2026العدد 206

ماذا تحقق من الأهداف الحقيقية لأمريكا وإسرائيل من الحرب؟

في صباح يوم السبت 28 فبراير 2026، شنت قطع أسطول أمريكي مكون من مجموعتين من حاملات الطائرات وعشرات الطائرات المتقدمة، يعمل بالتنسيق مع سلاح الجو الإسرائيلي، هجومًا عسكريًّا واسعًا على العاصمة الإيرانية طهران ومدن أخرى، وسُميت العملية “الغضب الملحمي”. وخلال ساعات، تم ضرب أهدافٍ عسكرية في جميع أنحاء إيران، وكان من بين ضحايا أول موجات الهجوم، المرشد الأعلى “آية الله علي خامنئي” وعدد من كبار أعضاء النظام الإيراني.

وقبل ذلك بما يقرب من 8 أشهر، وفي يونيو 2025، هاجمت إدارة الرئيس دونالد ترامب منشآت إيران النووية في (فردو، ونطنز، وأصفهان)، وبعد ذلك كرر ترامب أن الولايات المتحدة “دمرت بالكامل” المنشآت النووية الإيرانية. وبعد ماراثونات دبلوماسية بين الطرفين، انهارت المفاوضات في فبراير 2026؛ حيث وصفها وسيط عماني تقدمًا كبيرًا في متناول اليد، لكن ترامب أعلن أنه “غير سعيد” بهذه المحادثات. ثم اتخذت واشنطن وتل أبيب قرار الحرب بعد نجاح رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” في إقناع ترامب بها في زيارته الأخيرة للبيت الأبيض قبل أيام من بدء القتال.

أربعة أهداف، رؤية متفائلة لترامب:

في أول بيان علني له حول الهجمات في 2 مارس 2026، حدد ترامب أربعة أهداف عسكرية محددة، قال البيت الأبيض: “إنها ستحدد نجاح الحملة”، وذلك على النحو التالي:

الأول: والأكثر إلحاحًا كان تدمير البرنامج النووي الإيراني. كان ترامب ومسؤولو إدارته قد أوضحوا أن إيران المسلحة نوويًّا هي الخط الأحمر الأساسي لهم، خط لم يكونوا مستعدين لتركه للدبلوماسية بعد انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 بانسحاب ترامب منه، وفشل المفاوضات التي خلفتها في 2025. وقد بدأت الحرب، كما صرح البيت الأبيض، “بعد أن تجاهلت إيران التحذيرات بعدم إعادة بناء برنامجها النووي بعد ضربات 2025”.

الهدف الثاني: كان تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية والبنية التحتية المستخدمة لإنتاجها، وقد حدد المسؤولون الأمريكيون باستمرار قدرة إيران على الصواريخ بعيدة المدى، وهو ما قد يستغل ويستخدم كوسيلة لأي سلاح نووي مستقبلي، وكونه مصدر لتهديد القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

الهدف الثالث: كان القضاء على القدرات البحرية الإيرانية في الخليج العربي، لا سيما القوارب السريعة وبطاريات الصواريخ المضادة للسفن التي كانت إيران تضعها منذ زمن طويل كأداة محتملة لإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط والغاز في العالم.

الهدف الرابع: كان إنهاء الدعم المالي واللوجستي لإيران للجماعات المسلحة الوكيلة:  حزب الله، حركة الحوثي في اليمن، الميليشيات الشيعية في العراق، وما تبقى من حماس، كما تراها واشنطن. كان هذا هدفًا معلَنًا من أمريكا وإسرائيل طوال حرب غزة. وتكرر واشنطن أنه على الرغم من تدهور “محور المقاومة” بشكل كبير خلال عامي (2024 و2025)، لكن لم تنقطع العلاقات طالما بقيت طهران قادرة على إعادة تشكيل المحور وتمويله وتسليحه.

وبعيدًا عن هذه الأهداف العسكرية الأربعة، وضع ترامب هدفًا خامسًا وأكثر اتساعًا بكثير: تغيير النظام. وفي 28 فبراير، في أثناء شن الموجة الأولى من الضربات، خاطب ترامب الشعب الإيراني مباشرة، وقال: “يجب على الشعب الإيراني أن يتولى حكم بلاده. ستكون لك لتأخذها. ربما ستكون هذه فرصتك الوحيدة لأجيال.” سواء كان ذلك يمثل سياسة جدية أو تصعيدًا خطابيًّا، فقد حدد مدى اتساع طموحات ترامب، ومدى تقدمها عن الإمكانية الممكنة.

وخلال أيام الحرب الـ 39، خرجت تقديرات أمريكية تشير إلى أن أهداف ترامب المعلنة قد تغيرت بشكل ملحوظ في الأسابيع الأولى من الحرب. ووثقت خدمة أبحاث الكونجرس، وهي الجهة البحثية التابعة للكونجرس، في تقييم بتاريخ مارس 2026، نمطًا من الأسباب المتغيرة: “لقد اختلفت الأهداف المعلنة والجداول الزمنية المتوقعة، بما في ذلك الإطاحة بحكومة إيران، وإضعاف قدراتها العسكرية والأمنية والنووية الإيرانية ونفوذها الإقليمي، بالإضافة إلى دعم المصالح الإسرائيلية.” أصبحت سيولة الأهداف واحدة من أكثر السمات السياسية أهميةً للحرب.

أوهام ترامب ومستقبل حكم إيران.

أفرز تأكيد الرئيس الأمريكي” دونالد ترامب” مقتل “آية الله علي خامنئي” المرشد الأعلى في إيران وأعلى سلطة سياسية ودينية فيها، تساؤلات في أوساط النخبة الأمريكية عن ماذا بعد؟ وتحدثت إلى السفير “ديفيد ماك” -نائب وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأوسط، والخبير حاليًّا بالمجلس الأطلسي- عن هذه النقطة، وقال: “إن الحديث حول مستقبل إيران يبدو مشابهًا جدًا لمستوى العقلانية الذي أظهره جورج بوش في عام 2003، عندما أطلق الغزو الأمريكي للعراق. من المرجح أن ينتهي الأمر بنفس السوء”. وأضاف ماك أن: “الرئيس ترامب والعديد من مستشاريه الكبار ليسوا على دراية جيدة بإيران. إنها دولة ذات تاريخ يمتد لآلاف السنين والقدرة على الدفاع عن نفسها ضد الأعداء منذ عهد الإسكندر الأكبر”.

وبرأيه، فإن ترامب وعائلته ودائرة مستشاريه المقربين لديهم مصالح تجارية قصيرة الأمد “تعميهم” عن المخاطر التي ستتبع ذلك على المدى الإستراتيجي الطويل.

رد إيران وصمودها يصعق واشنطن.

كان رد إيران فوريًّا وأوسع مما توقعه الجميع تقريبًا. خلال أول ثمانٍ وأربعين ساعة، أطلقت القوات الإيرانية صواريخ وطائرات بدون طيار مسلحة ضد إسرائيل، مما تسبب في أضرار جسيمة وإصابة عشرات الأشخاص، وفي الوقت نفسه ضربت طهران منشآت عسكرية أمريكية في جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست: البحرين، الكويت، عمان، قطر، السعودية، والإمارات العربية المتحدة. ولم تقتصر إيران على ضرباتها على الأهداف العسكرية فقط، استهدفت البنية التحتية المدنية (المطارات، والفنادق، والموانئ) وتبعت تلك الضربات بهجمات على منشآت النفط والغاز الرئيسة في جميع أنحاء الخليج.

وبشكل عام، أعلنت القوات الإيرانية في 4 مارس 2026، أن مضيق هرمز “مغلق” فعليًّا، مهددةً ونفذت هجمات على السفن التي تحاول العبور. أدى إغلاق المضيق إلى ما وصفته الوكالة الدولية للطاقة بأنه “أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي”. انخفض إنتاج النفط في (الكويت، والعراق، والسعودية، والإمارات) مجتمعة بمقدار 6.7 مليون برميل يوميًّا خلال أيام، وارتفع إلى ما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميًّا بحلول 12 مارس. اُضطرت قطر، إحدى أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى إعلان القوة القاهرة على جميع الصادرات بعد أن استهدفت الطائرات الإيرانية بدون طيار منشآتها الرئيسة، مما أوقف 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

من جانبه، قال ترامب لشبكة CNN إن الضربات الإيرانية على الخليج كانت “أكبر مفاجأة” في الصراع حتى الآن. وظهر واضحًا أن مصممي الحرب لم يتوقعوا تمامًا استعداد إيران لتحمل خسائر عسكرية كبيرة مع إلحاق ألمٍ اقتصادي أقصى بالدول التي استضافت قواعد عسكرية أمريكية، حتى تلك التي حاولت البقاء خارج الصراع.

صدمة الداخل الأمريكي.

وصلت العواقب الاقتصادية للحرب إلى المستهلكين الأمريكيين بسرعة. وقبل بدء عملية الغضب الملحمي، كان سعر النفط الخام الأمريكي يتداول بحوالي 67 دولارًا للبرميل. خلال أيام من بدء القتال، تجاوز السعر 100 دولار، ووصل إل 120 دولار في بعض الحالات. وارتفعت أسعار الوقود، التي كانت بالفعل مصدر ألمٍ سياسي لإدارة ترامب، بشكل حاد؛ لتصل إلى متوسط قدره 4.7 دولار للجالون بحلول أواخر مايو 2026، بزيادة تزيد عن 1.3 دولار عن الأسبوع الذي سبق بدء الحرب.

بالنسبة لترامب، كان الألم الاقتصادي تناقضًا مباشرًا مع خطابه السياسي الذي منحه الانتصار في انتخابات 2024، على أساس تحسن الوضع الاقتصادي وخفض التضخم.

في الوقت ذاته، دخلت انتخابات الكونجرس القادمة، في 3 نوفمبر المقبل، لتلوح في الأفق على كل نقاش سياسي مرتبط بالحرب داخل الولايات المتحدة.

شكلت الحرب مع إيران تحديًا لوحدة الحزب الجمهوري؛ نظرًا لأن أعدادًا متزايدة من أعضاء تيار “أمريكا أولًا” يعبرون عن معارضتهم للعمل العسكري، ويرونه خروجًا على تعهد ترامب بعدم بدء أية حرب جديدة في الشرق الأوسط.

يرى الكثيرون من أنصار ترامب أن شنَّه حربًا واسعة على إيران، إلى جانب إسرائيل، يمثل خيانة لكل ما تمثله “حركة ماجا”، ومبدأ “أمريكا أولًا” و”فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”.

وتُظهر استطلاعات الرأي أن هذه الحرب تحظى بدعم شعبي محدود، وأنه إذا استمر القتال لفترة طويلة، فمن المرجح أن تتصاعد التوترات داخل الأطراف المختلفة داخل مظلة الحزب الجمهوري. تقليديًّا، وحدت الحروب الخارجية فئات الشعب الأمريكي بعيدًا عن انتماءاته السياسية والحزبية، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تسير في اتجاه آخر معاكس. وتشير أغلب استطلاعات الرأي إلى رفض أغلبية الشعب الأمريكي للحرب على إيران.

وضاعفت تبريرات إدارة ترامب للحرب ضد إيران من حدة التوترات داخل تيار ماجا المؤيد لترامب ولإستراتيجية “أمريكا أولًا”؛ حيث قوبلت تفسيرات الإدارة للحرب باستياء واسع بين مؤيدي الرئيس الذين يعتقدون أن البلاد يجب أن تركز على القضايا الداخلية.

وبالنسبة للعديد من مؤيدي ترامب، فإن الروابط العسكرية والاقتصادية الخاصة والاستثنائية مع إسرائيل هي عامل رئيس لخيبة أملهم. وتجرأت الإعلامية اليمينية الجمهورية “ميجن كيلي”، والتي يتابعها ما يقرب من 16 مليون شخص على منصات وسائط التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن مقتل 6 جنود أمريكيين -حتى الآن- في الحرب على إيران، وقالت كيلي في البودكاست الخاص بها “لا ينبغي لأحد أن يموت من أجل بلد أجنبي. لا أعتقد أن هؤلاء الجنود ماتوا من أجل الولايات المتحدة. أعتقد أنهم ماتوا من أجل إيران أو إسرائيل”.

كما انتقد الإعلامي الشهير تاكر كارلسون، الذي يتابعه ما يقرب من 70 مليون شخص على وسائل التواصل الاجتماعي، إدارة ترامب لخوضها الحرب، وقال: إن ذلك حدث “لأن إسرائيل أرادت حدوثه”، وأضاف “هذه حرب إسرائيل. هذه ليست حرب الولايات المتحدة”، ثم قال كارلسون: “هذه الحرب لا تُشن من أجل أهداف الأمن القومي الأمريكي لجعلها دولة أكثر أمانًا أو غنًى”.

ثم جاءت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة “جو كينت”؛ لتضع إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في مواجهة مباشرة مع قاعدتها اليمينية وأعضاء حركة “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد”. وقد أعلن كينت في استقالته صراحة أن إسرائيل ولوبياتها في أمريكا نجحوا في “استدراج” أمريكا للحرب على إيران، لتسلط استقالته الضوء من جديد على القلق السائد بشأن هذه الحرب ومبرراتها وتداعياتها.

من جانبه، يرفض الرئيس ترامب فكرة أن أكثر مؤيديه حماسة قد يعارضون سياسته الخارجية، وقال في حديث لشبكة فوكس الإخبارية: “أنا أعرف ما تريده ماجا أفضل من أي شخص آخر. ماجا تحب كل ما أفعله”.

التاريخ لا يقف إلى جانب ترامب في حرب إيران.

خلال تاريخه المهني كمطوِّر عقارات شهير بمدينة نيويورك لما يقرب من نصف قرن قبل مسيرته السياسية، غامر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كثيرًا في مشاريعه العقارية والفندقية، ونتج عن ذلك إفلاس 4 منها ضخمة، بما استدعى معه إعادة هيكلة ديونها أو الاضطرار لبيعها والتخلُّص منها.

وخلال حملاته الرئاسية الثلاث، كرَّر ترامب هجومه على حروب أمريكا التي لم تتوقف في الشرق الأوسط، والتي اعتبرها مسؤولة بصورة أو أخرى عن تشتيت العقل الجمعي الأمريكي عن مخاطر عودة الصين وتهديداتها الإستراتيجية.

من هنا، استدعى قرار ترامب خوض الحرب ضد إيران النظر في هذه الخطوة العالية المخاطر وخبرات مغامراته غير المحسوبة، وسيترك القرار تأثيراته ليس فقط على إيران أو الداخل الأمريكي وانتخابات الكونجرس المقبلة، بل على أمن واستقرار الشرق الأوسط، وصولًا لتداعيات إستراتيجية واقتصادية عالمية.

حتى أواخر مايو 2026، ظل وقف إطلاق النار المشروط قائمًا بالكاد. ظل مضيق هرمز مقيدًا؛ حيث أعاد فتحه بالكامل كمطلب مركزي للمفاوضين الأمريكيين والضغط المركزي للمفاوضين الإيرانيين، كان ترامب قد أطلق حصارًا مضادًا للمضيق في أبريل، مستهدفًا جميع السفن التي تسعى للوصول إلى الموانئ الإيرانية، وهو تصعيد درامي وصفته CNN بأنه “نوع من الألم الاقتصادي المضمون المتبادل” الذي تراهن الولايات المتحدة على أن اقتصادها الأكبر بكثير يمكنه تحمله بشكل أفضل.

ترامب: “أنا رئيس استثنائي”.

وخلال كلمته التي أعلن فيها بدء الهجمات، قال ترامب “على مدى 47 عامًا، ظل النظام الإيراني يردد شعار الموت لأمريكا، وشن حملة لا تنتهي من سفك الدماء والقتل الجماعي تستهدف الولايات المتحدة وقواتنا وأبرياء في دول كثيرة”.

واستعرض حوادث تاريخية، من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 رهينة لمدة 444 يومًا، إلى مقتل 241 من مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983، والهجوم على المدمرة “يو إس إس كول” عام 2000، متهمًا إيران كذلك بالوقوف وراء مقتل وإصابة مئات الجنود الأمريكيين في العراق.

وعكست هذه اللغة رغبة واضحة لدى ترامب في تقديم نفسه باعتباره الرئيس القادر على إنهاء ما يعتبره إرثًا من الإخفاقات الجمهورية والديمقراطية منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، في إشارة إلى إدارات (ريغان، وبوش الأب، وبوش الابن) من جهة، و(كارتر، وكلينتون، وأوباما، وبايدن) من جهة أخرى.

وكان ترامب قد تحدث سابقًا عن إمكانية التوصل إلى صفقة شاملة تنهي العداء التاريخي بين واشنطن وطهران، بخلاف الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد باراك أوباما. وذهب إلى حد القول إن ذلك قد يفضي إلى إعادة فتح السفارات بين البلدين. ويُذكر أن ترامب اتخذ في ملفات أخرى خطوات مفاجئة، من بينها الاعتراف بالحكومة السورية الجديدة ولقاء الرئيس أحمد الشرع، وإلغاء العقوبات الأمريكية المفروضة على دمشق.

هل انتصر ترامب في حربه على إيران؟

بعد الإعلان رسميًّا عن بدء الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى، في السابع من إبريل الماضي، غرَّد حساب البيت الأبيض الرسمي على منصة “إكس” ببيان أظهر جزءًا من حديث سابق للرئيس دونالد ترامب، يتباهى فيه بانتصار بلاده على طهران.

وعدَّد الرئيس الأمريكي ما اعتبره إنجازات عسكرية غير مسبوقة، منها تدمير الأسطول البحري الإيراني، وتدمير بنية التصنيع العسكري، والقضاء على طموحات إيران النووية.

في الوقت ذاته، أكدت إيران على انتصارها العسكري، وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية في بيان: “إن وقف إطلاق النار جاء بعد هزيمة القوات الأمريكية والإسرائيلية، واضطرارهما لقبول خطة إيران ذات العشر نقاط كأساس لوقف إطلاق النار ولمسار التفاوض”.

الآن، ومع استمرار العملية التفاوضية، فإن ترامب يشعر بالضغط السياسي ويبدو يائسًا من إيجاد مخرج للهروب، وقد تخلَّى عن جميع الأهداف التي وضعها للحرب: النظام لا يزال في السلطة، ولم يوافق على أية حدود لبرامج تصنيع الأسلحة، ولم يوافق على أية حدود في دعمه للوكلاء الإقليميين.

في حين أنه يمكن النظر لعدم اكتراث ترامب يرجع بالأساس لتوازنات حساباته السياسية الخاصة؛ حيث إنه على الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر تراجعًا في الدعم للحرب، فإن أنصار إسرائيل وحلفائها السياسيين هم أكثر المدافعين حماسة عن الحرب. ويحيط ترامب نفسه بمستشارين ومساعدين متملقين لا يستطيعون تقديم أي شيء سوى أكثر التقييمات تفاؤلًا لسياساته وتداعياتها، وأن الأمر يزداد سوءًا بسبب قلة اهتمام ترامب بالتفاصيل وكذلك ادعاءاته المبالغ فيها. ويكره ترامب الخسارة والاعتراف بأنه ارتكب خطأ؛ لذا سيستمر في تصوير جهود الحرب على أنها ناجحة ويدعي أن النصر قد تحقق بالفعل.

ورغم ارتياح الدوائر السياسية الأمريكية، الديمقراطية منها والجمهورية، للتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، تباينت التقييمات في رؤيتها للإنجازات والإخفاقات الأمريكية في حرب امتدت 39 يومًا وصولًا لهدنة هشة يُخشى انهيارها في أي لحظة.

دور باكستاني فاجأ الكثيرين.

ربما كان التطور الدبلوماسي الأكثر إثارة للدهشة في الصراع بأكمله هو بروز باكستان كوسيط رئيس بين واشنطن وطهران.

كان مسار باكستان لهذا الدور غير محتمل بأي مقياس تقريبًا. لسنوات، كانت البلاد تنظر إليها دوليًّا من خلال عدسة عدم الاستقرار السياسي، والحكم العسكري، والدعم المزعوم لشبكات المتطرفين. خلال فترة ترامب الأولى في 2018، اتهم الرئيس باكستان بـ “الأكاذيب والخداع” في تغريدة علنية أدت إلى تجميد العلاقات الأمريكية الباكستانية بشكل عميق. الآن، في أبريل 2026، كان نائب الرئيس “جي دي فانس” يسافر إلى إسلام آباد ليجلس مقابل الطاولة أمام المفاوضين الإيرانيين، مع قائد الجيش الباكستاني “عاصم منير” ونائب رئيس الوزراء “محمد إسحاق دار” في وسط القاعة.

تكمن قيمة باكستان كوسيط في صفة نادرة وذات أهمية هيكلية: مصداقية حقيقية من كلا الجانبين. حافظت إسلام آباد على علاقات دبلوماسية مع طهران عبر عقود من العداء الأمريكي الإيراني، كانت تشترك في حدود طويلة مع إيران، كان عدد سكانها في الغالب من الشيعة، مما منح القيادة الباكستانية حساسية تجاه المخاوف الإيرانية التي يفتقر إليها وسطاء ذوو أغلبية سنية بحتة. وفي الوقت نفسه، كانت باكستان قد نمت علاقتها مع إدارة ترامب بعناية، وبنت مؤسستها العسكرية قنوات مع واشنطن نجت من اضطرابات السنوات السابقة.

انتصار عسكري… هزيمة إستراتيجية.

واختلف تقدير الجنرال المتقاعد “مارك كيميت”، الذي عمل مساعدًا لوزيري الدفاع السابقين “دونالد رمسفيلد” و”روبرت جيتس”، مع تقديرات البيت الأبيض. وفي حديث مع كاتب هذا المقال، قال كيميت: “إن الرئيس ترامب حصل على كل الأهداف العسكرية، التي حددها للجيش الأمريكي قبل بدء الهجمات على إيران- في ذلك الوقت- وهذا لا ينفي أن الأهداف الإستراتيجية الأمريكية لم تتحقق”.

وأعتبر عدد من الخبراء إلى أن الولايات المتحدة لم تحقق شيئًا من 39 يومًا من الحرب ضد إيران. بدلًا من ذلك، أهدرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 60 مليار دولار، وقتلت آلاف المدنيين الإيرانيين الأبرياء، وتسببت في قتل ما لا يقل عن 13 من أفراد الجيش الأمريكي، إضافة إلى إصابة أكثر من 200 آخرين.

وحتى كتابة هذا المقال، لا يزال هناك الكثير من الأمور الغائبة وغير المعروفة حول اتفاق وقف إطلاق النار باستثناء ما تم نشره، وهو ما يثير قلق الكثير من القادة الجمهوريين المؤيدين تقليديًّا للرئيس ترامب.

ومن أهم الجوانب المثيرة لقلق الجمهوريين أنه لا توجد معلومات مؤكدة عما قد يحدث ليورانيوم إيران، التي تمتلك نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصَّب لدرجة 60%.

من ناحية أخرى، وبينما يكرر البيت الأبيض أن وقف إطلاق النار يتطلب إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون “أي قيود”، يشير المسؤولون الإيرانيون إلى أن الاتفاقية تمنح طهران السيطرة على المضيق.

ويبقى أن المكسب الرئيس لواشنطن هو تمكنها من إضعاف إيران عسكريًّا، ولكن بما أنها كانت ضعيفة بالفعل قبل بدء الحرب، فهذا ليس بالأهمية نفسها التي تدعيها إدارة ترامب. في الوقت ذاته، فإن الخسارة الرئيسة التي لحقت بواشنطن تتمثل في أن إيران أوضحت فعلًا وقولًا أنها تستطيع السيطرة على مضيق هرمز، وبما أن ذلك لم يكن واضحًا قبل بدء الحرب، فهو يمثل انتكاسة حقيقية لمن بدأها. وربما اكتشفت إيران عنصر قوتها الأهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى