2026اسئلة ما بعد الحرب الامريكية الايرانيةالعدد 207

مصير غزة بين خطة مجلس السلام العالمي وسياسات إسرائيل.

لم يعد السؤال عن حال الفلسطينيين اليوم يتعلق بواقعهم في قطاع غزة فقط، بعد حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تعرضوا لها طوال عامين، وهي ما زالت مستمرة بأشكال أخرى؛ إذ بات يتعلق بواقعهم في الضفة الغربية، أيضًا، مع سعي إسرائيل للسيطرة عليها (إداريًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا) وترسيخ وتوسيع الاستيطان فيها، ويشمل ذلك محاولة إسرائيل فصل غزة عن الضفة، في إطار خططها الرامية لوأد خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، والتخلص من السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، وصولًا لتغييب الشعب الفلسطيني وتفكيك قضيته.

مع ذلك، فإن الجهود الدولية تنصب، في هذه المرحلة، على إمكان إنفاذ المرحلة الثانية من خطة “السلام” في القطاع، كما وضعها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” (أيلول/سبتمبر 2025) وشكل لها مجلسًا برئاسته، والتي تم بناء عليها فرض وقف إطلاق النار، بعد عامين على حرب الإبادة، بعد أن وافقت عليها حركة “حماس” (تشرين الأول/أكتوبر 2025)، وذلك بدعم من الأطراف الدوليين والإقليميين بما فيهم (تركيا، وباكستان، وإندونيسيا، والسعودية، ومصر، والإمارات، وقطر، والأردن)، وهي الخطة التي تم تدعيمها بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي (2803، لعام 2025).

ما ينبغي لفت الانتباه إليه أن المرحلة الأولى من تلك الخطة لم تمر بطريقة طبيعية؛ إذ إن إسرائيل واصلت عمليات القتل، والاغتيال، ما أودى بحياة 1252 من الفلسطينيين، بحيث بلغ مجموع الضحايا القتلى من الفلسطينيين، منذ 8/10/2023 حتى 4/8/2026، حوالي 73 ألفًا و377 قتيلًا، إضافة إلى 174 ألفًا و230 جريحًا.

وكما هو معلوم، فإن الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف عند ذلك الحد؛ إذ ظلت إسرائيل توسِّع مجالها الأمني في القطاع، بحيث باتت تسيطر على أكثر من 70 بالمئة من أراضيه، كما واصلت تحكمها بكل الامدادات الإنسانية والإغاثية إليه، من حيث (الكم، والنوع) مع التحكم بالمعابر.

إضافة إلى كل ما تقدم، فإن إسرائيل ظلت تحاول تسيير تلك الخطة، أو فرض مدخلات عليها، بما يتناسب مع أولوياتها الأمنية والسياسية، وهو ما ستفعل مثله، بالتأكيد، إزاء المرحلة الثانية من تلك الخطة، علمًا إنها بدأت بذلك منذ الآن، بتأكيد أن سحب السلاح من غزة، يجب أن يسبق أي انسحاب إسرائيلي منه، في إطار محاولاتها عرقلة خطة مجلس السلام العالمي، والتهرب من استحقاقاتها بحجة وبأخرى.

 خطة الـ 15 نقطة لملادينوف.

وكان المنسق الرئيس لعملية السلام في غزة “نيقولاي ملادينوف” طرح خطة من 15 نقطة (أواخر تموز/يوليو 2026) تخص موضوع البدء بتمرير المرحلة الثانية، باعتماد “خطة الرئيس ترامب” و”قرار مجلس الأمن 2803″ (2025) كإطار ناظم لهذه المرحلة، بما يشمل: إنهاء الحرب، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة الإعمار، وتمكين الحكم الفلسطيني.

وهذه الخطة تتضمن، من الناحية التنظيمية: تنفيذ ما تبقى من بروتوكول شرم الشيخ، وإعداد جدول زمني وآليات تنفيذ المرحلة الثانية خلال 14 يومًا؛ تمهيدًا لدخول اللجنة الوطنية إلى غزة، مع التدرج في التنفيذ عبر ربط الانتقال بين مراحل الاتفاق بالتحقق من تنفيذ التزامات المرحلة السابقة عبر لجنة تحقق دولية.

وتتطلب تلك الخطة من جهة حركة “حماس” والفصائل: أولًا، تسليم جميع وظائف الحكم المدني والأمني إلى اللجنة الوطنية، مع التأكيد على استقلاليتها وعدم تدخل الفصائل في عملها خلال المرحلة الانتقالية. ثانيًا، بدء عملية حصر وتخزين السلاح الثقيل ومستودعاته ومواقع الإنتاج والأنفاق، بعد دخول اللجنة الوطنية وانتشار قوة الاستقرار الدولية وربطها بانسحاب إسرائيلي تدريجي، مع التأكيد على عدم نقل أي سلاح إلى إسرائيل أو أي طرف غير فلسطيني.

أما من جهة إسرائيل، فإن هذه الخطة تتطلب منها “الانسحاب من قطاع غزة على مراحل وفق جدول زمني متفق عليه، مع النص على عدم إجبار السكان على مغادرة القطاع”.

أيضًا، من الناحية الإدارية، فإن هذه الخطة تتضمن: أولًا، استمرار عمل المؤسسات العامة، وضمان حقوق الموظفين، وإجراء تدقيق مالي وإداري شامل، وتسوية التزامات مالية تصل إلى 400 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات. ثانيًا، دمج أفراد الشرطة بعد إخضاعهم لعمليات تدقيق، ونقل جميع أسلحة الشرطة إلى سلطة اللجنة الوطنية، مع توفير بدائل مدنية أو التقاعد لمن لا يستوفون المعايير. ثالثًا، توقيع اتفاق للسلم الاجتماعي يتضمن وقف العنف الداخلي ومنع أعمال الانتقام والمظاهر المسلحة والاستعراضات العسكرية. رابعًا، تأكيد مبدأ “سلطة واحدة.. قانون واحد.. سلاح واحد” واعتماد اللجنة الوطنية بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة القطاع وفق القوانين الفلسطينية.

وبخصوص مهام اللجنة الوطنية الإدارية، المشكلة من فلسطينيين مستقلين (أي غير منتمين للفصائل) فقد تضمنت الخطة: أولًا، منح اللجنة الوطنية الصلاحية الحصرية لتسجيل الأسلحة الشخصية وإصدار التراخيص وسحبها، بالتعاون مع الفصائل والعشائر. ثانيًا، إسناد مسؤولية التعامل مع الحوادث الأمنية الداخلية إلى اللجنة الوطنية. ثالثًا، جمع وتخزين سلاح الفصائل المسلحة تحت سلطة اللجنة الوطنية وفق جدول زمني متفق عليه، مع عدم دمج عناصرها في الأجهزة الأمنية أو الشرطة.

وقد لحظت تلك الخطة، أيضًا، مسألتين: الأولى، نشر قوة دولية مؤقتة (ضمنها قوات مغربية) للفصل بين القوات الإسرائيلية ومناطق سيطرة اللجنة الوطنية، ومراقبة التزام الأطراف وتسهيل دخول الاحتياجات الإنسانية، من دون القيام بمهام شرطية داخل المجتمع الفلسطيني. والثانية، تنفيذ خطة إعادة إعمار قطاع غزة بإشراف مجلس السلام واللجنة الوطنية، وفق جدول زمني وآليات تمويل تستند إلى القوانين الفلسطينية والمعايير الدولية.

إسرائيل المتحفظة على الخطة الدولية.

في الواقع، فإن إسرائيل وجدت نفسها في حالة إشكالية مع خطة ترامب، ومع مضامين تلك البنود- كعادتها- فعلى رغم من أنها تبدو وقد حققت هدفين مهمين لها في قطاع غزة، وفقًا لمنظورها، هما: إنهاء حكم “حماس”، ونزع السلاح الفلسطيني، إلا أن مشكلتها شملت بنودًا أخرى، الأمر الذي يضعها في مواجهة الأطراف الدوليين والإقليميين الداعمين لتلك الخطة، ولا سيما الإدارة الأمريكية، وهو ما بات يظهر واضحًا في توتر العلاقة بين حكومة المتطرفين في إسرائيل (نتنياهو، سموتريتش، بن غفير)، وبين الرئيس الأمريكي، وأركان إدارته.

ويمكن تعيين تلك المشكلة، من ناحية إسرائيل، بالجوانب المهمة الآتية:

أولًا: ترى إسرائيل في تحول قضية الفلسطينيين وضمنها قضية قطاع غزة إلى قضية دولية مع وجود قوات عسكرية دولية (كما نصت خطة ترامب)، انتقاصًا من قدرها، وتهديدًا لمكانتها؛ إذ باتت تخشى إنها لم تعد مطلقة السراح في التعامل مع الفلسطينيين، أو في تقرير مستقبلهم، بما يعنيه ذلك من تآكل في شرعيتها، كدولة احتلال، وانحسار مكانتها على الصعيد الدولي، وبالتالي تراجع إسهامها في هندسة الشرق الأوسط، بعد كل التغيرات الحاصلة في المنطقة، والتي أخذت فيها الولايات المتحدة زمام المبادرة، مع تقييد إسرائيل في عديد من المجالات والساحات.

ثانيًا: ترفض إسرائيل أي بند في الخطة قد يشكل ضغطًا عليها، ولا سيما البند المتعلق بانسحابها الكامل من قطاع غزة؛ إذ إنها تعتقد بأن من حقها، ولدواعي ما تعتبره أمنها القومي، وضمان عدم تكرار عملية “طوفان” جديدة مستقبلًا، كضم أجزاء من مساحة القطاع وفرضها كمناطق عازلة، وهو ما باتت تحاول فرضه أيضًا في حدودها مع سوريا ومع لبنان، مع محاولة فرض حقها في “الذراع الطويلة”، أي استخدام جيشها عبر سلاح الجو والصواريخ، بضرب أي هدف تشعر بأنه يشكل خطرًا عليها في عموم منطقة الشرق الأوسط.

ثالثًا: تعارض إسرائيل مبدأ “التزامن المتبادل”، أو فرض الانسحاب، قبل تسليم “حماس” سلاحها بكل أنواعه، وذلك لصالح فرض مبدأ “تسليم السلاح”، وكل البنى التحية المتعلقة به، قبل أي انسحاب إسرائيلي، الأمر الذي أقر به المنسق الأعلى لمجلس السلام “نيقولاي ملادينوف” إبان زيارته مؤخرًا لإسرائيل (مطلع شهر آب/أغسطس).

رابعًا: تعتقد إسرائيل بأن الظروف الحالية مناسبة لفك ارتباط قطاع غزة بالضفة الغربية، لصالح إنشاء كيانية خاصة بفلسطينيي القطاع، في سياق مشروعها الرامي لتفكيك القضية الفلسطينية، ووأد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة في الأراضي المحتلة 1967.

خامسًا: ترفض إسرائيل أي دور لتركيا أو قطر بمستقبل قطاع غزة؛ إذ هي باتت ترى في تركيا كغريم ومنافس لها في المنطقة، بعد أن تخلصت من إيران، التي تراجعت مكانتها لصالح تركيا.

سادسًا: بحسب التسريبات الإسرائيلية، ثمة تحفظ لـكبار ضباط الجيش الإسرائيلي، على الخطة، تقوم على حق إسرائيل بالاحتفاظ بحرية عمل عسكرية كاملة لإسرائيل في قطاع غزة، في أي وقت، وهذا ما تحاول إسرائيل فرضه إزاء كل الساحات، في سوريا ولبنان وصولًا لليمن والعراق وحتى إيران.

سابعًا: تؤكد إسرائيل على إخضاع عملية نزع السلاح وتخزينه، في قطاع غزة؛ لرقابة خارجية، وليس لرقابة فلسطينية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” أعلن مرارًا، وصراحة، رفضه لوثيقة النقاط الـ 15 بشأن غزة التي قدمها “مجلس السلام” بقوله: “إسرائيل لن تقوم بأي سحب لقواتها من القطاع قبل أن يتم نزع سلاح حركة “حماس” بالكامل. وعندما أقول نزع سلاح، فهذا يعني السلاح الثقيل، والسلاح الأقل ثقلًا، وكل السلاح. نحن نتحدث عن نزع حقيقي للسلاح، لا نزع صوري”. وأكد نتنياهو أن حكومته تجري حاليًّا محادثات مع الولايات المتحدة حول هذا الملف، قائلًا: “لدى الأمريكيين أفكار، بعضها مقبول لدينا وبعضها غير مقبول. وإسرائيل تعرف كيف تقف في مواجهة هذه الأمور، لقد أثبتت ذلك في الماضي وتثبته اليوم أيضًا. ويمكننا الوقوف حتى أمام أفضل أصدقائنا؛ فوجود إسرائيل وأمن جميع مواطني إسرائيل ليسا موضع تفاوض، ونتمسك بهذه المصالح بقوة”. (الشرق الأوسط، 9/8/2026)

تعقيبًا على ذلك، يرى المحلل الإسرائيلي “رونين بيرغمان” في محاولته تلخيص الوضع القائم، بأنه “في السيناريو المتفائل، لن تعود إسرائيل إلى واقع السادس من أكتوبر، ولن تبقى حماس حكومة أو كيانًا سلطويًّا يمتلك جيشًا، ولن يُضطر الجيش الإسرائيلي إلى السيطرة على مليوني فلسطيني، فيما تتموضع قوة دولية بقيادة جنرال أمريكي بين الطرفين. كما أن الانسحاب من الخط الأصفر إلى الحدود لا يُفترض أن يتم مسبقًا، بل أن يكون جزءًا من عملية متزامنة مع تفكيك السلاح وإخراج الأنفاق من الخدمة. غير أن هذا ليس سوى السيناريو المتفائل، والتفاؤل- كما هو معروف- قد يكون قصير العمر، أحيانًا بقدر المدة الفاصلة بين نشر الاتفاق واكتشاف ما يخفيه من بنود مكتوبة بحروف صغيرة”. (يديعوت احرنوت، 2/8/2026)

الإدارة الأمريكية بين تفهم إسرائيل والضغط عليها.

على أية حال فإن الإدارة الأمريكية لن تدير ظهرها لإسرائيل، بل إنها أبدت تفهمها للحساسيات الإسرائيلية، خاصة قبل موسم الانتخابات، وعبرت عن تعاطفها مع مخاوف إسرائيل الأمنية، ودعمها لها بمختلف الطرق، لكنها مع ذلك ظلت تضغط عليها لتمرير تلك الخطة، على أساس أنه لم يعد لدى إسرائيل ما تخشاه، بعد كل الذي حصل في المنطقة، من انهيار النظام السوري، والضربات التي كسرت حزب الله وحماس، ومع انحسار النفوذ الإيراني في دول المشرق العربي، وأنه لأجل كل تلك الاعتبارات يجب على إسرائيل أن تسهل على الإدارة الأمريكية سياساتها في المنطقة.

مصدر التفهم الأمريكي نابع من اعتقاد مفاده أن نتنياهو في هذا الوضع يقع وسط اتجاهين متناقضين: من جهة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الذي يضغط من أجل اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة إعمار غزة. ومن جهة أخرى، يأتي ضغط شركائه في اليمين وقادة “الليكود”، الذين يحثونه على عدم التراجع وعدم التنازل ولو قِيد أنملة.

ولعل هذا ما يفسر أن الإدارة الأمريكية دفعت “مجلس السلام” إلى التراجع مؤخرًا عن الصيغة الأصلية لـ”اتفاق غزة”، من خلال إعلانه أن إسرائيل لن تنسحب من “الخط الأصفر” في القطاع، إلا بعد نزع سلاح “حماس”، بدلًا من الصيغة الأصلية للاتفاق، التي كانت تنص على أن الانسحاب سيكون بالتدريج، وسيتم بالتزامن مع نزع سلاح الحركة.

وكما شهدنا فإن “مجلس السلام”، متمثلًا بميلادينوف، أبدى موافقته على وجهة النظر الإسرائيلية بخصوص سحب سلاح “حماس” قبل أي انسحاب إسرائيلي، وهو ما يشمل الموقف الرسمي الأمريكي، الذي عبر عن تفهمه لتصريحات نتنياهو، التي أعلن فيها عن رفضه خريطة طريق “مجلس السلام” بشأن غزة. (موقع اكسيوس، 10/8/2026) لكن ميلادينوف نبّه، أيضًا، إلى أن إسرائيل موجودة حاليًّا عند “الخط الأصفر” الأساسي وتتمركز عليه، والمطلوب منها ألَّا تتجاوزه، مشيرًا إلى أن “خريطة الطريق” هي وثيقة لضمان ألا تشكِّل غزة تهديدًا لأمن إسرائيل، وألَّا يتكرر ما حدث في السابع من أكتوبر 2023. وبيَّن أن المفاوضات مستمرة بهدف إخراج جميع الأسلحة في غزة من الخدمة بشكل كامل، سواء الموجودة لدى الشرطة أو الفصائل أو الميليشيات، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة والخفيفة ومنشآت إنتاجهًا. وأشاد بدور الوسطاء في تركيا وقطر الذين كان لهم دور مهم في التوصل إلى وضعٍ توافق فيه “حماس” على “خريطة الطريق”، وقال: “إن مساهمتهم كانت حاسمة للغاية في هذا الأمر”. (صحف 11/8/2026).

عمومًا، وبحسب الأوساط الرسمية في الولايات المتحدة ثمة نوع مَن رضيَ استجابةَ نتنياهو لطلب وقف الاغتيالات في غزة، مؤخرًا، وامتناعه عن عرقلة الجهود لإزالة الركام، وبدء العمل في بناء البنى التحتية لمدينة رفح الخضراء، وإنه على الرغم من تصريحاته تلك، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تتلقَّ أي توجيهات بتجميد الانتقال إلى المرحلة التالية في القطاع؛ إذ من المقرر أن تبدأ في (30 أغسطس/آب 2026) أعمال إنشاء القاعدة الأولى للقوة متعددة الجنسيات في رفح، في خطوة تمثل استعدادًا أوليًّا للانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق بشأن قطاع غزة.

وأكدت هذه الأوساط، بحسب التسريبات الصحفية (11/8/2026) إنه في حال كان التعنت الإسرائيلي مقتصرًا على فترة الانتخابات، فإنها تكون متحمَّلة، ولا ينبغي عمل مشكلة كبيرة منها، سيما إن الضغط الأمريكي أجبر رئيس الحكومة الإسرائيلي على التراجع مرات عدة خلال سنوات الحرب (في إيران، وفي لبنان، وفي غزة، وسوريا)؛ ولذلك ستصبر واشنطن على نتنياهو، وستسعى بكل قوتها لأن تقلِّص قدر الإمكان من التنازلات لليمين المتطرف حتى موعد الانتخابات.

هشاشة الموقف الفلسطيني.

ثمة عديد من العوامل التي تقلل من فاعلية الفصائل الفلسطينية، أو من أهمية أية مداخلة لهم، ليس في شأن غزة فقط، وإنما في الشأن الفلسطيني عمومًا، ضمنها: أولًا، ضعف أو تآكل مكانة وقدرات الكيانات السياسية الفلسطينية، أي (المنظمة، والسلطة، والفصائل). ثانيًا، النكبة التي أحاقتها إسرائيل بهم، والتي نجم عنها إحالة قطاع غزة إلى خرابة كبيرة، مع تشريد أكثر من مليوني فلسطيني فيه من بيوتهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم، وموارد رزقهم، وتحويلهم إلى رهائن للمساعدات الدولية، التي تتحكم إسرائيل بها، وهذا يضغط كثيرًا على صانع القرار الفلسطيني، ويشل قدرته على طرح أي خيار، بخاصة أن إسرائيل باتت تهيمن على الضفة الغربية، وتثقل على حياة الفلسطينيين، من كل النواحي. ثالثًا، حالة (الانقسام، والاختلاف، والتنازع) الفلسطيني، لا سيما بين “فتح” و”حماس”، علمًا بأن الأمر يتعلق، أيضًا، بسلطتين متنازعتين: واحدة لـ “فتح” في الضفة، والثانية لـ”حماس” في غزة. رابعًا، كل المعطيات (الدولية، والإقليمية، والعربية) تركز على وقف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وتفويت أي فرصة على إسرائيل لتهجير مليوني فلسطيني منها، باعتبار ذلك له الأولوية على أي هدف آخر.

على ذلك، فإن الأطراف الفلسطينية لم يعد لديها ما تقوله، أو ما تفعله، في هذه الظروف؛ لافتقادها الإمكانات والقدرات، بعد أن جربت كل خياراتها، وأيضًا بحكم تغول إسرائيل، وغياب المعطيات العربية والدولية الداعمة لهم، بحيث لم يتبقَ لهم، في المدى المنظور، سوى البحث عن سبل تقليل الخسائر ما أمكن.

هكذا، فإن الفلسطينيين يواجهون اليوم، بناء على التطورات الجديدة، عدة تساؤلات، أو تحديات: أولها، كيفية إدارة غزة؟ أو لمن السيادة في غزة؟ أو ما هو أفق المرحلة الانتقالية في غزة؟ وهذه الأسئلة تفتح على خيارين متناقضين: فمن جهة ربما يفضي هذا التطور إلى تحويل قطاع غزة إلى إقليم منفصل عن الضفة الغربية، بخاصة أن هذا ما تريده إسرائيل، أو قد تأتي تطورات تدفع باتجاه استعادة الْلُحمة بين الضفة وغزة.

أيضًا، في هذا المجال من المبكر التكهن بالمدى الزمني للمرحلة الانتقالية، أو التكهن بشأن من سيدير قطاع غزة، إن كان سيخضع لإدارة دولية، أو لإدارة فلسطينية من فلسطينيين مستقلين.

الملف الأمني، أيضًا، سيبقى أحد الملفات الإشكالية في تحديد مستقبل قطاع غزة. وعلى رغم من أن القوات الدولية، بحسب الخطة المقترحة، لن تكون بمثابة قوة شرطية، فإن وجود تلك القوات بالتأكيد سيتأثر من طريقة تعامل الفلسطينيين معه، وأيضًا من طريقة تعامل إسرائيل معه، وهي التي ترى في وجود هذه القوات عامل ضغط وقيد عليها.

في هذا الإطار، ستغدو مسألة التمويل واحدة من المسائل المهمة في تسيير، أو عدم تسيير، الأوضاع في غزة؛ إذ الحديث يدور عن ضرورة توفير موارد مالية لتأمين قوت مئات آلاف العائلات، وموازنات لإعادة بناء البني التحتية المدمرة، وإعادة إعمار البيوت، وتأمين الخدمات (الصحية، والتعليمية، والبلدية) هذا إلى جانب رواتب عشرات آلاف الموظفين.

في الملف السياسي، ستبرز مشكلة العلاقة بين اللجنة الإدارية (الفلسطينية)، المنبثقة من خطة ترامب، والسلطة الفلسطينية، لاسيما أنها الجهة الشرعية المعترف بها دوليًّا في إدارة الأراضي المحتلة 1967.

من جهة “حماس”، على الرغم من أنها أقرت بقبولها تسليم سلاحها (رغم الاختلاف على حيثيات أو تفاصيل هذا البند)، وأقرت بالتخلي عن سلطتها في قطاع غزة، بعد حلها الجهة الإدارية المكلفة منها بإدارة القطاع، إلا أن هذا وذاك لا يفيد بمعرفة حجم النفوذ السياسي الذي سيبقى لها بين فلسطينيي القطاع، بعد طي مسألة السلاح، وكيف ستتدبر ذلك؟ وما التفاعلات الفلسطينية التي ستنشأ عن ذلك؟ وما ردة الفعل الإسرائيلية عليه؟

مع كل ذلك، ستظل إسرائيل تسعى لأن تكون صاحبة الكلمة الفصل في شأن وضعية فلسطينيي قطاع غزة، على الأرجح، وضمن ذلك ما يخص سماحها، أو تقييدها، دخول المساعدات، والمواد اللازمة لإعادة الإعمار، وصولًا إلى انسحابها، أو مدى انسحابها، من قطاع غزة.

والخلاصة: فمن الصعب التكهن بمآلات خطة ترامب، ومجلس السلام في غزة؛ لأن ذلك سيظل مرهونًا بأفق الحرب الأمريكية ضد إيران، وبتطورات الوضع الإقليمي، مع صعود دور كل من (السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان) هذا إضافة إلى ارتهانه بالتحولات السياسية في إسرائيل بعد الانتخابات القادمة.

اظهر المزيد

ماجد كيالي

بــاحــث فلسطيــني - سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى