلاح”. جاء هذا الموقف في سياق تراجع نفوذ حزب الله بعد الحرب المدمرة مع إسرائيل، التي امتدت 14 شهرًا وانتهت بوقف إطلاق نار في نوفمبر 2024. خلال تلك الحرب، فقد الحزب قائده “حسن نصر الله” وآلاف المقاتلين، ونسبة كبيرة من ترسانتها الصاروخية، تقول تقديرات غربية، وأكثرها إسرائيلي، أنها تجاوزت 80 بالمئة من قدراتها النارية.

تزامن ذلك مع تكليف “نواف سلام” الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية، بتشكيل الحكومة في 13 يناير 2025، ثم إصدار مرسوم تشكيلها في 8 فبراير 2025، وضمت 24 وزيرًا، وحرصت على تجنب منح الثنائي الشيعي (حزب الله، وحركة أمل) “الثلث المعطل”، ما عكس واقع تبدُّل في موازين القوى وتراجع الوصاية الإيرانية. وأعلن سلام أولوياته التي تمثَّلت في: الإصلاحات المالية، إعادة الإعمار، وتطبيق قرار مجلس الأمن 1701 الذي ينص على حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.

لم يأتِ التحوُّل بسبب “محنة” إيران وانتقال الحروب بالوكالة إلى عقر دارها فقط؛ فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024، إلى قطع ما أُطلق عليه “الهلال الشيعي” وهو ممر يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق كان يغذي حزب الله بالأسلحة، ناهيك من تفاقم الضغوط الدولية والعقوبات على طهران، مما قلَّص قدرتها على دعم وكلائها في المنطقة، ومنها لبنان. داخليًّا، تنامت المطالب السياسية بحصرية السلاح وقرار السلم والحرب؛ فأحزاب، مثل: القوات اللبنانية والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي طالبت مرارًا بنزع سلاح الميليشيات، مستندة إلى اتفاق الطائف 1989 ووثيقة الوفاق الوطني. حتى بعض الأصوات الشيعية بدأت تنتقد تورط الحزب في حروب خارجية كلفت لبنان آلاف القتلى والدمار الهائل في الجنوب والضواحي.

كان لـ “عودة الدولة” مظاهر متدافعة ظهرت في انتشار الجيش اللبناني في الجنوب تنفيذًا لوقف إطلاق النار، رغم هشاشته، وتفكيك عشرات المواقع العسكرية غير الشرعية رغم انتقادات نالت من كفاءة تلك العمليات، وظهرت أيضًا في مباشرة مفاوضات مع المؤسسات الدولية التي ربطت المساعدات المالية بإعادة بناء مؤسسات الدولة. من المظاهر الكبرى أيضًا، إعلان الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري أن قرار الحرب والسلم يبقى حصرًا بيد المؤسسات الدستورية، لا لدى أي فصيل مسلح.

انتهت مرحلة غياب الدولة اللبنانية لكن المرحلة الأصعب تكمن في إقناع لبنان والعالم بأن الدولة باتت الجهة الحصرية القادرة على قيادة البلاد. لم يكن انتخاب جوزيف عون وتشكيل حكومة نواف سلام مجرد تغيير في الأشخاص، بل تعبيرًا عن واقع جديد أهم سماته: تراجع حزب الله، ضعف إيران، وتصاعد الإجماع الداخلي على سيادة الدولة. لكن يبقى التحدي في ترجمة هذه الإرادة إلى واقع مستدام يحمي لبنان من الوصايات الخارجية ويضع السلاح والقرار في يد الشرعية وحدها.

التحولات الإقليمية: لبنان نحو التفاوض.

منذ عملية “طوفان الأقصى” التي شنتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، شهد الشرق الأوسط تحولات جذرية أعادت رسم موازين القوى الإقليمية، تحولت الحرب في غزة إلى مواجهة إقليمية واسعة، امتدت إلى (لبنان، وسوريا، واليمن) ثم بلغت ذروتها في الحرب المباشرة ضد إيران في فبراير 2026. فرضت هذه “الزلازل” قواعد لعبة جديدة في لبنان، مالت بقوة لصالح خيار الدولة على حساب “الدويلة” التي لطالما جسدها حزب الله لعقود، لا سيما منذ انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، إثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق “رفيق الحريري” (اتهمت محكمة دولية خاصة عناصر من حزب الله بارتكاب الجريمة)، بما أدى إلى استبدال وصاية دمشق بوصاية طهران من خلال “حزبها” في لبنان.

بدأت الشرارة في غزة؛ حيث أدت الحرب الإسرائيلية المطولة إلى تدمير قدرات حماس بشكل كبير. سرعان ما انضم حزب الله إلى المواجهة بإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، مما أشعل حربًا استمرت أربعة عشر شهرًا وانتهت بوقف إطلاق نار في نوفمبر 2024 وبخسائر كبرى في صفوف الحزب على مستوى قائده وقيادته المركزية وكتلته المقاتلة وترسانته الإستراتيجية. وفيما أن حصول تحولات في سوريا بقيادة الرئيس “أحمد الشرع” أنهى نفوذ إيران والحزب في هذا البلد وأفقد المناورة اللوجيستية والجيوستراتيجية للحزب ظهيرًا حيويًّا أساسيًّا، فإن ارتقاء الحرب إلى مستوى مباشر ضد إيران عجَّل من ظهور أعراض إقليمية ودولية داعمة لتحولات لبنان.

بلغت التحولات ذروتها بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران التي انطلقت في 28 من فبراير 2026، أدت الضربات الأولى إلى مقتل المرشد الأعلى “علي خامنئي”، واستهدفت المنشآت النووية والصاروخية والقواعد العسكرية. ورغم الردود الإيرانية واستهداف القواعد الأمريكية في الخليج، فإن الحرب أضعفت النظام الإيراني بشدة، وقطعت خطوط الدعم لوكلائه. أعقب ذلك جولات تصعيد وهدن هشة طوال 2026، أكدت أن طهران لم تعد قادرة على حماية “محور المقاوم”.

ترجمت هذه التغيرات إلى الواقع السياسي الجديد في لبنان، غير أن تضارب أجندة الدولة مع أجندة حزب الله الذي أعاد، بعد مغامرة حرب “إسناد” غزّة مباشرة هجمات صاروخية في 2 مارس 2026 تحت عنوان ” إسناد” إيران، فرض على الدولة إنهاء حالة المراوغة والذهاب مباشرة إلى قرار واحد يسحب قرار الحرب والسلم من الحزب ويدعو إلى التفاوض المباشر.

فمنذ تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ودخول حزب الله على خط المواجهة، اعتمدت الدولة اللبنانية إستراتيجية دبلوماسية واضحة تهدف إلى وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب. جاءت المبادرة الرسمية من الرئيس جوزيف عون في 9 مارس 2026  (أي بعد أيام من إطلاق الحزب صواريخ “إسناد” لإيران)، خلال لقاء افتراضي مع قادة الاتحاد الأوروبي؛ حيث طرح خطة من 4 نقاط:

  1. إرساء هدنة كاملة توقف كل الاعتداءات (البرية، والجوية، والبحرية).
  2. دعم الجيش اللبناني لوجستيًّا لبسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية.
  3. بدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية.
  4.  تنفيذ ترتيبات أمنية دائمة وفق القرارات الدولية.

تكللت المبادرة بجهود أمريكية مكثفة، أدت إلى أول اتصال هاتفي مباشر بين السفيرة اللبنانية في واشنطن “ندى حمادة معوض” ونظيرها الإسرائيلي في 10 من أبريل 2026، ثم جولات جلسات مفاوضات متتالية. وفي 26 يونيو 2026، وقع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة اتفاقًا إطاريًّا في واشنطن، ينص على انسحاب إسرائيلي مرحلي من “مناطق تجريبية”، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة. وقد استمرت المفاوضات في جولات لاحقة في روما، وسط مطالب لبنانية بتوسيع المناطق التجريبية.

الجدل الداخلي: “مذكرة” طهران أم “إطار” واشنطن؟

واكبت مبادرة الرئيس اللبناني ومسار المفاوضات مواقف متباينة. داخليًّا، أيدتها الحكومة برئاسة نواف سلام والقوى السياسية السيادية، معتبرة إياها استعادة لقرار الدولة. أما حزب الله فرفضها بشدة، واصفًا إياها بـ”الفخ” الذي يخدم إسرائيل، بينما تحفَّظ رئيس مجلس النواب “نبيه بري” في البداية، لكنه التقى عون لاحقًا 2026؛ للتوافق على أولوية الانسحاب. خارجيًّا، دعمت الولايات المتحدة مبادرة عون والمفاوضات واستضافت الجلسات الأولى في واشنطن ( في وزارة الخارجية، والبيت الأبيض). كما ساندت دول أوروبية في مقدمتها فرنسا ودول عربية، لا سيما السعودية، المفاوضات، فيما استنكرتها إيران، معتبرة المفاوضات المباشرة تنازلًا عن “المقاومة”.

أما الدولة اللبنانية عوَّلت على امتلاكها أوراقًا قوية للوصول إلى مبتغاها، أبرزها: الدعم الأمريكي المباشر، الذي يضغط على إسرائيل للتنفيذ، وانتشار الجيش في الجنوب كضمانة سيادية، وضعف حزب الله بعد خسائره المتراكمة منذ 2024. كذلك، يربط لبنان الانسحاب بإعادة الإعمار وعودة النازحين (أكثر من 700 ألف في آذار 2026)، ويستند إلى القرار 1701 والمبادرة العربية للسلام. كما أكدت زيارة عون إلى البيت الأبيض في 21 يوليو 2026 هذه الأوراق؛ حيث رفض لقاء نتنياهو قبل الانسحاب الكامل. وبهذه الإستراتيجية، تحولت الدولة من متفرج إلى فاعل، مستغلة التوازنات الإقليمية الجديدة لتحقيق السيادة.

في المقابل، تمسَّك حزب الله برفض مبدأ المفاوضات، معوِّلًا على قدرة إيران على الدفاع عن مصالح لبنان من خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. ولطالما كرر الأمين العام للحزب “نعيم قاسم” أن وقف إطلاق النار في لبنان فرضته طهران داخل مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، وأن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تضع لبنان في موقف ضعيف. وقد وصف نواب الحزب الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في 26 يونيو 2026 في واشنطن، بأنه “مؤامرة”، محذرين من فتحه الباب أمام نزع سلاح المقاومة دون ضمانات. وقد انعكس هذا الجدل في الشارع والمؤسسات السياسية ومنابر الإعلام، ودار حول المصلحة والضرر في ربط مسار لبنان بمسار إيران من عدمه لتحقيق مواجهة للاحتلال الإسرائيلي.

من جهتها اعتمدت الدولة في مسألة مواجهة الاحتلال إستراتيجية متعددة الأبعاد:

  1. دبلوماسيًّا، ركزت على المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية، التي أدت إلى الاتفاق الإطاري الذي ينص على انسحاب مرحلي من “مناطق تجريبية” مقابل انتشار الجيش ونزع سلاح الجماعات غير الشرعية.
  2. ميدانيًّا، كثف الجيش انتشاره جنوب الليطاني تنفيذًا للقرار 1701، مع بدء عمليات في مناطق، مثل: زوطر، في يوليو 2026.
  3. سياسيًّا، شدد الرئيس جوزيف عون في زيارته إلى البيت الأبيض في 21 يوليو 2026، على رفض أي لقاء مع نتنياهو قبل الانسحاب الكامل، مؤكدًا أن السيادة “ليست قابلة للتفاوض”.
  4. سياديًّا، ركزت الحكومة على حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، مستفيدة من الدعم الدولي والإقليمي، ورفض أن يكون لبنان ساحة لصراعات الآخرين، وربطت المساعدات بإعادة الإعمار ببسط سيطرتها، وتسعى إلى جعل تداعيات الصراع الأمريكي-الإيراني فرصة نفاذ باتجاه تأكيد سلطة الدولة أمام العالم واللبنانيين.

الدعم الأمريكي: لبنان داخل المشهد الكبير.

شهد الموقف الأمريكي تطورًا ملحوظًا منذ مطلع عام 2026 نحو دعم صريح للدولة اللبنانية والضغط على إسرائيل ورئيس وزرائها “بنيامين نتنياهو” للاستجابة لمبادرة الرئيس جوزيف عون. بدأت هذه الدينامية بعد إطلاق عون مبادرته الداعية إلى مفاوضات مباشرة برعاية دولية لوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح الجماعات غير الشرعية. سرعان ما تبنت إدارة الرئيس دونالد ترامب هذه المبادرة، ثم رعت جولات تفاوضية متتالية بلغت ذروتها بتوقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي في 26 يونيو 2026. وتكمن الضغوط الأمريكية في أنها أتت لتنهي حالة عدم اكتراث إسرائيل لمبادرة الرئيس عون وتأكيدها أن المواجهة هي إستراتيجيتها الوحيدة.

كان واضحًا أن الرئيس دونالد ترامب والإدارة في واشنطن استخدمت نفوذها لدفع إسرائيل للتعامل بجدية مع المبادرة ثم المفاوضات. حتى أن وزير الخارجية “ماركو روبيو” مارس في مرحلة ضغطًا مباشرًا على نتنياهو خلال المفاوضات، مطالبًا بتعديلات نصية تشمل انسحابًا من قرى جنوبية وإعلانًا واضحًا بأن الانسحاب بداية لعملية أوسع، وهي الضغوط التي شارك بها ترامب لدفع إسرائيل إلى توقيع “اتفاق الإطار”. وقد اتصل ترامب بعون مهنئًا بعد التوقيع، متعهدًا بدعم سيادة لبنان وبسط سلطة الدولة، وقد استمر الضغط في يوليو مع إرسال فرق من القيادة المركزية الأمريكية إلى بيروت، وإعلان بدء انسحاب تجريبي من مناطق، مثل: زوطر. كما جدد ترامب في أثناء زيارة عون إلى البيت الأبيض في 21 يوليو 2026، التزامه بالضغط على إسرائيل لتنفيذ الانسحاب التدريجي وتعزيز الجيش اللبناني بمساعدات تتجاوز 30 مليون دولار.

تعود حوافز واشنطن إلى إستراتيجية إقليمية أوسع. تسعى الإدارة إلى إضعاف النفوذ الإيراني نهائيًّا عبر تعزيز دولة لبنانية مستقلة قادرة على احتكار السلاح، بدلًا من ترك الجنوب ساحة لميليشيا. كما تنظر واشنطن إلى سياسة إسرائيلية معتدلة تجاه لبنان كمكمّل ضروري لسياستها في سوريا. فواضح أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى لبنان داخل مشهد إقليمي واسع يشمل لبنان وحتى العراق ودول أخرى.

تريد واشنطن استقرارًا في سوريا تحت القيادة الجديدة يمنع عودة النفوذ الإيراني، وتجنب أي احتلال إسرائيلي مفرط يُعقد المفاوضات الأمريكية-الإيرانية أو يُغذي التوترات؛ فانسحاب إسرائيلي مشروط في لبنان، مرتبط بنزع سلاح حزب الله، يُسهم في رسم حدود أمنية مستقرة على الجبهتين (الشمالية، والشرقية)، ويفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية أشمل ضمن رؤية ترامب للسلام. وبهذا، تحول الدعم الأمريكي من وساطة محايدة إلى ضغط فعال يخدم سيادة لبنان ويُكمل هندسة أمنية إقليمية تُبعد إيران وتُرسخ استقرارًا دائمًا.

الموقف الإسرائيلي: بين الحرب والخضوع لواشنطن.

يرتكز الموقف الإسرائيلي الرسمي حيال لبنان وحزب الله على أنهما يشكلان تهديدًا وجوديًّا مستمرًا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بإيران. يرى رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” أن حزب الله كان يمتلك نحو 150 ألف صاروخ قبل الحرب، وأن إسرائيل دمرت حوالي 90 بالمئة منها، وقتلت آلاف المقاتلين بما في ذلك قادته الرئيسِين. لذا، تؤكد تل أبيب على الاحتفاظ بـ”المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان إلى أن يُنزع سلاح الحزب تمامًا، معتبرة أي انسحاب مبكر خطرًا يعيد التهديد إلى الحدود الشمالية. وقد وصف نتنياهو الاتفاق الإطاري مع لبنان بأنه “إنجاز تاريخي يوجه ضربة لإيران وحزب الله، ويسمح بالانسحاب التجريبي من منطقتين فقط، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري.

أما الجدل الداخلي الإسرائيلي فيعكس انقسامًا داخل الصف السياسي؛ في المعسكر الموالي للحكومة، يدافع نتنياهو ووزير الدفاع “يسرائيل كاتس” عن الاتفاق كوسيلة للحفاظ على المكاسب الأمنية، مؤكدين عدم وجود طموحات إقليمية في لبنان وأن الوجود العسكري الإسرائيلي مرتبط بنزع سلاح حزب الله. في المقابل، ينتقد اليمين المتطرف داخل الائتلاف، مثل: وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” الاتفاق واصفًا إياه بـ”الخطأ الكبير”، مطالبًا بمواصلة الضغط العسكري دون تنازلات، معتبرًا أن الجيش اللبناني لن ينزع سلاح حزب الله. أما المعارضة، فتركز على ضمان أمن سكان الشمال، مع بعض الأصوات التي تطالب بتوازن أكبر بين العمليات العسكرية والدبلوماسية لتجنب استنزاف الموارد أو توتر العلاقات مع واشنطن.

غير أن المسار العام يوحي أن إسرائيل تسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين رغبتها في مواصلة الحرب ضد حزب الله، كما فعلت ضد إيران في فبراير 2026، والاستجابة للضغوط الأمريكية. وفيما يصر نتنياهو على أن الجيش سيضرب أي تهديد فورًا، لكنه يرضخ جزئيًا لضغوط ترامب التي أدت إلى الاتفاق الإطاري وبدء الانسحابات التجريبية. في الوقت نفسه، يؤمن الجانب الإسرائيلي بإمكانية التوصل إلى اتفاق وربما سلام مع لبنان، شرط إزالة التهديد تمامًا، كما يتطلع إلى ترتيبات مستقرة مع سوريا ما بعد الأسد؛ حيث تحتفظ بمناطق أمنية هناك أيضًا. ورغم الجدل الاستعراضي الذي يتبادله ساسة البلد عشية انتخابات الكنيست في أكتوبر 2026، فإن دوائر تفكير في إسرائيل ترى أن تعزيز الدولة اللبنانية يبعد إيران، ويفتح بابًا لعلاقات جوار سلمية ضمن رؤية إقليمية أوسع. فيجمع الموقف الإسرائيلي بين الحزم الأمني والمرونة الدبلوماسية، محاولًا تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار دائم دون التفريط بالأمن.

تتصادف استفاقة لبنان على ضرورة استعادة دولته مع معطيات دراماتيكية تمر بها المنطقة برمتها وتحولات يشهدها العالم أجمع. وفيما أن العالم كان يطالب لبنان بتنفيذ إصلاحات جذرية في هياكل (الاقتصاد، والسياسة، والأمن) واستعادة زمام قرار الحرب والسلم، فإن الدولة اللبنانية تواجه، إضافة إلى الإكراهات الداخلية التقليدية، عوامل لا تملك التأثير بها، مصدرها الصراع الأمريكي الإيراني الذي يفرض تداعياته على الشرق الأوسط عامة ولبنان خاصة، كما تواجه أجندة إسرائيلية إستراتيجية متناسلة من حدث “طوفان الأقصى” معطوفًا على حسابات الانتخابات التشريعية المقبلة. ولئن يتمتع لبنان بدعم عربي وإقليمي ودولي واسع، وخصوصًا من قبل الولايات المتحدة والرئيس ترامب، غير أن ذلك الدعم محكوم بتبدل الأولويات وتغيرات الصراع الدولي العام. وعلى الرغم من فقدان إيران كثيرًا من أوراقها وانتقال الحرب مباشرة لتهدد بشكل حرج بقاء نظامها، غير أنه، وفق هذا المعطى، ورغم قرار بيروت بأن لا يكون البلد ساحة لصراعات الآخرين، بات لبنان جزءًا من أوراق (إيرانية، وأمريكية، وإسرائيلية) يجري استخدامها على طاولة ما يُعدُّ من خرائط لرسم توازنات المنطقة ونفوذ العواصم داخلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى