2026العدد 207ملف ثقافي

كأس العالم 2026 الذي أصبح مونديالًا للعرب.

الذين يرون أي مونديال أو بطولة كروية مجرد مباريات ونتائج، سيصعب عليهم رؤية وجوه أخرى لمونديال 2026، الذي كان استثنائيًّا لكل العرب، سواء أشاركوا أو غابت منتخباتهم، فهو أول مونديال في التاريخ يشارك فيه العرب وبعض بلدانهم يعيش أهلها أجواء الحرب وتتعرض مدنُها ومنشآتها للقصف واشتعال النيران، وأول مونديال بعد استضافة العرب لمونديال 2022 في قطر وقبل مشاركتهم في استضافة مونديال 2030 في المغرب ثم استضافتهم لمونديال 2034 في السعودية، وأول مونديال تشارك في نهائياته 8 دول عربية: 4 منها في إفريقيا هي (المغرب، ومصر، والجزائر، وتونس)، و4 في آسيا هي (السعودية، وقطر، والعراق، والأردن)، وعوامل أخرى كثيرة تضافرت وتجمعت لتصبح كرة القدم ونتائجها ليست أهم أو أجمل ما في مونديال 2026 بالنسبة للعرب.

وكانت الجماهير العربية هي أولى المفاجآت العربية في مونديال 2026، فلم يكن متوقعًا أن تمتلئ الإستادات التي تستضيف المباريات العربية بكل هؤلاء العرب؛ فالمباريات باستثناء (نيويورك، ونيوجيرسي، وتورنتو) أقيمت في مدن ليست مراكز لتجمعات العرب الذين يزيد عددهم في أمريكا الشمالية عن 4,5 مليون شخص، ويقيم معظمهم في: ديترويت، وشيكاغو، ونيويورك، ونيوجيرسي في الولايات المتحدة، ومونتريال وتورنتو في كندا. ولعبت المنتخبات العربية في مدن ليست من مدن العرب سواء في الولايات المتحدة أو كندا في: سانتا كلارا، وفوكسبورو، وكانساس سيتي، وأتلانتا، وسياتل، وأرلينجتون، وهيوستن، وميامي، وفيلادلفيا في الولايات المتحدة. وفانكوفر في كندا وجوادالوبي في المكسيك. ورغم ذلك لعب كل منتخب عربي مبارياته كأنه يلعب أمام جماهيره في مدينته العربية

وحين استضافت مدينة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا أول مباراة للعرب في مونديال 2026 بين قطر وسويسرا، فوجئ الجميع بالقطريين يملؤون مدرجات إستاد ليفايز بأعلامهم وهتافاتهم والبعض بثيابهم التقليدية البيضاء، وقبل المباراة شهدت مدينة سان فرانسيسكو مسيرة قطرية ضخمة تعبر الميادين والشوارع في طريقها للإستاد في سانتا كلارا. ولم يتردد كثيرون من أهل سان فرانسيسكو في مشاركة القطريين رقصاتهم ويلتقطون معهم الصور التذكارية ويصفقون لهتافاتهم، رغم أنهم لا يعرفون اللغة العربية. والمباراة الثانية للعرب كانت في نيوجيرسي بين المغرب والبرازيل في استاد ميت لايف المشترك بين نيوجيرسى ونيويورك. وفي تايم سكوير في قلب نيويورك، كانت أغاني المغاربة ورقصاتهم كافية لأن تدرك التفاحة الأمريكية الكبيرة معنى وقيمة وضرورة كرة القدم. والمباراة العربية الثالثة كانت في جوادالوبي المكسيكية بين تونس والسويد، ولم يمنع طول المسافة وعدم شهرة المدينة ورواجها السياحي التوانسةَ من ملء مدرجات استاد بي بي في إيه بأعلام تونس وقبعاتها الشهيرة. وكانت المباراة الرابعة في دالاس الأمريكية بين مصر وبلجيكا في استاد لومين فيلد، وخلف المنتخب المصري ارتحل مصريون كثيرون واحتفلوا بمنتخبهم وغنوا له، وأجبر حب المصريين لبلدهم ومنتخبهم رجال الأمن الأمريكيين على التخلي عن صرامتهم وجديتهم لمشاركة المصريين رقصَهم وغناءهم.

والمباراة العربية الخامسة كانت في مدينة ميامي بين السعودية وأوروجواي، ورغم القرب والود بين مدينة ميامي والقارة اللاتينية، لكن السعوديون في إستاد هارد روك كانوا الأكثر إبهارًا والأعلى صوتًا. والمباراة العربية السادسة كانت بين العراق والنرويج في مدينة فوكسبورو بولاية ماساشوستس، وامتلأ إستاد جيليت بالعراقيين الذين كانوا خلف منتخبهم حاملين علم بلادهم لم تمنعهم تحذيرات من عواصف أو مسافات طويلة وأسعار غالية. والمباراة العربية السابعة كانت بين الجزائر والأرجنتين في كانساس سيتي، وفوجئ الأرجنتينيون بحشود جزائرية تسبقهم إلى إستاد أروهيد بأعلام الجزائر وهتافاتها وأغانيها. والمباراة العربية الثامنة كانت بين الأردن والنمسا في سانتا كلارا، وفي أول مشاركة للأردن في تاريخ المونديال، نجح الأردنيون في أن يتركوا خلفهم إعجابًا واحترامًا وإشادة بهم وسلوكهم وحبهم لبلدهم من مختلف المسؤولين الأمريكيين. 

وتكرر هذا المشهد في 29 مباراة لعبها العرب في مونديال 2026 خلال 26 يومًا في 13 مدينة، منها: 22 مباراة في 10 مدن أمريكية و4 مباريات في مدينتين كنديتين و3 مباريات في مدينة مكسيكية. وفي هذه المباريات، واجه العرب منتخبات البرازيل والسويد وبلجيكا وأوروجواي والنرويج والأرجنتين والنمسا وكندا وأسكتلندا واليابان ونيوزيلندا وإسبانيا والبوسنة وهايتي وهولندا وإيران وكاب فيردي والسنغال وأستراليا. وشاهد مبارياتهم عبر شاشات التليفزيون 2,1 مليار مشاهد، وشاهد مبارياتهم في مختلف ملاعب المونديال 1,7 مليون متفرج معظمهم كانوا من العرب، باستثناء مباريات قليلة جدًا، عرب تنقلوا خلف منتخباتهم مباراة بعد مباراة ومن مدينة لأخرى، ولم يكونوا في أية مباراة مجرد جماهير كرة جاءت تريد الفوز لفريقها، إنما كانت هذه المباريات بالنسبة لهم فرصة استثنائية للتعبير عن انتماء حقيقي لأهل ووطن وأبواب مفتوحة مؤقتًا للهرب من أي خوف وحزن وإحساس موجع بالغربة، وإذا كان نفس المونديال يعني لغيرهم حلم البطولة أو المنافسة على كأسها وفرحة الانتصار بمباراة أو أكثر، فهؤلاء لا يحلمون أو ينتظرون شيئًا، وأية مباراة سيلعبها منتخبهم سيفرحون بها ومعها حتى لو خسروا كل مبارياتهم، والمباراة بالنسبة لهم ليست فقط 90 دقيقة في المدرجات لكنها أيام كاملة تختلط فيها البهجة بالحنين والغناء والرقص والبكاء.

وإذا كانت المفاجأة العربية الأولى في مونديال 2026، هي الجماهير العربية التي ازدانت وتميزت بعشقها وانتمائها لبلادها سواء في ملاعب المونديال أو عبر شاشات التليفزيون في بيوتها ومقاهيها وبلادها، فإن المفاجأة العربية الثانية كانت أكبر وأهم وأجمل؛ فبعد نهاية دور المجموعات، غادرت المونديال خمس منتخبات عربية (قطر، وتونس، والسعودية، والعراق، والأردن)، ولم تبقَ إلا 3 بلدان هي (المغرب، ومصر، والجزائر). وكان من المتوقع ألا تبقى مهتمة بالمونديال ومبارياته ونتائجه إلا جماهير هذه البلدان فقط، لكن لم يحدث ذلك ولم يخرج أي جمهور عربي من المشهد المونديالي أيًّا كانت نتيجة منتخب هذا الجمهور، وتحولت الجماهير العربية كلها لتشجيع (المغرب، ومصر، والجزائر) في دور الـ 32، ثم (المغرب، ومصر) في دور الـ 16، ثم المغرب في دور الثمانية، وكأن العرب أرادوا استغلال هذا المونديال لتأكيد أن أية خلافات سياسية أو حروب وحملات إعلامية متبادلة سبقت المونديال لم تكن أقوى من انتماء العرب للعرب، ولم يفقد معها العرب الهُوية الواحدة والمصير المشترك

وبدا الأمر في النهاية كما لو أنه ليست هناك منتخبات عربية تشارك في مونديال 2026، إنما تلاشت أية حدود سياسية وجغرافية ليكون هناك منتخب واحد اسمه منتخب العرب، فريق واحد يفرح به العرب حين يفوز ويغضبون معه وله حين يتعرض للظلم ويقتسمون معًا أحزان خسارته. ومثلما كانت كرة القدم في بعض أوقات سابقة سببًا لخلافات عربية، فإن نفس اللعبة في مونديال 2026، باتت هي  الساحة العربية التي لا خلافات فيها وانقسامات وحساسيات، باتت كرة القدم في مونديال 2026 هي القمة العربية التي لا تحتاج إلى وقت ولقاءات واجتماعات قبل انعقادها لإعلان التضامن العربي، فكل شيء جرى فجأة دون تمهيد أو تخطيط، انفجار حب ومشاعر وعروبة لم تكن له أية مقدمات ولم يتوقعه ويتخيله أو يتنبأ به أي أحد، حتى فلسطين لم ينسَها العرب في مونديال 2026، فكان لابد من أعلامها في أيدى العرب واسمها على لسانهم تأكيدًا لبقائها ودوامها في الوجدان العربي، وحتى تكتمل الصورة العربية الجميلة التي صاغت خطوطها وتفاصيلها كرة المونديال ومبارياته.

ومن بين 29 مباراة للعرب في مونديال 2026، كانت هناك مباراة وحيدة لعرب أمام عرب، وهي  المباراة التي أقيمت في إستاد ليفايز بمدينة سانتا كلارا بين الجزائر والأردن، وتقدمت الأردن بهدف في الشوط الأول، لكن فازت الجزائر في النهاية بهدفين أحرزتهما في الشوط الثاني، وكانت هذه المباراة هي رابع مواجهة عربية عربية في تاريخ المونديال: وكانت المواجهة الأولى وفي مونديال 1994 في الولايات المتحدة، وفازت فيها السعودية على المغرب. والمواجهة الثانية كانت في مونديال 2006 في ألمانيا، وانتهت بالتعادل بين السعودية وتونس. والمواجهة الثالثة كانت في مونديال 2018 في روسيا، وفازت فيها السعودية على مصر. والمواجهة الرابعة في المونديال الأخير كانت الأولى التي لا تشارك فيها السعودية مثل الثلاث مواجهات السابقة، وكانت الأولى للأردن في أول مشاركة مونديالية.

وغير الجماهير العربية في المونديال التي استوقف حضورها كثيرين في مونديال 2026 وتضامنها مع أي منتخب عربي، كان هناك انتصار عربي آخر في نفس المونديال لم يكن العرب وحدهم هم شهوده، إنما كثيرون في العالم الكروي؛ فالمقارنة كانت واضحة وصادمة بين العرب حين استضافوا مونديال 2022 والأمريكيين حين استضافوا مونديال 2026، فلم تمنع قطر في 2022 أحدًا من الدخول، ورحبت بكل عشاق المونديال وكرة القدم مهما كانت ألوانهم وبلدانهم، ولم تحقق قطر من استضافة المونديال مزيدًا من الربح عن طريق زيادة أسعار التذاكر وزيادة أسعار المواصلات، ولم تستغل قطر إقامة المونديال على أرضها ليتدخل أميرها وحكومتها في أي شأن كروي، وكل ذلك قامت به الولايات المتحدة وانتقدها العالم كله، ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، إنما حاولت إقناع العالم بأنها نظمت المونديال الأفضل والأجمل في التاريخ. ورغم قدرة الأمريكيين ونجاحاتهم المؤكدة في تسويق بلدهم وأنفسهم وخطواتهم، من الدولار والبيت الأبيض والأوسكار والحلم وتمثال الحرية للهامبرجر والبيتزا والبنطلون الجينز وميكي ماوس والكوكاكولا، وبعد إسدال الستار على مونديال 2026، أصبح العالم كله مدعوًّا للفرجة على الأمريكيين وهم يحاولون إقناعه بأنه المونديال الأعظم في التاريخ، وليس باستطاعة أية دولة في العالم استضافة مونديال بنفس المونديال الأمريكي بكل تفاصيله وإبهاره ومزاياه.

ولم ينجح الأمريكيون هذه المرة ولم يقتنع العالم بأن مونديال 2026 هو أعظم حدث إنساني واجتماعي وثقافي تشهده البشرية، كما قالوا ذلك وأيدهم وشاركهم إينفانتينو، رغم أن إينفانتينو نفسه بعد انتهاء مونديال 2022 في قطر، قال:” إنه المونديال الأنجح على الإطلاق في تاريخ كرة القدم، ولم يصل أي مونديال سابق لما حققه مونديال قطر من نجاحات وجماليات ونسب مشاهدة”. وبعيدًا عن الإلحاح الأمريكي وإينفانتينو، كان كثيرون في العالم مقتنعين بأن العرب في 2022، كانوا أكثر نجاحًا من الأمريكيين في 2026، وأن مونديالهم في قطر كان أكثر جمالًا وأكثر هدوءًا وأكثر انحيازًا لروح كرة القدم وأهلها وعشاقها وجمالها وبساطتها، ولم يشهد المونديال العربي أية إجراءات أمنية متشددة وحملات تفتيش قاسية أمام أبواب الملاعب في كل مباراة في المونديال.

وكان التحكيم في مونديال 2026 مجالًا لنجاح عربي جديد؛ ففي مونديال 2022 كانت قائمة الحكام تضم 13 حكما عربيًّا، منهم: 3 حكام ساحة و6 حكام مساعدين و4 حكام لتقنية الفيديو، وفي مونديال 2026 شارك 23 حكمًا عربيًّا، منهم: 8 حكام ساحة هم (أدهم مخادمة، وأمين عمر، ومصطفى غربال، وجلال جيد، وعبد الرحمن الجاسم، وخالد الطريس، وعمر العلي، ودحان بيده)،  و8 حكام مساعدين هم (محمود أبو الرجال، وأحمد حسام طه، ومحمد الخلف، وأحمد الرويلي، ومقرن جوراري، وأكرم زرهوني، وزكريا برينسي، ومصطفى أكاركاد)، و5 حكام لتقنية الفيديو هم (طالب المري، وسعود أحمد، ومحمد البكري، ومحمد الحمادي). وهي  زيادة تعني مزيدًا من الثقة في التحكيم العربي. ومنذ أدار الحكم المغربي “سعيد بلقولة” نهائي مونديال 1998 بين فرنسا والبرازيل لم يتواجد حكام عرب في نهائي أي مونديال حتى 2026؛ حيث تم اختيار الحكم الأردني “أدهم مخادمة” حكمًا رابعًا في طاقة تحكيم النهائي بين إسبانيا والأرجنتين، وتم اختيار أيضًا الحكم الأردني “محمد الخلف” كحكم مساعد احتياطي، والحكم القطري “خميس المري” حكمًا مساعدًا لتقنية الفيديو، وكان أدهم مخادمة من أفضل حكام مونديال 2026، بعد أداء متميز ونجاح في إدارة بعض مباريات المونديال.

وكانت عربيةً أيضًا أهمُ وأشهر حكاية تحكيمية في مونديال 2026، وبطلها هو الحكم الصومالي “عمر عرتان”، الذي اختاره الفيفا ليكون أحد حكام المونديال تقديرًا لكفاءته ونجاحاته منذ أن أصبح حكمًا دوليًّا في 2018، وهو لا يزال في الثالثة والعشرين من عمره، ورغم اختيار الفيفا له وحيازته لتأشيرة دخول أمريكية سارية، رفضت الولايات المتحدة دخوله أراضيها رغم شروط استضافة أية دولة للمونديال بألا تمنع أي لاعب أو مسؤول أو حكم من دخول أراضيها، ولم يتعاطف العرب فقط مع عمر إنما كثيرون جدًا من أهل كرة القدم، وغير التعاطف أبدى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم غضبه واستياءه من القرار الأمريكي بمنع دخول عمر، وسلبية الفيفا الذي لم يحاول التدخل لحماية أحد حكامه. وفي استثناء تاريخي غير مسبوق، قرر الاتحاد الأوروبي تكريمًا وتقديرًا للحكم الصومالي أن يقوم بتحكيم مباراة بطولة السوبر الأوروبي بين باريس “سان جيرمان” بطل دوري أبطال أوروبا، و”أستون فيلا” بطل الدوري الأوروبي، والذي استضافته مدينة سالزيورج في النمسا، وأصبح عمر عرتان، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، أول حكم غير أوروبي يدير نهائي بطولة أوروبية. 

وكانت للمدير الفني لمنتخب مصر “حسام حسن” حكاية أخرى شهيرة في مونديال 2026، حكاية بدأت في مايو 2024، حين تم اعتماد بروتوكول جديد خاص بالتفرقة العنصرية، وحين يتلقى الحكم أية شكوى عن سلوك أو كلام عنصري فيقوم برفع ذراعيه متشابكين أمام الوجه. وفي 22 يونيو 2025، كان أول استخدام للبروتوكول الكروي الجديد في مباراة ريال مدريد الإسباني ضد باتشوكا المكسيكي في دور المجموعات بمونديال الأندية، الذي استضافته الولايات المتحدة، ورغم أن هذا البروتوكول تم ابتكاره واعتماده ليبقى مقصورًا فقط على أي حديث أو سلوك يخص التفرقة العنصرية، إلا أن حسام حسن كمدير فنى لمنتخب مصر لجأ إليه في الدقائق الأخيرة من مباراة مصر أمام الأرجنتين في دور الـ 16 لمونديال 2026، ورفع حسام ذراعيه المتشابكتين اعتراضًا على قرارات الحكم الفرنسي “فرانسوا لوتيكسييه”، الذي أشهر بطاقة صفراء لحسام؛ ولأن هذه المباراة تحديدًا كانت من أكثر مباريات المونديال إقبالًا على مشاهدتها لدرجة أن يقارن البعض بينها والمباراة النهائية للمونديال الماضي 2022، فقد شاهد كثيرون جدًا حسام حسن وهو يقوم بهذه الحركة ويرفع ذراعيه متشابكتين، وبدأ طرح الأسئلة هل أعطى الحكم الفرنسي إنذارًا لحسام لأنه استخدم بروتوكول الفيفا في غير مجاله المحدد سلفًا أم نتيجة احتجاجه على قرارات الحكم؟ ولماذا لم يذهب الحكم لحسام بعد قيامه بهذه الإشارة ويسأله عن السبب الذي قد يكون كلامًا عنصريًّا قاله أحد لاعبي الأرجنتين للاعب مصري وسمعه حسام، أم أنه لم يكن هناك أي حديث عنصري وكان حسام يعرف أن ما قام به ليس ضمن بروتوكول الفيفا لكنه تعمد ذلك ليلفت انتباه الجميع لما جرى في المباراة؟ وفي كل الأحوال وأيًّا كانت الأسباب، أصبح ما قام به حسام في نهاية مباراة مثيرة وصاخبة بمثابة دعوة للفيفا وأهل كرة القدم في العالم لابتكار بروتوكول جديد والبحث عن إشارة جديدة يمكن استخدامها للاحتجاج على الحكم أو لفت انتباهه لقرار خاطئ بدلًا من الصراخ والانفعال والوقوف على الخط لممارسة غضب قد يتحول إلى خروج على النص والقواعد الكروية والأخلاق الرياضية، وتصبح هذه الإشارة وسيلة للاحتجاج على الحكم دون عقاب لمن يلجأ إليها سواء من الحكم او اتحاد اللعبة في أي بلد.

وبالإضافة لكل ذلك، غادر العرب مونديال 2026 بجوائز مالية أيضًا؛ فالفيفا منح كل منتخب تأهل للمونديال 10 ملايين دولار إلى جانب مليونين ونصف دولار للإعداد، وبعد خروج خمس منتخبات عربية عقب دور المجموعات هي (قطر، وتونس، والسعودية، والعراق، والأردن)، وقد نال كل منها 9 مليون دولار، ونال المنتخب الجزائري الذي غادر بعد دور الـ 32 مكافأة قيمتها 11 مليون دولار، ونال المنتخب المصري الذي غادر بعد دور الـ 16 مكافأة قيمتها 15 مليون دولار، أما المنتخب المغربي الذي تأهل لدور الثمانية فكان صاحب المكافأة العربية الأكبر ونال 19 مليون دولار، وعاد العرب إلى بلدانهم بالمال لكنهم تركوا ذكرى طيبة وصورة جميلة في كل مدينة لعبوا فيها وامتلأت بجماهيرهم شوارعها وميادينها ومدرجات ملاعبها، وسواء فازوا أو خسروا فقد احترمهم الجميع وأهل كل مدينة. 

ويبقى المكسب الحقيقي للعرب في مونديال 2026، هو هذا التغيير الجذري في الفكر الكروي العربي، فلم يعد العرب بعد الآن سيقبلون بمجرد المشاركة أو اللعب في نهائيات أي مونديال؛ فالأردن التي شاركت في مونديال 2026 -لأول مرة في تاريخها- أحزنها الخروج من دور المجموعات، والجزائر أغضبها الخروج من دور الـ 32، وثارت مصر؛ لأنها خرجت من دور الـ 16، والحزن الأكبر للمغرب التي خرجت من دور الثمانية، وهي  التي كانت رابعة في مونديال 2022. والغضب والمراجعات والتغييرات التي عاشتها منتخبات (السعودية، وتونس، وقطر، والعراق) نتيجة انتصارات لم تأت وأحلام وطموحات لم تتحقق، كانت وحدها دليلًا على هذا التغيير وأن مجرد التأهل للمونديال ليس أكبر الأحلام وأقصى الطموح. ومن مظاهر التغيير أيضًا أن العرب بعد مونديال 2026، لم يتحدثوا عن التاريخ وانتصارات قديمة، إنما كان الالتفات كله للمستقبل الأفضل الذي لن يستطيع العرب الوصول إليه وتحقيقه إلا بالمناقشة والمصارحة والمكاشفة لأخطاء الحاضر وهو ما بدأ يحدث بالفعل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى