2026العدد 207ملف عربي

جدلية النفوذ العائلي وصراع الجماعات المسلحة في خضم التنافس الدولي والإقليمي في ليبيا

مقدمة:

بعد مرور عقد ونيف على ثورة فبراير التي أطاحت بالنظام الليبي السابق، في نهاية أكتوبر2011، ما زالت البلاد تعيش وقعَ التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للوضع السياسي المتفاقم وغير المستقر. كما رافق الانسداد المؤسساتي الذي تبلور في ظل عجز الفرقاء الليبيين في التوصل لحل سياسي مستدام للأزمة القائمة، والصدامات المباشرة بين الجماعات المسلحة نتيجة التدخلات الخارجية العبثية في ليبيا.

لا يمكن فهم طبيعة المشهد الليبي الداخلي وأبعاده وتداعياته، بمعزل عن العلاقة الجدلية بين الفواعل الرئيسة على الأرض، وكذا سياقاته (المحلية، والخارجية) بدءًا من شبكات النفوذ العائلي التي تسعى بكل قوة لترسيخ وتعزيز شرعيتها عبر شبكات ممتدة، وتوظيف الريع النفطي كأداة لشراء الولاءات وتثبيت بقائها لأطول فترة ممكنة؛ ليمتد أثر ذلك إلى الجماعات المسلحة التي لم تعد مجرد مجموعات خارجة عن القانون فحسب، بل تحولت إلى شبكات مصالح مسلحة ذات طبيعة أمنية واقتصادية مدمجة في صلب ميزانيات الدولة، استطاعت التغلغل في مؤسسات الدولة ومواردها المالية، وإعادة إنتاج نفوذها عبر السيطرة على مصادر الثروة ومسارات توزيعها. وفي ظل هذا الواقع، باتت الأطراف المتنافسة تسعى لضمان بقائها وتعظيم عوائدها السياسية والاقتصادية، بعيدًا من العودة إلى الصراع العسكري المباشر مجددًا.

تكثفت الاتصالات بين القوى الدولية والإقليمية والفاعلين المحليين، بعد ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف فبراير 2021. وفي هذا السياق، برزت أنماط متعددة ومختلفة من النفوذ في شرق البلاد وغربها، وإن اختلفت أدواتها ووسائلها؛ ففي حين ارتبط النفوذ في بعض المناطق بتعزيز البنية العسكرية والأمنية وبناء شبكات مؤسساتية موازية، ارتبط في مناطق أخرى بالسيطرة على مفاصل السلطة التنفيذية والموارد المالية وشبكات الأعمال والعلاقات الاجتماعية، مما أدى إلى بروز حالة من التنافس بين مراكز قوى متعددة، تتلاقى مصالحها حينًا وتتقاطع حينًا آخر. الأمر الذي انعكس على مسار بناء الدولة وفي قدرة مؤسساتها الرسمية على أداء وظائفها بصورة مستقلة، وهو ما أسهم في تعقيد هذه المعادلة، مما نتج منه حالة من الاحتواء لاستمرار الوضع الراهن.

لقد هيأت الجغرافيا الليبية المتنوعة بتفاعلاتها المتناقضة، وفي مقدمتها: الضعف المؤسسي، والتناقضات القائمة بين الفرقاء، والصراع فيما بينها للاستئثار بالسلطة_ المجال أمام القوى الخارجية الفاعلة للعب على تلك المتناقضات، وباتت تتنافس فيها، من خلال توفير شبكات أمان دولية ودعمًا لوجستيًّا للأطراف المحلية، سواء كانوا نخب حاكمة أو جماعات مسلحة، أو مراكز القوى المحلية؛ لمنع سقوط أي طرف محلي. وفي الوقت نفسه، لا يمنح فرصة حسم الصراع لصالح طرف على حساب آخر، مما يكرِّس حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد، وتجسَّد ذلك في إشكالية التفاعل والتداخل بين (العائلة، السلاح) مع ضغوط الخارج المتمثل في التنافس (الدولي، والإقليمي)، بحسبان ذلك مأزق يعيق عودة الأمن وتثبيت دعائم الاستقرار والدولة موحدة بمؤسساتها. ومن ثم، فإن فهم الأزمة الليبية يتطلب تجاوز التفسير القائم من منظور الانقسام السياسي وحده، والنظر إليه باعتباره نتاجًا لتفاعل مجموعة من المتغيرات المتمثلة في: شبكات النفوذ العائلي، والجماعات المسلحة، وضعف المؤسسات، والموارد الاقتصادية، والتنافس (الدولي، والإقليمي).

أولًا: جدلية النفوذ السياسي والعسكري العائلي في المشهد الليبي.

يمثل النفوذ العائلي السياسي والعسكري في المشهد الليبي أحد أبرز مظاهر التحول الذي طرأ على بنية الدولة ما بعد عام 2011؛ فقد انتقل الصراع تدريجًا من كونه صراعًا حول التوجهات السياسية إلى صراع أكثر تعقيدًا حول السلطة والموارد والنفوذ وهيبة الحضور، في ظل غياب مؤسسات مركزية قادرة على القيام بمهامها وفرض قواعد موحدة على مختلف الفاعلين في شرق البلاد وغربها على حد سواء.

وأيًّا يكن، فثمة إقرار بأن التفاعلات البنيوية العائلية السياسية في ليبيا تدمج بين: النفوذ العسكري والأمني، والقدرة المالية والاقتصادية، والشرعية القانونية أو السياسية؛ إذ لا يمكن لأي عائلة سياسية الاستمرار في احتكار المشهد دون تأمين التوازن الفاعل بين الثلاثي المتمثل في (السلاح، والمال، والغطاء السياسي)؛ حيث تتماهى الحدود الفاصلة بين الملكية الخاصة والشأن العام، وتدار أجهزة الدولة ومواردها السيادية كأصول ريعية تضمن بقاء واستمرار النفوذ العائلي بل وحتى توريثه في أغلب الأحيان.

وبهذا يتبيَّن أن هناك اتجاهين بارزين يفسران طبيعة المشهد السياسي والأمني الليبي: يتمثل الاتجاه الأول في شرق البلاد؛ حيث اتخذ النفوذ المحلي طابعًا أكثر ارتباطًا بالمؤسسة العسكرية والأمنية، حيث جرى العمل على بناء منظومة أمنية ذات هيكل هرمي، وربط عدد من التشكيلات المحلية بها، مما أسهم في تعزيز قدرة هذه المنظومة على بسط نفوذها على مساحات واسعة من البلاد، خصوصًا في الشرق والجنوب الليبي، كما ارتبط هذا المسار بمحاولات إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وتوفير الموارد المالية اللازمة لاستمرارها، مع أهمية الحفاظ عليها من أية محاولة انشقاق أو تآكل داخلي يضُّر بها.

لم يقتصر النفوذ عند المجال العسكري فحسب، بل امتد إلى مجالات أخرى تتعلق بالتنمية وتقديم الخدمات؛ حيث شهد تحولًا إستراتيجيًّا عبر تأسيس أطر ومؤسسات لتنفيذ مشروعات البنية التحتية والإعمار، الأمر الذي أدى إلى اتساع شبكة المصالح الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوى المحلية، وفتح قنوات اتصال للتعامل مع شركات (محلية، وإقليمية، ودولية كبرى).

أما الاتجاه الثاني، فقد ارتبط بالنفوذ السياسي في غرب البلاد، بصورة أكبر من خلال السيطرة على مؤسسات السلطة التنفيذية ومفاصل الإنفاق العام والموارد المالية، إلى جانب بناء علاقات مع تشكيلات مسلحة لها تأثيرها ونفوذها في العاصمة والمناطق المحيطة بها. وأصبحت إدارة العلاقة مع هذه التشكيلات إحدى الآليات المهمة للحفاظ على التوازن السياسي والأمني، من خلال استيعاب بعضها أو دمجها بشكل جزئي في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، أو إعادة توزيع المواقع والمهام الأمنية بما يضمن عدم تحولها إلى مصدر تهديد مباشر لمراكز السلطة.

يقود هذا الطرح إلى الاستنتاج بأن هذه الصورة ليست إلا تجسيدًا لكل مقومات الهيمنة العائلية، باعتبارها انعكاسًا لتداخل الأبعاد (السياسية، والأمنية، والمالية) في إدارة السلطة. فالتعامل المالي والسياسي مع التشكيلات المسلحة يمثل إستراتيجية معقدة عبر شراء الولاءات بهدف تثبيت دعائم السلطة، عبر تقديم كل أشكال الدعم المالي وإبرام العقود وإسناد بعض المناصب والمهام الأمنية لعناصر وقيادات مرتبطة بهذه التشكيلات، مما يحدُّ من احتمالات تحولهم إلى مصدر تهديد مباشر للحكومة، ويضمن استمرار التوازنات القائمة بما يسهم في المحافظة على مستوى من الاستقرار الأمني والسياسي ويعزز من قدرة الحكومة على إدارة المشهد في العاصمة (طرابلس). 

هذا التحول ربما يعكس نكوصًا عن فكرة “مؤسسات الدولة” لصالح حوكمة الغنيمة؛ حيث بات ينظر إلى الميزانيات العامة وعوائد النفط كأصول خاصة يتم توظيفها بشكل أو بآخر لضمان بقاء العائلة وحماية نفوذها واستمالة الخصوم، خصوصًا من النخب السياسية والناشطين المعارضين_ بالمناصب والعطايا وكذلك عبر شراء الولاءات.

ثانيًا: صراع الجماعات المسلحة وأزمة الشرعية.

أسهمت الانقسامات السياسية في تعميق أزمة الأمن في ليبيا. فمن جهة، أزكت هذه الانقسامات حدّة المواجهات المسلحة بين الأطراف المتخاصمة، ومن جهة أخرى، أوجدت الفراغ السياسي والقيادي الذي أوجد الفرصة السانحة لظهور وبروز الجماعات المسلحة التي ترفض الخضوع للسلطة المركزية، وتحاول السيطرة على موارد البلاد ومرافق البنية التحتية فيها، وقد أدى الصراع فيما بين هذه الجماعات إلى تدهور الوضع الإنساني في كافة أرجاء البلاد.

وقد تطورت هذه الجماعات من تشكيلات نشأت في سياق الصراع إلى كيانات تمتلك قدرات (عسكرية، وأمنية، واقتصادية)، وأصبحت بعضها تحكم سيطرتها على منشآت ومرافق حيوية ومواقع إستراتيجية، كما تمكنت من بناء علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع مؤسسات الدولة. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة يؤدي إلى إضعاف مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو أحد أهم مقومات السيادة والاستقرار السياسي. كما أن تعدد الجهات التي تمتلك السلاح ويسمح لها بالقيام بمهام أمنية مختلفة، يخلق حالة من التنافس على الشرعية، ويجعل تحديد الجهة المسؤولة عن حفظ الأمن أمر بالغ الصعوبة.

وفي بعض المناطق، اتجهت السلطات المحلية إلى إعادة تنظيم التشكيلات المسلحة، من خلال عمليات الدمج والاستيعاب في محاولة لتحويلها إلى مكونات رسمية داخل المنظومة الأمنية، إلا أن هذه العملية لم تؤدِ دائمًا إلى إنهاء استقلالية تلك التشكيلات؛ إذ احتفظ بعضها بهياكل القيادة والولاءات والمصالح الخاصة. وفي المقابل، أدى وجود منظومات عسكرية أكثر تنظيمًا في مناطق أخرى إلى فرض درجة أكبر من المركزية الأمنية، غير أن ذلك لم ينه بصورة كاملة إشكالية التعدد المؤسسي، بل أعاد إنتاجها بصورة مختلفة، خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي بين المؤسسات المتنافسة.

وفي ضوء ما سبق، فإن أزمة الجماعات المسلحة في ليبيا لا تتعلق بالسلاح وحده، وإنما ترتبط أساسًا بأزمة الشرعية السياسية والمؤسسية، فكلما ضعفت شرعية المؤسسات الرسمية ازدادت قدرة الفاعلين المسلحين على تقديم أنفسهم باعتبارهم البديل الأنسب، أو شركاء في ممارسة السلطة. وعليه، فإن استمرار الوضع الراهن، يمثل مصلحة مشتركة لكلا الأطراف؛ لذلك تسعى جميعها إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابي وتجميد المسار الدستوري؛ لأن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ربما يمثل تهديدًا وجوديًّا لبقاء واستمرارية كل هذه الأطراف في السلطة. لذلك، يتم استخدام عراقيل عدة وتوضع شروط صعبة للترشح للرئاسة والمناصب السيادية لتأجيل التغيير السياسي لأجل غير مسمى. إضافة إلى العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية؛ حيث تفضل الأخيرة التي تبحث عن شريك محلي يضمن مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية للتعامل مع شبكات نفوذ عائلية مستقرة وقادرة على الوفاء بالتزاماتها بدلًا من الرهان على مؤسسات ديمقراطية هشَّة وغير مستقرة. ومن هنا، يمكن القول:

  • إن شبكات النفوذ العائلية ينتج عنه حزمة من الأعطاب البنيوية التي تعوق استعادة الدولة لوظائفها السيادية؛ حيث يتم تحويل المؤسسات الأمنية والعسكرية والخدمية من مؤسسات وطنية إلى أجهزة لحماية مصالح وسلطة النخب الحاكمة والشخصيات السياسية وعائلاتها.
  • تسهم العائلية السياسية في صعود قيادات بناء على القربى والولاء المباشر بدلًا من الكفاءة والخبرة والمهنية، مما يعمِّق من ترهل الجهاز الإداري للدولة.
  • إن اعتماد المنظومة الأمنية على تحالفات عائلية وميلشيات مسلحة مؤقتة ومرتبطة بفرص تقاسم الثروة والنفوذ، يجعل البنية الأمنية قابلة للانفجار في أي لحظة، خصوصًا في حال حدوث خلل في توزيع الموازنات أو تبدل في الحسابات الدولية.

ثالثًا: التنافس الخارجي في المشهد الليبي وتداخله مع النفوذ العائلي.

يمثل التنافس (الدولي، والإقليمي) أحد العوامل الرئيسة في إعادة تشكيل المشهد الليبي، نتيجة الموقع الجغرافي للدولة وبما يتوفر لديها من احتياطات كبيرة من المورد النفطي والغازي، فضلًا عن شريط ساحلي يمتد لقرابة ألفي كيلو متر، إضافة إلى قربها من أوروبا ومنطقة الساحل الإفريقي، وهو ما دفع قوى دولية وإقليمية إلى الدخول على خط الأزمة في ليبيا. ولم تعد الصراعات المحلية منفصلة عن التوازنات الخارجية؛ فبعض القوى الخارجية سعت إلى بناء علاقات مع المؤسسات السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها، بينما ركزت قوى أخرى على تعزيز حضورها الأمني والاقتصادي، لا سيما في مجال الطاقة.

كما اكتسبت المناطق الساحلية أهمية إستراتيجية متزايدة؛ بسبب ارتباطها بقضايا الهجرة غير النظامية والأمن البحري والطاقة وخطوط التجارة الدولية، وهو ما جعل من ليبيا جزءًا من الحسابات الأمنية والإستراتيجية للقوى الأوروبية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، أصبحت العلاقات الخارجية لبعض مراكز القوى المحلية أداة لتعزيز موقعها في الداخل، بينما أصبحت بعض الأطراف الدولية تنظر إلى الفاعلين المحليين باعتبارهم شركاء محتملين في تحقيق مصالحها (الأمنية، والاقتصادية). ومن ثم، فإن التنافس الخارجي لا يعمل بمعزل عن الانقسامات الداخلية، بل يتفاعل معها بصورة مباشرة، بحيث يمكن للتحالفات الدولية والإقليمية أن تسهم في تعزيز بعض مراكز القوى المحلية، كما يمكن للانقسامات الداخلية أن تمنح القوى الخارجية فرصًا أكبر للتدخل والتأثير.

وفي ظل الانقسام السياسي والمؤسسي، أصبح توزيع الإنفاق العام وسيلة للتأثير في الولاءات (السياسية، والأمنية، والاجتماعية)، كما أصبح تمويل بعض المؤسسات والتشكيلات المسلحة جزءًا من آليات إدارة الصراع. وتبرز هنا، ظاهرة اقتصاد النفوذ؛ حيث تتداخل المصالح السياسية مع شبكات الأعمال والعقود العامة والمشروعات الإنشائية، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة توزيع الموارد بصورة لا تعكس دائمًا الأولويات التنموية للدولة.

ومن هذه الزاوية، فإن الصراع الليبي لم يعد صراعًا على السلطة السياسية فقط، وإنما أصبح صراعًا على إدارة الموارد ومصادر الدخل ومواقع النفوذ الاقتصادي، وهو ما يفسِّر استمرار التنافس بين الأطراف المحلية والقوى الخارجية الدولية والإقليمية حتى في الفترات التي تتراجع فيها حدة المواجهات العسكرية.

وعلى إثر ذلك، بات نفوذ العائلة (سياسيًّا، وعسكريًّا) لا غنى عنه، تمر عبرها مصالح القوى الخارجية الفاعلة في الملف الليبي، بعدما تلاشت حظوة الدولة كمفاوض سيادي، فالنخبة العائلية باتت تحكم سيطرتها على الملفات الحيوية والكبرى للدولة ومواردها المالية، مثل: موانئ النفط، المصرف المركزي، الاتفاقيات البحرية، بل وحتى عمليات التهريب الخاصة بالسلع والوقود، ويتم توظيفها بهدف التفاوض المباشر مع القوى الخارجية.

ويظهر تأثير العامل الخارجي بصورة واضحة في قطاع الطاقة؛ إذ يمثل النفط والغاز المصدر الأساسي للإيرادات العامة، ولذلك أصبحت السيطرة على: مناطق الإنتاج، وموانئ التصدير، والبنية التحتية النفطية، عاملًا مؤثرًا في موازين القوة السياسية. هذا الوضع، يضمن للعائلات نفوذها واستمراريتها؛ فمع تآكل سيادة المؤسسات الوطنية تزداد الحاجة للعائلة لتأمين مصالح القوى الخارجية من موارد الطاقة والجغرافيا؛ لانتزاع اعتراف وشرعية دولية تضمن بقاءها في السلطة لأطول فترة ممكنة، فبعضها يعتمد على مقايضة البقاء السياسي والجغرافي بالاعتماد على الشرعية الدولية عبر توظيف الثروة وموقع العاصمة (طرابلس) الجيو سياسي؛ لتحقيق أهداف وطموحات قوى خارجية بعينها.

ما سبق يثير تساؤلًا: كيف يسهم التنافس بين القوى الخارجية في تغذية الانقسامات الداخلية وتعزيز نفوذ الفاعلين المحليين، بما يؤثر في موازين القوى داخل المجتمع الليبي؟

تشير الشواهد، وهي كثيرة ومقلقة، بأن القوى الخارجية، سواء كانت شركات طاقة كبرى أو دولًا متدخلة عسكريًّا، تفضل التعامل مع مراكز قوى عائلية بعينها، وسريعة في اتخاذ القرار، بدلًا من انتظار توافقات برلمانية أو مؤسسات رقابية، خصوصًا إذا ما كانت هشّة ومعقدة، ولا تعبأ بحقوق الإنسان وتعزيز مبدأ التداول السلمي على السلطة، هذا السلوك يفرغ مؤسسات الدولة، مثل (ديوان المحاسبة، ومجلس النواب)، من مضمونها الرقابي والسيادي، عبر إضعاف هذه المؤسسات السيادية لصالح الشراكات والشبكات العائلية، وتستمر هذه التفاعلات عبر إنتاج حلقة مستمرة وظيفيًّا لإدامة الأزمة لأطول فترة ممكنة.  

وأيًّا يكن، فإن حجم ومستوى العامل الخارجي الذي بدا عام 2011، يجد حضورًا بارزًا في المشهد الليبي في السنوات الأخيرة، كما يجد موطئ قدم بين قضايا وملفات ليبيا الإستراتيجية والحيوية، ودور دولي وإقليمي يبتغي حصاد مغانمه عن نواتج أعماله. وقد بدا واضحًا أن القوى الدولية والإقليمية التي شاركت بل وسرعت إسقاط النظام الليبي السابق هي نفسها التي انقلبت على مكتسبات ثورة 17 فبراير، ولكن بطريقة غير مباشرة، من خلال تأجيج الخلافات بين مكونات المجتمع الليبي وزيادة حدة الصراعات القبلية والمناطقية سلبيًّا من ناحية أولى، وتحويل ليبيا إلى منطقة لممارسة النفوذ الأجنبي من ناحية ثانية. بمعنى أوضح، أن هذه القوى الخارجية نفذت أجندتها الانقلابية بأياد عربية ومحلية؛ لينأى الغرب وتحديدًا الولايات المتحدة بنفسه عن الظهور بوجهه الانقلابي ضد إرادة الشعب الليبي وتطلعاته المشروعة، انطلاقًا من مصالح الغرب المرتبطة بالاستبداد وحساسيتها من أي عملية ديمقراطية تفضي إلى مؤسسات حقيقية، قد تشكل خطرًا على أطماعها. وهذا بدوره فتح الباب على مصراعيه لنمو وانتشار جماعات العنف والسلاح التي تسهم في تلغيم الساحة الأمنية الليبية، ووجدت فيها التنظيمات الإرهابية بيئة مناسبة ومرتعًا خصبًا أيضًا.

تجدر الإشارة إلى أن النفط أصبح رهين الولاءات العائلية والقرابة، فمنذ أكثر من عقد، باتت حقوق النفط تفتح وتغلق بقرارات أمنية مرتبطة بمفاوضات عائلية حول الحصص المالية وتعيين قيادات المصرف المركزي، مما يحول ريع الدولة إلى صندوق مالي خاص؛ لتمويل الجماعات المسلحة التي تدين بالولاء للعائلة، وشراء ذمم تشكيلات أخرى إذا تطلب الأمر ذلك.

في سياق آخر، لقد أخفق العامل الخارجي في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا، فقد وجد في التنوع العرقي والثقافي أرضية خصبة للتحرك وتأجيج الخلافات الحادة والصراعات بين المكونات المجتمعية الليبية، من خلال اللعب على وتر (القبلية، والمناطقية، والجهوية). وطالما أن القوى الخارجية تؤمِّن مصالحها وتضمن تدفق النفط والغاز عبر تفاهمات منفصلة مع السلطات القائمة، فلا يوجد حافز دولي حقيقي للضغط باتجاه تنظيم انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية قد تفرز نخبًا وطنية جديدة، ربما تعيد النظر في هذه الاتفاقيات والامتيازات الممنوحة للخارج.

خاتمة:

انتهينا إلى أن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في غياب التوافقات السياسية أو القواعد الدستورية فحسب، وإنما في تشكيل بيئة مركبة للسلطة تتداخل فيها شبكات النفوذ العائلي وسيطرتها على القرار السياسي والمصالح الاقتصادية، ناهيك عن تغول الجماعات المسلحة في مفاصل الدولة ومؤسساتها الرسمية كونها الفاعل المحلي على الأرض، في ظل التنافس الخارجي الدولي والإقليمي.

وتتمثل الفكرة الأساسية في أن ضعف الصرح المؤسساتي أدى إلى إتاحة الفرصة أمام مراكز قوى محلية لإعادة إنتاج نفوذها من خلال السيطرة على الموارد، وبناء التحالفات (الأمنية، والسياسية، والاقتصادية). في حين أسهم التنافس الدولي والإقليمي في تعزيز قدرة بعض هذه المراكز على الاستمرار، من خلال توفير الدعم (السياسي، أو الأمني، أو الاقتصادي).

وعليه، باتت الدولة أمام معادلة معقدة، فمن جهة تسعى المؤسسات الرسمية إلى استعادة سيطرتها واحتكارها للسلطة والقوة والموارد. ومن جهة أخرى، تعمل شبكات النفوذ المحلية والجماعات المسلحة بكل قوة من أجل الحفاظ على مواقعها ومصالحها. بينما تستثمر القوى الدولية والإقليمية في هذه الانقسامات بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.

لقد أصبح غياب المؤسسات السيادية الموحدة شرطًا ضروريًّا لاستمرار النفوذ العائلي وسطوة الجماعات المسلحة وتحت غطاء ورعاية مباشرة من شبكات المصالح الجيوسياسية والأمنية العابرة للحدود. ما زاد الأمر سوءًا أن القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف الليبي لم تعد تتعامل مع دولة ذات مؤسسات سيادية، بل مع نخب عائلية حاكمة وفواعل محلية ومراكز قوى، تمتلك القدرة المادية والسيطرة الفعلية على القرار السياسي الحيوي والمصيري، ناهيك عن حقول النفط وموانئ التصدير. من هنا تنشأ علاقة براغماتية تعتمد على المقايضة كأساس لهذه العلاقة التي من خلالها يتم تأمين موارد الطاقة من النفط والغاز، فضلًا عن التموضع الجغرافي لقوى الخارج، مقابل تأمين بقاء العائلة في المشهد (السياسي، والأمني، والاقتصادي) الليبي.

ولمعالجة هذه الإشكالية، يتطلب الانتقال من إدارة توازنات مراكز القوى إلى إعادة بناء مؤسسي للدولة، بما يضمن توحيد المؤسسات السيادية، ومن إخضاع جميع التشكيلات والفصائل المسلحة للسلطة الشرعية، وتحقيق أكبر قدر من الشفافية في إدارة الموارد، والحد من توظيف موارد الدولة النفطية في الصراع السياسي، إلى جانب بناء سياسة خارجية متوازنة وفاعلة تمنع تحويل ليبيا إلى ساحة للتنافس بين القوى (الدولية، والإقليمية). وتأسيسًا على ما سبق، فإن مستقبل الاستقرار في ليبيا يبقى مرتبطًا بمدى القدرة على تفكيك العلاقة المترابطة بين (السلطة، والموارد، والسلاح). ومن ثم، الانتقال من منطق النفوذ العائلي إلى منطق أكثر واقعية، يتمثل في منطق الصرح المؤسسي، ودولة القانون.  

اظهر المزيد

محمد عبدالحفيظ الشيخ

باحث متخصص في الدراسات الإقليمية والدولية ـــ ليبيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى