2026العدد 207ملف إقليمي

خيارات إيران بين طموحاتها الجيوسياسية والجهود الدولية لتشكيل ممرات بحرية جديدة

مقدمة:

قد يكون من الصعب اختصار ما تقوم به إيران الجمهورية الإسلامية على مساحة منطقة غرب آسيا في إطار ما تشكله أو تمارسه من تهديد للملاحة البحرية، سواء في مضيق هرمز وقرار إقفاله، أو مضيق باب المندب وما يتركه من آثار سلبية على خطوط التجارة الدولية.

فالعلاقة بين إيران والموقع الجيوسياسي والجيواقتصادي على الخريطة الدولية وشبكات النفوذ التي نسجتها على امتداد غرب آسيا، يفترض البحث عن خلفيات أخرى لهذه السياسات المهددة للاستقرارين (الإقليمي، والدولي): اقتصاديًّا، وأمنيًّا، وعسكريًّا، خاصة الهواجس التي حكمت تاريخيًّا هذه العلاقة، بغض النظر عن طبيعة السلطة التي تحكم، بدأت من ملك الساسانيين “كسرى إنوشيروان”، مرورًا بكل الممالك التي حكمت إيران في تاريخ الوسيط من صفويين وغيرهم، وصولًا إلى طموحات وهواجس الشاه السابق “محمد رضا بهلوي”، وانتهاءً بالجمهورية الإسلامية ونظامها الديني.

إدراك إيران التاريخي لأهمية الموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به، والذي منحها ميزة استثنائية على الخريطة الجيواقتصادية، من خلال تحكمها القديم بطرق التجارة باعتباره عقدة المواصلات والممرات بين الشرق الآسيوي وأوروبا البيزنطية، من خلال طريقي (الحرير مع الصين، والبخور مع الهند)، وصولًا إلى ما يوفره مضيق هرمز منذ بداية القرن الماضي واكتشاف النفط وحتى الآن من قدرة على التأثير والتحكم بنحو 20 في المئة من احتياجات الأسواق العالمية للنفط، فضلًا عن الغاز والمشتقات النفطية والصناعية الأخرى.

صعوبة وتعقيدات المشهد الذي نشأ بين إيران ومحيطها من جهة، والقوى الدولية وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، بعد انتصار الثورة الإسلامية وإقامة الجمهورية على أساس مفهوم ديني عقائدي وأيديولوجي، وضع قيادة النظام والسلطة أمام استحقاق مصيري يتعلق بكيفية تثبيت وتكريس طموحاتها الجيوسياسية، وبأن سلطة الجغرافيا لا يمكن ترجمتها على أرض الواقع إلى حقائق إلا عن طريق بناء سياسات إقليمية. من هنا، يمكن فهم ظهور عقيدة “العمق الإستراتيجي” لإيران والنظام الإسلامي، والذي يقوم على بُعدين أساسيين: الأول، بناء القدرات الإيرانية الذاتية (عسكريًّا، وأمنيًّا، واقتصاديًّا) على المستوى الداخلي، والذي يسمح لها بتثبيت موقعها في محيطها. والثاني، بناء شبكة تحالفات خارج حدودها؛ لتؤدي دورًا في فرض إيران شريكًا في المعادلات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية. وهو ما تم التوافق على تسميته بـ”شبكة الأذرع الإقليمية لإيران”.

سلطة الجغرافيا: بين التاريخ وحقائق  الحاضر.

ليس جديدًا على إيران أن تسعى وراء التمدد الإقليمي ومحاولة فرض سيطرتها على المعابر التجارية المحيطة بها، خاصة وإنها لا تنظر إلى هذه المعابر والممرات كونها أداة أو وسيلة اتصال تجاري فحسب، بل لكونها مدخلًا أساسيًّا لتكريس موقعها الجيوسياسي والجيواقتصادي على مر العصور. من هنا، يمكن التوقف سريعًا أمام محطتين تاريخيتين تظهران مدى فهم إيران لأهمية هذا الموقع، كيف يفرض عليها حاليًّا ألَّا تتعارض مع هذا المسار الإستراتيجي التاريخي؟ 

المحطة الأولى: تعود إلى القرن السادس الميلادي زمن حكم كسرى أنوشيروان، الذي تقاسم النفوذ مع الإمبراطورية البيزنطية، وخاض معها معارك على ساحات مازالت تمثل ساحة صراع بين إيران والقوى الدولية والإقليمية حتى الآن، سواء من خلال المواجهة المباشرة أو من خلال الأذرع، كما في العراق بين المناذرة والغساسنة، الذين مثلوا الذراع البيزنطي الرومي. وفي لبنان، الذي كانت السيطرة فيه تتنقل بين الطرفين بناء على غلبة كل منهما. وفي اليمن، من خلال الحملة التي قام بها لإنهاء سيطرة مملكة الحبشة المتحالفة مع بيزنطا والقضاء على النفوذ المسيحي فيها.

واللافت تاريخيًّا في الحملة الساسانية على اليمن أن قائدها كان يحمل اسم “بويه” من بلاد الديلم في إيران، الذي حكمها وتحول نسله إلى الإسلام ثم اعتنقوا المذهب الزيدي، وإن  جاء منهم: البويهيون، الديلم، الزيديون، الذين استولوا على بغداد قادمين من الأهواز أواسط القرن العاشر الميلادي 945  (الرابع الهجري 334)، أصبحوا سلاطينها في ظل خلافة المستكفي بالله العباسي.

المحطة الثانية: تبدأ مع ستينيات القرن الماضي وتمتد إلى السبعينيات منه، في زمن حكم الشاه “محمد رضا بهلوي”، الذي عاد إلى السلطة بعد مساعدة أمريكية في القضاء على ثورة محمد مصدق، وما تلاها من ثورة في عائدات النفط والثراء الكبير الذي حصلت عليه السلطة الملكية حينها. وهي مرحلة شهدت بدايات الطموحات الإيرانية للتمدد في محيطها الإقليمي وبناء شبكة تحالفات تصب في سياق وتخدم الأهداف الإيرانية التوسعية. فتحالف مع اليمين اللبناني، وفي بغداد مع الملكية عبر حلف بغداد أو ما عرف بحلف السنتو، وفي اليمن تحالف مع الإمام يحيى الزيدي، وكلها كانت تصب في إطار مواجهة المد اليساري وتصاعد نفوذ الرئيس المصري “جمال عبد  الناصر”.

تحالف الشاه مع الزيديين في اليمن الشمالي، وإن كان يصب في سياق طموحاته، التي تتجاوز جهود مد شبكات تحالف مع السلطات القائمة في الإقليم والمنسجمة مع توجهاته، بل أيضًا ولدت لديه شعورًا بتوسيع الدور الذي يلعبه كشرطي للمنطقة بتفويض ودعم أمريكي حصل عليه من قبل الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون”، عندما زار طهران عام 1972، من خلال البحث عن فرض منظومة أمنية بحرية لا تقتصر على أمن الخليج بل باتجاه المحيط الهندي. وهنا، وفي ظل التعقيدات والتحولات التي كانت تشهدها المنطقة، خاصة بعد أن استطاع الاتحاد السوفيتي تكريس وجوده في المياه الدافئة بتحالفه مع اليمن الجنوبي. وقد تزايد اهتمام الشاه بمضيق باب المندب بعد حرب 1973، بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، واستخدام سلاح النفط حينها، خاصة وأن هذا المضيق كان ومازال يشكل الشريان الحيوي لإمداد إسرائيل بكل احتياجاتها من الطاقة والمواد الحياتية.

وقد أسهمت ثورة ظفار، التي خاضتها الجبهة الشعبية ضد حكم السلطان “قابوس بن سعيد” في توفير الأرضية التي ساعدت الشاه لبناء طموحاته الإستراتيجية إلى جانب الأهداف الجيوسياسية، وتحويل أرض اليمن وسلطنة عمان إلى ساحة صراع بين نفوذ عبد الناصر الإقليمي والمد اليساري، وتوظيفها لتكون أساسًا يخدم الأبعاد الجيواقتصادية. فاليمن الجنوبي يسمح له بامتلاك موطئ قدم بالقرب من باب المندب، وفي عمان يسمح له بتنظيم السيطرة على مضيق هرمز. وقد كان واضحًا في التعبير عن أهمية هذه المواقع الجغرافية ودورها في بناء أسس شراكته مع الولايات المتحدة في توفير الأمن في المحيط الهندي والممرات الحيوية للاقتصاد والطاقة الدولية. فقد قال عن ثورة ظفار وأسباب وخلفيات التدخل العسكري الإيراني في عمان “مضيق هرمز هو طريق إيران إلى المحيط الهندي والعالم، إنه الممر الوحيد للنفط الإيراني.. هل يمكننا السماح لقوة معادية بالسيطرة عليه؟” وتصاعد دور الشاه والدعم الأمريكي أسهم بشكل كبير في إنهاء الصراع مع الدولة العراقية حول  شط العرب وعقد اتفاقية الجزائر عام 1975.

إيران الإسلامية واستمرار الطموحات التاريخية.

قد لا يكون من السهل التعاطي مع ما تقوم به إيران من تصرفات في موضوعي الممرات المائية في مضيقي (هرمز، وباب المندب)، والعلاقة مع حلفائها أو أذرعها الإقليمية باعتباره فقط جزءًا من قوة الردع التي تستخدمها في مواجهة الحرب الأمريكية والإسرائيلية عليها، بل لابد من التعامل معه من منظور أوسع، باعتباره تحديًّا وجوديًّا يتخذ أبعاد متشعبة ومعقدة لا تقتصر على قدرتها في استيعاب تداعيات الحرب عليها داخليًّا، بل بما تمثله من طموحات إستراتيجية ترتبط بالمشروع الذي يضمن لها البقاء على خريطة النفوذ الإقليمي كلاعب أساسي في أية معادلات (سياسية، وأمنية، واقتصادية)، قد تنتهي إليها مساعي إعادة تركيب منطقة غرب آسيا وتحديدًا منطقة الشرق الأوسط.

وانطلاقًا من هذا المعطى، الذي يشكل المدخل الأنسب لفهم ما تقوم به إيران الإسلامية من أعمال وتصرفات فيما يرتبط بالتعاطي مع مسألتي الملاحة البحرية في مضيقي (هرمز، وباب المندب) من جهة، وفي العلاقة مع حلفائها أو الأذرع الإقليمية في (العراق، ولبنان، واليمن). وإن ما يُوصف بتهديد أمن طرق التجارة والطاقة العالمية لا يمكن حصره بكونه ردًا على ما تتعرض له من تهديد عسكري وأمني، بل باعتباره تهديدًا وجوديًّا لكل المشروع الإيراني أو ما يوصف بالعمق الإستراتيجي للنظام الذي يشكل الضامن الحقيقي والأقوى لاستقراره الداخلي، ومدخلًا للبقاء على خريطة المعادلات الإقليمية كواحد من اللاعبين الأساسيين فيها.

فإيران التي خرجت من الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، ولم تكن تملك مشروعًا إقليميًّا واضح المعالم، باستثناء بعض الخطوات التأسيسية الأيديولوجية التي قامت برفع شعار المواجهة مع الكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، والذي سمح لها بالتمدد داخل الساحة اللبنانية من خلال دعمها وتحالفها مع حزب الله، الذي يعتبر وليدًا طبيعيًّا للمشروع العقائدي والأيديولوجي على الساحة اللبنانية، إلا أن التطورات اللاحقة في الإقليم، والتي بدأت باحتلال العراق لدولة الكويت، ثم حرب تحرير الكويت، وبعدها مؤتمر مدريد حول القضية الفلسطينية، وانتهاءً باتفاقية أوسلو عام 1993، وتشكيل السلطة الفلسطينية_ شعرت بأن الأمور وترتيب المنطقة ومعادلاتها تجري على حسابها، ما شكل محركًا ودافعًا لرفع وتيرة تدخلاتها لفرض نفوذها ودورها كشريك في أية ترتيبات جديدة.

لم يجد النظام الإيراني صعوبة في تركيب قنوات نفوذه الإقليمي، بل عاد إلى ما ورثه من علاقات وتحالفات تاريخية، سبق أن أنجزتها السلطات الإيرانية التاريخية والملكية في الساحات التي تشكل عمقًا إستراتيجيًّا في إطار مشروعها الإقليمي، الذي يسعى لتثبيت دور إيران كفاعل إقليمي ودولي مقابل الدور والنفوذ الإسرائيلي المتنامي.

فإيران الإسلامية وجدت في اتفاقية كامب ديفيد بين (مصر، وإسرائيل)، مدخلًا للحفاظ على خلافها مع القاهرة، الذي كان قائمًا بين الشاه وعبدالناصر على خلفية التحالفات والمعادلات الإقليمية. وفي لبنان، استبدلت التحالفات التاريخية مع اليمين اللبناني الذي يمثله السلطة والدولة، أو ما يعرف في الأدبيات السياسية اللبنانية بالمارونية السياسية، بحليف عقائدي وأيديولوجي في الجماعة الشيعية الحاضنة لحليفها حزب الله، وذهبت إلى تعزيز تحالفها وعلاقاتها مع النظام السوري بقيادة الرئيس الأسبق “حافظ الأسد”، على الرغم من معرفتها بأن هذه العلاقة كانت باتجاه واحد لصالح الأسد، الذي جعل من إيران حديقة خلفية يستخدمها لابتزاز الدول العربية والمناورات الدولية، مستغلًا حاجة طهران لحليف عربي يعطيها غطاء شرعيًّا للدخول على القضية العربية المركزية في فلسطين.

أما في العراق، فإن الاحتلال من قبل أمريكا عام 2003، وإسقاط  النظام، قدم لإيران فرصة تاريخية لتحويل رعايتها لبعض الأحزاب والفصائل العراقية المعارضة إلى حقائق سياسية وإستراتيجية على الأرض، خاصة في توظيفها من أجل تحويل الوجود الأمريكي في هذا البلد إلى مستنقع أمني يشغل واشنطن عن التفكير بأي عمل عسكري ضدها، ويقطع الطريق على الإدارة الأمريكية في توظيف وجودها العسكري في العراق وأفغانستان، خاصة وأن الفترة الممتدة بين احتلال أفغانستان 2001 واحتلال العراق شهدت إدراج إيران في محور الشر من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش”، استطاعت استغلال الفرصة السانحة في العراق لتمديد نفوذها وتحويلها إلى واقع ليس من السهل التخلص منه، عبر توظيفها لعلاقاتها مع أحزاب المعارضة، إلى جانب الخطاب العقائدي، وصولًا إلى بناء منظومة حلفاء جدد من فصائل ميليشيات مدعومة منها؛ للتأثير والتحكم في قرارات الدولة العراقية الجديدة وإفشال مخططات الاستقرار الأمريكي وقطع الطريق على دخول الدور العربي وعودته إلى العراق الجديد. فإيران الإسلامية، التي وجدت في تولي الجماعة الشيعية، التي تلتقي معها في الخطاب الأيديولوجي والعقائدي، السلطة التنفيذية الأهم في العراق الجديد فرصة ومصدر قوة لمشروعها وتعزيز نفوذها في هذا البلد، إلا أنها لم تركن إلى هذا الإنجاز الذي أسهم الأمريكي في توفيره، بل عمدت إلى بناء منظومتها الأمنية والعسكرية وحتى السياسية والاقتصادية عبر دعمها لفصائل وميليشيات مسلحة تشكلت إما تحت عنوان مقاومة الاحتلال ومازالت ترفع هذا الشعار، وإما لمواجهة الإرهاب في الحرب مع تنظيم داعش. وبذلك تكون قد حافظت على تحالفاتها التاريخية التي ورثتها من المرحلة الملكية في طهران وبغداد لصالح تحالفات فصائلية تخدم هدفها الإستراتيجي الإقليمي وعميقها الإستراتيجي.

بعد استكمال بناء أسس ما بات يعرف في الخطاب السياسي بالهلال الشيعي الممتد من طهران عبر العراق مرورًا بسوريا وصولًا إلى لبنان، إلى جانب تحالفاتها مع حركتي (حماس، والجهاد الإسلامي) على الساحة الفلسطينية_ تكون إيران قد استكملت تركيب ما يمكن تسميته “حلقة النار” التي تحاصر إسرائيل، وهي الحلقة التي كان من المفترض بها أن تؤدي دور خط  الدفاع الأول في أية مواجهة أو حرب قد تنشب بينهما، على مبدأ إبعاد النار عن حدودها، خاصة وإن الحاجة إلى هذه الحلقة برزت بشكل واضح في التحدي الذي شكله مشروع الانفصال الكردي في العراق والتصويت على انفصال الإقليم عام 2017، الذي كان مدعومًا من تل أبيب بشكل واضح، والذي يسمح لإسرائيل بالاقتراب من الحدود الإيرانية والتحول إلى تهديد مباشر لأمنها واستقرارها واستمرار نظامها.

إلا أن إيران ونظامها الذي استطاع أن يبلور إلى حد كبير مفهوم عمقه الإستراتيجي عمليًّا، إلا أنه لم يستطع العبور من البعد الأمني والعسكري إلى بناء منظومة اقتصادية تسمح له أو تمنحه شروط القدرة على المواجهة والاستمرار، بما يسمح له بتجاوز ما يعانيه من تراكم للأزمات الداخلية التي باتت تقترب من الانفجار وتهديده من الداخل، فضلًا عن  العقوبات الدولية وتجديد الحصار الأمريكي، فشلت كل مساعي تعزيز قدرات حلفاء إيران على بناء منظوماتهم الاقتصادية التي تساعد بلادهم في تعزيز استقرارها الداخلي.

وبعد استكمال ترتيب أوراقها في مجال الهلال الشيعي، ذهبت إيران إلى بناء نفوذها في المياه الدولية في المحيط الهندي؛ لاستكمال رؤيتها الإستراتيجية في تأمين أوراق القوة التي تسمح لها في التأثير على الاقتصاد العالمي، فكان لا بد من الوصول إلى معادلة جديدة تعيد ربط مضيق هرمز بمضيق باب المندب باعتبارهما مكملين لبعضهما البعض، وأن السيطرة على مضيق هرمز تبقى عاجزة عن تأمين ما تريده إيران ما لم تجتمع مع القدرة في السيطرة على باب المندب. فكان إن ذهب إلى خيار استعادة تحالفها مع الجماعة الزيدية، بعد عجزها عن استمالة الرئيس “علي عبدالله صالح” إلى جانبها، وما يعنيه ذلك من وضع اليمن الرسمي في مواجهة مع العمق العربي وتحديدًا المملكة العربية السعودية، فجاءت سيطرة الحوثيين على صنعاء وإقصاء صالح ولاحقًا اغتياله، إلى تحويل اليمن إلى حليف أمين وموثوق في إطار المشروع الإستراتيجي لطهران. والذي أثبت جديته وجدواه في حرب عام 2023، عندما استطاع الحوثيون إغلاق باب المندب وعرقلة الملاحة البحرية وطرق التجارة فيه ضمن سياق محاصرة إسرائيل.

إيران بين الطموح والحقائق.

إيران التي تعيش وسط محيط تتنازعه أهمية قدراتها الجيوسياسية والانسداد أو الضائقة الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى خلق تضاد عميق بين إمكاناتها الجغرافية الفريدة وحقائق والزامات البنية الاقتصادية والمالية الدولية الصعبة، خاصة وإن عصا العقوبات التي استخدمتها واشنطن في محاصرتها أسهمت في إضعاف قدراتها في معالجة أزماتها الداخلية المتراكمة، في ظل صعوبة في إيجاد البدائل الاقتصادية المضمونة والثابتة، التي عجز عن تقديمها أو توفيرها الحليفان (الروسي، والصيني) رغم تشابك وتداخل المصالح الإستراتيجية بينهم. وبالتالي، فإن هذا التضاد شكل عائقًا أمام تحويل ما تملكه من مقدرات لتكون قوة اقتصادية إقليمية، ما زاد من مراوحتها في الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها، والتي تفاقمت وازدادت تعقيدًا مع الحرب الأمريكية وتشديد الحصار عليها في السنتين الأخيرتين.

ولم يكن القرار الذي أصدره المرشد الإيراني الجديد السيد “مجتبى خامنئي” وفرض على المؤسستين (السياسية، والعسكرية) التمسك بسلاح إغلاق مضيق هرمز، مجرد ورقة يستخدمها في مواجهة الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن إلى جانب الحرب العسكرية، بل كان بمثابة خيار إستراتيجي يكشف عن استعداد طهران للمقامرة بكل أوراقها؛ لإبعاد شبح التهديد الوجودي الذي يطال استقرارها الداخلي، ونفوذها ومشروعها الإقليمي.

والتمسك الإيراني بوضع إعادة فتح مضيق هرمز، مقابل إنهاء الحرب بين أمريكا وحلفائها (إسرائيل)، وإيران وحلفائها (اليمن، والعراق، ولبنان) والانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية_ يكشف أن تحولًا قد حصل في التعامل الإستراتيجي الإيراني مع هذه الساحات؛ لأن الالتزام الأمريكي به يعني التزامًا واعترافًا أمريكيًّا ومعه اعتراف إسرائيلي بدور هؤلاء الحلفاء وتكريسًا لنفوذ إيران عبر هذه الأذرع والحلفاء في الإقليم. ما يعني بالتالي، أن تحولًا قد طرأ على الدور الوظيفي لهذه الأذرع، ونقلها من موقع أن تكون خط دفاع متقدم ورصيد إستراتيجي في صياغة المعادلات الإقليمية، إلى موقع الحلف العضوي، الذي يشكل انهياره أو إضعافه أو حتى القضاء عليه تهديدًا حقيقيًّا لكل المشروع، بحيث تحول بقاء هذه الأذرع وامتلاكها القدرة على التأثير ولو لم يكن كما في السابق، حاجة وجودية، يحفظ العمق الإستراتيجي لطهران، الذي بدونه لا بد أن تنكفئ إلى الداخل وتنشغل في إطفاء الحرائق التي ستنشب جراء تفاقم وتراكم الأزمات الاقتصادية.

وليس بعيدًا عن هرمز، فإن عودة الحوثيين إلى تفعيل أنشطتهم المعرقلة للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يأتي منسجمًا مع قرار، وتكريسًا وتوسيعًا للمعادلة التي وضعها المرشد حول هرمز، وأن المعادلة الجديدة، لم تعد تقتصر على معادلة النفط للجميع أو لا لأحد، مع أن استهداف الحوثيين لمنشآت أرامكو وميناء ينبع لتصدير النفط والعديد من ناقلات النفط السعودية يدعم هذه المعادلة، خاصة بعد  أن استطاعت طهران تعطيل وعرقلة عمليات تصدير النفط الإماراتي من ميناء الفجيرة. وأن المعادلة الجديدة باتت تشمل الاقتصاد أيضًا، بحيث لا يمكن لأي طرف الحصول على الامتيازات الاقتصادية ما لم يكن لإيران امتيازاتها، وذلك في رد مباشر على الحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على واردات إيران التجارية والحياتية وعلى صادراتها النفطية.

هذا التغيير في النظرة الإيرانية، يعني أن النظرة الأمنية البحتة التي كانت تتعامل بها إيران مع الأزمات، تراجعت وأفسحت المجال أمام دخول البعد والنظرة الاقتصادية، أي أن طهران لم تعد  تقدم الخطاب الأمني والأيديولوجي على المصالح الجيواقتصادية. وبالتالي، فإنها تحاول توظيف كل ما تملكه من أوراق إستراتيجية في التأسيس لمرحلة جديدة تغلب عليها التحالفات الاقتصادية مع المحيط والقوى الدولية، من دون التخلي عما حققته من قدرات أمنية وعسكرية يمكن توظفيها في التفاهم مع الجوار على إقامة نظام أمني مشترك.

إيران والخيارات الصعبة.

تقف إيران في هذه المرحلة، وما بعد حربين مدمرتين، على حافة خيار إستراتيجي؛ فالقدرات الجيوسياسية لإيران قد لا تدوم، وما تشهده خريطة الممرات الاقتصادية التجارية التي تخطط لها دول المنطقة سيضع الموقع الجغرافي لإيران على مسير الانحدار. وبالتالي، فإن العبور من الانسداد الاقتصادي القائم بحاجة إلى خطوة جريئة من القيادة الإيرانية تعيد فيه تعريف علاقة إيران مع النظام الدولي، وأن تعيد منح التنمية الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات وترميم البنى التحتية للطاقة والممرات التجارية والأفضلية لخيار الاستمرار في التصعيد السياسي وخلق التوترات في محيطها ومع العالم.

اللجوء إلى ورقة هرمز وباب المندب، والالتزام بحماية دور وموقع ونفوذ حلفائها في الإقليم، لا يعني أن الحلول لا تمر سوى من هذا الباب؛ فإن ما يمكن أن يتشكل في الإقليم قد يضع إيران أمام الفرصة الأخيرة لاتخاذ قرار إستراتيجي في إطار الصراع والحرب القائمين مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة وإن الوقت بات ضيقًا أمام إيران لتحقيق خرق في حالة العداء بينها وبين واشنطن، وإن عدم التوصل إلى اتفاق ينهي حالة العداء والحصار والعقوبات ضدها، قد يدخلها في سباق مع الوقت من أجل الحفاظ على دورها وموقعها على خريطة الاقتصاد العالمي وطرق التجارة والممرات البرية والبحرية، في ظل ما تواجهه من تحديات نتيجة المشاريع الاقتصادية الدولية التي بدأت تتشكل في منطقة غرب آسيا لإيجاد ممرات تجارية جديدة تستبعد الجغرافيا الإيرانية وتحاصر دورها الجيواقتصادي.

فمن ناحية الشمال، ومنطقة القوقاز الجنوبي تواجه إيران تحدي التعامل مع مشروع إنشاء ممر ترامب الذي يربط بين باكو وإقليم نخجوان على حساب ممر رنكزور التاريخي الذي يمر عبر الأراضي الإيرانية والأرمينية، وهذا الممر الجديد لا يقتصر تأثيره على ربط جزئي بدولة أذربيجان، بل يفتح الطريق أمام تركيا للاتصال البري مع مجالها التركي أو الهلال التركي المتشكل من دول آسيا الوسطى وصولًا إلى (باكستان، والصين، وروسيا)، بعيدًا عن إيران. وبالتالي، يسمح بالتأثير السلبي أو حتى قطع أو محاصرة الممر البري الذي يربط إيران مع شمال أوروبا عبر أرمينيا وجورجيا.

من ناحية أخرى، يشكل خط التنمية الذي بدأه العراق مع تركيا والذي يربط مينائي (الفاو، والبصرة) بمنطقة فيشخابور وصولًا إلى ميناء جيهان التركي، وما يعنيه من إمكانية الالتفاف على إيران ويخرجها من الربط مع هذا الخط ويحاصر دورها الاقتصادي، خاصة وإن العراق سيكون مفتوحًا على كل المصادر الاقتصادية والأسواق الصينية والهندية وغيرها، وتوفير طرق أكثر اقتصادية للوصول إلى الأسواق الأوروبية وحتى الإفريقية.

وإلى حين تفعيل العمل بممر الهند (حيفا)، الذي أقر في قمة الدول السبع الذي استضافته نيودلهي عام 2023، فإن الرهان الإيراني الذي ظهر بعد أيام على حرب أكتوبر وعملية طوفان الأقصى، وإن أولى نتائج هذه الحرب هو إعلان وفاة هذا الطريق، قد تراجع مع ما آلت إليه هذه الحرب من نتائج ومحاولة تل أبيب تكريس سيطرتها على الجزء الشمالي من قطاع غزة، الذي يسمح بتوسيع المجال الحيوي لميناء حيفا تمهيدًا لتحويله إلى نقطة مصب لكل العمليات التجارية والاقتصادية بين الهند وعمقها الآسيوي مرورًا بالخليج وصولًا إلى أوروبا.

وقد أسهمت الضربات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت البنى التحتية في الموانئ الإيرانية، خاصة ميناء تشابهار الذي تتولى الهند عملية تطويره وتوسعته، بالإضافة إلى استهداف خطوط النقل السككي التي تربط برًا بين إيران والصين، واستهداف أوكرانيا لباخرة تجارية في بحر الخزر “قزوين”، في تضييق الخناق على طموحات إيران الجيواقتصادية وما تطمح له من دور فاعل ومؤثر على خريطة خطوط النقل البري باعتبارها عقدة موصلات بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب العالميين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى