تعد الحرب الأمريكية على إيران أكبر تدخل عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003. جاءت الهجمات الأمريكية بمشاركة إسرائيلية في نهاية فبراير بعد أشهر من تعزيز الوجود العسكري الأمريكي، والبحري، والجوي، والبري، والصاروخي. بدأت واشنطن وتل أبيت هجماتهما المنسقة بقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “آية الله على خامئني”، والعشرات من كبار القيادات العسكرية والسياسية. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، لم تنتهِ الحرب، ولم ينتصر أيُّ طرف، وذلك على الرغم من ادعاء واشنطن وطهران الانتصار عدة مرات. وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء القتال، مع عدم التوصل لاتفاق حاسم ينهي القتال وقضاياه العالقة، خاصة ملفي (مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني)، يبقى غامضًا ما تريده واشنطن من الشرق الأوسط بعد انتهاء هذه الحرب، وكيف ستتغير أولوياتها ومصالحها في هذه المنطقة المضطربة من العالم؟ إلا أن الأمر الأكثر اهتمامًا للتحليل السياسي يتعلق بشن إدارة الرئيس دونالد ترامب الحرب على عكس الوعود والتعهدات التي كررها ترامب لأنصاره من أتباع تيار “أمريكا أولًا” بعدم شن حروب خارجية، وترك الحلفاء يعتمدون على أنفسهم، وعدم التورط في حروب في الشرق الأوسط تحديدًا دون معرفة كيفية إنهائها سريعًا.
من خلال التعرض لأربع نقاط متشابكة على النحو التالي، سأحاول تفكيك رؤية واشنطن لمعضلة رؤيتها للشرق الأوسط المستقبلية، والنقاط هي:
- هل جر ترامب الولايات المتحدة إلى تورط جديد في الشرق الأوسط لا يخدم مصالحها؟
- كيف نفهم الحرب في ضوء إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الصادرة في ديسمبر 2025؟
- ماذا تريد واشنطن فعليًّا من حلفائها في الشرق الأوسط في المستقبل؟
- نزاع التيارات الجمهورية داخل البيت الأبيض حول رؤيتهم لعلاقة واشنطن بالشرق الأوسط.
هل ورط ترامب بلاده في مستنقع جديد بالشرق الأوسط؟
تم انتخاب دونالد ترامب للمرة الثانية في نوفمبر 2024؛ لأسباب عدة على رأسها التعهد بإنهاء الحروب الأبدية، وليس بدء حروب جديدة. وفي خطاب تنصيبه الثاني والأخير، قال إن نجاحه سيقاس ليس فقط بالحروب التي تنتصر بها أمريكا، بل بالحروب التي لا تدخل فيها. وبعد عام واحد من هذه التعهدات، بدأت الولايات المتحدة حربها على إيران وشنت ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية، وقتلت المرشد الأعلى للبلاد، ونشرت ما يقدر بــ 50 ألف عسكري في الشرق الأوسط، وبدأت كذلك التعامل عسكريًّا وسياسيًّا في (العراق، ولبنان، واليمن) ضد الميليشيات المتحالفة مع إيران.
دخل ترامب الحرب برغبته بعد خضوعه لضغوط إسرائيلية، وضغوط من صقور الحرب الجمهوري، وهو المستنقع الذي تعهد بتجنبه. وتشير تقارير إلى اجتماع محدود وسري جدًا عُقد في البيت الأبيض في يناير الماضي، قدم فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” للرئيس الأمريكي عرضًا مفصلًا يدعو إلى شن هجوم عسكري مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. ووَفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قال نتنياهو: “إن البرنامج الصاروخي الإيراني يمكن تدميره خلال أسابيع قليلة، وإن النظام سيضعف إلى حد يمنعه من تعطيل مضيق هرمز، واحتمال رد إيران بضرب مصالح أمريكية سيكون محدودًا”. وفقًا للتقرير، أكد نتنياهو خلال الاجتماع أن إيران في وضع ضعيف، وأن ضربة أمريكية إسرائيلية مشتركة حاسمة قد تؤدي إلى نصر شبه مؤكد وانهيار النظام سريعًا.
إلا أن صمود إيران بعد أكثر من ستة أشهر من بدء القتال يشير لعدم دقة التصورات الإسرائيلية. وبعد ستة أشهر، وجدت واشنطن نفسها في حالة لا حرب ولا سلم، وتبرر ما قامت به بتفسيرات مختلفة متغيرة ومتناقضة، أولًا حماية المحتجين الإيرانيين، ثم القضاء على تهديد مزعوم بأسلحة نووية، ثم حديث صريح عن تغيير النظام الإيراني، ثم العمل على فتح مضيق هرمز بعد غلق الإيرانيين له وتعطيل جزء مهم من التجارة العالمية بما أثر على أسعار الطاقة حول العالم بما فيه داخل الولايات المتحدة نفسها بنسب تقدر بين 25%- 40% مع أسعار ما قبل الحرب.
إستراتيجية جديدة بهدف تحميل الحلفاء عبء الدفاع.
في أوائل ديسمبر 2025، صدرت إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الثانية، وكانت صريحة وواضحة في لغتها وأهدافها، وبينما كانت الإستراتيجيات السابقة للرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين على سواء تؤطر للقوة الأمريكية على أنها تدعم نظامًا دوليًّا قائمًا على القواعد، رفضت إستراتيجية ترامب للأمن القومي هذا النهج صراحة. وجاء في الإستراتيجية أن أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله، وتوفيرها مظلات أمنية عسكرية على غرار حلف الناتو قد انتهت، ودعت الإستراتيجية الدول الثرية والمتطورة التي اعتمدت على الحماية الأمريكية لتولي المسؤولية الأساسية عن دفاعها واستقرارها.
وبالنسبة للشرق الأوسط تحديدًا، انتقدت الإستراتيجية التركيز الأمريكي التاريخي على المنطقة رغم وجود تحديات حقيقية تتمثل في صعود الصين وما يمثله ذلك من تهديد للهيمنة الأمريكية العالمية. ودعت الإستراتيجية إلى تأسيس نموذج من الشراكة يضعف إيران عسكريًّا واقتصاديًّا، وبما يوسع إطار الاتفاقيات الإبراهيمية لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، ويعيد توجيه العلاقة مع حلفاء واشنطن، خاصة الدول الخليجية، من الانخراط العسكري إلى علاقات استثمارية وتجارية.
ورسخت الإستراتيجية مبدأ الانسحاب الأمريكي عسكريًّا من المنطقة، مع إعادة ترتيب أولويات واشنطن من خلال الحفاظ على إعادة توزيع تكاليف علاقاتها بالشرق الأوسط بدلًا من التخلي عن الفوائد التي تجنيها واشنطن. وبدلًا من أن تبقى واشنطن الضامن الأمني الذي يضمن الاستقرار الإقليمي، أرادت واشنطن من (دول الخليج، وإسرائيل، وتركيا،… وغيرها) أن تدفع وتدير ذلك الاستقرار بأنفسها. الإستراتيجية صريحة في هذه النقطة: فهي تنص على أنه كما تريد الولايات المتحدة من حلفائها أن يكونوا أغنياء وقادرين، يجب على الحلفاء أن يدركوا أن من مصلحتهم أن تبقى الولايات المتحدة غنية وقادرة أيضًا، وتتوقع صراحة أن يتحمل الحلفاء تكاليف الدفاع الجماعي أكثر بكثير مما كان عليه في الماضي.
عند تطبيقها على الشرق الأوسط بعد حرب إيران، تنتج هذه الرؤية مسارًا غير مستقر وعشوائي. تريد إدارة ترامب من حلفائها العرب، خاصة في (الرياض، وفي الدوحة، وفي أبو ظبي، وفي مسقط) أن تواصل العمل الدبلوماسي مع طهران الذي أدى إلى وقف إطلاق النار منتصف يونيو الماضي. وتريد إدارة ترامب كذلك من إسرائيل ودول الخليج توسيع علاقات التطبيع بينهما، وتحمل المزيد من المسؤوليات العسكرية الخاصة بهما، بدلًا من افتراض أن واشنطن ستدعمهم في كل الاحتمالات إلى أجل غير مسمى. وأرادت إدارة ترامب أن يكون للشركات الأمريكية دورًا مركزيًّا في عملية أية إعادة إعمار واستثمار سواء في (إيران، ولبنان، وسوريا) مع معاملة المنطقة بشكل متزايد كفرصة تجارية لها بدلًا من الاعتماد الأمني عليها. وأرادت إدارة ترامب تجنب التواجد المفتوح للقوات الأمريكية ومهمة بناء الأمة التي استهلكت القوة والاهتمام الأمريكي لعقدين بعد حوادث 2001.
وفي هذا السياق الإقليمي المتغير، وفي وسط حالة عدم اليقين من صلابة المواقف الأمريكية، جاء توقيع “اتفاقية مكة” بين (المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان) في السابع من أغسطس الماضي، وسط حالة من عدم يقين وارتفاع مستويات التوتر نتيجة الحرب الأمريكية على إيران. ولم تعبر واشنطن بوضوح عن موقفها من تدشين هذا التحالف بين حلفاء ثلاثة لها، إلا أن النائب الجمهوري “جو ويلسون” وصف الاتفاق بأنه “إنجاز” يحسب للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على حد تعبيره، وأضاف في تغريدة على منصة إكس: “تُعد اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان إنجازًا آخر يُحسب للرئيس الأمريكي في سبيل تعزيز الاستقرار والسلام والازدهار في الشرق الأوسط.”
من ناحية أخرى، لا يعرف بعدُ إذا ما كانت الحرب الأمريكية على إيران ستُدفع في اتجاه تحويل العبء العسكري بعيدًا عن أمريكا، وإذا ما كانت الاستثمارات الخليجية ستتدفق على الأراضي الأمريكية كما يأمل ترامب، أم أن الحرب نفسها ستعيد بدلًا من ذلك ترسيخ وتوريط الولايات المتحدة عسكريًّا في المنطقة إلى أجل غير مسمى، مما يقوض منطق إستراتيجية الأمن القومي التي روجت لها إدارة ترامب. في الوقت ذاته، وبعد تيقن واشنطن من عدم جدوى خيار الحسم العسكري، سلمت إدارة ترامب عمدًا الدبلوماسية ومعظم المتابعة الأمنية إلى الشركاء الإقليميين. قامت قطر وباكستان بإجراء مفاوضات مع طهران في وقت لم يكن هناك من الثقة ما يسمح بتفاوض أمريكي إيراني بشكل مباشر.
التجاذبات داخل واشنطن.
إذا كانت إستراتيجية الأمن القومي تمثل النظرية الرسمية للإدارة حول ما تريده واشنطن من الشرق الأوسط، فإن الواقع داخل ائتلاف ترامب كان أكثر تعقيدًا بكثير، وهذه التناقضات ظهرت في بروز تيارين رئيسين إيديولوجيين داخل البيت الأبيض يحاول كلاهما التأثير على الرئيس ترامب، مع وجود تيار ثالث غير أيديولوجي أقرب للرئيس.
فريق “أمريكا أولًا”:
يرأس هذا الفريق نائب الرئيس “جي دي فانس”، الذي يستند إلى دائرة واسعة مؤثرة منها “تاكر كارلسون” كأكثر حلفائه الإعلاميين تأثيرًا، كما يستمد الدعم من شخصيات نافذة، مثل: النائبة السابقة “مارجوري تايلور جرين”، والمستشار السابق لترامب “ستيف بانون”،… وغيرهم. ويعتبر هذا الفريق حرب إيران خيانةً لوعد أمريكا أولًا الذي انتخب ترامب مرتين على أساسه. ذهب فانس إلى حد اتهام عناصر من الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التلاعب بالرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى. بالنسبة لهذا الفريق، كان من المفترض أن تكون رؤيته المشككة في حرب جديدة بالشرق الأوسط، وعدم الثقة في اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأمريكية، بمثابة العمود الفقري الفكري لولاية ترامب الثانية تجاه المنطقة. كشفت حرب إيران عن مدى ابتعاد هذا الافتراض عن الواقع بمجرد أن بدأت الهجمات على إيران في نهاية فبراير الماضي.
فريق “الصقور”:
برز من هذا الفريق وزير الخارجية “ماركو روبيو”، ووزير الحرب “بيت هيجيث”، ودعم هذا الفريق التوجيه الجمهوري التقليدي، الذي يرى إسرائيل شريكًا إقليميًّا لا غنًى عنه، ويظل ملتزمًا باستخدام القوة العسكرية للرد على إيران وشبكتها من الحلفاء داخل (العراق، ولبنان، واليمن). وأستمد هذا الفريق طاقته من شخصيات عُرف عنها دعم التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط، منها: مستشار الأمن القومي السابق “جون بولتون” ووزير الخارجية السابق “مايك بومبيو”. ويطالب هذا الفريق باستمرار الهجمات على إيران واستهداف بنيتها التحتية الاقتصادية والنفطية حتى تستسلم طهران ويسقط النظام.
البديل الثالث:
وبين الفريقين، برز فريق ثالث، أقل أيديولوجيةً، يتمحور حول شخصيتين قريبتين من الرئيس ترامب: الأول، صديقه رجل الأعمال والمبعوث الخاص “ستيف ويتكوف”. والثاني، صهره “جاريد كوشنر”. ويميز الرجلَين وجود مصالح مالية واستثمارية لهما مع حلفاء واشنطن من الدول الخليجية، مما يجعلهما يميلان نحو التوصل لصفقة دبلوماسية مع إيران تنهي الحرب. ويستمد هذا الفريق قوته من قربه الشخصي من ترامب من جانب، ومن جانب آخر علاقته القريبة بصناديق الاستثمار السيادية في (السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة).
ونتيجة تنوع الفرق داخل البيت الأبيض، ظهر عدم اتساق سياسي واضح لبلورة موقف واشنطن من الحرب على إيران سواء في طريقة إدارتها عسكريًّا أو دبلوماسيًّا. من هنا، لم تكن خلافات واشنطن مجرد خلاف إيديولوجية داخلية، بل عكست في جوهرها تنافس رؤى حول اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بعد انتهاء حربها على إيران. ويترك ذلك أسئلة حول دور واشنطن المتغير، وأدوار الشركاء الإقليميين الذين لهم معايير إستراتيجية خاصة بهم، ومدى الثقة في ضمانات الأمن الأمريكية الحالية والمستقبلية.
ما الذي تريده واشنطن فعليًّا الآن؟
يمكن تلخيص أهداف واشنطن الآنية في 5 نقاط على النحو التالي:
- تريد واشنطن إيران ضعيفة ومنشغلة داخليًّا، تفتقر إلى القدرة على إعادة بناء خيار الأسلحة النووية أو إعادة تسليح شبكة وكلائها الإقليميين.
- تريد إدارة ترامب هيكلًا موسعًا للاتفاقيات الإبراهيمية يربط إسرائيل ودول الخليج بشكل أوثق اقتصاديًّا وعسكريًّا، مما يقلل من مدى قدرة أية أزمة واحدة على جذب القوات الأمريكية بشكل مباشر.
- يريد ترامب من عواصم الخليج، وتركيا، وباكستان الاستمرار في استيعاب العبء الدبلوماسي في إدارة الأزمة مع إيران.
- تريد إدارة ترامب أن تتدفق فرص إعادة الإعمار والاستثمار القادمة سواء في (إيران، أو العراق، أو سوريا، أو دول الخليج) بشكل كبير نحو الشركات ورأس المال الأمريكي، مما يحول الحرب المكلفة إلى أرباح تجارية بدلًا من نموذج الحروب السابقة، والتي كانت عبئًا مفتوحًا لسنوات على الخزانة الأمريكية.
- وأخيرًا العمل على إبعاد النفوذ الجيو-إستراتيجي للصين بأية صور ممكنة من منطقة الخليج وقصر دورها على المجال التجاري.
هل ستتغير أولويات واشنطن بعد عصر ترامب؟
فيما يتعلق بالسؤال الأوسع حول تحويل الأعباء والالتزامات المتعلقة بالتحالفات، وإذا ما كانت الإدارة القادمة، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية، إلى مراعاة الضغوط المالية والسياسية الأساسية التي دفعت لتركز إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 على تقاسم الأعباء.
ومن المرجح أن تستمر أي إدارة تلي ترامب، ديمقراطية كانت أم جمهورية، في دفع دول الخليج وإسرائيل نحو مزيد من الاعتماد على الذات، لكن سيحدث ذلك بلغة أكثر اتساقًا مع مواقف واشنطن الأخرى التي ستوفر ضمانات مؤسسية أكثر حزمًا مما يقدمه ترامب.
الهيكل الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط سيتغير من كون الشرق الأوسط منطقة تتطلب إدارة أمريكية مستمرة ومباشرة؛ ليحل محله نموذج يتولى فيه الشركاء الإقليميون المزيد من المسؤوليات الأمنية، وتعد واشنطن نفسها كضامن للملاذ الأخير.
ومع عدم معرفة كيف ومتى تنتهي الحرب الأمريكية الإيرانية، إلا أن ما يشبه الإجماع خارج الدوائر الرسمية أن ما سيكون عليه الشرق الأوسط بعد الحرب يمثل انتكاسة كبيرة للسياسة الأمريكية.
ومن المهم التطرق لمستقبل القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط التي يشكك في جدوى بقائها، فبدلًا من مجرد هدف ردع التهديدات، فإن الوجود الأمريكي نفسه يدعو إلى الهجمات على القواعد والدول المستضيفة، ويجر واشنطن إلى صراعات محلية.
وترتفع الأصوات داخل فريق “أمريكا أولًا” للتذكير أنه حان الوقت لكي تسحب الولايات المتحدة قواتها من الشرق الأوسط، وتتوقف عن تسليح الحلفاء وتقديم مساعدات خارجية بالمليارات، وأن تتخلى عمليًّا عن دورها كضامن للنظام والاستقرار في المنطقة. ويجادل هذا الفريق بأن إنهاء الدور الأمريكي سيحرر الموارد لما يعتبره أولويات أكثر إلحاحًا، مثل: ردع صراع القوى العظمى، خاصة مع الصين في آسيا وما وراءها. ويميز هذا الفريق بين الاعتراف بأن واشنطن تحتفظ بدور أمني عالمي مهم مميزٍ بين دعوته للانسحاب من الشرق الأوسط والتركيز الأوسع من الانخراط العالمي لمواجهة الصين.
نتج عن الحرب تغيرات هيكلية لعدد من الخيارات السياسية الأمريكية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة بما يشكك في جدوى البقاء الأمريكي بالشكل الحالي سواء لمصالح الولايات المتحدة أو لمصالح دول المنطقة.
وعلى مدى عقود، تصرفت الولايات المتحدة كما لو أن وجودها العسكري في الشرق الأوسط ضروري للمصالح الإستراتيجية الأمريكية والأمن الإقليمي، كما سعت إلى حماية شركاء، مثل: إسرائيل، ودول الخليج، ومراقبة إيران، ومكافحة الإرهاب. إلا أنه وفي الواقع، أسهم الموقف العسكري الأمريكي في عدم الاستقرار والدمار. لا يوجد هذا الأمر أوضح من الحملة ضد إيران، لقد ولدت الحرب المخاطر التي كان من المفترض أن تمنعها.
على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت منخرطة منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط، إلا أن حرب الخليج (1990–1991) رسخت الدور العسكري الأمريكي في المنطقة. ما بدأ كذروة القوة الأمريكية بعد الحرب الباردة—تنظيم تحالف دولي لإنهاء غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت—تحول إلى التزام استمر لعقود. أبقت الإدارات المتعاقبة عشرات الآلاف من الأفراد في المنطقة، معتقدة أن القوة الدائمة ستحمي تدفق الطاقة الحر، وتدعم إسرائيل، وتحارب الجماعات الإرهابية، وتردع إيران.
في النهاية:
يواجه القادة الأمريكيون الآن سلسلة من القرارات ذات العواقب الدائمة، بما في ذلك ما إذا كان عليهم إعادة بناء القواعد التي تضررت خلال حرب إيران في دول الحلفاء الخليجيين، وبيع أسلحة جديدة لشركائها الإقليميين. جادل بعض محللي الدفاع بضرورة الاحتفاظ بوجود نفوذ عسكري أصغر، ووفقًا لتقارير في صحيفة وول ستريت جورنال، فإن البنتاغون يفكر في ذلك، لكن التراجع الجزئي سيجعل الولايات المتحدة معرضة لمخاطر دائمة في المنطقة. خلال الأشهر الخمسة الماضية، دمرت إيران أو ألحقت أضرارًا بالمباني والمعدات فيما لا يقل عن 15 موقعًا عسكريًّا أمريكيًّا، حتى لو جمعت الولايات المتحدة قواتها في قاعدة أو قاعدتين، ستظل هدفًا رئيسًا لإيران ووكلائها؛ لذا ستكون هناك حاجة إلى موارد كبيرة لحماية القوة. بدون انسحاب كامل، ستشعر واشنطن بأنها مضطرة لمواصلة دعم حلفائها ومصالحها المباشرة، وستظل الولايات المتحدة تنجر إلى النزاعات، أو تذهب إليها برغبتها الكاملة.
وهكذا تركت الحرب على إيران الولايات المتحدة في موقف متناقض، فهي أكثر تواجدًا عسكريًّا في الشرق الأوسط من أي وقت مضى خلال العقدين الأخيرين بما يقرب من 50 ألف عسكري، حتى مع أن إستراتيجيتها الرسمية تدعو إلى العكس تمامًا. وما إذا كان هذا يشكل مستنقعًا جديدًا أو نموذجًا جديدًا حقًا للمشاركة الأمريكية المستقبلية سيعتمد على الحقائق التي لا تزال تتكشف، مثل: مدى استمرارية وقف إطلاق النار، وسلوك قيادة إيران بعد الحرب، وقبل كل شيء، ما إذا كانت إدارة ترامب نفسها قادرة على حل الانقسامات الفكرية العاصفة بين أنصار الرحيل وأنصار البقاء في الشرق الأوسط، ومن جانب آخر دمج مصالح وتصورات صانعي الصفقات في ذلك، وهو ما يترك السياسة الأمريكية مرتجلة في لحظة تاريخية مهمة. ما هو واضح إلى حد كبير هو أن الشهية الأمريكية لحرب طويلة، مثل تلك التي ميزت حقبة ما بعد 11 سبتمبر، لم تعد لها شعبية داخل الحزبين. وما لا يزال محل جدل هو مقدار المخاطر والتكلفة الذي تسعى واشنطن لقبوله باسم البقاء في الشرق الأوسط.




