لم تتأخر كثيرًا ردود أفعال الشارع السياسي الأوروبي على هزيمة حزب الاتحاد المدني بزعامة “فيكتور أوربان”، أحد أهم رواد تيار القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة، في الانتخابات التشريعية المجرية يوم 12 أبريل 2026؛ فبعد أسبوع واحد بالتمام، نظم تجمع “وطنيون من أجل أوروبا” ثالث أكبر كتل البرلمان الاتحادي، تظاهرة في ميلانو، ضمت آلاف الأنصار من شتى أنحاء القارة.
من تصنيف القطاعات الاجتماعية، التي انخرطت فيها من حيث الشكل، وقراءة السير الفكرية والسياسية للرموز التي دعت إليها وتولت قيادتها، والتأمل مليًّا في مضامين الخطابات والكلمات والشعارات التي ترددت بين يديها_ ندرك أن هذه التظاهرة كانت استعراضًا عاجلًا لحبل الشراكة والتشبيك العلني والمضمر، الواصل بين معظم أطياف أقصى اليمين الأوروبي. تلك الشراكة المشحونة بحمولة أيديولوجية تدور عناوينها العريضة حول الدفاع عن مفهوم “سيادة الدولة القومية”، وذلك بإقامة حوائطَ صد وكراهية تحُول، بزعمهم، دون إغراقها بموجات الهجرة واللجوء الوافدة من خارج القارة من جهة، أو تآكل تعبيراتها وقضمها لصالح بيروقراطية المؤسسات الاتحادية الزاحفة داخل القارة من جهة أخرى.
في مداخلاتهم في أثناء تلك التظاهرة وما تبعها من فعاليات جماهيرية مماثلة، حاول منظرو التطرف اليميني الشعبوي على الصعيد القاري، أولئك الذين تصدروا المشهد السياسي خلال العقدين الأخيرين في بلدان، مثل: إيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وإسبانيا، وتشيكيا، واليونان، حاول هؤلاء طمأنة أنفسهم ومريديهم إلى أن إزاحة أوربان وبطانته، مجرد حدث عرضي أو وقت مستقطع، وأن المستقبل المنظور سيحمل أخبارًا سارة بشأن استئناف صعود حظوظهم في الحكم والإدارة. ويبدو أن مناوئيهم من أنصار التيار الاتحادي، المستعصمين بمناهضة التمييز العنصري، الرافضين للانتكاس إلى ما أسموه بـ “زمن الفاشية” والميول الانعزالية، قد فطنوا إلى هذه “الحالة النفسية”، آية ذلك أنهم نظموا بدورهم -بالتوازي والتزامن- فعاليات جماهيرية مضادة، قيل فيها أن المتطرفين يتحايلون لأجل البقاء في دائرة الضوء بعد أن أثبتت الانتخابات فشل رهاناتهم.
الاعتدال والتطرف.. جدل ممتد.
من منظور موضوعي، علينا أن نتوقع، وإلى أجل يصعب تحديده، استمرار التنافس والاصطكاك بين هذين التوجهين: الاتحادي التعاوني القاري فوق القومي والانعزالي الشعبوي المتمترس في خنادق الكيانات القومية، وهو تنافس مغموس بكثير من التناظر والتراشق بالحجج والتبريرات، على قلب الرأي العام بمستوييه (القومي، والقاري)، بمعنى أن فريقًا منهما لن يغادر ميادين النزال الإيديولوجية النظرية أو السياسية الحركية بحيثية مفاجئة؛ ذلك أولًا، لأن التصورات الفكرية الإيديولوجية قد تتعرض للذبول أو العجاف أو الانزواء، لكن جيناتها وجذورها لا تقبل الاختفاء والهزيمة بالضربة القاضية. وثانيًا، لأن التجربة أو المسيرة الاتحادية الأوروبية، منذ بزوغها وتبلورها بُعيد الحرب العالمية الثانية، لم تعدم وجود المناهضين لها داخل مجتمعات القارة، وسبق لها أن واجهت- بصلابة غالبًا- رياحًا قومية شوفينية عاتية، كان آخرها وربما أبرزها الخروج (البريكست) البريطاني من عبائتها كليًّا قبل بضع سنين. وثالثًا، لأن هذه التجربة نشأت ثم مضت في خط بياني صاعد عمومًا، تحت عين وسمع وتأثير العاصمتين الوازنتين والمتنافستين أوروبيًّا وعالميًّا (موسكو في الشرق، وواشنطن في الغرب)، فليس جديدًا على بروكسل الوعي بكيفية مقاومة جاذبيتهما وهيمنتهما والمروق بأكبر قدر من الأمان بينهما، هذا رغم انقلاب سياستيهما- بشكل عمودي تقريبًا- من تشجيع التجربة إبان الحرب الباردة الأولى، إلى الامتعاض منها راهنًا، وهذه مفارقة مرشحة للاستمرار، وقد تجلت بعض معالمها في الأسف الروسي والأمريكي لهزيمة أوربان وجماعته في المجر. ورابعًا، لأن التدافع والتناكف بين تياري (التطرف، والاعتدال)، بشأن قضية الوافدين الأجانب لن يحسم على الأرجح لصالح أحدهما في وقت قريب.
عبرة البريكست.
أحد القناعات التي يعنيها هذا المشهد، أن أخبار التنازع المثير بين التيارين المتشاكسين في جوف القارة العجوز، لن تختفي من الآفاق لفترة قادمة يصعب تحديدها، بيد أن الاجتهاد في مقاربة هذه الظاهرة بعقل بارد، يوحي بأن كفة المستقبل تميل أكثر إلى تيار الاتحاديين. وفي التفصيلات، نلاحظ أن القوى “القومجية المتطرفة” تعاكس منطق الأشياء؛ كونها تستهدف الجمع، شبه المستحيل، بين كل شعائر وطقوس السيادة القومية وبين منطق العمل الاتحادي الجماعي، الذي يقضي بالتخلي وجوبًا عن بعض هذه الشعائر والطقوس! وفي إطار هذه النقطة بالتحديد، يبدو نموذج التعامل البريطاني مع السياق الاتحادي كاشفًا بشدة عن مثل هذه الاستحالة؛ فقد دأبت بعض النخب البريطانية، الشغوفة بزمن العظمة والعزة القومية، على انتقاد ما افترضته تدخلًا فائضًا من المؤسسات الاتحادية في الشؤون القومية، ومارست ضغوطًا لأجل العمل بمسافة عن هذه المؤسسات، حتى إنها أبت الانخراط في منطقة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). وبلغ هذا التوجه أوجه بالتخارج من، و”الطلاق البائن” مع، المسيرة الاتحادية برمتها، فيما عرف بالبريكست عام 2020، غير أن أصحاب هذا التوجه الانعزالي المتعجرف لم يلبثوا إلا قليلًا، حتى عاينوا حجم الخسائر (الاقتصادية، والتجارية، والمالية) بخاصة، التي عادت على بلادهم، الناجمة عن تصرفهم المتعجل. ومن المعلوم الآن، أن غالبية ساحقة من خاصة البريطانيين وعامتهم يعضون أصابع الندم على “البريكست”، ومنهم من يحاول تلمس أفضل الوسائل للعودة عن هذا القرار. وقد ذهبت دراسة معمقة بهذا الخصوص، نشرتها صحيفة فيننشال تايمز في 15/6/2026، إلى أن عودة بريطانيا إلى الاصطفاف في المسيرة الاتحادية الأوروبية مسألة وقت فقط، مؤكدة أن “مفارقة الاتحاد أضعفت قدرتها على تمويل نموها وخصمت من طاقتها الدفاعية، وعززت اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة، وليس أمام لندن للخروج من حالة الركود وتحقيق نقلة اقتصادية نوعية، سوى الانضواء مجددًا في الاتحاد”.
إذا كان هذا هو مآل التيار الشوفيني المتطرف في الدولة الأكثر اعتزازًا بالسيادة والتراث القومي، صاحبة البصمة القوية في التاريخين والاقتصادين (الأوروبي، والعالمي)، فكيف تكون الحال مع القوى الأوروبية الأدنى شأنًا على أكثر من صعيد؟!. لا نتصور أن عبرة هذا المثل يمكنها المرور على سواد الرأي العام في مجتمعات دول دعاة التطرف القومي الشعبوي بشكلٍ عابر. وقد يدعو إلى المزيد من الدهشة، أن بعض هذه الدول، مثل: المجر، وبلغاريا، واليونان، بحاجة ماسة إلى برامج العون الاقتصادي والدعم المالي الاستثنائي المباشر، التي تضطلع بها الأطر الاتحادية، تلك الأطر التي يناصبونها الخصومة ويقاومون سطوتها.
الانعزاليون والمعضلة السكانية ..الحل المستحيل.
هذا التناقض المثير بين تعظيم تيار التطرف الشعبوي الأوروبي للشعارات والطقوس القومية في وجه الأطر الاتحادية، وبين يقين هذا التيار بالحاجة الماسة إلى دعم هذه الأطر_ يذكرنا بتناقض آخر لا يقل مدعاة للإثارة، هو إبداء القوى الشعبوية ” القومجية” للعداء والكراهية للوافدين الأجانب من المهاجرين واللاجئين في الرحاب الأوروبية عمومًا، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه هذه الرحاب من ظاهرة العجز السكاني المروع، تلك الظاهرة التي ترتبت على ارتفاع نسبة المعمرين فوق الستين عامًا إلى زهاء 20% من مجموع سكان القارة، وتدني معدل المواليد، بحيث باتت معظم دواليب الاقتصادات الأوروبية غير قادرة على الوفاء بسد النقص في العمالة، لاسيما غير الماهرة، اللازمة لانتظام العمل والإنتاج.
في هذه السياق، يرى الاتحاديون أن استقبال الوافدين ما عاد خيارًا ترفيًّا يمكن الاستغناء عنه، وإنما هو الحل الأكثر نجاعة لمواجهة هذه النقيصة، وذلك بعد أن ثبت يقينًا إخفاق كل الحلول البديلة الأخرى، التي يطرحها خصومهم، من قبيل: رفع سن التقاعد، وتشجيع عمليات التزاوج والإنجاب بتقديم حوافز مختلفة، والاعتماد المكثف على استبدال الآلة بالعمل الإنساني. ويردف الاتحاديون تصورهم لهذا الحل بالاعتقاد بأن التعامل مع موجات الهجرة واللجوء، لا يكون بإغلاق أبواب القارة كليًّا، وإنما بإبداع وسائل وأدوات جماعية مشتركة، تضمن تنظيمها بحيثيات توازن بين الحاجة للعمالة وبين عدم إغراق المجتمعات الأوروبية بأصحاب ثقافات أخرى تفسد نقائهم العرقي وتميزهم الحضاري، وهي موائمة لا تبدو مستحيلة الاجتراح . وبسبب صعوبة الخروج من نفق العجز السكاني، فإن هذا التصور الواقعي يبقى مرشحًا للتحقق، وثمة مؤشرات قوية على التفاوض حوله والتوافق عليه كسياسة معتمدة بين الشركاء الاتحاديين، وأن القوى الانعزالية لا تملك إجابة شافية أخرى إلى أجل غير معلوم.
أصداء الصراع العالمي.
علاوة على تأثير المتغيرات والديناميات الداخلية، الواعد إيجابيًّا بالنسبة للمسيرة الاتحادية الأوروبية، فإنه لا يصح تشَوُّف مستقبل هذه المسيرة دون النظر في انعكاسات المحيط الدولي عليها. وبهذا الصدد، تتفق معظم أدبيات العلاقات الدولية ذات الصلة على أن هذه التجربة، مضت طوال فترة الحرب الباردة الأولى وهي محفوفة، إلى حد ملحوظ، برضاء موسكو وواشنطن. وبالطبع، جرى هذا الواقع على غير اتفاق بين القطبين العالميين ولأسباب مختلفة تمامًا؛ فموسكو أملت في أن يفضي نمو هذه التجربة وتطورها إلى انفكاك الأوروبيين عن الهيمنة الأمريكية، بينما طمعت واشنطن في أن يكون الائتلاف الأوروبي، تحت ظلال العقيدة الرأسمالية، سبيلًا إلى مقاومة عنفوان المد الشيوعي أو الاشتراكي، وعامل تسهيل لمهمتها ومظلتها الحمائية، التي تتولى قيادتها عبر حلف الناتو بالذات.
في الوقت الراهن، هناك شواهد كثيرة على تقادم هذا التصور، لدرجة يجوز عندها الاعتقاد بأنه بات جزءًا من الماضي، وقد تجلت الدلائل على تغير قلبي (روسيا، والولايات المتحدة) نحو الجفاء مع التجربة على نحو صريح خلال الحربين (الأوكرانية، و الإيرانية). ومن آيات ذلك شعور موسكو، من ناحية، بالغضب من الإسناد الأوروبي اللامحدود للخصم الأوكراني، وهو ما توازى مع امتعاض واشنطن الشديد من تحفظ الأوروبيين إزاء مطالبتها إياهم بمشاركتها في غضون حملتها الإيرانية. وقد سبقت الإشارة إلى أن موسكو وواشنطن تلاقتا على الأسف إزاء فشل أوربان وتياره الشوفيني في الانتخابات المجرية.
الأوروبيون و” الترامبية “ومصير الناتو.
هذا المستجد الفارق؛ حيث الضغوط الروسية والأمريكية الصريحة والمستترة يسوقنا، منطقًا وجدلًا، إلى توقع ضرورة انحياز الأوروبيين عمومًا إلى مزيد من التكاتف، وتنشيط مكامن القوة الذاتية، وتعزيز الأطر الاتحادية، بما فيها آليات “الدفاع الجماعية”. والمتصور أن التلاسن الأمريكي الأوروبي الخشن، الذي شهدته أطر الناتو، لاسيما في غضون الحرب الإيرانية، حفز الأوروبيين أكثر فأكثر على التباحث بشأن هذه الآليات؛ فمنذ تأسيسه في أبريل 1949، لم يسبق للناتو أن مر بأجواء مشوبة بالتوترات الداخلية، المؤطرة ببيئة خارجية تتسم بعدم اليقين، كالتي عاشها في أثناء هذه الحرب. كانت هذه الأجواء قد أطلت بفعل مداخلات الرئيس الأمريكي “ترامب” السلبية تجاه الحلف في أثناء ولايته الأولى، لكنها تلبدت وغدت أكثر قتامة في عهد ولايته الثانية، على نحو راح يثير التساؤل بشأن كينونة الحلف برمته.
في ولايته الأولى، تمحورت انتقادات ترامب حول الأعباء المالية الفائضة التي تتحملها بلاده، قياسًا بالشركاء الآخرين، الأوروبيين أساسًا، الذين رآهم كُسالى ومتواكلين انتهازيين، ومطالبته إياهم بزيادة مخصصاتهم الدفاعية إلى 5% من نواتجهم الإجمالية. لكن سياق الحرب الإيرانية، في ولايته الثانية، كان كاشفًا بقوة عما هو أعمق من أصول التباين بين منظوره الأمريكي وبين منظوراتهم لوظيفة الحلف؛ فقد اعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة لانضمام الولايات المتحدة للناتو هو ” قدرتها على نشر قواتها في أوروبا، للتدخل في حالات الطوارئ، الأمر الذي ثبت أنه غير ممكن، بالنظر لتمنع معظم الشركاء عن السماح بذلك”.
مؤدَّى هذا، أن واشنطن ترامب راحت تقارب الناتو باعتباره أحد أدوات سياساتها الخارجية، وفقًا لأهدافها الإستراتيجية، بغض النظر عن تكيفات وتقديرات بقية الشركاء، بل وبدون التشاور معهم.
من التأمل في مفردات التلاوم مع هؤلاء الشركاء، المتمنعين أو “المتمردين”، نفهم أن ترامب لم ينشغل بنصوص مواثيق الحلف المحددة لسبل النصرة والشراكة في أوقات الحرب، ومضى إلى التعامل معهم بفظاظة وغلظة، صعودًا إلى اتخاذ، أو التهديد باتخاذ، إجراءات عقابية ضدهم فرادى ومجتمعين. ومن ذلك، أنه قرر سحب جزء من قواته في ألمانيا وتوعد إيطاليا وإسبانيا بإجراء مماثل، وأنذر الأخيرة بتعليق عضويتها في الحلف وفرض قيود تجارية عليها، وتحدث عن احتمال إعادة تموضع قواته في القارة العجوز بتركيزها في الدول المؤيدة لواشنطن، مثل: بولندا. وعلى الرغم من علاقته، الحميمة –نسبيًّا- مع كلٍّ من رئيسة وزراء إيطاليا “جورجيا ميلوني”، و”كير ستارمر” رئيس الوزراء البريطاني، إلا أنه لم يستثنيهما من غضبته، فوجه للأولى انتقادات حادة، ولوح للثاني بمراجعة سياسة واشنطن إزاء مطالب لندن بفرض السيادة على جزر فوكلاند.
هذا المشهد أوحى لبعض المتابعين والمعنيين، بأن عمليات التشبيك والتعاون الجماعي رفيعة المستوى، التي وسمت علاقة جناحي عالم الغرب على جانبي الأطلسي، لنحو ثمانين عامًا في كنف الناتو، أمست غامضة وضبابية، وقد تتدحرج إلى فقدان البوصلة والفعالية، وربما إلى التصدع ثم التفكك والأفول.
على أنه قبل الاطمئنان إلى هذه النتيجة التشاؤمية، ربما تعين على أصحابها النظر في جوانب وأبعاد أخرى، تدخل في صلب محددات مستقبل الناتو ومصيره؛ فآراء ترامب إزاء الحلف تبدو مشتقة من طباعه وقناعاته، الموصوفة بالتسرع والشخصانية المفرطة، بل وربما مالت أحيانًا إلى السطحية والوقوع في دائرة التذبذب بين الموقف ونقيضه. وهو في التحليل الأخير، ليس طليق الإرادة في إنفاذ ما يراه ، بمعنى أن هناك ضوابطًا وقيودًا لا يمكن له تجاوزها، منها مثلًا: اعتقادات بعض مؤسسات الدولة الأمريكية العميقة، بأن الضغوط على الشركاء الأوروبيين لا تضر بهم فقط، وإنما قد تفضي إلى أضرار جسيمة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية في الإطار العالمي؛ فانتشار أكثر من 85 ألف جندي أمريكي في زهاء 50 قاعدة ومكون عسكري في أوروبا، لا يخدم فقط أمن الأوروبيين، بل هو أمر لا غنى عنه كمنصة للحراك السريع في (الشرق الأوسط، ووسط آسيا، وإفريقيا)، وتعزيز وسائل الردع ضد روسيا وربما الصين أيضًا.
فضلًا عن ذلك، لا يصح إغفال طبيعة النظام الأمريكي، التي لا تسمح للبيت الأبيض، كائنًا فيه من كان، بالانفراد كليًّا بقرارات السياسة الخارجية الفارقة بشدة، كما هو الحال مع مصير حلف عسكري صمد طويلًا وكان، ولعله مازال، عنصرًا فاعلًا في إنجاز “العظمة الأمريكية” على قمة النظام الدولي، وهو المفهوم الذي دأب ترامب على الاستئناس به في خطاباته النظرية وسياساته العملية ليل نهار.
تبلور فكرة الدفاع الأوروبي المشترك.
ومما يستحق التفنيد في هذا السياق، تلك الفرضية المؤثرة في استئساد ترامب وبطانته الفائض على الشركاء الأوروبيين، هي أنهم من الهزال، الأمني بالذات، بحيث لا يمكنهم الاستغناء البتة عن مظلة الحماية الأمريكية، والحال، أن التمعن في مكونات قوة هؤلاء الشركاء الشاملة، تدعو للتشكيك في صحة هذه الفرضية، لاسيما إن اجتمعوا على كلمة وسياسة دفاعية سواء بينهم، وهو متغير جائز ومحتمل البزوغ إن استمر الضغط الأمريكي وغير الأمريكي عليهم، بل وثمة حراكات توحي بأن الأوروبيين يتجهون إلى العناية بملف الأمن والدفاع الجماعي والمضي جديًّا في جعله ضمن أولوياتهم. ذلك، على الأقل، تطبيقًا لأحانين وطموحات ذاتية سبق لها أن راودتهم حول أهمية هذا الملف، الأمر الذي أضحى أكثر إلحاحًا بفعل أسلوب الاستعلاء والمن الأمريكي الذي تجلى تمامًا في عهد إدارة ترامب.
بصيغة أخرى، فإنه مهما كانت طبيعة ومآلات السجال بين توجهات إدارة ترامب وبين الأوروبيين، وسواء تابعت الإدارات الأمريكية اللاحقة العمل بهذه التوجهات، أم تخلت عنها بعد زوال عهد ترامب وجماعته في البيت الأبيض، فإن العواصم الأوروبية الفاعلة، وفي طليعتها برلين وباريس، ما عادت تأمن إلى الركون كليًّا لفكرة “الحماية الأمريكية”، وبدلًا من الإذعان لأسلوب هذه الإدارة، فإنهم باتوا أقرب إلى التوجس من تبعات هذه الفكرة والنظر في استجماع قواهم ومقدراتهم الدفاعية الذاتية، ولو على سبيل التحوط والاستعداد لأية خطوة قد يقدم عليها الشريك أو “الأخ الأمريكي الأكبر”، بالانفكاك من شراكتهم ونزع غطاء مظلته الأمنية عنهم.
لنا أن نلحظ بالخصوص، كيف ظلت السياسة الدفاعية المشتركة واحدة من الخاصرات الضعيفة للمسيرة الاتحادية الأوروبية، وذلك مقابل التركيز مطولًا على المعطيات الاقتصادية والتجارية، ومن المؤكد أن عكوف إدارة ترامب على تذكير الأوروبيين بفضائل المظلة الأمنية الأمريكية، قد استفزهم وأدى إلى صحوتهم والالتفات لمعالجة هذه النقيصة. وليس بلا مغزى في هذا الإطار، أن تنبري فرنسا وألمانيا إلى اتخاذ خطوات فعلية في هذا المضمار، ومنها: الاهتمام بالتعاون والتشبيك التقني لإنتاج أسلحة متطورة، بهدف صناعة ما يعرف بالطائرات المقاتلة من الجيل السادس، وزيادة مخصصات الدفاع في الموازنات العامة، بل وألمحت باريس إلى أنه لا مانع لديها من بسط قوتها النووية أوروبيًّا. والعبرة هنا، أن التعاون الاقتصادي الألماني الفرنسي، كان بمثابة القاطرة الرئيسة لمسيرة العمل الجماعي الأوروبي، والذي نما وتطور غداة الحرب العالمية الثانية؛ ليصل لاحقًا إلى الصيغة الاتحادية الراهنة . ولذا، فإن تبلور مفهوم الدفاع الأوروبي الذاتي، ينبني جدلًا على دور هذه القاطرة، الأمر الذي قد يواجه ببعض الصعوبات، لكنه لا يدخل في باب المستحيل.




