2026اسئلة ما بعد الحرب الامريكية الايرانيةالعدد 207

مدى تحمل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية لتطورات تغيير الرؤى والأولويات

مقدمة:

شكَّلت لحظة بدء الهجوم على إيران في 28 فبراير 2026، ذروة العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية على الإطلاق؛ إذ لم تكن تاريخيًّا قط أفضل من ذلك. لم يكن هذا فقط، بسبب شن الحرب بشكل مشترك، الذي يمثل في حد ذاته قمة علاقات الثقة بين أي بلدين، وإنما أيضًا للظروف الأخرى المحيطة بذلك، ومن أهم هذه الظروف أنه بالرغم من أن تلك لم تكن المرة الأولى لإسرائيل أن تشترك مع دولة عظمى في شن حرب في المنطقة؛ إذ سبق لها الاشتراك مع بريطانيا وفرنسا لشن العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956، غير أن تلك كانت المرة الأولى للولايات المتحدة أن تشترك مع إسرائيل في شن الحرب، حتى مع التاريخ الطويل للدعم الأمريكي الضخم لإسرائيل (سياسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا)، وربما باستثناء المشاركة الأمريكية المباشرة في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025.

كذلك فإن هذه كانت المرة الأولى على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أن تدخل حربًا أو حلفًا عسكريًّا لا تحتفظ في أيهما بالقيادة العليا، وليس هناك أبرز من أمثلة المشاركة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية (1941-1945)، التي احتفظت خلالها واشنطن لجنرال أمريكي بمنصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، وحلف شمال الأطلنطي الذي لم يشغل به منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء منذ إقامة الحلف عام 1949، وحتى تاريخه سوى جنرال أمريكي. وكذلك كان الأمر في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مع حلفاء لها في الحرب الكورية، وغزو العراق وأفغانستان. أما في حرب إيران 2026، فلم يكن هناك جنرال أمريكي يقود التحالف مع إسرائيل، وإنما احتفظت إسرائيل باستقلالية العمل مع الاستمرار في التنسيق الوثيق بشأن شن العمليات.

ليس من المُستغرَب، بطبيعة الحال، أن تمَّ تدشين هذا التحالف العسكري بين البلدين وشنه للحرب ضد إيران في ظل إدارة الرئيس “دونالد ترامب” التي هي الأقرب لإسرائيل والأكثر تماشيًا مع سياساتها من أي إدارة رئاسية أخرى في الولايات المتحدة على الإطلاق. شهدت فترة ترامب الأولى (2017-2021) اختراق المحظور لعقود في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عبر الاعتراف رسميًّا بالقدس المحتلة عاصمةً لإسرائيل، وقرار نقل السفارة الأمريكية إلى هناك، ثم ما لبثت أن أضافت إلى ذلك الاعتراف بضم إسرائيل للجولان السوري المحتل. كما شهدت الفترة الرئاسية الأولى نفسها الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران لعام 2015، ودفع مسار التطبيع الإقليمي (وإن كان ذلك يمكن النظر إليه باعتباره حقَّق لإسرائيل منافع بقدر ما مكَّن دولًا عربية من التأثير على بعض سياساتها).

وشهدت فترة “ترامب” الثانية منذ بدايتها عام 2025، وحتى وقت توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، شبه تطابق تجاه التصعيد الإسرائيلي للحرب في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، بدءًا من الدفاع عن موقف إسرائيل تجاه الاتهامات الموجهة لقادتها في المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جريمة الإبادة وجرائم حرب في قطاع غزة، والانتظار شهورًا طويلة قبل التوصل لاتفاق وقف لإطلاق النار في غزة ولبنان (مع التغاضي مع استمرار إسرائيل في القصف)، وكذلك مع تمدد الاحتلال الإسرائيلي في أراضي سوريا ولبنان.

التوتر الظاهر في العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية:

ثم جاءت لحظة شن الهجوم المشترك على إيران لتمثل -كما تقدم- ذروة هذه العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، في وقت يتبين مغزى تصريحات “جي دي فانس” نائب الرئيس الأمريكي في 18 يونيو 2026، ردًا على انتقادات بعض أعضاء حكومة “نتنياهو” لمذكرة التفاهم مع إيران، التي قال فيها حينئذ “لو كنت عضوًا بمجلس الوزراء الإسرائيلي لما كنتُ لأهاجم الحليف القوي الوحيد لي في العالم أجمع”،([1]) وذلك في إشارة إلى تزايد مؤشرات نبذ إسرائيل دبلوماسيًّا في العالم. كانت تلك لهجة قاسية وغير معتادة من الحليف الأمريكي، وإن كان يمكن اعتبارها جزءًا من جرأة تصريحات “فانس” عمومًا، وتعبيرًا عن موقف جزء من أنصار الرئيس “ترامب” من ذوي التوجه الانعزالي لسياسة الولايات المتحدة في العالم.

 لم يعد خافيًا أن توترًا مكتومًا بات يشوب العلاقة بين “ترامب” و”نتنياهو” على خلفية رغبة الأخير استئناف الحرب ضد إيران وإكمال المهمة التي بدأت في 28 فبراير؛ لخشيته في الوقت ذاته من أي اتفاق أمريكي- إيراني سيكون بالضرورة اتفاقًا سيئًا، كونه سوف يتضمن في أفضل الأحوال تنازلات ما تفضي إلى إنهاء الحرب وتعافٍ اقتصادي لنظام طهران، بما يسمح له ليس فقط بترويج “صورة النصر في الحرب”، وإنما أيضًا بالاستمرار في السياسات ذاتها التي أدَّت لنشوب الحرب، بدءًا بالبرنامج النووي، ومرورًا بتطوير الصواريخ الباليستية (التي أضيف إليها الآن قدرات متطورة في مجال المسيرات)، وانتهاءًا بشبكة وكلاء الميليشيات الإقليمية. تبين هذا التوتر، دبلوماسيًّا، في انتقادات أعضاء بالحكومة الإسرائيلية، مثل: وزير الأمن القومي “إيتامار بن جفير” لمذكرة التفاهم مع إيران، والرد الخشن على هذه الانتقادات من جانب نائب الرئيس الأمريكي “فانس” كما سبقت الإشارة، وفي التأجيل المتكرر، ولعدة أسابيع، للزيارة المقررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” إلى البيت الأبيض للقاء “ترامب” إلى أن تم اللقاء بالفعل في 28 يوليو 2026، وإن غابت عن اللقاء الثنائي الحفاوة المعتادة بينهما.

ليس من المؤكد حتى الآن نتائج الزيارة التي قام بها “نتنياهو” إلى واشنطن في نهاية يوليو 2026، ومخرجات لقاءه مع “ترامب”، وإن كان يتوجب الإشارة لأمرين: أولهما أنه، وفق خبراء، فإن “نتنياهو” حصل على الاجتماع الذي كان يسعى إليه، إلا أن الرسائل التي صاحبت الزيارة، سواءً غياب المراسم التقليدية أو الظهور الإعلامي الواسع، فضلًا عن قصر مدة اللقاء، عكست رغبةً أمريكيةً في تقليص الزخم السياسي المصاحب لها.([2]) أما الأمر الثاني، فإن الرسائل الأمريكية لم تسفر عن تغير ملموس في التوجهات الإسرائيلية. صحيح أن “نتنياهو” لم يتمكن من تغيير وجهة نظر إدارة “ترامب” بشأن أزمة الحرب الممتدة مع إيران، غير أنه خرج ليعلن صراحةً بعدها بعدة أيام فقط رفضه لخطة السلام الأمريكية في قطاع غزة.

 التباين في الرؤى والأولويات:

بالنسبة لإسرائيل، فإن رؤيتها تستند بالأساس إلى “طوفان الأقصى” وما أظهرته من وجهة نظرها أن إسرائيل لا تزال في حرب على وجودها ذاته، وأن إستراتيجيتها حتى ذلك الحين، بمعنى الاكتفاء بإضعاف الخصوم دون الإجهاز عليهم أو القبول بتعهدات سياسية من الخصوم، أثبتت فشلها. وبالتالي، فإن الأولوية للأمن الكامل لإسرائيل عبر استهداف الخصوم دوريًّا بهدف القضاء على قدراتهم. ولمَّا كانت القدرة الشاملة لدولة إسرائيل لا تمكنها من الهيمنة الإقليمية، إلا أن قدراتها العسكرية تؤهلها لضمان التأثير في الشرق الأوسط الجديد الجاري تشكله، بمعنى التمسك بالأراضي المحتلة بل وتعديل الحدود إذا ما ارتأت ذلك- كما تسعى لذلك بالفعل في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان– وتشكيل تحالفات بناء على مصالح مشتركة، والدفاع عن هؤلاء الحلفاء عند الضرورة، وشن هجمات استباقية نشطة ضد الخصوم، وذلك كله بما يتيح فرض السلام والتطبيع من منطلق القوة.([3]) أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن رؤيتها تستند إلى توجهات الرئيس ترامب شديدة اليمينية والدعم شبه المطلق لإسرائيل، والرغبة في منع إيران من تهديد جيرانها، وفي إطار تأكيد الضمانات الأمنية الأمريكية في المنطقة، بما يصب في النهاية لمصلحة الاقتصاد الأمريكي الموعود بتدفقات استثمارية كبرى تعزز رفاهية المواطن. وبالتالي، فإن أولويتها كانت- وفقًا لتصريحات ترامب بالامتناع عن الانخراط في حروب ممتدة- تحقيق مطالب إسرائيل ببلوغ الحد الأقصى للأمن مع الوصول لاستقرار سريع حتى وإن لم يكن عادلًا. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التسويات التي توسطت فيها أو لا تزال تتوسط بها واشنطن في (غزة، ولبنان، وسوريا). سارت الأمور وفق هذا النهج ثم ما لبثت أن تعقدت الأمور بالحرب على إيران.

ووفقًا لتقرير لصحيفة “الشرق الأوسط” عشية هذه الزيارة، فإن الاختلافات الأمريكية مع إسرائيل تبرز في عدة وقائع متزامنة مؤخرًا، بدأت بالدعم الذي منحه الرئيس “ترامب” للرئيس التركي “أردوغان”، دبلوماسيًّا، وفي ملفات التسليح لبلاده، رغم اعتراضات إسرائيل “نتنياهو”، ثم مطالبة واشنطن لإسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائب الرئيس “فانس” عن استمرار التفاوض مع إيران، حتى بعد انهيار وقف إطلاق النار، في مواجهة الضغوط الإسرائيلية لمعاودة الحرب الشاملة، وصولًا إلى رهان إدارة “ترامب” على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من (لبنان، والعراق) على خلاف الرغبة الإسرائيلية في تحويل البلدين إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وبالرغم من ذلك، فإن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل في مختلف المجالات، يؤكد أن ذلك كله ليس انشقاقًا عن العلاقة الخاصة بين البلدين ولا تراجعًا أمريكيًّا عن الالتزام بأمن إسرائيل أو إقصاءً لها، وإنما إعادة تأكيد على أن واشنطن هي من تقرر في النهاية ترتيب أولوياتها ومصالحها في المنطقة وليس إسرائيل.([4])

المغزى هو أن الحرص الأمريكي على مصالح إسرائيل لن يصل إلى السماح بتغول الأخيرة على المصالح الأمريكية ذاتها. ربما كان دافع ذلك بالأساس هو بدء تأثر مصالح الولايات المتحدة سلبًا وبشكل ملموس نتيجة ما تبين أنه تجاوب غير مشروط مع توجهات “نتنياهو”، وآخرها وأكثرها تكلفةً هو قرار شن الحرب على إيران. والمنطق السائد لدى المحللين أن “ترامب” قد وقع في فخٍ نصبه له “نتنياهو” عندما اقتنع بالحجج الإسرائيلية القائلة بأن حملةً جويةً كاسحةً ستكون كفيلة بإسقاط النظام الإيراني. وبدلًا من انقلاب سريع كما حدث في فنزويلا، فإذا بالولايات المتحدة مجددًا في خضم حرب لتغيير النظام في الشرق الأوسط. وسارت الأمور على نحو مفاده أنه بينما يستحيل على إيران مواجهة القوة العسكرية الكاسحة للخصم، فإن إغلاقها مضيق هرمز، بكل تداعياته على الطاقة عالميًا، يماثل استخدام السلاح النووي الذي ربما لن تتمكن إيران من الحصول عليه أبدًا. وليس الإصرار الإيراني على التمسك بالسيطرة على المضيق سوى نتيجة إدراك طهران أن تلك هي الوسيلة الوحيدة الناجعة لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن شن الحرب مجددًا.([5])

وفي مقال نشرته دورية “فورين أفيرز” بعد التوصل لمذكرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية وقبل استئناف الحرب، دعا “عاموس يادلين”، المدير السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية و”أفنير جولوف” بمجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقًا، إلى أهمية تجاوز هذه الأزمة في العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية. واقترحا لذلك التوافق، ربما في شكل اتفاق رسمي، على الأهداف المشتركة العامة تجاه إيران (الحيلولة دون امتلاكها سلاحًا نوويًّا، والحد من برنامج الصواريخ والمسيرات الهجومية، وإيقاف الدعم الإيراني لشبكة الوكلاء الإقليميين من الميليشيات) بشكل عملي وأكثر تفصيلًا، كيلا يُترك المجال- كما سبق- لسوء التفاهم وعدم تطابق الأولويات، وذلك بحيث يتضمن هذا التوافق تفاهمًا حول سبل تحقيق هذه الأهداف على المدى القصير والمتوسط، وطبيعة التنازلات التي يمكن أن تقدمها واشنطن لطهران لهذا الغرض وتكون مقبولةً لإسرائيل، والأهم من ذلك اتفاقٌ عمَّا سوف يفعله الجانبان إذا ما أخفقت إيران، كما هو متوقع، في الوفاء بتعهداتها.([6])

ليس مثل هذا الاتفاق ببعيد، وإن كان التوصل إليه يصب- بطبيعة الحال- في مصلحة إسرائيل، إلا أن حتى الإخفاق في ذلك لن يكون كارثيًّا بالنسبة لها. والشاهد في هذا الصدد، أن تاريخ العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية قد شهد العديد من الأزمات من قبل وتجاوزها الجانبان لمزيد من التعاون. وفي هذا الصدد، تكفي الإشارة إلى الأمثلة التالية:

  • توتر العلاقات بين الجانبين إبان اشتراك إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والضغط الذي مارسته إدارة الرئيس “دوايت أيزنهاور” على حكومة “دافيد بن جوريون” للانسحاب من الأراضي المصرية وملوِّحةً بعقوبات اقتصادية على إسرائيل ما لم تستجب.
  • توتر العلاقات إبَّان عدوان يونيو 1967، بالرغم من الدعم الأمريكي الواضح لإسرائيل خلال الأزمة؛ بسبب واقعة غرق السفينة الحربية الأمريكية “ليبرتي” بنيران إسرائيلية.
  • أزمة عام 1991، التي هدَّدت خلالها إدارة الرئيس “جورج بوش” الأب بوقف ضمانات القروض الأمريكية بقيمة 10 مليار دولار للضغط على حكومة “إسحاق شامير” لوقف توسع الاستيطان في الضفة الغربية والانضمام إلى مؤتمر مدريد للسلام.
  • أزمة الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، في عهد إدارة الرئيس “باراك أوباما”، ثم التوتر في العلاقات على خلفية الانتهاكات الإسرائيلية ما بعد الحرب على غزة 2023، بما أدَّى لقيام إدارة الرئيس “جو بايدن” بوضع قيود جزئية على صادرات الأسلحة وفرض عقوبات على قيادات المستوطنين المتورطة في العنف ضد الفلسطينيين. 

الدعم الهيكلي لإسرائيل.

للأسف، وكما يعلم القارئ العربي، فإن الأسباب التي تدفع نحو قوة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاوز مجرد العلاقات الشخصية بين القادة أو توافق عرَضي للمصالح بين الدولتين. بطبيعة الحال، فإن مصالح الجانبين في منطقة الشرق الأوسط متوافقة منذ زمن بعيد، وإن كان الأرجح أن ذلك بمفرده لا يمنح هذه العلاقات الحصانة التي تمتعت بها طوال هذه العقود، بل واستمرار تصاعد المساعدات العسكرية الأمريكية بشكل مذهل إلى إسرائيل، حتى بعد التحولات التي شهدها الرأي العام الأمريكي تجاه الدولة العبرية في أعقاب الحرب في غزة، والاتهامات الدولية الموجهة لإسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني. التباين في الرؤى والأولويات الذي أظهرته الحرب على إيران هو المقابل الرسمي لهذا التحول في الرأي العام. 

ما يدفع به هذا المقال لتفسير مناعة العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، بالأساس لوبي إسرائيل في الولايات المتحدة، ليس بجديد، وتمت الإشارة إليه مرارًا وتكرارًا من جانب ساسة وأكاديميين وصحافيين، عرب وغيرهم على حد سواء. والمثال الأبرز لهذه الحجة هو كتاب “لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية” لعام 2007، ليس فقط لقوة الدلائل التي قدمها، وإنما أيضًا بسبب المكانة الرفيعة لمؤلفيه الدكتور “جون ميرشايمر” الأستاذ بجامعة شيكاغو، والدكتور “ستيفن والت” الأستاذ بجامعة هارفارد. وفقًا لهذا الكتاب-باختصار- فإن اللوبي، مجموعة الأفراد والجماعات (أغلبهم من اليهود الأمريكيين) التي تعمل لتشكيل سياسة الولايات المتحدة لصالح إسرائيل، تركز على تشكيل نفوذ على الحكومة والكونجرس للتماشي مع سياسة إسرائيل ودعمها، والتأثير على وسائل الإعلام لتكون صورة إسرائيل إيجابية، والنفاذ إلى مراكز الأبحاث والجامعات لإسكات الأصوات المناوئة لإسرائيل ودعم المناصرين لها.([7])

ومما يعد مُكملًا لهذا اللوبي هو ما يُطلق عليه “المجمع الصناعي-العسكري في الولايات المتحدة”. الدعم الأمريكي الأهم لإسرائيل هو المساعدات العسكرية، التي بلغت وفقًا لبيانات الكونجرس ووزارة الخارجية الأمريكية مبلغًا إجماليًّا قدره 298 مليار دولار خلال الأعوام (1946-2024).([8]) أغلب هذه المساعدات عبارة عن منتجات أمريكية تحصل عليها إسرائيل، أي أن شركات تصنيع السلاح في الولايات المتحدة، التي أدركت منذ ستينيات القرن العشرين مدى نفاذ لوبي إسرائيل وقدرته على تأمين موافقة الحكومة والكونجرس بشكل مستمر على تقديم الدعم لإسرائيل_ باتت بدورها صاحبة مصلحة أكيدة في استمرار هذه المساعدات لتأمين الحصول على عقود المشتريات من جانب الحكومة الأمريكية.([9])

الخلاصة:

هذان العاملان ( لوبي إسرائيل، والمجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة ) يجعلان من دعم إسرائيل أمرًا “هيكليًّا” في السياسة الأمريكية لا يمكن للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة تجاوزه؛ لأسباب جذرية مرتبطة بطبيعة السياسة الداخلية في الولايات المتحدة، التي لا تحظر جماعات المصالح السياسية أو تمكينها من التأثير، بدءًا من تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين في انتخابات الرئاسة والكونجرس بمجلسيه وحكام الولايات، ومرورًا بوسائل الإعلام، التي يمكن استخدامها للدعاية سلبًا وإيجابًا بقدر ما يمكن استخدامها لاستمالة الرأي العام، وانتهاءً بالمجتمع الأكاديمي الذي يمكن الضغط عليه بوسائل التمويل، كما تم بالفعل حيال بضع جامعات، أبدى أستاذتها وطلابها آراءً مناوئة لإسرائيل بعد حرب غزة.

لا يعني ذلك أن نفوذ لوبي إسرائيل أمر لا سبيل لمواجهته. المجال مُتاح لاستغلال الوسائل ذاتها المسموح بها قانونيًّا في الولايات المتحدة من جماعات المصالح لدعم القضية الفلسطينية، علمًا بأن دولًا عربية نجحت بالفعل في تشكيل نفوذ سياسي ليس بالقليل في الولايات المتحدة. سوف يضطر لوبي إسرائيل –أيضًا- لمواجهة تداعيات تحولات الرأي العام الأمريكي وانعكاساتها المقبلة على الانتخابات. تكفي الإشارة هنا إلى النتائج الصادمة لاستطلاع الرأي الذي أجراه مركز AP-NORC لبحوث الشؤون العامة بجامعة شيكاغو في يونيو 2026؛ إذ أظهرت ليس فقط أن عمدة مدينة نيويورك المسلم “زهران ممداني”، الذي يُوصف أحيانًا بأنه إسلاموي وأحيانًا أخرى بأنه شيوعي، أكثر شعبية عند اليهود الأمريكيين (27%) من “نتنياهو” (20%)، بل أيضًا أن (30%) من البالغين من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.([10])

كذلك، فإن هناك صعودًا للتيار اليساري في الحزب الديمقراطي الذي لديه تحفظات عديدة على سلوك إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الخطاب الذي ألقاه في جامعة تل أبيب يوم 8 يوليو 2026 “رام إيمانويل”، كبير موظفي البيت الأبيض في عهد “أوباما”، والذي قد يصبح مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة عام 2028، والذي دعا فيه لتراجع الولايات المتحدة عن الدعم غير المشروط لإسرائيل؛ إذ لم يؤدِّ -من وجهة نظره- سوى إلى الإضرار بمصالح كليهما، مضيفًا أن على إسرائيل أن تغير سياستها وأن هذا التغيير يبدأ بالاعتراف بـ”حق السيادة” للفلسطينيين والتخلي عن ضم الضفة الغربية.([11])

الخلاصة أنه: في ضوء ما تقدم، فإنه لا ينبغي التهوين أو التهويل من قدر التوتر الحالي في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل النظر إليه كمحطة هامة في العلاقات بين الجانبين. هناك احتمال معقول بأن تلحق بالأزمات السابقة في تاريخ العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، والتي تم تجاوزها بعد تراجع إسرائيل، على الأقل جزئيًّا، عن موقفها الآني دون أن تتخلى عن جوهر أو مجمل سياستها في المنطقة العربية عمومًا وتجاه القضية الفلسطينية خصوصًا. وهناك احتمال آخر بأن تتفاقم الأمور، إذا ما سارت حكومة “نتنياهو” في تعنتها المعتاد، بما يؤدي تدريجًا، وربما بعد فترة طويلة، إلى تغيير في الدعم “الهيكلي” لإسرائيل في السياسة الأمريكية قد يسهم فيه ترسخ نفوذ لوبي الدول العربية في واشنطن، وصعود التيار اليساري في الحزب الديمقراطي جنبًا إلى جنب مع صعود التيار الانعزالي في الحزب الجمهوري، وتحول الرأي العام الأمريكي.

قد تختلف الأمور، سلبًا أو إيجابًا، بتغير تُحدثه الانتخابات المقبلة في إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن هذا التغير سوف يظل حاليًّا في حدود الهامش الذي يحكمه الدعم “الهيكلي” لإسرائيل في السياسة الأمريكية، ذلك الدعم يسمح بأن تتحمل العلاقات الامريكية- الإسرائيلية تطورات تغيير الرؤى والأولويات حتى وإن بقي التوتر، على الأقل في الوقت الراهن وإلى حين التثبت من المدى الذي سوف يصل إليه تأثير التغير الملحوظ في تفاعلات السياسة الداخلية الأمريكية تجاه إسرائيل.


([1]) The Guardian, “JD Vance tells Iran deal critics in Israel: Trump is your only ally left in the world” (June 19, 2026).

([2]) الجزيرة، “استقبال بارد بالبيت الأبيض … هل عكست زيارة نتنياهو فتور العلاقة مع ترامب؟” (29 يوليو 2026).

([3]) Meir Ben-Shabat and Asher Fredman, “What Israel Wants: The Post October 7 Security Strategy Driving Israeli Actions,” Foreign Affairs.com (September 12, 2025).

([4])  إيلي يوسف، “واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها … إسرائيل حليف لا قائد”، الشرق الأوسط (28 يوليو 2026).

([5]) Renaud Girard, “Les raisons de la guerre larvée pour le détroit d’Ormuz,” Le Figaro (August 18, 2026)

([6]) Amos Yadlin and Avner Golov, “How to Save the U.S.-Israeli Alliance: If Iran Gets a New Deal with America, So Must Israel,” Foreign Affairs (July 1, 2026).

([7]) John Mearsheimer and Stephen Walt, The Israel Lobby and the U.S. Foreign Policy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007).

([8]) Jeremy M. Sharp, “U.S. Foreign Aid to Israel: Overview and Developments since October 7, 2023,” U.S. Congress (May 28, 2025).

([9]) Mitchell Plitnick, “De-Mystifying American Middle East Policy: A Response to Steven Walt and John Mearsheimer,” Re-thinking Foreign Policy (September 26, 2007).

([10])Steve Peoples and Linley Sanders, “AP-NORC poll: About 3 in 10 US adults believe Israel has committed genocide against Palestinians,” Associated Press (July 7, 2026).

([11]) David Halbfinger, “In Israel, Ram Emanuel Calls for End of Unconditional U.S. Support,” The New York Times (July 9, 2026).

اظهر المزيد

عمرو يوسف

وزير مفوض متخصص فى الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى