هل تريد أن تكون مؤلِّفًا أو مخرجًا أو سينمائيًّا أو مصمم ديكور؟ هل تريد أن تصبح رسامًا عظيمًا أو فنانًا تشكيليًّا يصفق له الجميع وتحقق لوحاته نجاحًا كبيرًا؟
يمكنك أيضًا أن تكون موسيقيًّا (ملحنًا، وموزعًا) وتضع موسيقاك ليغني عليها من رحل من عظماء الغناء، يمكنك أيضًا أن تختار أشهر المطربين العالميين ليغنوا أغانيك وألحانك دون أدنى مشقة كل ما تحتاجه فقط هو برنامج أو مجموعة برامج من برامج الذكاء الاصطناعي. يمكنك دون أدنى موهبة أن تحقق شهرة ونجاحًا كبيرًا. فما بالك إذا كانت لديك بعض الموهبة أو كنت نصفَ موهوب؟
تساؤلات عديدة يطرحها الفنانون الذين يقفون في حيرة من أمرهم. هل الذكاء الاصطناعي سيطيح بهم وبموهبتهم؟ هل يعتمدون عليه لتطوير فنهم ويتماشون مع التكنولوجيا ومتطلبات العصر؟ وهل سيقدرون على منافسة أقرانهم؟ ببساطة هل الذكاء الاصطناعي في مجال الفنون ثورة إنسانية أم ثورة على الإنسانية؟
منذ تسعينيات هذا القرن، ظهرت التكنولوجيا الرقمية بشكل متسارع وأظهرت إرهاصات كبيرة تنبأ بها العديد من الفنانين، تحمس بعضهم للتكنولوجيا الحديثة كنوع من التطور، ستوفر الجهد والوقت والمال للفنان، وستقدم له جودة عالية أيضًا. فلتسجيل لحن موسيقي، والذي كان يحتاج إلى عشرات العازفين وأستديو مجهز وأجهزة صوتية معقدة أصبح من الممكن لطفل صغير في بداية حياته ودراسته الموسيقية يمكن أن يصنعه من خلال جهاز كمبيوتر شخصي في حجرته الصغيرة وفوق سريره أو على مكتبه. فما بالنا بالفنانين الكبار الموهوبين إذا اتقنوا هذه التكنولوجيا؟
توجس العديد من الفنانين خيفةً، وأظهروا رفضهم لسيطرة التكنولوجيا الرقمية، والتي ستفتح الباب أمام طوفان لا نهائي من البرامج، والتي ستلغي النشاط الإنساني وتجعل الإنسان عبدًا للآلة والبرامج، خاصة مع توفر برامج تستطيع أن تأخذ بصمة الصوت وبصمة الوجه وبصمة العين وإمكانية توظيف خوارزميات لتخزين كل ما هو موجود حاليًا واستغلاله بعد ذلك في تقديم منتجات فنية جديدة تتمتع بجودة عالية.
ببساطة، إن كل ما كان يحتاج إلى نشاط إنساني وأجهزة وأدوات ويحتاج وقتًا ومالًا وجهدًا يمكن اختزاله بعد تخزينه، من خلال الخوارزميات في برنامج يستطيع أي متعامل مع البرنامج تحقيق نفس النتائج مما يطرح لدينا عدة نقاط أهمها:
- الندرة والقيمة.
- حقوق الملكية الفكرية، والجوانب القانونية.
- مجالات الإسهام (الفنون البصرية- الموسيقى- توليد الصور- التحليل الفني).
- الخصوصية والأخلاقيات.
- التزيف العميق، والتعليم العميق deepfake
- المعادلات الجديدة.)[1](
مر استخدام الذكاء الاصطناعي بأشكاله المختلفة بمراحل عديدة على مستوى العالم. من مراحل التأسيس إلى التوليد إلى الابتكار، وقد استعانت معظم الدول والحكومات ببرامج الذكاء الاصطناعي، خاصة في المؤسسات المالية وبعض المؤسسات التي تحتاج إلى تنبؤات وتوقعات ومحاكاة للواقع؛ وللتعرف على أفكار الآخرين ودوافعهم وأساليب تفكيرهم، وكذلك تحليل البيانات والاستعانة بها في التسويق. وتعددت الدراسات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وأغلب هذه الدراسات أشارت إلى ثلاثة أنواع مهمة: أولها، الذكاء الاصطناعي الضيق، وهو عبارة عن برنامج يصمم لأداء مهمة محددة وبدقة عالية. وقد اُستخدمت هذه البرامج في أعمال الترجمة والتعرف على الوجوه ومطابقة البصمات. والثاني، هو الذكاء الاصطناعي العام، وهو الذي يعتمد على البيانات المعرفية ومحاولة الاقتراب من الفكر البشري لحل المشكلات بعد تحليل البيانات ودراستها والتعرف على التجارب السابقة المشابهة ومعالجتها وطرح الحلول. والنوع الثالث، هو الذكاء الاصطناعي العميق، وهو الذي يخزن كل الخبرات الإنسانية السابقة ويعتبرها مادة أولية يمكن التعامل معها ومعالجتها وتطويرها وبذلك فيمكنه أن يتفوق على العقول البشرية. وقد بدأ هذا الاتجاه في بداية الألفية الثالثة مع ابتكار نظام ذكاء اصطناعي يمكنه التغلب على بطل العالم في الشطرنج.([2])
واستخدام الصوت والتعرف عليه، ثم الروبوتات البشرية وهي عبارة عن برامج تمتلك القدرة على التواصل ورؤية وتحليل المشاعر والأحاديث والرد عليها. وبدأ الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كبيرة محققًا التنبؤات الفنية التي تحدثت في الروايات والأفلام عن الروبوت والآلات وسيطرة الآلة والروبوت على البشر تدريجًا.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي يسهم في القيام بالمهام التي تُوكل إليه وحل المشكلات واتخاذ القرارات والتخطيط والهندسة والحسابات، ثم في مجالات الإبداع والابتكار العلمي والفني. وفي مجال الفنون، مهدت تكنولوجيا التصميم الجرافيكي والواقع الافتراضي وتكنولوجيا التقاط الحركة والواقع المعزز والفن التفاعلي، في التمهيد وخدمة الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، خاصة في مجالات الفنون (السمعية، والبصرية)؛ حيث مكنت الذكاء الاصطناعي وبرامجه من صنع أرشيف ضخم يضم كل الأعمال الفنية السابقة والحالية، مما يتيح استرجاعها وتحليلها وتحليل عناصرها المكونة وإعادة ترتيبها أو الاستفادة منها وتوظيفها لصناعة أعمال فنية تستخدم كل ما سبق وتعتبره عناصر أولية يمكن توظيفها.
لقد كان العديد من الفنانين التشكيليين يقومون في السنوات الماضية بتصميم لوحاتهم على الكمبيوتر ويطبعونها ثم يتعاملون معها برتوش من الألوان الطبيعية للإيهام بأنها أصلية ويصعب على غير المتخصصين ودون فحص دقيق اكتشافها، فقد استخدم ذلك في العديد من الأعمال الفنية والجداريات، واستند بعضهم إلى عناصر من أصول فنية قديمة كـ(الفرعوني، والقبطي، والروماني، والبيزنطي) بل إن البعض قد أنتج عددًا من اللوحات التي تجمع بين التاريخ والحداثة، وبعضها أعلن عن استخدام الذكاء الاصطناعي والبعض لم يعلن عنه، وبالطبع فإن اللوحة قد تم تصميمها ورسمها في وقت قياسي وبجودة عالية وبتكلفة بسيطة.([3])
ويري بعض المتحمسين لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الفنون التشكيلية خاصة في مجال الرسم أنه يجعل الفنان أكثر إنتاجًا؛ بسبب سرعة الإنجاز وأقدرَ على تحقيق نتائج مبهرة ويوفر الوقت والجهد والتكلفة، كما أن الذكاء الاصطناعي يذلل الصعوبات ويحل المشكلات ويفتح آفاقًا أوسع للخيال وللقدرة على الابتكار.
وما حدث على مستوى العالم حدث في الفنون التشكيلية العربية، وخاصة الرسم؛ فأصبحنا نسمع عن أسماء ومعارض فنية لأشخاص لا نعرف متى بدؤوا ولم نرهم يرسمون في حياتهم من قبل، وأصبح هناك غزارة في الإنتاج والأعمال الفنية المعروضة. وإذ كنا ندرس الإبداع الفني بأنه تعبير عن حالة شعورية وفكرية ذاتية للفنان تنعكس على اللوحة، من خلال: ضربات الفرشاة، وعلاقة الخطوط والتشكيلات ببعضها، والألوان في تداخلها وتدرجها، والملمس، والحجم،… وغير ذلك من العناصر.
لجان الذكاء الاصطناعي سيقومون بتقديم تجارب الآخرين، وسيلبِّي الأوامر التي يتلقاها وينفذها، ولكنه لن يستطيع التعبير عن الحالة الشعورية الخاصة للفنان ولن يكون للفنان صانع اللوحة بصمته الخاصة، كما أن أي شخص يمتلك البرنامج سيكون قادرًا على صناعة لوحات مشابهة، وسيكون نتيجة ذلك كميات وأعداد كبيرة من الأعمال تفقد قيمتها الفنية بسبب الكثرة، فكلما كان هناك ندرة في الأعمال المشابهة كان ذلك دليلًا على التميز.
كذلك ستكون نفس العناصر الفنية مكررة وستكثر الاتهامات بالسرقة الفنية ولن نعرف من أخذ من الآخر، وستفتقد اللوحات والأعمال الفنية إلى روح الفنان وبصمته الخاصة، بالاختصار سيتحول الفن والعمل الفني إلى منتج صناعي، ولذا فربما كان الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على خدمة أعمال (البوسترات، الدعاية، تصميم الأغلفة، ورسومات المنتجات وعبواتها) أكثر منه خدمة الأعمال الفنية.
وإن كان ذلك وللحق، فإن الذكاء الاصطناعي قد فتح مجالًا آخر للإبداع، من خلال توظيف جزئي للتكنولوجيا يكمل خيال الفنان وفكره ويده، وهو الابتكار الجديد غير المسبوق، والذي ما إن يدخل حيز التنفيذ ويتم وضعه على البرامج وتحليله سيتحول بدوره إلى عناصر يستخدمها ويوظفها الذكاء الاصطناعي لخدمة الآخرين، الذين يمتلكونه ويعطونه الأوامر. إنها شيء أقرب ما يكون للألعاب الرقمية.
وفي الموسيقى، شهد العالم العربي عدة أحداث، كان البطل فيها هو الذكاء الاصطناعي حين أطلق أحد الفنانين الموسيقيين مقطعًا دعائيًّا لأغنية من ألحانه ولكن بصوت الراحلة أم كلثوم مستخدمًا بصمة صوتها المميزة، والتي أخذها من أغانيها التي تبث ليل نهار والموجودة في كل مكان كأسطوانات أو شرائط كاسيت وعلى قنوات السوشيال ميديا. وأحدثت الصدمة دويًّا كبيرًا وتباينت الآراء بين مهلل ومعارض؛ فهناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي قد أكسب الفنان صفة الخلود، ولماذا لا نستمتع بصوت الراحلين أمثال (أم كلثوم، وعبد الحليم، وعبد الوهاب،… وغيرهم) ووضعهم في أطر فنية جديدة وأشكال لم تكن موجودة في وقتهم.
ويرى المعارضون أن ذلك يقلل من قيمة الفنان ويضعه عرضه لعبث الآخرين من الملحنين والموزعين، وأن استخدام البصمة الصوتية لأي شخص مطرب كان أو ممثل لابد أن يكون بناءً على موافقته، ومرتبطًا بالعمل الفني المختار دون غيره، وسماح الفنان باستخدام هذه البصمة بهذا الشكل وهو أمر غير ممكن، وحتى موافقة الورثة (ورثة الفنان) لا يعني أن التجربة الفنية ستكون في صالح الفنان ولكنها ستكون من باب الحقوق المادية أو حق الأداء العلني فقط. وفي تجربة أم كلثوم والمقطع الدعائي وتحت الضغط تراجع الملحن والمنتج عن تقديم التجربة.
ولكن الخطر يكمن أن هناك موروثًا فنيًّا كبيرًا يمكن العبث به أو تدميره أو سرقته دون أي مساءلة قانونية بعد مرور خمسين عامًا على وفاة المطرب أو الملحن سواء على المستوى العالمي أو العربي. وقد حدثت تجارب أخرى، مثل: دمج صوتين معًا في أغنية واحدة دون أن يعلم أحدهما أو كلاهما حتى باللحن أو كلمات الأغنية، وكذلك استبدال صوت مطرب ليحل محل مطرب آخر، كما حدث مع استخدام صوت عبد الحليم حافظ على لحن أغنية مشهورة للمطرب عمرو دياب، ووجود أغنية بصوت الفنانة أنغام كانت تغنيها المطربة اللبنانية “إليسا”.
إن ما قدمته تقنيات وبرامج الذكاء الاصطناعي في مجال الموسيقى يعد تطورًا لاستخدام الكمبيوتر في (العزف، والتلحين، والتوزيع)؛ فقد سبق وتم الاستغناء عن العازفين واستبدالهم بجهاز كمبيوتر سيؤدي المهمة كاملة وسيقوم بالتوزيع وربما التلحين أيضًا بعد اكتشاف الذكاء الاصطناعي، مستفيدًا من كل الألحان والنوت الموسيقية للتراث الإنساني.
فهل يمكن أن يدخل العالم في فوضى فنية تستبيح التراث الموسيقي؟ وهل ستستطيع القوانين الدولية المحافظة على هذا التراث، أم ستكتفي بالحقوق المادية فقط حتى حين؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، ولكن استخدام بصمة الصوت في حد ذاته له أبعاد قانونية أخرى، ويرتبط بمجالات أخرى: كالتمثيل، والدوبلاج، وما يُسمى بالصوت التفاعلي، كأن يقوم العمل الفني (فيلم- مسلسل- برنامج- إعلان) بأكثر من لغة يختار المشاهد فيها اللغة التي يريدها ويفهمها. وسنصل عما قريب إلى أن يستخدم المشاهد أو المستمع بصمة صوته الخاصة ويضعها على أغنية معينة، أو صوت شخصية درامية يختارها.
بل يمكنه أن يغير أصوات وشكل أبطال العمل بل وسيستطيع تغيير الأحداث والنهايات من خلال ما يُسمى “الدراما التفاعلية” لن يكون هناك ضميرٌ جمعي أو مشاهدة جماعية أو توجهات للرأي العام نحو موضوع درامي، بل ستكون هناك رؤية فردية محدودة وستفقد الأعمال الفنية قيمتها التي تستمدها من إعجاب الجماهير، بل إن النجوم والممثلين أصبحوا مهددين بالبطالة، فمن خلال بصمة الوجه وبصمة الصوت يمكن صناعة عمل كامل للفنان نفسه دون أن يدري، وحتى إذا تم استخدامه بدون إرادته فلن يمكن السيطرة على العمل الفني الذي سيُبث عبر المنصات والسوشيال ميديا، لن يحصل الفنان إلا على مقابل مادي فقط في أحسن الحالات. الأكثر من ذلك، يمكن من خلال برامج الذكاء الاصطناعي وباستخدام المخزون الدرامي للإنسانية كلها يمكن المزج بين أكثر من بصمة صوتية وتصميم وجه وجسد غنائي، من خلال البرنامج يتم توليفه من سمات الأبطال والممثلين السابقين، ومن ثم فلا حاجة لنا بالممثل، وستكون المشكلة الحقيقة هي كيفية التعبير عن المشاعر الإنسانية الصادقة للشخصيات الدرامية، وفكرة الفعل ورد الفعل في الصراع بين الشخصيات، وسيكون هذا مجال بحث وتطوير في برامج الذكاء الاصطناعي الجديدة.
إن إعادة الممثلين إلى الحياة من خلال برامج الذكاء الاصطناعي سهل للغاية، بل ويمكننا تعديل أعمارهم طبقًا للمطلوب وطبقًا لمتطلبات وتطور الأحداث، فيما يسمى بالاستنساخ الرقْمي.
تعتبر السينما من أكثر الفنون احتكاكًا بالتكنولوجيا بشكل كبير، وقد لجأ السينمائيون لتوظيف الجرافيك والرسوم المتحركة والخدع المصممة بالكمبيوتر؛ لتكمل الخدع التي يتم تصميمها من خلال نماذج مصغرة “ماكيتات” مع استخدام الكروما والشاشات الخضراء والزرقاء؛ لتحقيق مؤثرات بصرية وصوتية، وخصوصًا في الأماكن الصعبة التي ستكلف أموالًا طائلة، فالوحوش التي تطير، وسوبرمان، والأفاتار، ومملكة الخواتم بعوالمها وشخصياتها السحرية لجأت للخدع البصرية، من خلال الجرافيك والذكاء الاصطناعي بعد ذلك. ولم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي عند المؤثرات، ولكنه منذ البداية بدأ استخدامه في :
- كتابة السيناريو واختيار الموضوع ثم تطور الأحداث، وعلاقة الشخصيات ببعضها ومقترحات تطوير الصراع، وصولًا إلى النهاية بشكل لا محدود. ويتيح حرية كبيرة وبدائل متعددة.
- تصميم الديكور والأماكن التي تدور فيها الأحداث دون أي تقييد للخيال؛ فالانتقال من ديكور فوق سطح القمر، إلى أعماق البحار، والتحليق في الفضاء، والانتقال من عالم إلى عالم ومن بلد إلى بلد لآخر، سهل ومتاح.
- تصميم الشخصيات بالمواصفات التي يطلبها المتعامل مع البرنامج وتعديل التصميمات طبقا للأوامر المعطاة، وتحريك هذه الشخصيات في الأماكن المصممة سابقًا وبالإضاءة التي نحتاجها.
- لا حاجة لنا بالكاميرا أو المصور ولا أجهزة الإضاءة فكلها سيحققها لنا الذكاء الاصطناعي.
من خلال بصمة الصوت وبصمة الوجه ستكون الشخصية الدرامية بملابسها وإكسسواراتها جاهزة لتحقيق الأهداف المرجوة طبقًا للسيناريو المصمَّم سابقًا.
- المونتاج على جهاز الكمبيوتر ومن خلال البرنامج والمؤثرات البصرية والصوتية سيتم اختيارها في النهاية. إن شخصًا واحدًا فقط يمكنه القيام بالمهمة كاملة لصناعة فيلم سينمائي، بداية من السيناريو وانتهاء بكلمة النهاية، وربما استعان بعدد قليل من الأشخاص لمساعدته، ولكن هذا الشخص المسيطر والمتحكم والمتعامل مع البرنامج يمكننا أن نطلق عليه المخرج، أو الصانع، أو المصمم، كما يريد هو. ولكن الذي تحقق هو صناعة فيلم بتكلفة بسيطة وفي وقت قياسي وبجودة عالية، خاصة في مجال الديكور والأزياء والمؤثرات البصرية والصوتية، التي اختزلت كل التجارب السينمائية السابقة لتضعها تحت أمر هذا الصانع.
لقد شاهدنا عددًا كبيرًا من الأفلام معظمها قصير بجودة عالية من حيث الصورة والصوت وبتكلفة بسيطة، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن هذه الأعمال تفتقد إلى جزء كبير من الصدق والمشاعر، ومازال يمكننا اكتشافها وأنها تستخدم تقنية “الزيف العميق” بعد بضع ثوانٍ من مشاهدتها.
هناك أفلام عربية تم تصنيعها من خلال تقنية وبرامج الذكاء الاصطناعي، مثل: الفيلم السعودي “مزنة”، والفيلم الأردني ” البداية” The Beginning، والفيلم المصري “بردية نورين” وهو فيلم تاريخي مصري، مثلما شاهدنا أفلام عالمية عن طروادة، اليونان، الحرب الرومانية مصنوعة كليًّا من خلال الذكاء الاصطناعي.
وتقول المخرجة المصرية “أمل عسكر”، والتي قدمت فيلم “الحضارة” من خلال الذكاء الاصطناعي: “تكاليف الفيلم أجبرتني على استخدام الذكاء الاصطناعي، أماكن التصوير، ممثلين جدد، صور جديدة، الذكاء الاصطناعي يأخذ مني أمرَ شكلِ البطل ومواصفاته فيصنع لي صورة، الإضاءة كذلك، والصورة،… وغيرها. يتلقى الأمر وينفذه وكل ما أحتاجه هو لاب توب”.
كل ذلك يتحقق بجودة وصورة عالية يجعل الأشياء تقترب من كونها حقيقية، ويعطي مساحة للخيال كي يحلق بعيدًا وينفذ، وعلى حد قول المخرجة ” إنه يساعدني في إخراج المشهد ويلقى اقتراحات للأحسن”.
إن المسألة الآن أصبحت أكبر من مجرد فيلم، ولكنه سيؤدي إلى اختفاء مهن كاملة، وإلى إعادة تشكيل مفاهيم وأساليب الإنتاج السينمائي، من مراحل التحضير فالسيناريو فالتصوير والمونتاج وانتهاء بالمؤثرات البصرية والصوتية. وهو الأمر الذي جعل الفنانة الأمريكية “ديمي مور” تتحدث عن هذه القضية في المؤتمر الصحفي للجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي؛ حيث عبرت عن قلقها “وحيث إن الذكاء الاصطناعي أصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله داخل صناعة السينما، فإن على هوليود وصناع السينما البحث عن طرق جديدة للتعاون مع الذكاء الاصطناعي بدلًا من رفضه أو الدخول في مواجهة مباشرة أو صدام معه؛ لأنها ستكون معركة خاسرة”.
وفي الحقيقة أنا أتفق معها؛ لأن الوقوف ضد التطور التكنولوجي سيجعلنا نتخلف عن مواكبتها في حين سيستخدمها الآخرون وسيحققون نتائجًا، بل وسيتم تطوير البرامج الخاصة بالذكاء الاصطناعي بحيث تفرض نفسها وتقضي على الأسلوب القديم للصناعة، وبدلًا من ذلك علينا أن نسير في أكثر من اتجاه:
أولًا: سنُّ القوانين التي تحفظ للفنانين حقوقهم، خاصة في مجال حقوق الملكية الفكرية للأفكار والموضوعات وبصمة الوجه والبصمة الصوتية… وحماية الفنانين وصناعة السينما مخاطر وسيطرة الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن هناك مؤسسات ودول تقف وراءه وتقوم بتسويقه.
ثانيًا: البحث عن وسائل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتوظيفه، خاصة في الأعمال التي تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجال المؤثرات البصرية والصوتية.
ثالثًا: اهتمام الفنانين بتطوير فنهم وابتكار أفكار وموضوعات جديدة، فالذكاء الاصطناعي -كما قلنا- يختزن التجارب والمعلومات السابقة كي يختزنه ويوظفه، لذا على الفنان أن يفكر في المستقبل ويفاجئ الجميع بما هو جديد دائمًا.
رابعًا: على السينمائيين العرب الاهتمام بالذكاء الاصطناعي حتى لا تتخلف صناعة السينما العربية، بل عليها أن توظفه كي تحافظ على تراثها ومكتسباتها، وعليها أن تفعل مثلما تفعل (هوليود، والهند، وأوروبا) من البحث عن أعمال تجمع بين ما هو إنساني وبشري حقيقي والمؤثرات والإمكانات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن يوفره من وقت وجهد وميزانيات وعناصر فنية.
المجال الوحيد الذي مازال يحتفظ ببعض التميز في مواجهة الذكاء الاصطناعي هو المسرح، فالمسرح أساسه العرض المسرحي الذي يعتمد على الحضور المباشر بين الممثلين والجمهور. ورغم وجود مصطلحات كثيرة وتجارب عديدة لتوظيف التكنولوجيا، مثل: المسرح الرقمي، توظيف الشاشات، الواقع الافتراضي المعزز، المسرح التفاعلي، التجسيد في الهواء من خلال الهولوجرام، المؤثرات البصرية الضخمة، إلا أن المسرح قد احتفظ بخصوصيته؛ فهو ليس كالسينما يقدم من مسجلٍ من خلال وسيط أو شاشة، ولكنه لقاء مباشر في مكان محدد بين ممثل وجمهور مهما كان عدد الجمهور ومهما كانت التكنولوجيا.
ولكن هذا لا ينفي أن المسرحيين قد استفادوا من الذكاء الاصطناعي من خلال:
- تجارب قدمت نصوصًا جديدة؛ حيث ساعد فيها الذكاء الاصطناعي بصناعة الحبكة، وتطوير الصراع، وشبكة العلاقات بين الشخصيات، وصناعة حبكات غير تقليدية.
- تجارب أسهم فيها الذكاء الاصطناعي في تطوير الرؤية الإخراجية، وتقديم اقتراحات للمخرج لمساعدته في تحليل النص، واكتشاف وتقديم رؤية إخراجية مختلفة عن الآخرين، وتقديم حلول مقترحة للتصميمات البصرية، وتحريك الممثلين بناءً على تفسير جديد.
- تجارب صممت الديكور وأزياء من خلال الذكاء الاصطناعي، واستخدام الشاشات، والتجسيد ثلاثي الأبعاد في المسرح من خلال الديكور.
- تجارب مزجت بين الممثل الحر الحقيقي والممثل المصمم بالذكاء الاصطناعي، الذي يبث على وسيط (شاشة- دخان- مياه- هواء) وإقامة صراع أو علاقة بين الشخصيتين لتطوير العمل الدرامي.
- تجارب استخدمت الذكاء الاصطناعي في تصميم وتنفيذ خطط الإضاءة والمؤثرات البصرية والصوتية.
لقد استخدم بعض المسرحيين العرب الذكاء الاصطناعي في التأليف وتقديم الرؤية الإخراجية وتصميم الديكور والملابس، ولا يقلل ذلك من أعمالهم الفنية مثلما يفعل العالم كله، ولكن يبقى أننا نتعامل مع التكنولوجيا بوصفها أداة لخدمة الإنسانية، والإنسان في مجال المسرح هو أساس التواصل والمشاعر والعواطف الإنسانية، إنه الممثل في المسرح الذي يستطيع أن يتواصل ويعبر وأن يقدم تجربته الإنسانية ومشاعره الحقيقية.
وعلينا جميعًا أن نستخدم الذكاء الاصطناعي بما يمكن أن يقدمه لخدمة البشرية والفنون لا أن نستسلم له؛ فالاستسلام للذكاء الاصطناعي يجعله يسيطر علينا ويلغي عقولنا وإبداعاتنا الفردية المتميزة، إنه يمنح غير الموهوبين الفرصة ليقدموا أنفسهم على حساب الموهوبين، الذين بدورهم يجب أن يكونوا في بحث دائم عن تطوير فنهم والدفاع عن أنفسهم. ولأنه مهما كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على طرح الأفكار والمشاعر فهناك جزء لا يمكنه الوصول إليه، وكما قال لي أحد الفنانين الذين تعاملوا مع الذكاء الاصطناعي: ” كنت منبهرًا به في البداية وتعلمت وتعاملت مع أحدث البرامج، ومع كثرة تعاملي معه أدركت أنه يوفر الوقت والجهد والمال وينفذ لك ما تطلبه، ولكنه لا يستطيع أن يقدم لك ما في رأسك بشكل كامل، أنه يقدم ما هو موجود لديه من خلال الكلمات المفتاحية فمهما جربت وسألت وطلبت فإنه لا يقدم إلا ما هو متاح”.
ولعل ذلك يفسر لنا بعض الأخطاء التي تفاجَئ بها لأي أعمال تبدو مبهرة ولكنها تتضمن أخطاء في النطق أو التشكيل اللغوي، أو عدم الواقعية في التوقعات، والإحساس بأنه حقيقي وأنه مزيف، كما أن الاعتماد الزائد عليه يلغي الإبداع ويجعلنا جميعًا متشابهين وأعمالنا الفنية متشابهة ومكررة.
([1]) محمد عقوني- الذكاء الاصطناعي والمستقبل- نور للنشر- سلسة كتوباتي- 2022- ص 27.
([2]) سالم توفيق مجاهد- تأثير الذكاء الاصطناعي وتقنياته على الفنون البصرية الفن التشكيلي نموذجًا- منشور 2024.
([3]) مفيد عوض حسن علي- مقدمة إلى الذكاء الاصطناعي- الأمل للنشر والتوزيع- الدوحة قطر- 2024 – ص 12.




