2026اسئلة ما بعد الحرب الامريكية الايرانيةالعدد 207

انسحاب أمريكي من الشرق الأوسط؟

بعد أسابيع قليلة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (فبراير 2026)، وبعدما ظهر التعثر واضحًا في تحقيق الأهداف التي أعلنتها القوى المهاجمة، ظهرت أصوات، خافتة في البداية ثم عالية مع مرور الوقت، تعقد المقارنات والمشابهات بين هذه الحرب وحرب أخرى دارت رحاها منتصف القرن الماضي في الشرق الأوسط أيضًا، وكان من شأنها تغيير ميزان القوى، ليس في المنطقة، وإنما في العالم بأسره.

 الحرب المقصودة هي حرب السويس 1956، والمعروفة مصريًّا بالعدوان الثلاثي، والتي شنتها كل من (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل) على مصر بغرض معلن هو إعادة السيطرة على قناة السويس، وآخر – ظهر بعد وقتٍ قصير- وهو إسقاط النظام الجديد في مصر. وكان أن انتهت هذه الحرب إلى نتيجة غير متوقعة؛ إذ إنه برغم القوة العسكرية الهائلة للأطراف التي شنتها في مواجهة مصر التي كانت تخطو خطواتها الأولى نحو الاستقلال الكامل، فقد أخفقت هذه القوى في الإطاحة بالنظام، بل واُضطرت للانسحاب المُذل بعد أن تدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ليس فقط لرد الدول المعتدية على أعقابها، وإنما لوضع نقطة النهاية لحقبة الهيمنة البريطانية-الفرنسية على الشرق الأوسط. وعلى نحو غير متوقع، صارت الحربُ إيذانًا بانتهاء حقبة النظام المتعدد الأقطاب الذي ساد العالم منذ القرن التاسع عشر، ونقطة انطلاق لنظام جديد هو “القطبية الثنائية”.

ولا تخفى نقاط التشابه وبواعث المقارنة بين حرب السويس والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مع ملاحظة أن الأخيرة لم تتم فصولًا بعد. فكلا الحربين شنتهما قوى كبرى في عصرها على دولة تُعد بكل المقاييس أضعف كثيرًا، وكلتا الحربين صادفت تعثرًا غير متوقع في تحقيق الهدف، الذي تعلق – ضمنًا- بإزاحة النظام القائم في البلد المستهدف. وكلاهما يُنتظر أن يُرتب تبعاتٍ على النظام القائم في منطقة الشرق الأوسط، وربما في العالم، وهذا ما حمل عددًا من المعلقين والمؤرخين الثقات، ومن بينهم المؤرخ البريطاني الأشهر السير “نيل فيرجسون”، على التنبه إلى عقد هذه المقارنة ذات الدلالة.

وبرغم ما تنطوي عليه المقارنات التاريخية من مخاطر ومزالق؛ إذ لا حدث تاريخيًّا يُشبه الآخر تمامًا، فإن الخلاصة الأهم –فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط- هو أننا أمام حرب شنتها القوة التي تُمثل الضامن للنظام القائم في المنطقة منذ عقود (الولايات المتحدة)، بالمشاركة مع حليفتها الأهم (إسرائيل)، وأن هذه الحرب لم تنتهِ إلى تحقيق الأهداف التي وُضعت لها، بل توشك أن تنتهي إلى نتيجة غير متوقعة وهي إعطاء “نفس جديد” وقوة إقليمية أكبر للبلد الذي سعت لسحقه (إيران). وهذه النتيجة –إن تحققت- ربما تؤدي لواحدٍ من أهم التغيرات الإستراتيجية في الشرق الأوسط المعاصر: انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.

التفاوض بداية الانسحاب؟

 لقد استمرت الحرب التي قيل أنها لن تتجاوز ستة أسابيع أكثر من ستة شهور (حتى كتابة هذه السطور)، وخلال هذه الفترة تخللت العمليات الحربية فتراتٌ طويلة من وقف إطلاق النار، ومحاولات للوساطة، ومباحثات مباشرة بين الطرفين. وتحمل مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في يونيو 2026 (والتي انهارت لاحقًا تحت وطأة الخروقات المتعددة، وسوء الفهم المتبادل، وارتفاع سقف المطالب الإيرانية) دلالات مهمة بشأن الطريقة التي تتصورها الولايات المتحدة لإنهاء هذه الحرب عبر التفاوض.

وليس للحروب بين الدول سوى نتيجتين محتملَتين في أغلب الأحوال: فإما أن ينجح طرف في إخضاع إرادة الطرف الآخر بشكل كامل ونهائي، وفي هذه الحالة يجري التفاوض على اتفاق استسلام. وإما أن تصل الحرب إلى ما يُشبه الطريق المسدود وتنتهي بتفاوض يُفضي إلى تسوية تعكس الواقع القائم لحظة انتهاء العمليات العسكرية. ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي وحليفه الإسرائيلي كانا يستهدفان نتيجة أقرب إلى الحالة الأولى، أي الاستسلام الكامل من جانب إيران (عبر إسقاط النظام، أو تغييره جوهريًّا). وقد أطلق الرئيس ترامب تصريحاتٍ تحمل هذا المعنى بالفعل، فيما كشفت تحقيقات صحفية موثوقة عن مخطط إسرائيلي لتغيير النظام عبر قطع رأسه –وهو ما حدث فعلًا- ثم طرح قيادة بديلة.

على أن الأحداث لم تسرِ في هذا الاتجاه، وتعثرت الخطط، وبدا واضحًا- بعد أسابيع من القتال- أن قدرة إيران على التكيف مع الضربات الأمريكية الإسرائيلية أكبر بكثير مما كان متصوَّرًا، بل وظهر أن لدى طهران استعدادًا أعلى كثيرًا للمخاطرة والمبادءة وتوسيع جغرافيا العمليات العسكرية، بل واستغلال الجغرافيا على نحو إستراتيجي فعَّال- كما ظهر في إغلاق مضيق هرمز. وفي المقابل، أظهرت الولايات المتحدة ميلًا محدودًا لتحمل التكلفة التي ينطوي عليها تحقيق الهدف النهائي للحرب، وهو كسر إرادة الطرف الإيراني سواء بتغيير النظام أو استبداله، أو بالتخلي الكامل عن سياساته الأساسية (السلاح النووي، والبرنامج الصاروخي، وشبكة الجماعات المنضوية تحت ما يُسمى بـ “محور المقاومة”).

وكان من نتيجة هذا كله أن اختارت الولايات المتحدة الانخراط في عملية تفاوضية مع إيران. ولا تخفَى دلالة هذا الاختيار؛ إذ ينطوي – ضمنًا- على اعتراف بالفشل في تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية وحدها، والذهاب إلى مسار التسوية، بما يقتضي بالضرورة تقديم تنازلاتٍ، بل إن مجرد الجلوس للتفاوض مع إيران يحمل بين طياته كذلك دلالة أخرى مهمة وهي الإقرار بإيران كقوة إقليمية رئيسة في المنطقة. وليست تلك هي المرة الأولى التي تذهب فيها الولايات المتحدة إلى هذا الخيار، فقد اختارت إدارة أوباما الثانية أيضًا بديل التفاوض مع إيران كسبيل لحل المعضلة النووية، وكانت النتيجة الأهم لهذا – وبغض النظر عن محتوى الاتفاق نفسه والخلافات في شأن تقييمه- هو اعتراف بدور إقليمي بارز لإيران، وهو ما حدث بالفعل في أعقاب التوصل إلى الاتفاق النووي مع طهران في 2015.

أما مسار التفاوض على مذكرة التفاهم، ومحتوى المذكرة نفسها، فيُشير بجلاء إلى التسليم الأمريكي بالمنطلقات الإيرانية الجوهرية، بل وبدورٍ إقليمي لها، ولا شك أن أخطر هذه الجوانب تعلَّق بشمول لبنان في الاتفاق، والنص على وقف الضربات الإسرائيلية، بما يعني تفاوض طهران نيابةً عن الحكومة اللبنانية (من دون رغبة الأخيرة)، وبما يُشير إلى التسليم بالحماية التي تسبغها إيران على واحد من أهم وكلائها في المنطقة؛ أي حزب الله.

وفي حين أجَّلت مذكرة التفاهم حسم مسألة السلاح النووي وتخصيب اليورانيوم –وهي من مبررات الحرب الرئيسة- لتفاوض لاحق عبر النص على تجميد الوضع الحالي، فإن الإشارة الأخطر تمثلت في منح إيران الحق في “عمل ترتيبات” في مضيق هرمز، مع التزامها بعدم فرض رسوم خلال مدة ستين يومًا، ويُفهم من ذلك –بمنطق المخالفة- أنه قد يحق لها فرض الرسوم بعد انقضاء هذه الفترة!. 

وإذا أُخذت هذه الإشارات كلها بشكلٍ مجمع (لبنان، السلاح النووي، هرمز) فإنها لا تُؤشر فقط لاستعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات واضحة لإيران، وإنما إلى رغبة عارمة لدى الولايات المتحدة في “التخارج” من هذه العملية العسكرية بأسرع وقتٍ ممكن، وعدم التورط فيما صار يُشار إليه في سياق النقاش الداخلي الأمريكي بـ “حروب بلا نهاية”. ولا شك أن طهران نفسها قد أدركت هذه النزعة لدى الإدارة الأمريكية بوضع حد فوريٍ للعملية العسكرية، وعلاقة ذلك بانتخابات التجديد النصفي الوشيكة (نوفمبر 2026) ذات الأهمية الحاسمة للفترة المتبقية من رئاسة ترامب. وربما شجَّع هذا إيران للتمترس والتشدد أكثر، وتصعيد المطالب؛ لانتزاع تنازلاتٍ إضافية من الولايات المتحدة. لقد أدركت إيران أن نتائج هذه الحرب قد تُفضي إلى فرصة غير مسبوقة وغير متوقعة بتحقيق هدفٍ غالٍ طالما سعت إليه لعقود، وهو دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من المنطقة؛ وبحيث تصير هي –أي طهران- القوة المهيمنة بشكلٍ كامل على منطقة الخليج.

وبرغم انهيار مذكرة التفاهم لاحقًا، وانخراط الولايات المتحدة وإيران في ضربات متبادلة في يوليو 2026، ثم عودة الحديث عن اتفاق جديد حول هرمز، ثم اختيار الإدارة الأمريكية للحرب الاقتصادية كوسيلة جديدة للضغط على النظام الإيراني بإعلان ما يُسمى “يوم الإنزال الاقتصادي”… برغم هذه التطورات كلها، فإن نمط التفاوض الذي كشفت عنه الصيغة التي تم التوصل إليها في مذكرة التفاهم في يونيو 2026 يكشف بجلاء عن أن الرغبة الأمريكية في الفكاك من الحرب، وفك الارتباط مع المنطقة، تتجاوز بكثير الرغبة في تحقيق انتصار كامل في هذه الحرب، وما يقتضيه تحقيق هذا الانتصار من التزاماتٍ مكلفة وأثمان لا يبدو أن الساحة الأمريكية (إدارة، وشعبًا) مهيأة للوفاء بها. كما تعكس التنازلات الأمريكية الواردة في هذه المذكرة -في مقابل المكاسب الإيرانية الواضحة- انعدام اكتراثٍ واضحًا بالحفاظ على أسس النظام الأمني الذي أرسته الولايات المتحدة في المنطقة منذ 1991، وعلى رأسها اضطلاع واشنطن بدور “الضامن الأمني” للنظام القائم فيها. بل إن المذكرة تعكس ما يُمكن توصيفه بـ “تخفف” الولايات المتحدة من هذا العبء، وانسلاخها من هذا الدور، وتسليمها –في المقابل- بأدوارٍ ومزايا للقوى الإقليمية ذات التأثير (إيران في هذه الحالة)، وبغض النظر عن مناوءة هذه القوى للأجندة الأمريكية ولحلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة.

جذور الانسحاب الأمريكي.

يرتكز الدور الأمريكي في المنطقة إلى حدثٍ مهم هو حرب الخليج الثانية، أو حرب تحرير الكويت 1991. في أعقاب هذه الحرب، وعلى أساس نتيجتها التي تمثلت في هزيمة الجيش العراقي وطرده من الكويت، أقامت الولايات المتحدة نظامًا أمنيًّا في المنطقة يقوم على التواجد العسكري المُباشر، والاضطلاع بدور “الضامن” لاستقرار النظام الإقليمي وأمن الدول، وبخاصة في الخليج. ووجدت الولايات المتحدة في هذا النظام ما يُحقق مصالحها المباشرة والتي تتمثل في تدفق النفط بأسعار مقبولة، وحماية إسرائيل، والحيلولة دون سيطرة أي قوى كبرى مناوئة على الشرق الأوسط. وهيأ الوجود الأمريكي العسكري المباشر للولايات المتحدة الاستمرار في تطويق واحتواء واحدة من أخطر القوى الإقليمية المناوئة منذ 1979؛ أي إيران. وتزامن تأسيس هذا النظام في المنطقة مع انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة العالمية فيما عُرف بـ “نظام القطب الواحد”. وسعت واشنطن لترسيخ هذا النظام الإقليمي الجديد وتعزيزه عبر الدفع بعملية سلامٍ تضع الأساس لتعايش بين العرب وإسرائيل في الإقليم (مدريد 1991)، انطلاقًا من تسوية النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي وفقًا لحل الدولتين (أوسلو1993).

ومنذ تأسيس هذا النظام (الأمني/السياسي) في المنطقة ظلت جدواه دومًا محل نقاش داخلي في الولايات المتحدة، وقد تعهد كل رئيس أمريكي تقريبًا منذ بيل كلينتون (1992-2000) بصورة أو بأخرى، بتخفيف الالتزام والتواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ولكن الأحداث والتطورات –وعلى رأسها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001- ظلت تجذب الولايات المتحدة لتورط أشد، و”بصمة عسكرية ” أكبر في الشرق الأوسط، لا سيما بعد الحروب التي خاضتها واشنطن بعد 11 سبتمبر في العراق وأفغانستان. وقد كان من نتيجة هذه الحروب (التي تجاوزت كلفتها 8 تريليون دولار) أن تعالت أصواتٌ في الداخل الأمريكي تُنادي بالانسحاب من الشرق الأوسط كضرورة إستراتيجية وكنتيجة لتصاعد التكلفة والخسائر المادية والبشرية بما لا يجعل التواجد العسكري الأمريكي مُجديًا بحسابات التكلفة/العائد.

ومنذ بداية التواجد العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة، ظهرت تيارات في مؤسسة الدفاع والسياسة الخارجية الأمريكية تُحذر من تبعات هذا التواجد على المدى الطويل بالنظر إلى النتائج الجانبية التي أفضى إليها، ومن بينها: تزايد العداء الشعبي للولايات المتحدة في المنطقة، وبزوغ تيارات إسلاموية متطرفة تُبرر خطابها بمواجهة هذا الوجود الأمريكي (على رأسها القاعدة). فضلًا عن أنه صار واضحًا أن التواجد العسكري، في صورة شبكة من القواعد المنتشرة في عددٍ من الدول، يُحتم المزيد من التورط الأمريكي مع الوقت لحماية هذه القواعد نفسها، وصولًا إلى الاحتلال المباشر لدولة كما حدث مع العراق منذ عام 2003، مع كل ما أفضت إليه هذه المغامرة من خسائر هائلة للولايات المتحدة والعراق والمنطقة بأسرها التي انتهت إلى وضع أقل أمنًا واستقرارًا وأشد فوضوية، بل ومهدت هذه الحرب نفسها لخصم الولايات المتحدة الأول في المنطقة –أي إيران- بالتمدد الإقليمي وبناء شبكات النفوذ.

وقد بدأ التيار الداخلي المؤيد للانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط يكتسب المزيد من الأرض والمصداقية بعد التجربة الفاشلة في العراق، وكانت النتيجة الأهم لتصاعد هذا التيار هي الانسحاب الأمريكي من العراق في عهد أوباما (2011) والذي يُعد نقطة البداية الحقيقية لمسار الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وبرغم أن هذا الانسحاب لم يكن كاملًا، وبرغم أن تطورات الأحداث قد دفعت الولايات المتحدة لمزيد من التورط بعد سنوات قليلة فقط لمواجهة خطر “داعش” في 2014، إلا أن الاتجاه العام صار واضحًا في الولايات المتحدة برفض المزيد من التورط في حروب الشرق الأوسط، والأهم ضرورة التخفف من عبء الالتزامات الأمنية والتواجد العسكري اللذين يجذبان الولايات المتحدة مرة بعد مرة إلى المنطقة كلما قررت الفكاك منها!

وظهرت في عهد أوباما حجج مختلفة تُبرر الانسحاب الأمريكي، من بينها –وربما على رأسها- مراجعة الدور الأمريكي على المسرح العالمي، وما يقتضيه ذلك من تركيز اهتمام أكبر على جبهاتٍ أشد التصاقًا بالمصالح الأمريكية، مثل: المسرح الهندي-الهادي، ومواجهة النفوذ الصيني هناك. وبرزت حقيقة جديدة تتعلق بتحول الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز، ومن ثمّ تراجع اعتمادها على بترول الشرق الأوسط (وإن ظل لديها اهتمام أصيل باستمرار تدفقه الذي يعتمد على حرية الملاحة البحرية، واستقرار سعره الذي يؤثر على حالة الاقتصاد العالمي، فضلًا عن ضمان عدم سيطرة قوة مناوئة عليه).

وفيما يتعلق بإسرائيل، بدا مع الوقت أن الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل قد تجاوزه الزمن، وقد صارت القوة العسكرية الأشد تأثيرًا في المنطقة، وتحولت إلى وضع هجومي واستباقي. كما أن المنطق الذي رافق النظام الأمني الشامل الذي كانت الولايات المتحدة ترعاه في المنطقة، والذي ارتكز على السعي إلى تسوية فلسطينية-إسرائيلية تقود إلى سلام إقليمي… هذا المنطق بدا غير قابل للتحقيق في أي وقت قريب؛ بسبب الانزياح الإسرائيلي لليمين، خاصة في العقد الثاني من الألفية الحالي، وما انطوي عليه ذلك المد اليميني من انزواءٍ لحل الدولتين، وموت سريري لعملية السلام.

ومع الوقت بدأت التصدعات تظهر في النظام الأمني القائم في المنطقة، والذي تلعب الولايات المتحدة دور الضامن له؛ ففي 2011 أفضت انتفاضات ما يُعرف بـ “الربيع العربي” إلى سقوط عدد من الأنظمة القريبة من الولايات المتحدة، وبدت الأخيرة عاجزة عن التدخل في الأحداث، بل كان موقفها في ظل إدارة أوباما مُلتبسًا، بما أرسل رسالةً خطيرة إلى جميع الأطراف، لا زالت أصداؤها تتردد إلى اليوم، بعدم جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة في اسناد النظام الإقليمي وفاعليه الأساسيين. وفي 2013، تراجع أوباما عن التدخل في سوريا بعد أن كان قد أعلن أن استخدام الأسلحة الكيماوية يُمثل خطًا أحمر يُحتم التدخل، فكان ذلك شرخًا جديدًا في جدار المصداقية الأمريكية، ثم كان أن اختار أوباما التفاوض سبيلًا لمعالجة الخطر النووي الإيراني وتوصل إلى اتفاق مع طهران في هذا الخصوص في 2015، مما زاد من شكوك دول المنطقة في مدى مصداقية الدور الأمريكي في المنطقة، وأعطى رسالة واضحة بأن أمريكا بصدد الانسحاب في نهاية المطاف.

وعلى الرغم من تذبذب سياسة ترامب في ولايته الأولى منذ 2016 (بما في ذلك انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران في 2018، والذي طمأن بعض اللاعبين في المنطقة) إلا أن حدثًا مهمًّا قد أعطى نفس الرسالة المُقلقة وهو الهجوم على مصافي أرامكو في السعودية، والذي نُسب لإيران في سبتمبر 2019، والذي لم تفعل حياله الولايات المتحدة شيئًا بشكل مباشر (وإن كانت قد قامت باغتيال “قاسم سليماني” في العام التالي). وفي كل الأحوال، فإن جانبًا مهمًّا من خطاب ترامب قام على انهاء التورط الأمريكي في “الحروب الأبدية”، وقد ظهر ذلك على نحوٍ أوضح في ولايته الثانية مع بزوغ حركة “ماجا” وتأثيرها الكبير في اليمين الأمريكي الجديد، وما تبنته من خطابٍ يقوم على التشكيك في جدوى الدور الأمريكي العالمي بشكل عام، وليس فقط في دورها في الشرق الأوسط.

خلاصة: شرق أوسط من دون أمريكا؟

لا شك أن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، والنتيجة الملتبسة وغير المرضية (أمريكيًّا) التي انتهت إليها، ستُعطي دفعة كبيرة للتيارات الداخلية التي تُنادي بالانسحاب من المنطقة بأسرها. لقد أفضت الحرب إلى تعظيم المخاطر التي ادعت التدخل من أجل القضاء عليها، فبدلًا من تعزيز حرية الملاحة البحرية وضمان تدفق النفط، مُنحت إيران سلاحًا جديدًا –يعتبره بعض الإيرانيين أشد فاعلية من السلاح النووي- هو التحكم بمضيق هرمز، وبما يؤثر على استقرار أسعار الطاقة التي تُعد المصلحة الأولى للولايات المتحدة في المنطقة.

وبدلًا من أن تُسهم شبكة القواعد الأمريكية في المنطقة في حماية دولها ومقدرات هذه الدول، ظهر واضحًا أن هذه القواعد الأمريكية صارت عبئًا على الدول نفسها، وهدفًا مستمرًا للهجمات الإيرانية. وبدلًا من تطويق الدور الإيراني في المنطقة، فقد أعطت الحرب لإيران والجماعات المرتبطة بها فرصة جديدة لتهديد الدول العربية. وبرغم ما أظهرته هذه الدول، بمساعدة الولايات المتحدة، من قدرة لافتة على التصدي للتهديدات الإيرانية والدفاع الفعَّال عن مقدراتها، إلا أن التطورات الأخيرة في مجالات التكنولوجيا العسكرية جعلت توفير دفاع كامل وشامل، مسألة أقرب إلى الاستحالة، على الأقل في الأجل المنظور وفي ضوء التكنولوجيا المتوفرة حاليًّا.

ومن زاوية الإستراتيجية العالمية، فقد أظهرت الحرب كذلك أنها تُمثل خصمًا معتبرًا من وضعية الولايات المتحدة العسكرية الشاملة، وبما يُقلص قدرتها على مواجهة خصومها الرئيسين (الصين، وروسيا)؛ وذلك بسبب ما يُسمى بحساب الصواريخ الاعتراضية التي تُستخدم في مجال الدفاع الجوي (منظومات “ثاد”، و”باتريوت”)، والتكلفة الهائلة لهذه الصواريخ في مقابل المسيرات الرخيصة التي تُستخدم في الهجوم، فضلًا عما يستغرقه إنتاجها لتعويض المخزون من وقتٍ طويل، بما يجعل الولايات المتحدة مُعرضةً، وفي وضع أضعف في أية مواجهة محتملة في المسرحين (الآسيوي، والأوروبي). وقد أشارت أصواتٌ مختلفة إلى أن هذين المسرحين بالذات هما الأكثر أهمية فيما يتعلق بالمصلحة الأمريكية، مقارنةً بمسرح الشرق الأوسط الذي لا يُمثل مصلحة مُلحة. وقد دعم حجة هذا الاتجاه أيضًا ما ظهر من الإحجام الصيني والروسي عن التدخل في الحرب على إيران بأي صورة فعّالة أو مؤثرة، بما يُشير إلى أن التخوف من سيطرة قوة أخرى على المنطقة لا أساس له، فلا الصين تسعى لأن تحل محل الولايات المتحدة كضامن لأمن المنطقة (بكل ما ينطوي عليه ذلك من كُلفة ومخاطر تُدركها بكين جيدًا)، ولا روسيا تستطيع القيام بهذا الدور، خاصة بعد أن فقدت أهم حلفائها بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024.

لقد أدى عجز الولايات المتحدة عن تحقيق الهدف العسكري الإستراتيجي من وراء الحرب، وبرغم النجاحات التكتيكية الواضحة في إضعاف إيران على كافة الأصعدة، إلى وضع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة محل التساؤل والتشكيك، وظهر التشكيك من داخل أمريكا نفسها، كما انعكس في تصاعد الشواغل لدى اللاعبين الإقليميين الأساسيين الذين صارت لديهم تساؤلات واضحة حول جدوى الوجود العسكري الأمريكي، وما إذا كان هذا الوجود قيمة مضافة للأمن، أم عبئًا يتعين التخلص منه.

وحتى هذه اللحظة، بينما الحرب لم تتم فصولًا، لا زالت هذه الأسئلة حائرة بلا أجوبة واضحة أو حاسمة، لقد بات في حكم المؤكد أن صورة الوضعية العسكرية الأمريكية في المنطقة سوف تتغير وتتبدل لتلائم المتغيرات المختلفة، لا سيما على صعيد التكنولوجيا العسكرية الجديدة المرتبطة بالمُسيرات والصواريخ الرخيصة؛ إذ لم تعد شبكة القواعد العسكرية التقليدية المنتشرة في عدد من الدول بالمنطقة تُلائم الهدف المطلوب أمريكيًّا، أو تحقق الأمن المنشود لدول المنطقة. مع ذلك، فإن فكرة الانسحاب الأمريكي ستظل سؤالًا معلقًا في الأجل المنظور؛ إذ ليس من السهولة والإمكان استبدال نظام أمني استقر في المنطقة لنحو أربعة عقود، لا سيما من دون وجود بديل واضح له.

ربما تبحث دول المنطقة عن “مُكملات” للدور الأمريكي في المنطقة، أو تنخرط فيما يُعرف بـ “التحوط” بعدم ترك البيض كله في السلة الأمريكية عبر مد الجسور مع قوى أخرى (بمن فيها إيران نفسها)، أو أن تتجه هذه الدول إلى المزيد من الاعتماد على الذات والاستقلال الإستراتيجي (تحالف مكة). لكن هذه الإجراءات كلها لن تعوِّض الدور الأمريكي في الأجل المنظور. ويُلاحظ هنا، أن أزمة السويس –التي بدأنا هذا المقال بالإشارة إليها- لم تؤدِ على نحوٍ فوري إلى أفول بريطانيا وفرنسا، وبزوغ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وإنما استغرق الأمر سنوات لتبلور النظام الأمني الجديد في المنطقة، فحاربت فرنسا لسنوات في الجزائر قبل الانسحاب، ولم تنسحب بريطانيا من الخليج العربي سوى في عام 1971. وبالمثل، فإن الانسحاب الأمريكي من المنطقة –إن حدث- فسيكون تطورًا تدريجيّا وليس حدثًا مفاجئًا.

المؤكد أن الحال في المنطقة بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، ويعتمد ذلك في المقام الأول على الطريقة التي ستنتهي بها والنتيجة التي ستؤول إليها. ومن الواضح، أن أية نتيجة تنطوي على بقاء النظام الإيراني –حتى مع ضعفه البادي- ستجعل كافة الأطراف (الداخل الأمريكي، دول المنطقة) تُشكك بصورة أكبر، وبصوتٍ أعلى، في مدى جدوى النظام الأمني الذي تضمنه الولايات المتحدة في المنطقة، بعد أن كشفت الحرب عجزًا أمريكيًّا عن الاضطلاع بهذا الدور الضامن.

اظهر المزيد

جمال أبو الحسن

كاتب ودبلوماسي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى