2026العدد 207ملف ثقافي

الحل العلماني لإشكاليات المواطنة والدولة القومية.

يتشابك مفهوما (المواطنة، والدولة القومية)؛ إذ يشتركان معًا في الهدف النهائي وهو تحرير الإنسان كفرد من أنساق القهر الواقع عليه، سواء من قبل المجتمع أو من قبل السلطة السياسية، وكذلك تحرير المجتمع من قبضة التعصب وكراهية الآخر المختلف، سواء كان الاختلاف (مذهبيًّا، وطائفيًّا، وعرقيًّا). والحقيقة، أن الحل الخلاق للإشكاليات الناجمة عن كليهما، إنما يكمن في مفهوم ثالث وهو العلمانية؛ فالبحث عن المواطنة خارج الدولة المدنية ليس إلا وهمًا كبيرًا، والدولة ككيان جامع لكل مواطنيها لا يمكن أن تكون سوى دولة وطنية، ومن ثم علمانية. حقًا، وجدت الدولة ككيان تاريخي قبل بروز مفهوم العلمانية بعدة آلاف من السنين، لكنها كانت دولة تقليدية، سواء اتخذت شكل الولاية والإمارة الصغيرة، أو تمددت في خلافة واسعة وإمبراطورية كبرى، فالجامع بين كل تلك الأشكال هو غياب مفهوم الإنسان-المواطن وحضور مفهوم الإنسان-الرعية. فالمواطن الحر لم يكن ليوجد سوى في الدولة القومية الحديثة-العلمانية، فيما كان الإنسان الرعية، صنوان الدولة قبل الحديثة، فكان في بعض الأحيان هو القن، أي عبد الأرض في الإقطاع الأوروبي القروسطوي، ناهيك عن العبودية التقليدية في كثير الأحيان.

العلمانية إذًا هي قاعدة الانطلاق نحو الصياغات الخلاقة والإيجابية لمفهومي (المواطنة، والدولة الوطنية)، لكن مع اختلاف في مستوى العلاقة؛ فالعلاقة بين المواطنة والعلمانية خارجية وإن كانت مباشرة؛ إذ لا يوجد مواطن حر سوى في دولة علمانية، يسمو نظام الحكم فيها على المذاهب والطوائف والأعراق. أما الصلة بين الدولة الوطنية والعلمانية فداخلية، تقوم على التماهي؛ فمفهوم الدولة في الحقبة الحديثة لا يعني سوى الدولة القومية-العلمانية، فيما انزاحت كل أشكال الدولة التقليدية: السلطانية، والدينية، والطائفية، إلى حيز السلب التاريخي.

هكذا، يتبدى لنا كيف أن غياب العلمانية يصاحبه حضور الصياغات السلبية للمفهومين والعكس صحيح؛ إذ يصعب تحقيق المواطنة إلا من خلال دولة علمانية تتأسس على الحياد القانوني والمساواة الأخلاقية، تقف على مسافة واحدة من مواطنيها. أما الدولة القومية فتتماهى مع مفهوم العلمانية، نشأت بفضلها قبل نحو أربعة قرون، انطلاقًا من معاهدة وستفاليا، وتطورت نحو الديمقراطية التمثيلية بإلهام من نظريات العقد الاجتماعي، ولا تزال تترسخ حتى صارت دينا للحداثة السياسية. وما نود أن نؤكد عليه هنا، أن العلمانية التي نتصورها للدولة والمجتمع العربيين هي العلمانية السياسية، أي علمانية الحد الأدنى، التي تقضى بعلمنة السلطة فقط، وليس بالعلمانية الوجودية، أي علمانية الحد الأقصى، التي تقضي بعلمنة الأخلاق والقيم مع السلطة، ومن ثم تتصادم مع الرؤية الروحية للوجود.

أولًا: المواطنة إذ تفترض العلمانية.        

لا يتعرف الإنسان على الله حقًا إلا عندما يكون حرًا؛ فالإيمان اختيار ضمير لا دخل فيه للغير، وهذا سر حلاوته ومصدر روعته، أما قمع الضمير فلا يبني إنسانًا مؤمنًا، ولا مجتمعًا حرًا، بل يؤدي إلى تدمير الحرية والإيمان معًا. يحتل الضمير موضع القلب من مفهوم الإيمان، الذي يتهدم بنيانه بحضور الكهانة الدينية، وفي المقابل تحتل الحرية موضع القلب من نظام الحكم الذي ينتفي رشاده بهيمنة الاستبداد السياسي. وإذا ما تأملنا كيف رفع جل المستبدين يافطة الدين، وكيف توارى الكهنة في ظلال المستبدين، أدركنا أن الحرية هي جوهر الدين الصحيح، بقدر ما هي جوهر الحكم المستنير، فالحرية هي ضمير الحكم كما أن الضمير هو دين الأحرار.

جوهريًّا، تمثل العبودية لإله فائق، موقفًا وجوديًّا مناهضًا للاستبداد، من زاوية أنها تغذي الشعور العميق بالفردانية الروحية؛ فالشعور بالتسليم إزاء الوجود الإلهي، أي المتعالي الرأسي، يصاحبه شعور بالثقة ينجم عن العناية الإلهية، يمنح للمؤمن شجاعة فائقة في مواجهة البشر (أفرادًا، وجماعات)، أي إزاء الامتداد الأفقي. شرط اشتغال هذه المعادلة أن تكون الألوهية توحيدية، والإيمان روحيًّا وليس طقوسيًّا، يخلو من التوسط البشري، وينزع القداسات الصغرى عن رجال الدين المحترفين والحكام المتألهين ويدمجها في قداسة واحدة مطلقة تتعالى إلى السماء لتُظل الجميع، ما يعنى نزع أشواك الكهانة من عنق الضمير الإنساني. المفارقة هنا، أن تلك العملية، أي ترسيخ التعالي الرأسي، ونفي التعالي الأفقي، هي نفسها مضمون عملية/ مفهوم العلمنة، والتي تعني جوهريًّا صياغة شروط ووضع حدود للتدين تحمي الحق في الاعتقاد لجميع المتدينين، وكذلك الحق في الإلحاد لغيرهم. ومن ثم، تخدم العلمانية الإيمان الروحي على مستويات ثلاث أساسية: فهي أولًا، هي أداة تضمن للمتدين ممارسة اعتقاده بحرية تامة في مجاله الخاص من دون تديين للمجال العام نفسه، أو اعتداء على المجال الخاص للآخرين. وهي ثانيًّا آلية لضبط العلاقة بين أشكال الاعتقاد سواء بين الأديان المختلفة، أو بين المذاهب والطوائف المختلفة داخل الدين الواحد، وجميعها اختلافات لا يخلو منها حتى أكثر الأديان تجانسًا والمجتمعات انسجامًا، ما يقي الجميع من شرور الاضطهاد السياسي. وهي ثالثًا طريقة لغربلة الدين من شوائب التدين، ففي ظل نظام حكم علماني، تنتفي الحاجة إلى المبالغة في ممارسة الطقوس النافلة، وإلى الادعاء ظاهريًّا بما يناقض المستقر باطنيًّا، ومن ثم لا يصبح هناك معنى لظاهرة النفاق الديني، لدى أولئك الذين يخشون ضغوط المحيط الاجتماعي؛ لأن الملحد نفسه لم يعد يخشى الاضطهاد، بل صار قادرًا على التصريح بإلحاده، مطمئنًا لوجود إطار قانوني يحمي ضميره، لا يمكن له أن يتوافر إلا في ظل دولة مدنية على وجه الحقيقة وليس الادعاء. وهكذا تصبح العلمانية بمثابة آلية لعمليتين متضادتين تصبان في مجرى واحد هو ازدهار الشخصية الإنسانية:

العملية الأولى: هي ترسيخ الإيمان الروحي لدي المتدينين، الذين يشعرون، في سياق علماني، بعمق إيمانهم؛ لأنهم اختاروا عقائدهم ومذاهبهم في ظل وجود متدينين بعقائد ومذاهب أخرى، وكذلك في ظل ملحدين يرفضون الإيمان كلية، فالشعور بالقدرة على الاختيار يذكي الروح الإنسانية وينمي الإحساس بالمسؤولية لدي الضمير البشري إزاء كل ما يعتقد فيه.

والثانية: هي تضييق مجال التدين الظاهري، بنفي الحوافز التي تترتب عليه، ففي مجتمع طائفي قد يحمل الانتماء لطائفة معينة مزايا ما، فيصبح من الطبيعي أن يقصد إليها ضعاف النفوس، مبالغين في إظهار انتمائهم حصدًا لثماره، أو يفرض على طائفة أخرى نوعًا من الضغط، يضطر معه أربابها لإخفاء انتمائهم إليها. ومن ثم، تنتفي الحاجة إلى التدين الطقوسي؛ إذ لا خطر قائم من وراء التعبير الحر عن الانتماء لطائفة الأقلية، ولا غنيمة ممكنة من وراء المبالغة في الانتماء لطائفة الأغلبية.

ولعل هذا ما جرى في السياق الأوروبي؛ حيث كان التخلف الأوروبي القروسطوي رهنًا لتدين فاسد بلغ ذروته في البطريركية الكاثوليكية، التي تاجرت في صكوك الغفران. ومن ثم، تفجرت الحركة (البروتستانتية) مطلع القرن السادس عشر؛ لتثير حروبًا مذهبية وطائفية امتدت لما يربو على القرن، آخرها حرب الثلاثين عامًا (1618 – 1648) التي انتهت بمعاهدة وستفاليا، ومن رحمها ولدت الدولة القومية الحديثة التي أعادت صياغة العلاقة بين (الأرض، والشعب، والسيادة)، وأحالت الفرد من مجرد رعية لملك إقطاعي يستمد شرعيته من حق إلهي مقدس، ربما كان قنًا، أي عبدًا للأرض أو عبد رقبة لدى طبقة النبلاء، إلى مواطن في دولة قومية ذات سيادة، يتمتع بحقوق وواجبات سياسية، ينظمها عقد اجتماعي ينعكس في دساتير وقوانين. ومن دولة وستفاليا، انطلقت صيرورة علمنة لم تتوقف عن النمو والتطور منذ أربعة قرون وحتى اليوم، يمكن التمييز داخلها بين مستويين أساسيين:

المستوى الأول: معتدل يتمثل في “العلمانية السياسية”، ينزع إلى عقلنة المجال العام والتنظيم الرشيد للمجتمع السياسي من دون أن يستهدف العقائد الدينية أو يبدي تناقضًا حتميًّا مع الرؤية الروحية للوجود، بما تنطوي عليه من معتقدات وقيم أخلاقية وفضائل إنسانية، طالما استمر الفرد يمارسها في مجاله الخاص ولا يسعى إلى فرضها على المجال العام. تقوم الدولة العلمانية بذلك من خلال نظام حكم مدني يحقق الفصل والتوازن بين السلطات الأساسية، يؤدي دوره في إدارتها بحياد تام سواء بين الأديان، أو بين المذهب والطوائف المختلفة في المجتمع. نظام لا يحمل قيمًا بذاتها إيجابية أو سلبية، مادية أو روحية، بل يخضع للقيم العامة السائدة بين المواطنين، والتي يجري التعبير عنها من خلال الإرادة العامة ووضعها في دساتير وقوانين عبر جماعات المشرعين.

إننا هنا أمام موقف إبستيمولوجي من ظاهرة السلطة يحترم العقل ويسعى إلى تنظيم المجال السياسي على هديه، يرفض أن يكون لأية فئة من الناس الحق في احتكار المعرفة في شؤون السياسة، أو في أي شأن دنيوي آخر، على أساس أن الله لم يتح لهم وحدهم معرفة ما الذي يمكن أو يتوجب فعله، خصوصًا رجال الدين. تعني العلمانية السياسية إذًا، إن الإنسان كائن عاقل، يستطيع الاضطلاع بمسؤولياته الدنيوية عبر نظام حكم مدني يمثل جهازًا محترفًا ومحايدًا، يجمع بين السلطات الثلاث الأساسية، وظيفته إدارة المجال العام من خلال قواعد قانونية تم التشريع لها باستلهام مبادئ دستورية أقرها الشعب باعتباره مصدر السيادة الأعلى وليس الأحكام الشرعية لدين بذاته، خصوصًا وأن معظم الدول الوطنية المعاصرة تنطوي على رعايا لأديان مختلفة لا يمكن العدل بينها إلا عبر الحياد القانوني.

يكمن جوهر الدولة المدنية (العقلاني، والإنساني) إذن، في كون الشعب مصدر السيادة الحقيقي؛ فإرادة الناس هي معيار تشكيل السلطة وممارستها، وانعقاد الشرعية واستمرارها، فلا يوجد من هو أعلى من الإرادة العامة للجماعة الوطنية في كل ما يخص مصيرها ويتعلق بمستقبلها. ولا ينفي ذلك حقيقة أن لكل شعب عناصر هويته الخاصة التي ينطلق منها وفي قلبها الدين؛ حيث تتخلل قيمه الأساسية ومبادئه العليا دستور هذا الشعب أو قوانينه التي يصدرها برلمان منتخب ديمقراطيًّا. ومن ثم، فإن العامل الحاسم في تمييز الدولة المدنية عن الدينية، لا يتمثل في مدى الالتزام بالقيم الأخلاقية والروحية، بل في مبدأ وجود أو عدم وجود هيئة وصائية تفرض تلك القيم، وتراقب مدى الالتزام، تعكس إرادة قلة من رجال الدين الذين يطرحون أنفسهم متحدثين باسم الشريعة ووكلاء عن الله؛ حيث يكون مصدر الشرعية هو الشريعة وليس الأمة، والنيابة فيها عن الله لا عن الشعب، والحق في الحكم مقدسًا لا سبيل إلى مراجعته، ما يفتح أبواب التاريخ على جهنم أرضية، باسم جنة سماوية يدعي هؤلاء امتلاك مفاتيحها.

يعمل مثل هذا النموذج العلماني الحكيم بكفاءة في النموذج البريطاني، على سبيل المثال؛ حيث رأس الدولة هو نفسه رأس الكنيسة، والملكية (دستورية، وليبرالية، وبرلمانية) تجسد التراث البريطاني التالي على ثورة كرومويل، وتؤكد على إمكانية الفصل الناعم بين الدين والسياسة. أما النموذج الألماني فيقدم خبرة أخرى للعلمانية المعتدلة؛ حيث الحزب الحاكم الآن، والأكثر سيطرة على مقاليد الأمور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (الديمقراطي المسيحي) يمثل حزبًا مدنيًّا، لا يُكفِّر منافسيه، وإن اتسمت سياساته بنوع من المحافظة التي تحترم المطلقات الأخلاقية المسيحية من قبيل رفض (الإجهاض، والمثلية الجنسية ) على سبيل المثال.

والمستوى الثاني: راديكالي يتمثل في “العلمانية الوجودية”، لا يكتفي بوضع الحدود الفاصلة بين الدين والدولة، أي علمنة السلطة نفيًا للعلاقة بين القداسة والسياسة، بل يذهب إلى نفي القداسة عمومًا، وإلى علمنة الأخلاق الإنسانية بالكلية. وهنا لا نصبح أمام موقف إبستمولوجي من ظاهرة السلطة تقتضيه طبيعة النظام الديمقراطي كوسيلة لعقلنة المجال العام، بل موقف أنطولوجي يتعاطى مع العالم وكأنه مصمت، منبت الصلة بكل ما يتجاوزه، يفسر نفسه بنفسه دون إحالة إلى مرجعيه تعلو عليه، أو قوة فائقة تقع خارجه.

نبتت العلمانية الوجودية من جذرين مختلفين: الجذر الأول، هو التنوير المادي الذي طرح تساؤلات جذرية حول السردية الدينية، ومفهوم المقدس، وقد بلغ ذروته في مقولة “نهاية الدين” التي سادت، خصوصًا في القرن التاسع عشر، وعبر عن نفسه في ممارسات معادية للإيمان استندت إلى أدوات الدولة نفسها، كما كان الأمر في النموذج الفرنسي اليعقوبي الذي حاول وأد ما اعتبرته الثورة دين الكاهن (المسيحية)، وتكريس عبادة الإنسان (قيم التنوير)، فجرى الهجوم على الكنيسة وقنص أغلب ممتلكاتها، وحصار دورها في المجال (السياسي، والاجتماعي، والمدني)، بل كثيرًا ما تم تحويل الكنائس في مناطق غرب باريس و”مولان” و”نييفر” و”ألييه”، إلى معارض للرسم ومصانع للكحوليات وحانات للرقص ومحلات بيع أحذية، مع فصل القسس وتشريد الرهبان، خصوصًا في عهد الإرهاب (1789 – 1794)، ولم يخفف من غلواء هذا الهجوم إلا مرسوم “نانت” الذي رعاه نابليون بونابرت؛ حيث أدرك الجنرال الكبير بنافذ بصيرته حاجة المجتمع إلى نوع من الاستقرار، لن يتأتى إلا بتبريد حرارة الاحتقان بين الكنيسة والدولة، بين المحافظين والثوريين، فأعاد إلى الكنيسة جزءًا كبيرًا من ممتلكاتها، وإلى العمل عدد هائل من رجالها. وعلى الرغم من ذلك، ظلت المسيحية محاصرة داخل نظام التعليم الفرنسي، ببرنامج تعليم مدني يتحدث عن قيم الجمهورية والعلمانية بما يشبه القداسة وكأنها ديانة مدنية، حاصرت الكنيسة معنويًّا حتى صدر قانون العلمانية في 1905، الذي رسم الحدود الجديدة بين الكنيسة والدولة، محررًا كلًا منهما من سيطرة الآخر.

أما الجذر الثاني، فهو مجتمع الاستهلاك المعولم الذي يتغذى من السوق والتكنولوجيا في سياق عالم الما بعد في: الصناعة، الحداثة، الدين، الإنسان،… إلخ. وقد عبر هذا الجذر عن نفسه في مقولة “خصخصة الدين”، التي لا تنطلق، كسابقتها، من مبدأ نظري، ولا تعول أصلًا على دور الدولة بقدر ما تعكس صيرورة واقعية، تبدو مستقلة عن القوانين التي تصكها الدول، وتنطق بها الدساتير، بل تشق طريقها على نحو لا مرئي في قلب مجتمعات الما بعد (الصناعة، الحداثة،… إلخ)؛ حيث تهيمن قيم السوق والاستهلاك وتتحكم حتى في الجسد الإنساني الذي يجرى تسليعه بعديد الوسائل، الأمر الذي يدفع الدين ليس فقط إلى خارج المجال العام السياسي بل إلى خارج المجال (الاجتماعي، المدني). ففي ظل تلك الصيرورة، ينزع عالمنا العلماني إلي رفض الاحتكام القيمي إلى أية مرجعيات خارج الإنسان الذي احتل مركز العالم بديلًا عن الله، فلا النص الديني يبقى مطلقًا ولا القيم الدينية كونية، بل يصير الاتفاق البشري هو أصل الخير والشر، الإباحة والتحريم، ما يفضي إلى تراجع منظومة القيم الروحية لصالح أخرى مادية ونسبية، وإلى كثرة التشريعات المتحررة من قيود الفطرة الإنسانية، خصوصًا التسامح مع أخلاق “ما بعد الطبيعية”، كالشذوذ الجنسي، الذي صار يسمى بالمثلية الجنسية، على سبيل الحياد والتهذيب والتقنين، فطالما استقرت إرادة طرفي العلاقة على ممارسته صار خيرًا فرديًّا، وإن قصر عن إدراك مغزى الخير الكوني الذي ترعاه الحكمة الإلهية، بتأكيدها على العلاقات الإنسانية السوية.

ثانيًا: الدولة القومية إذ تتماهى مع العلمانية السياسية. 

تصدت العلمانية لظاهرة تقديس الحكام في الحضارات القديمة، خصوصًا في الشرق الأدنى؛ حيث كان الملك هو الإله، أو ابن الإله أو ظل الإله. وفي المقابل، باتت تقدس مفهوم الوطن بما يمثله من قيمة رمزية ومعنوية، وما يعنيه من كلية الأرض وسيادة الشعب وعلو الإرادة. ومن ثم، احتلت الدولة الوطنية مكان الإله، وباتت المصطلحات اللاهوتية التي تتوسط العلاقة بين الإله والمؤمن هي نفسها تقريبًا التي تتوسط العلاقة بين الوطن والمواطن. بالطبع، يبقى الله هو المطلق الذي يقاس إليه ولا يقاس إلى سواه، ولكن صار الوطن حاملًا لقبس من ذلك المطلق، مجسدًا لبعض مثالاته العليا؛ فالأوطان نقطة يجري عندها أنسنة الإلهي، وتقديس الدنيوي، ولو عبر التلميح لا التصريح. انطلق هذا المسار من معاهدة وستفاليا 1648 م، وظل يزداد رسوخًا، وإن شاب صعوده قدرًا كبيرًا من التباين بين مناطق العالم المختلفة؛ حيث بلغ ذروته في العالم الغربي، لكنه تعثر كثيرًا في مناطق أخرى كما في بلدان إفريقيا والعالم العربي.

في السياق العربي، تعثرت عملية بناء الدولة الوطنية بفعل الممانعة الثقافية والاجتماعية لمفهوم العلمنة، الذي يصوغ المواطنة على قاعدة الانتماء للأرض، وليس للأديان والمذاهب والطوائف. حدث هذا رغم أن الإسلام برفضه مفهوم الخطيئة الأصلية، وتعاطيه الإيجابي مع الملكوت الدنيوي، هو دين علماني جوهريًّا، لم يعرف مؤسسة بطريركية تشبه الكنيسة الكاثوليكية، تؤدي دور الوصي على السياسة وتعيق تطور المجتمع، بل إن السياسة هي التي هيمنت على الدين. وحتى ظاهرة “فقهاء السلطان” المكرسين لشرعية الحكام والمبررين لأفعالهم، لم تكن سوى نتيجة مباشرة لهيمنة السلطة السياسية على الفقه الديني. لكن المشكلة الحقيقية، هي أن تاريخنا الحديث لم يشهد تجربة إصلاح ديني حقيقية، بل مجرد خطابات فكرية تدعو لاستئناف التطور الحضاري بعد انقطاع طويل، جسده الإقطاع المملوكي والعثماني، وهو مالم يحدث لا في القرن التاسع عشر ولا في القرن العشرين. 

حدث ذلك ليس لأن الإسلام مطبوع بجوهر شمولي يجعل منه قيدًا على الحرية، كما ذهب مستشرقون غربيون ومفكرون عرب متعالون، تجاهلوا أن الخطاب القرآني موجه إلى الإنسان كفرد، سواء على صعيد العقيدة أو العبادة، وأنه يؤسس لنوع من (الفردية الروحية، الحرية الوجودية)؛ بل حدث لأن السلطات الحاكمة: ولاية، خلافة، سلطنة، ملكية، وجمهورية، لم تحاول تأسيس تلك الحرية الوجودية في نظام سياسي معتبر؛ ولذا لم يعرف تاريخنا مفهوم الحرية المدنية الذي أنتج مفاهيم كـ(العلمانية، والفردانية، والليبرالية)، بل ظل قاصرًا على الحرية بالمعنى الأنطولوجي، الذي يدور في فلك العلاقة بين الله والإنسان، والذي تم تداوله في المعجم القرآني، وتجادلت حوله الفرق الكلامية خصوصًا (المعتزلة، والجهمية، والأشاعرة)، أو على المعنى الاجتماعي الذي دار في فلك الاستعمال الفقهي للحرية كحالة قانونية مقابلة للعبودية؛ حيث الإنسان الحر هو فقط غير المملوك جسديًّا لغيره من الناس، وليس هو الإنسان الذي امتلك فرديته وبنى شخصيته ويحاول من خلالهما أن يصوغ عالمه. ولهذا لم ينتج التاريخ الإسلامي متمردين ضد القهر الاجتماعي والسياسي اللهم فيما ندر، فأغلب الثوار والمتمردين خرجوا لدوافع عقدية دفاعًا عن إيمانهم كمسلمين وليس لدوافع تحررية دفاعًا عن إرادتهم كمواطنين. وهنا يتعين علينا ملاحظة كيف جرى الفصل دومًا بين حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، وحقه في أن يكون مواطنًا حرًا يمارس دوره ويتحمل مسؤولياته عن (الجماعة السياسية، الدولة، الأمة، الوطن). بلغة أكثر تحديدًا، ظلت الحرية الأنطولوجية في الرؤية القرآنية للوجود محض إمكانية معطلة، غير ملهمة أيديولوجيًّا ولا محفزة تنظيميًّا لأية حركة اجتماعية على الأرض؛ حيث كان هناك دومًا من لا يريد، أو لا يستطيع أو كليهما.

لقد رافق الفكر العلماني العربي نقيضه الديني طويلًا، ربما لقرن ونصف القرن، تصارع معه ولكن دون قدرة على حسم الجدل لصالحه، رغم أن السياق كان مواتيًا في أوقات مبكرة من القرن العشرين بما لا يقاس إليه حالنا اليوم، الأمر الذي مثل فرصة ضائعة على الأمة، انفلتت من قبضتها قبل أن تحسم واحدة من أخطر مشكلاتها العملية وإشكالاتها النظرية. ومن ثم، تبدو مجتمعاتنا أحوج ما تكون لحسم خياراتها، وإنجاز مهمتها التاريخية المؤجلة، خلاصًا من أمراض السلطة الجامدة، وأسئلة الشرعية المجمدة ناهيك عن الواقع المتهرئ. ومن ثم، يتوجب على الفكر العلماني العربي أن ينتقل من خانة الدفاع إلى موقع الهجوم، صحيح أن الأرض لا تزال محترقة، ولكن تبقى الفرصة متاحة لهذا الهجوم، كما أن الحاجة إليه ماسة؛ ذلك أن الفترات القلقة من عمر الزمن كالتي نعيشها، هي نفسها الفترات التي يُقبل فيها الناس على تمحيص مفاهيمهم المستقرة، مع إمكانية قبول أخرى جديدة؛ حيث يمثل مفهوم العلمانية فريضة اليوم، التي لا يجب تأجيلها إلى الغد.

ورغم رسوخ الدولة الوطنية في معظم أرجاء القارات الست، فإنها عاشت لحظات شك عميق في أعقاب نهاية الحرب الباردة، وبزوغ العولمة كبنية تحتية وخطاب أيديولوجي يكشف بقدر ما يغطي على انتصار الرأسمالية. لقد ظن البعض أن عصر الدولة القومية إلى أفول، وجرى الحديث مرارًا عن كيانات وتنظيمات عابرة لها، يمكن أن تسمو عليها أو أن تحل بديلًا عنها، بل إن هناك من أوغلوا في النيل منها فتحدثوا عن كيانات أصغر منها باتت فواعل حقيقية تتفوق عليها أو تنال من دورها من قبيل الشركات المتعددة الجنسيات، وحتى الجماعات المسلحة والعنيفة والمتطرفة. لكن، ما إن وقع الوباء الكوني (كوفيد – 19) مطلع العام 2020 م، وأمام ارتباك المجتمع العالمي المفاجئ وثقل حركته المعتادة، إلا واستعادت الدولة القومية مركزيتها، فبدت وكأنها الحقيقة السياسية الصلبة في عالم يموج بالسيولة، وحائط الصد الحقيقي في لحظة تموج بالخوف، وبرز دورها المركزي في مواجهة طائر الموت المحلق، متقدمًا على جل الكيانات الأخرى سواء الأضيق منها أو حتى الأوسع منها، من قبيل التكتلات الإقليمية، وأبرز نماذجها (الاتحاد الأوروبي) الذي بدا مشلولًا أمام الوباء، لم تنهض مؤسساته الكبرى بإجراء جماعي يذكر، إلا على استحياء وفي وقت متأخر كثيرًا، وإن بدا دوره ملموسًا نسبيًّا على صعيد التخفيف من الآثار الاقتصادية للوباء. هكذا بدت الدولة الوطنية سيدة للموقف على وجه العموم، وعلى كل المستويات سواء في فرض القواعد وتطبيق القوانين والإشراف على جميع إجراءات الوقاية والعلاج، أو حتى في تقديم الرعاية الاجتماعية للمضارين بشدة من المواطنين، الذين حال الإغلاق الاقتصادي وحظر الحركة والانتقال إلى شل قدرتهم على كسب قوتهم.

بالقطع نجحت بعض الدول أكثر من غيرها، وبرزت كتابات تمتدح النماذج الناجحة وتهجو الأخرى التي فشلت أو بدت أقل نجاحًا. قيل في ذلك أن الدولة المركزية، ونتيجة نظامها الصحي الفعال، وربما ثقة الجمهور في قياداتها كانت هي الأكثر نجاحًا من غيرها، ما أفضى إلى أن يمتدح البعض النظم الشمولية. وقيل إن نجاعة المواجهة لم ترتبط بتلك الدول المركزية، وأن الفشل والنجاح قد توزعا على كل أشكال التنظيم السياسي (الشمولية، والليبرالية). لكن وأيًّا كان الرأي في ذلك، فإن الدولة ككيان وطني أو قومي جامع خرجت رابحة من تلك المواجهة، فصارت بحق هي أيقونة الاجتماع الإنساني المعاصر إلى درجة باتت معها المجتمعات الحديثة تقدس أوطانها.

ولكن يبقى التحذير واجبًا من أن تقديس الوطن لا يعنى الإقصاء باسمه أو الاستعلاء على غيره كما يتصور المتطرف القومي، كما أن تقديس العقيدة لا يعنى الوصاية باسمها، أو العداء لغيرها كما يفعل المتطرف الديني. يقود التطرف في الوطنية إلى شوفينية سياسية، مثلما يقود التطرف في الدين إلى عنف أصولي، يسعى كلاهما إلى التحكم في الطبيعة الإنسانية. يدعي الأصولي معرفته بالطريق الوحيد الذي يكفل للجماعة الدينية تحقيق أهدافها الكبرى وغاياتها القصوى، وكأن الله قد اصطفاه دونًا عن خلقه أو بث فيه سرًا لم يبثه لنبيه، لا يجب مراجعته فيه، وهنا يصير المؤمنون الآخرون، أحرار العقل والضمير، الذين ينشدون الله عبر طريق لا يمر بوصايته، مجرد زنادقة يستحقون التكفير، ومن ثم تنمو ظاهرة الجهاديين، الذين لا يحاربون كفارًا بالضرورة، بل يقتلون ذويهم ويدمرون بلدانهم، طمعًا في غنيمة وسعيًا إلى سلطة. وفي المقابل، يتصور الشوفيني أن وطنه، الأكثر إدراكًا لحكمة التاريخ وغاياته الكبرى، يسمو على بقية الأوطان، فلا يتوقف عن تمجيد أو حتى اصطناع خصوصياته العرقية واللغوية، مستدعيًا رؤى أكثر فلاسفته عنصرية، وتأويلات أكثر مؤرخيه استعلائية، محاولًا فرض إرادته على ما سواه من بلدان ولو عبر القتال؛ إذ كان حاكمًا، متجاهلًا أن الحرب قرار خطير يفرض على صانعه أن يكون حصيفًا، لا يدخل معارك عبثية قد تلبي جنون عظمته، فيما تهدد مستقبل الوطن، وتهدر كفاح أجياله عبر العصور؛ لأجل التحرر والتقدم.

غير أن مركزية الدولة القومية لا تنفي حاجتها اليوم، بعد أربعة قرون تقريبًا على ميلادها، إلى نقد أخلاقي حقيقي يجدد طريقة عملها. فإذا كانت معاهدة وستفاليا ركزت على قيمة العلمانية في الفصل بين المجالين (الديني، والسياسي)، بغية تخليص الاجتماع الإنساني من سطوة الكهنوت الديني وإسناد إدارته إلى أهل الخبرة الدنيوية، وقد كان هذا تقدمًا كبيرًا دون أدنى شك، فإن الحاجة باتت شديدة الآن لمعاهدة جديدة تركز على قيمة “الرشد”، تراجع وظائف الدولة الأساسية وتساؤلها عن دورها السلبي في إعاقة ازدهار مجتمعاتها: فهل تنشد مجمل تحركات الدول على خرائط الجغرافيا السياسية العالمية تحقيق الاحتياجات الضرورية لأمنها، أم تعكس ميولًا عدائية، وتبغي تحقيق غايات استعراضية؟ وهل ثمة معقولية لامتلاك كل ترسانات الأسلحة سواء التقليدية أو النووية، ولو باعتبارها وسيلة الردع، رغم التكلفة العالية لإنتاجها وتخزينها وصيانتها في وقت تزداد فيه البطالة وترتفع الأسعار، وتتعطل سلاسل الإمدادات؟  تفرض علينا الإجابة أن نتذكر القانون الاقتصادي الشهير عن “الفرص البديلة”؛ كي نتخيل معًا كيف كان ممكنًا، عبر إنفاق منضبط للثروة على التنمية البشرية، ترقية عيش الإنسانية برمتها، وتخليصها من الفقر والعوز الدائمين، ناهيك عن الخوف والفزع من الأوبئة والكوارث العارضين، على النحو الذي كان ممكنًا معه الحلم بعالم أقل عنفًا وعتمة وأكثر إنسانية وإشراقًا عن ذلك الذي نعيش في ظله.

اظهر المزيد

صلاح سالم

كــاتب ومفــكر بجريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى