2026اسئلة ما بعد الحرب الامريكية الايرانيةالعدد 207

ثورة التحالفات: تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية.

أفرزت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية، خريطةً جديدة للتحالفات الإقليمية وعلاقاتها بالأقطاب الدولية، فقد أدى تراجع الدور الأمريكي وانكشاف حدود قدراته، والسياسات التي تتبعها إسرائيل في المنطقة وما تعد به من مخاطر متدحرجة لا تتوقف عند حدود، معطوفًا على الانفلات الإيراني، والذي ثبت بالدليل العملي أنه نمط من أنماط فرض الهيمنة في المنطقة، وينطوي على طاقة كبيرة من التدمير، وأنه غير قابل للانضباط عبر التوافقات الثنائية أو الإقليمية الأشمل، ما يستدعي من الدول الإقليمية إتباع مقاربات جديدة بعد أن أثبتت المقاربات السابقة عدم جدواها وفاعليتها.

وتكشف الديناميات الصاعدة في المنطقة، على مستوى الاتصال الإقليمي بين المراكز الفاعلة، عن وجود تفكير جديد لنمط من أنماط التحالف يتناسب مع طبيعة الأخطار ومصادر التهديد المتغيِّرة. ومن ثم، لم تعد التحالفات تقوم على أسس تقليدية، مثل: الأيديولوجيا أو الجغرافية، بل بحجم ومدى قدرتها على التأثير العسكري والتكنولوجي، وسرعة استجابتها للتحديات، ما يعني أن القوَّة المشكلة لها تمتاز بمزيج يملك قدرات متنوعة وفاعلة وذات طبيعة مرنة تناسب نمط الحروب الراهنة، التي تجاوزت النمط التقليدي وغيرت من مفهوم توازن القوى القائم على حجم الأصول العسكرية الحديثة.

مجمل هذه التغيرات، تؤكد على أن النظام الذي نشأ بعد الحرب الباردة بات يقترب من نهايته، ليس فقط بأدواته وقيمه ومنظوماته، بل بالتحالفات التي نشأت ضمنه، بدليل أن هناك شبكات من التحالفات والتوازنات بدأت في الانتشار في المنطقة؛ نتيجة تغير معطيات قواعد اللعبة الدولية؛ وبسبب صعود قوى إقليمية بات لها وزن تأثيري في صياغة المعادلات، والتنافس الحاد بين هذه القوى على التأثير في شكل النظام الجديد، في ظل تراجع كبير في مستوى فاعلية القوى التقليدية وتآكل أدوارها.

 الحرب في الخليج بوصفها حدث تأسيسي.

تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية لحظة مفصلية في الواقع الإقليمي، فقد دفعت بجملة من التحولات التي من شأنها إحداث تغيير جوهري في طبيعة النظام الإقليمي وشكل توجهاته ونوع ارتباطاته في المرحلة المقبلة، فلم يعد ممكنًا الاستمرار بالنمط الذي كان سائدًا، سواء لجهة العلاقات القائمة بين الفاعلين والقواعد التي تحكم تلك العلاقات، أو لجهة التفاعلات التي كانت تنتجها هذه العلاقات، والقيم المرتبطة بها، والمساحات التي كان يشغلها بعض الفاعلين ضمن الأطر الجغرافية والأيديولوجية.

لكن –أيضًا- لم تكن تلك التحولات وليدة لحظة الحرب، بقدر ما أن تطورات مسارات الحرب قد بلورتها بشكل حاسم، ذلك أن المنطقة، ومنذ أكثر من عامين كانت تعيش على وقع تطورات استثنائية، ارتسمت خلالها ملامح لتغيير قادم، بدأ أساسًا من المناوشات الإسرائيلية الإيرانية، ثم الحرب الأولى بين الطرفين، يوليو/ تموز 2025، ودخول أمريكا على خط المواجهات، وصولًا إلى الحرب الثانية 2026، والتي حوَّلتها أطرافُ الحرب إلى حرب إقليمية صريحة.

على وقع ذلك، بدأت عواصم الإقليم تتهيأ للحظة قادمة لا محالة أحد تجلياتها: انكشاف الأمن القومي وسيادة الفوضى، فبدأت الاستعدادات الفردية لمثل هذا الاحتمال، لكن الأطراف الإقليمية أدركت في لحظة معينة، أن تزايد عدد اللاعبين من شأنه تعقيد التفاعلات، وبالتالي فإن المصلحة تقتضي تشكيل ائتلافات تستوعب هذه الفوضى من خلال التنسيق بين اللاعبين المختلفين، ومن جهة أخرى الاستفادة من بلورة القوة وتجميعها في أطر تنسيقية مسؤولة وواعية بأهداف فاعليها.

المؤكد أن حرب إيران مثلت لحظة انكشاف إستراتيجي للعديد من الفاعلين الإقليمين، وأبرزت حدود التصورات الأمنية التقليدية، وكشفت انتقال البيئة الأمنية الإقليمية إلى نمط أكثر تعقيدًا وتشابكًا، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسيبرانية والبُنى التحتية، الأمر الذي دفع الفاعلين إلى البحث عن مقاربات جديدة لإعادة بناء المجال الأمني الخاص بهم؛ لتعزيز قدرتهم على إدارة المخاطر وصناعة التوازن في بيئة إقليمية تتسارع فيها التحولات وتتزايد المخاطر.

التحالفات كاستجابة طبيعية للتهديدات.

تُعبِّر التحالفات عن بروز متغير أو أكثر في البيئة الإقليمية والدولية، غالبًا ما تحتوي هذه المتغيرات على مخاطر ذات تأثير آنيٍّ ومباشر، الأمر الذي يستلزم إعداد استجابات إستراتيجية لمواجهة تلك الأخطار وحماية الأمن القومي للطرف وللأطراف الداخلة في التحالف، وتخبرنا الخبرة الدولية في هذا المجال، أن فترات تصاعد التوتر وبروز قوة أو قوى إقليمية أو دولية تسعى إلى تغيير القواعد الناظمة والمعمول بها في إدارة النزاعات والعلاقات عمومًا، إما بهدف التوسُّع وزيادة مساحة هيمنتها، أو بسبب الاعتقاد بأن الفرصة مناسبة للسيطرة على مساحات تعتبرها تلك القوى حيوية لنفوذها وربما وجودها نفسه، تشكِّل البيئة المناسبة لصياغة التحالفات.

في الحالة الإقليمية، شكلت صراعات إيران وإسرائيل فوضى عارمة في المنطقة، شملت مساحة جغرافية واسعة امتدت من الشرق الأوسط حتى القرن الإفريقي، غلَّفت إسرائيل اندفاعها بعنوان محاربة أذرع إيران ونشاط إيران المهدِّد لوجودها، وفي سبيل محاربة هذا النشاط، استباحت إسرائيل مناطق واسعة من الشرق الأوسط في (لبنان، وسوريا، وفلسطين) في حرب تبين أن الهدف منها تغيير الديمغرافيا المحيطة بها وخلق وقائع جديدة ونهائية لصالح مشروع اليمين الصهيوني المتشدِّد، على خلفية عودة الحديث العلني عن مشروع إسرائيل الكبرى، الذي يمتد على مساحة شاسعة من الإقليم.

لا يقتصر التغيُّر على سياسات إسرائيل، بل برزت مؤشرات على تناغم أمريكي مع السياسات الإسرائيلية، فرغم إعلان الامتعاض من سياسات الحكومة الإسرائيلية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تقم بأية أفعال من شأنها منع إسرائيل من استكمال سياساتها في المنطقة، بل إنها دعمت تحالف إسرائيل السداسي مع (الهند، واليونان، وإثيوبيا، وقبرص)؛ اعتقادًا من الدوائر الأمريكية أنه يخدم أهدافها في السيطرة على خطوط التجارة وتحجيم الدور الصيني، ولا سيما أن العديد من دول المنطقة أنشأت في السنوات الأخيرة علاقات اقتصادية وتجارية مع الصين، فيما أُطلق عليه “سياسات التحوُّط” وتنويع العلاقة مع القوى الدولية الفاعلة.

أما إيران، فقد زادت من وتيرة اعتداءاتها على المنطقة، وحاولت وضع الخليج رهينة لتحقيق أحلامها بأن تصبح فاعلًا دوليًّا مؤثرًا وتحمي مشاريعها النووية، والمفارقة أنه في حربها الأخيرة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، قد وجهت الجزء الأكبر من طاقاتها وقدراتها لضرب دول الخليج وتهديد أمنها واستقرارها، وتدفيعها أثمانَ حرب لا علاقة لها بها، وقد ركزت على ضرب المنشآت الحيوية ومشاريع التنمية، بهدف تحقيق أكبر ضرر ممكن على الاقتصاد الخليجي، مُستخدمة في ذلك أذرعها المنتشرة في المنطقة، الأمر الذي يُنذر باحتمال التأثير على السلم الأهلي، وهو الهدف الأثير لنظام الملالي.

انطلقت السياسات الإسرائيلية والإيرانية من قناعة بأن الواقع الجيوسياسي في المنطقة والعالم سائل إلى حدٍّ كبير، بعد المتغيرات الجيوسياسية الهائلة التي شهدها العالم، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حروب الشرق الأوسط، الأمر الذي أنتج واقعًا يسهل تشكيله، سواء عبر التلويح بالقوة أو استخدامها إن لزم الأمر، للحصول على الفرص الناشئة التي ينطوي عليها هذا الواقع، ويمثِّل الوقت الراهن فرصةً مهمة يجب عدم إهدارها.

ضمن هذه البيئة المتوتِّرة، برزت ما يمكن تسميته بـ”ثورة التحالفات”؛ حيث شهدت المنطقة ولادة أكثر من تحالف: “تحالف البحر الأحمر” و “تحالف أسمرة” و” تحالف مكَّة” مقابل تحالف إيران التقليدي مع وكلائها في المنطقة، والتحالف “السداسي” الذي تقوده إسرائيل في البحرين (المتوسط، والأحمر).

أهداف التحالفات:

تُعتبر التحالفات خلاصة التحوُّل من منطق التقديرات الإستراتيجية إلى التشغيل العملياتي، وهي حالة تصل إليها أطراف التحالف نتيجة اعتقادها أن بنية الأمن قد طالتها متغيرات خطيرة، وأن  الوقت قد أزف للانتقال إلى وضع يتم فيه بلورة الأهداف وتظهير السياسات بشكل واضح، نتيجة استنفاد كل الوسائل الممكنة للحفاظ على التوازنات القائمة، ومن ثم يصبح التحالف الأداة التي من خلالها يستطيع أطرافها رأب الصدع الأمني الحاصل في مجالها، والحفاظ على توازن القوى، وفق ذلك يبدو الخوف من التعرض للعدوان هو المبرر الأساسي وراء انتهاج الدولة لسياسة التحالف، وعلى ضوء ذلك يمكن تحديد أهداف التحالف كالتالي:

أولًا: الهدف الأساسي من التحالفات هو زيادة القوة لدى الأطراف المتحالفين، وذلك كبديل عن سياسة التسلح التي تستنزف موارد اقتصادية هائلة، فضلًا عن أن الحاجة للتسلح قد تستغرق فترات طويلة، ما يعني استنزاف راهن ومستقبلي للموارد، وأثبتت الحروب الأخيرة، أو ما بات يُسمى في العلم العسكري بـ”الحروب الهجينة”، أن التعامل مع هذا النمط يتجاوز قدرات دولة واحدة من التعامل معه، لا سيما أنه يستخدم أدوات تقليدية (الصواريخ، والطائرات)، وأدوات غير تقليدية (المسيرات، والحرب السيبرانية). لذلك، فالتصدي يتطلب قوى متعددة المستويات، وهو ما تعجز دولة واحدة عن تأمينه، ويحتاج إلى دمج خبرات من مجموعة من الدول، وبتكاليف أقل وتحقيق نتائج أفضل.

ثانيًا: الردع، ذلك أن الهدف الأساسي لأي حلف هو توفير مظلة أمنية وعامل ردع يجعل الطرف الآخر الذي يفكر في الاعتداء يعيد حساباته عندما يُدرك أن مضار عدوانه تتغلب على منافعه، وهو ما يمكن تسميته بكسب الحرب قبل خوضها؛ لأن المعتدي سيدرك أن خصومه أكثر استعدادًا وردعًا، ويمكنه تقدير النتائج قبل الخوض في المعركة، ويكمن عامل تحقيق الردع في زيادة مستوى ومصداقية الردع من خلال حساب المخاطر والمكسب والخسارة، ذلك أن الردع يقوم على مبدأين مهميْن هما: توفر القوة، والرغبة في استخدامها فعلًا.

الهدف الثالث: تعزيز القدرة التفاوضية لدى أطراف التحالف؛ فكل طرف من أطراف التحالف لديه علاقات متشعبة، نظرًا لطبيعة العلاقات الدولية في العصر الحديث، التي تقوم على الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح والمنافع، وتكمن أهمية التحالف في أنه يضخم الموارد لأطرافه، سواء كانت مادية أو رمزية، باشتماله على عناصر عسكرية ومدنية كـ(التجارة، والاقتصاد، والأسواق) بما يمنح أطرافه هوامش مرونة واسعة في أكثر من مجال وقطاع.

نماذج التحالفات الناشئة:

شهدت المنطقة في الآونة الأخيرة ولادة عدة تحالفات، جمعت أهم الفواعل في المنطقة، نتيجة تقديرها بوجود مخاطر مستعجلة يستلزم التصدي لها قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب معالجتها، ومن هذه التحالفات:

تحالفات البحر الأحمر والقرن الإفريقي: شهدت منطقة البحر الأحمر أكبر قدر من التحالفات والتشابكات الناشئة حديثًا، بالنظر لتعدد الفاعلين والأطراف صاحبة المصلحة، والقيمة الإستراتيجية الكبيرة لهذه المنطقة، ومن هذه التحالفات:

تحالف “أسمرة”: وهو محور يجمع (مصر، والصومال، وأرتيريا) في مواجهة الأطماع الإثيوبية، والمدعومة بتحالف مع الهند وإسرائيل في البحر الأحمر، ومحاولة قلب المعادلة القائمة، ولا سيما بعد دخول إسرائيل على خط النزاع والتغلغل في أرض الصومال، ويهدف هذا المحور إلى تطويق إثيوبيا جيوسياسيًّا، وتنسيق الجهد الاستخباراتي بين الأطراف الثلاثة لمراقبة الجزر والممرات المائية جنوب البحر الأحمر، لضمان عدم تأجير أو منح موطئ لقوة معادية للسيادة الصومالية أو للأمن القومي العربي.

ومن الواضح أن الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر، تحولت من مسألة محلية، إلى نزاع دولي تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية وعظمى، بهدف السيطرة على أهم الشرايين البحرية في العالم (ممر باب المندب، وقناة السويس)، وقد تشكَّل على وقع هذه التطورات محوران:

محور إسرائيل إثيوبيا صوماليلاند: وهو محور مدعوم من قبل الهند، ويسعى هذا المحور إلى تأمين عمق جيوسياسي لأطرافه في منطقة القرن الإفريقي، وتأمين المصالح الإسرائيلية والإثيوبية، ويرتكز هذا المحور بدرجة أساسية على موقع صوماليلاند الحيوي على البحر الأحمر.

محور مصر السعودية تركيا: للوقوف في وجه المحور السابق وتأمين البحر الأحمر وفق رؤية مشتركة، بالاستفادة من الوجود العسكري التركي في الصومال، وما تملكه السعودية من أصول إستراتيجية على الضفة الشرقية، والوجود العسكري المصري في الصومال، المكَّون من قوات ميكانيكية عالية الكفاءة؛ تنفيذًا لاتفاق الدفاع المشترك بين مصر والصومال.

تحالف البحر الأحمر بقيادة السعودية:  نشأ التحالف على خلفية تهديد ميليشيات الحوثي للملاحة في البحر الأحمر، بعد أن تحوَّلت الممرات المائية في جنوب البحر إلى بديل إستراتيجي لمضيق هرمز، وواضح الدور الإيراني في محاولة للضغط على الخليج العربي لتحويل باب المندب إلى ساحة استنزاف ضد البحرية الأمريكية، لكن الهدف الأساسي لإيران حرمان السعودية من تصدير النفط، لا سيما أن السعودية استطاعت تصريف جزء كبير من إنتاجها النفطي عبر ميناء ينبع، وأضعفت إلى حد كبير من أوراق إيران في هرمز.

وقد نجحت المملكة العربية السعودية في جمع 14 دولة بتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات، وبمشاركة ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، بوصفهم داعمين للتحالف، الذي سيكون مقره في الرياض، ويهدف التحالف حماية الممرات البحرية الدولية، وتعزيز أمن الملاحة، وتأمين خطوط التجارة والطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وسيعتمد على التنسيق المشترك بين القوات البحرية للدول الأعضاء، ولن يقتصر على تسيير قطع بحرية، بل سيعتمد على منظومة متكاملة تشمل: تبادل المعلومات الاستخبارية، والإنذار المبكر، والتخطيط المشترك، وتنسيق الدوريات البحرية، بما يرفع سرعة الاستجابة لأي تهديد يستهدف السفن التجارية أو ناقلات الطاقة.

اتفاق مكة الثلاثي:

يُشكِّل اتفاق “مكة للدفاع المشترك”، الذي وقعته كل من (المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان) حدثًا مفصليًّا في تطورات الشرق الأوسط الجارية في بيئة شديدة السيولة الإستراتيجية والهشاشة الأمنية، حوَّلت المنطقة إلى وضع رخو، حفَّزت بعض الفاعلين (الإقليميين، والدوليين) على إعادة تشكيله وتركيبه بما يخدم مصالحهم، ويشكِّل الاتفاق تحركًا لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، في ظل متغيرات أمنية متسارعة شهدتها المنطقة، وفي ظل سعي بعض القوى الإقليمية إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية وتنويع أدواتها العسكرية، في مؤشر على رغبة تلك القوى في بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالية، وتملك من المرونة والقدرة على حماية المصالح الأمنية والإستراتيجية لأطرافها.

 وقد عكس الاتفاق تحولات عميقة تعيد رسم توازنات البيئة الإقليمية، في لحظة تقاطعت فيها العديد من المسارات: فوضوية النظام الدولي، وإعادة تعريف أدوار القوى الفاعلة في المنطقة، والسباق على السيطرة على مسارح النفوذ، الأمر الذي دفع أطراف الاتفاق إلى الانتقال من منطق إدارة النزاعات إلى صنع ترتيبات إقليمية أكثر استقرارًا.

فالاتفاق الثلاثي يأتي على خلفية انهيار اليقين الإستراتيجي بقدرة المنظومة الأمنية والقانونية التقليدية وفعاليتها في عالم يشهد تحولات عديدة، وما نتج عنها من أخطار، لم تعد مقيمة في ثنايا التقديرات، بل أصبحت متجسدة في أفعال حقيقية، أبرز مثال عليها ما تواجهه المملكة العربية السعودية من أخطار فعلية، وميزة الاتفاق الثلاثي أنه أوجد لأطرافه منصة أمنية يمكن تطويرها مستقبلًا، وهو ما كشف عنه وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” بقوله أن: “دولًا أخرى ترغب بالانضمام لهذا التحالف”، وهذا يؤشر إلى رغبة في بناء إطار أمني أوسع يمكن أن تنضم إليه دولٌ أخرى في المنطقة، بهدف إنشاء بنية أمنية أكثر اتساعًا، ما يعني أن الاتفاقية قد تنتقل تدريجًا من صيغة دفاعية إلى إطار أمني إقليمي متعدد الأطراف، بما يمنح أطرافه قوة على أي طاولة لإعادة تشكيل المنطقة بما يحول دون قدرة أي طرف إقليمي منفرد من إعادة تشكيل النظام الإستراتيجي  بالقوّة العسكرية أو أية إجراءات أخرى.

ما جدوى التحالفات الناشئة؟               

ليست التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة ذات طابع عابر، بعد أن تجاوزت مرحلة التنظير الإستراتيجي والتصوري إلى وقائع تشغيلية، وذلك في لحظة مفصلية تقاطعت فيها مصالح الفاعلين في المنطقة، بعكس مراحل سابقة أرادت فيها الإدارات الأمريكية توليف شكل جديد للشرق الأوسط بالاعتماد على رؤى أمريكية خالصة دون فحصها، ولا سيما ما إذا كانت لديها قابلية للتطبيق. وعلى عكس المرات السابقة، ليست التصورات النظرية هي التي تنشئ الخرائط والتوجهات، بل الوقائع  هي التي تفرض شكل الترتيبات، فقد شكَّل إغلاق مضيق هرمز اللحظة التي أطلقت عنان مشاريع جيوسياسية، طالما بقيت حبيسة الأدراج لعقود، وشكَّل هذا الحدث محفزًا للتفكير بمشاريع طالما تم تقييمها سابقًا على أنها نوع من الترف الإستراتيجي، في ظل عدم الحاجة الماسة لها.

لكن هذه التطورات، مضافةً إليها التداعيات التي أنتجتها الحرب، دفعت الفاعلين في المنطقة إلى إعادة تموضع إستراتيجي جديد، عبر الرغبة في الاستفادة من التحولات الجارية للحصول على مقعد مهم في التشكُّل الإقليمي الجديد، في سياق تصنعه الجغرافيا والموارد والإرادة السياسية، وتنافس القوى الكبرى على الدخول شريكًا في لعبة بدا أنها جِديَّة أكثر من سابقاتها، ما شهد تزاحمًا في طرح مشاريع تركيب المنطقة جيوسياسيًّا، وهو ما تنبهت له الولايات المتحدة التي نصَّبت نفسها ضابطًا لإيقاع هذه التطورات، وجمع تفاصيلها لتشكيل إطار إستراتيجي يضبط الديناميكيات الصاعدة ويرشِّدها، ورغم أن التحالفات في المنطقة لم تعلن عدوًا محددًا، إلا أنها صممت لأجل ثلاث غايات:   

أولًا: إضعاف فعالية إيران إلى أبعد حد، عبر نزع أغلب أوراق القوة من يديها، من ورقة مضيق هرمز إلى عزل وكلائها في المنطقة، ما يعني تفكيك الممتدات الجيوسياسية من طهران إلى بيروت، وتأكيدًا لهذا المسار قال “توماس باراك” المبعوث الأمريكي الخاص بسورية والعراق: “أن برنامجًا إقليميًّا يجري العمل عليه قد يجعل من مضيق هرمز أمرًا غير ذي أهمية خلال عامين، عبر إنشاء شبكة جديدة من مسارات الطاقة والتجارة. وفي الوقت نفسه، يجري العمل على تفكيك البيئة الحاضنة لقوة إيران، من خلال محاولات تغيير المعادلات الداخلية في العراق ولبنان، واختراق البيئات المؤيدة لإيران عبر دعم واحتضان فاعلين محليين، مثل: حكومة علي الزيدي في العراق والعهد اللبناني الجديد؛ لنزع أسلحة الميليشيات الحليفة لإيران وحصر نشاطها إلى أبعد الحدود”.

ثانيًا: احتواء إسرائيل، وإعادتها إلى وضع ما قبل 7 أكتوبر 2023، فقد باتت إسرائيل، بحكومتها المتطرفة، أحد أكبر مصادر تهديد الأمن الإقليمي، ومن ثم فإن التحالفات من مكة إلى البحر الأحمر تهدف بدرجة كبيرة إلى تضييق هوامش تحركها، وصنع أنساق دفاعية لمواجهة عدوانيتها المنفلتة.

ثالثًا: توزيع القوة في المنطقة بهدف تشكيل التوازنات الإقليمية، فليس سرًا أن هناك اختلال في توازنات القوى بين دول المنطقة، وطالما أوجد هذا الأمر حساسيات بين هذه الدول وخلق اصطفافات محورية كان لها تأثير سلبي على التعاون والسلم في دول المنطقة؛ لذا تم رسم معادلة جديدة تقوم على دمج الموارد بالقوة العسكرية والجغرافيا الاقتصادية، بحيث تصبح جميع الأطراف متساوية في الوظيفة والدور، دون هيمنة طرف على آخر.

وهكذا، ومن خلال تفاصيل تقنية معقدة، وتوليد ديناميكيات سياسية، تجري بناء توازنات جديدة عبر مسار هندسته بدرجة كبيرة القوى الفاعلة في المنطقة، دون أن يعني ذلك أن الأمور استقرت بالفعل على هذا التشكُّل، فمرحلة بناء التوازنات الجديدة وإيصالها إلى مرحلة الفاعلية، ستسغرق وقتًا ليس بقصير، كما أن الافتقار لأطر وهياكل محددة للتحالفات قد تجعل هذه الترتيبات هشة إلى حد ما. 

اظهر المزيد

غازي دحمان

كــاتب ســـوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى