2019العدد 180ملف عربي

المأزق العراقي إزاء تأزم الوضع الداخلي والتجاذبات الإقليمية والدولية

تمهيد

طفح الكيل بالشعب العراقي بعد طول معاناة تزيد عن حدود القدرة البشرية على التحمل، وكان من الطبيعي أن يتحرك معبرا عن رفضه لكل ما لحق به من معاناة بين الاحتلال الأمريكي والتسلط والسيطرة الإيرانية دون أن يجد صديقا أو قريبا يمد له يد العون أو يسانده . هذا الشعب صاحب الحضارة السامقة التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ الإنساني، وكان يملك من الثروات ما تغبطه بها أغلب شعوب الأرض، من احتياطات البترول والغاز، والأرض الصالحة للزراعة التي تزيد عن 30 مليون فدان، وأنهار يفترض أنها كانت تتدفق عفية عبر أراضيها، وثروات معدنية كالكبريت والفوسفات معروفة بجودتها لدى أغلب دول الأرض، ونخيل يغطي أرضها من أجود التمور حتى أنها كانت تسمى أرض السواد . وتنوع عرقي ومذهبي اعتاد العيش المشترك أغلب تاريخه الذي أضفى على البشر فيه حيوية وثراء إنسانيا .

 وليس هذا المأزق وليد اليوم، فهو حصيلة معاناة متواصلة عبر عدة عقود، كانت تفجر احتجاجات شعبية تكررت أكثر من مرة انتهت به إلى هذه الحالة المأساوية، والتي يلاحظ هذه المرة أن من سماتها البارزة :

أولا: اتساع نطاقه وشموله، فهو تحرك شعبي عفوي، جاءت الدعوة إليه عبر شبكات التواصل الاجتماعي من خارج صندوق الجهات التقليدية الدينية والحزبية والسياسية، لا تدعي جهة منها أنها كانت من وراء هذا التحرك أو أنها قادرة على التحكم فيه . ومن ثم لا توجد لهذه الاحتجاجات قيادات واضحة محددة . ويصعب القول أن الولايات المتحدة ودول الخليج كانت من وراء نشوب هذه الاحتجاجات أو أنها القوة المحركة لها .

ثانيا: تغلب أعداد الشباب من الفئة العمرية بين 17-29 عاما، وهم من تربوا في ظل الثقافة التي سادت في العهد الأخير، فهم أبناؤه ومن إنتاجه ،غير أن معظمهم قد عانى من البطالة والفساد وغياب العدالة .

ثالثا: استعدادهم للتضحية فلم يهن من عزمهم سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، دون أن تتوقف تلك الاحتجاجات أو أن تخفض من سقف مطالبها، ولا غرو في ذلك فهم أحفاد ثوار العشرين ضد الاحتلال البريطاني الذين سقط منهم حوالي عشرة آلاف قتيل وأثخنوه بالجراح منذ ما يقرب من قرن من الزمان،. فقد بدأت الاحتجاجات بمطالب إصلاحية تتمثل في محاربة الفساد وتوفير فرص العمل وتحسين جودة الخدمات، وارتفعت تلك المطالب لتصل إلى المطالبة باستقالة الحكومة، وبدأ البعض بالمطالبة بتغيير النظام القائم بتعديل الدستور وإجراء انتخابات جديدة نزيهة بإشراف دولي .

رابعا: تركزت الاحتجاجات في المناطق الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية . وعبرت في هتافاتها عن رفض الطائفية وضيقها من ممارسات الحشد الشعبي العراقي والحرس الثوري الإيراني والمطالبة بخروج إيران من العراق، وأحرقت صور مرشد الثورة الإيرانية على خامنئي تعبيرا عن رفض النهج الإيراني وأدواته وأذرعته في العراق، وكان أبرز علامات الرفض حرق مقرات بعض الأحزاب الشيعية والعديد من المكاتب الإعلامية والمحطات التلفزيونية بالإضافة إلى حرق سور القنصلية الإيرانية في كربلاء .

ردود الفعل الرسمية والشعبية

 تراوحت مواقف الحكومة في مواجهة الاحتجاجات بين محاولة حفظ النظام العام من خلال إجراءات أمن يتولاها الجيش والشرطة، وحظر التجول في المناطق التي شهدت أعمال عنف، وقطع خدمات الإنترنت لعرقلة التواصل بين المحتجين وإغلاق الطرق والجسور الرئيسية التي تربط وسط بغداد بالمنطقة الخضراء والتي تؤدي إلى أماكن الاحتجاجات وخاصة ساحة التحرير، وحماية البنية الحكومية، واستخدام المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. وتم إطلاق الرصاص الحي في بعض الحالات راح ضحيته العديد من المحتجين والقوات الأمنية التي تقدر أعدادهم بمئات القتلى وآلاف المصابين، التي نفت الحكومة إصدارها أوامر بذلك، مما يرجحه البعض أنها بتدبير عناصر مندسة أو من متطرفي الحشد الشعبي .

وجرت من جانب آخر محاولات لتهدئة الاحتجاجات لم يكن لها الأثر المأمول، فقد صدر عن رئاسة البرلمان العراقي بيان صحفي بأن حرية التظاهر السلمى مكفولة بحسب المادة 38 من الدستور، ودعت قوات الأمن إلى ضبط النفس والابتعاد عن استخدام العنف ، وصدر عن الحكومة العراقية مجموعات من القرارات العاجلة تمثلت المجموعة الأولى منها التي صدرت عن الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء يوم 6 أكتوبر تضمنت إعداد برنامج وطني للإسكان يشمل 100 ألف وحدة سكنية وتوزيع الأراضي السكنية، وتقديم منح للعاطلين، وتوفير قروض لتأسيس المشاريع المتوسطة والصغيرة . والإعلان عن خطة لرئيس الحكومة تتضمن النظر في تعديل وزاري موسع، وتشكيل محكمة عليا بصلاحيات واسعة متخصصة في قضايا الفساد، وخطة لإطلاق برنامج وطني لمكافحة الفقر والبطالة .

وتم الإعلان عن مجموعة ثانية من القرارات الجديدة من مجلس الوزراء يوم 8أكتوبر تتضمن تشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس الوزراء مهمتها معالجة مشكلة السكن، وتوزيع منظومات الطاقة الشمسية على 3 آلاف عائلة فقيرة، والعمل على توفير فرص العمل، وتسهيل إجراءات تسجيل الشركات الصغيرة للشباب، وتمويل مشاريعهم وتشجيع الصناعات الصغيرة، وتحسين الخدمات البلدية والبيئية، وأصدرت الحكومة بيانا بأنها توصلت بالفعل إلى مشروع جديد للانتخابات النيابية يتضمن تعديل نظام الاختيار وتقليص عدد أعضاء المجلس النيابي من 329 إلى 213 عضوا وخفض العمر إلى 25 عاما. وأقر البرلمان العراقي عدة إجراءات يوم 28 أكتوبر من بينها إلغاء امتيازات الرئاسات الثلاث وامتيازات النواب وكبار المسئولين، وحل مجلس المحافظات، وتشكيل لجنة لتعديل الدستور تقدم توصياتها خلال أربعة شهور، وتعهد محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب في مؤتمر صحفي بعدها بأيام بأنه سيتم إدخال تعديلات على ميزانية عام2020 تتضمن مخصصات مالية للأسر الفقيرة، واتخاذ الإجراءات المناسبة لعودة النازحين، ومنح القروض للمشروعات الصغيرة، وتخصيص الاعتمادات المالية اللازمة لإعادة إعمار واستقرار المناطق المحررة.

 ونقل عن المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني أنه ألقى مسؤولية الحفاظ على سلمية المظاهرات على عاتق القوات الأمنية، وحث القوى السياسية في البلاد على الاستجابة لمطالب المحتجين .

 وتبين مواقف الكتل النيابية في البرلمان العراقي التي يفترض أن تعبر عن التوجهات العامة في العراق مدى تأثير وثقل هذه الاحتجاجات، فقد أعلنت كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر تعليق عضويتها بالمجلس لحين صدور برنامج حكومي يرتضيه الشعب، وانضمت إلى جماعة المعارضة المطالبة باستقالة الحكومة . وطالب ائتلاف النصر الذي يرأسه حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق تشكيل حكومة مؤقتة لتسيير أمور البلاد لحين إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة، وأدانت استخدام العنف ضد المتظاهرين . وأعلنت جبهة الإنقاذ والتنمية التي يترأسها أسامة النجيفي نائب الرئيس السابق أنها قدمت إلى رئيس الجمهورية برهم صالح مبادرة تضم 11 اقتراحا أهمها الدعوة إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة بإشراف دولي وفق قانون انتخابي جديد يضمن تمثيلا حقيقيًا للشعب، وتجميد عمل مجلس النواب باستثناء الحالات الوطنية الضرورية كتشريع قانون الانتخابات الجديد، والسيطرة على السلاح وتعويض الشهداء وجرحى المتظاهرين . وأعلن تحالف المحور الوطني تعليق عضوية أعضائه في مجلس النواب إلى أن يتم صياغة موقف جاد مع بقية الكتل السياسية، مؤكدا تأييد الاحتجاجات ومعارضا استخدام القوة ضدها، ودعمه لفكرة الذهاب لانتخابات مبكرة ضمن قانون انتخابي جديد . وأوضح تيار الحكمة على لسان زعيمه عمار الحكيم عدم قبوله لاستخدام العنف المفرط ضد الاحتجاجات، وطالب بتطويق الفتنة على حد تعبيره، إلا أن مصادر من هذا التيار صرحت في أكتوبر 2019 بأنه ليست هناك أي نية لاستجواب رئيس الحكومة وأن أولوية التيار دائما الحفاظ على النظام والسيادة في العراق .

 ويلاحظ أنه قد تكرر اجتماعات الرئاسات الثلاث ( الجمهورية والحكومة والمجلس النيابي) أكثر من مرة في خطوة غير مسبوقة لتدارس الوضع، وفي ظل التعليقات التي أحاطت به من أنه اجتماع ليس له أساس من الشرعية في الدستور، كما أن تطبيق نظام المحاصصة على هذه الرئاسات بحيث يتولى الأكراد منصب رئاسة الجمهورية والشيعة رئاسة الحكومة والسنة رئاسة المجلس النيابي لم يرد أيضا في نصوص الدستور وإنما صار عرفا منذ عام 2005. وقد جرت هذه الاجتماعات استجابة لرغبتهم في مواجهة الأزمة الناجمة عن تفاقم الأوضاع في العراق، وشارك في الاجتماع رئيس مجلس القضاء الأعلى. تضمن البيان الصادر عنهم وصف الاحتجاجات الشعبية بأنها حركة إصلاحية مشروعة لابد منها، وأن الاحتجاجات استجابة للرأي العام ولمتطلبات الحياة السياسية والخدمية التي يستحقها العراقيون بعد عقود من الطغيان والحروب والعنف والفساد، وتعهد البيان بالامتناع ورفض أي حل أمني للتظاهر السلمي، وأكد على الالتزام والمحاسبة الشديدة لأي مجابهة تعتمد العنف المفرط، وأشار المشاركون إلى أوامر القائد العام للقوات المسلحة بمنع استخدام الرصاص الحي وجميع أشكال العنف التي تعتمد القسوة والمبالغة فيها في مواجهة المتظاهرين، وأنهم باشروا بالفعل بالتمهيد للحوار الوطني لمراجعة منظومة الحكم والدستور وفق السياقات الدستورية والقانونية، وعبروا عن اعتقادهم بأن المظاهرات ساعدت وتساعد في الضغط المشروع على القوى والأحزاب السياسية وعلى الحكومة والسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية من أجل القبول بتصحيح المسارات وقبول التغييرات الإيجابية خصوصا في مجالات التعديل الوزاري على أساس الكفاءة والحد من الآثار الضارة للمحاصصة بمختلف صورها .

الحشد الشعبي الشيعي

 يعد من الأسباب الرئيسية للأزمة، لارتكاب مسلحيه العديد من الممارسات والانتهاكات والجرائم، والتي كانت تحسب على إيران، والتي دفعت الحكومة في بعض المراحل إلى محاولة تحجيمها، بأن حاولت قصر مهمته أثناء قتال داعش المواجهة خارج المدن والامتناع عن دخولها خشية مما قد يرتكبه مقاتلوه داخلها. والدعوة إلى التحقيق فيما وقع من انتهاكات. وتوجه إليها الاتهامات حاليا بالمشاركة مع الحرس الثوري الإيراني في تلك المحاولات التي جرت لقمع الاحتجاجات واستخدام القناصة الملثمين وأسفرت عن أعداد كبيرة من القتلى والتي تعد بالمئات .

 والحشد الشعبي كان في البداية قوات غير نظامية مؤلفة من حوالى 67 فصيلا شيعيا، تشكل بصفة خاصة بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها علي السيستاني المرجعية الدينية في النجف الأشرف في يونيو عام 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش على عدد من المحافظات السنية في شمال العراق، ورغبة من الحكومة العراقية في تنظيمه وإحكام السيطرة عليه فقد عملت على إصدار قانون في نوفمبر عام 2016 يضم الحشد إلى الجيش العراقي وإخضاعه لقيادة رئيس الحكومة باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، ومن أبرز قادتها فالح الفياض رئيس هيئة الحشد وأبو مهدي المهندس تائب رئيسها، وتضم عددا من الفصائل الهامة التي دخلت العراق من إيران بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 ومن بينها ( فرقة العباس القتالية/ لواء علي الأكبر التابع للعتبة الحسينية المقدسة /سرايا عاشوراء / منظمة بدر / عصائب أهل الحق / كتائب الإمام علي / كتائب حزب الله / حركة فرسان المذهب ….وغيرها ) وانخرط في البداية في صفوف الحشد بعض المسلحين من أديان أخرى كالمسيحيين والكلدان والتركمان في الفترة التي نكلت بهم داعش عند سيطرتها على مناطقهم . وعلى الرغم من أن القانون المنشأ لهذا التشكيل العسكري قد تضمن نصا يقضي بأن ” يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي الذين ينضمون إلى هذا التشكيل عن كافة الأطر السياسية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه “، إلا أنها في واقع الأمر تعلن ولاءها للمرجعية الدينية في النجف، وأخذ البعض منهم ينظم صفوفه للانتماء للمرجعية الشيعية في إيران .

التجاذب الإقليمي والدولي

تجىء هذه الاحتجاجات الحاشدة ضد الوجود الإيراني في العراق في وقت يبلغ التوتر الأمريكي الإيراني ذروته نتيجة للانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية، واستئناف الضغط السياسي والاقتصادي على إيران لإرغامها للعودة إلى مائدة المفاوضات لتعديل تلك الاتفاقية، ومن ثم تعتبر إيران أن تفجر الأحداث في العراق ولبنان إنما هي من وسائل الضغط عليها لتحقيق ذلك، فضلا عن العمل على تقليص التمدد الإيراني في دول الجوار .

فقد هاجم المرشد الإيراني علي خامنئي الاحتجاجات الشعبية في العراق ولبنان، ووصفها بأنها أعمال شغب تديرها أمريكا وإسرائيل وبعض دول المنطقة وأنها مؤامرة من الأعداء تهدف إلى التفريق بين إيران والعراق، ودعا إلى أن تتحقق مطالب الناس ضمن الأطر القانونية لبلادهم حصرا ودعا إلى الحفاظ على الاستقرار. وردد حسين شريعتمداري ممثل المرشد الإيراني في مقال بصحيفة كايهان الرسمية التي يرأس تحريرها نفس التوجه الذي أعلنه المرشد بأن المتظاهرين في العراق مدفوعون من جهات أجنبية ” إن الشباب المؤمن والثوري والذي يعد الحشد الشعبي أحد رموزه يجب أن يقوم باحتلال سفارتي الولايات المتحدة والسعودية، وهو ما أدى إلى تحذير البيت الأبيض من هجمات محتملة تقوم بها الجماعات المدعومة من إيران في العراق “، مضيفا بأنه سيعتبر إيران مسؤولة عن أي هجوم على المراكز الأمريكية وإلحاق الضرر بأفرادها ومبانيها .

وجدير بالإشارة هنا الدور الذي يقوم به فيلق القدس في العراق، وهو وحدة قوات خاصة للحرس الثوري الإيراني المسؤولة عن العمليات خارج الحدود الإيرانية وتتبع المرشد الأعلى على خامنئي مباشرة وقائدها الحالي قاسم سليماني، ويقدر عددها بحوالي عشرين ألف مقاتل، وهو من الأذرع الرئيسية الإيرانية لتصدير الثورة والسيطرة الميدانية، ويصول السليماني ويجول في الشئون الداخلية في العراق، ويقال إنه من بين من أقنع رئيس الحكومة عادل عبد المهدي للعدول عن استقالته والبقاء للتصدي للأزمة.

وأشار الرئيس التركي أردوجان إلى الشعارات التي أطلقها المتظاهرون العراقيون ضد تدخلات النظام الإيراني خاصة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية متسائلا عمن يقف وراءها، ويعتقد أنهم يخططون لمد هذه الاحتجاجات إلى داخل إيران، وقد أصدرت إيران بيانا أمنت فيه على ما ذهب إليه أردوجان، دون أن تعلق على ما جاء في حديثه من أن إيران والعراق سبق أن اتخذا مواقف سلبية من تركيا .

من جانب آخر خرج البيت الأبيض عن صمته ببيان أعرب فيه عن قلقه البالغ إزاء استمرار الهجمات ضد المتظاهرين والناشطين المدنيين والإعلام والقيود الموضوعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن العراقيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء استنزاف النظام الإيراني لمواردهم واستخدامه للمسلحين لمنعهم من التعبير عن آرائهم السلمية، وأنه على الرغم من استخدام العنف المفرط وحرمانه من الإنترنت فقد سمع الشعب العراقي صوته . ودعا البيان إلى إجراء انتخابات مبكرة وإجراء إصلاحات انتخابية ووقف العنف ضد المتظاهرين في أنحاء البلاد. وقد فسر البعض تأخر واشنطن في تبيان موقفها الرسمي وبخاصة الرد على الاتهام الإيراني لها بأنها كانت من وراء هذه الاحتجاجات، أن واشنطن كانت تتجنب إحراج عادل عبد المهدي، وكان بومبيو وزير الخارجية الأمريكية قد اتصل به خلال الأزمة، وتفضل واشنطن الحفاظ على صيغة النظام القائم والذي يحقق لها أهدافها في العراق ويسمح بتحرك قواتها على أراضيه . وتكتفي بالدعم الإعلامي للاحتجاجات باعتبارها من عوامل الضغط على إيران وبخاصة ما تقوم به قناة ” الحرة ” من متابعة تفصيلية لهذه الاحتجاجات.

واكتفت روسيا بمراقبة تطورات الموقف، وتوصية مواطنيها بعدم زيارة العراق بسبب اضطراب الأوضاع فيها. ولعل روسيا تنظر إلى مستقبل علاقاتها الاقتصادية مع العراق، وبخاصة فيما يتعلق بالبترول والكهرباء .

تقويم الموقف

أولا: من الملاحظ أن الإقليم الكردي وبدرجة أقل المحافظات السنية كانت هادئة نسبيا، ولم يكن يعني هذا عدم تأييدها للاحتجاجات أو رفضها للمظاهرات، وإنما قد مر بها من المواجهات ما تركها منهكة بالفعل، وتخشى من قسوة ردود الفعل إذا ما تحركت مناصرة لها.

ثانيا: يجري التساؤل عما إذا كان نشوب هذه المظاهرات قد حدث بصورة عفوية أو- كما يقال – أنها مؤامرة مدبرة من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران . والأرجح أنها تعبير شعبي صادق، وإن كان الأمر لا ينفي سعي تلك الأطراف لاستغلاله. فليس من الغريب هذا الموقف الذي اتخذته أغلبية الشيعة ضد التغول الإيراني وادعائه بأن يقود هذا المذهب، فأغلبية الشيعة في العراق عرب أقحاح يضيقون بسيطرة ” الفرس” أو ما يسمونهم “العجم” على مقدراتهم، والصراع بين “الفرسنة والبغددة” قائم منذ العصر العباسي، والمنافسة على المرجعية تاريخية بين ” قم والنجف” . واعتمد صدام حسين على جيشه الذي ضم بالضرورة جنودا من الشيعة في حربه مع إيران لثمان سنوات .

ثالثا: يعتقد البعض أن الولايات المتحدة لا تود سقوط النظام العراقي من جراء هذه الاحتجاجات، وإنما مجرد ضرب الوجود الإيراني، وحرمانه من المزايا السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها إيران في العراق . وعلى العكس من ذلك فإنها تفضل بقاء النظام الحالي في العراق، فهو صيغة الحكم الذي وضعته يتسق مع مبادئها ويحقق أهدافها وتتحرك بشيء من الحرية من خلاله .

رابعا: جدير بأن يوضع في الاعتبار أن الأحوال العامة في العراق لا تتحمل استمرار تصاعد هذه الاحتجاجات، فما زالت هناك مشكلات معلقة، من بينها مخاطر وجود الجيوب الكامنة لتنظيم داعش، وإعادة النازحين، واستقرار العلاقة مع الإقليم الكردي والأوضاع الاقتصادية التي يمكن أن تزداد سوءا فقد تسببت الاحتجاجات الأخيرة في إصابة بعض القطاعات الاقتصادية بحالة من الاضطراب الأمر الذي يمثل عاملا مضرا بالاقتصاد الكلي في البلاد ومهددا لموقع العراق كمنتج ومصدر رئيسي للنفط في العالم.

خامسا: ويطرح السؤال نفسه عما إذا كانت هذه الاحتجاجات سوف تستمر، والمدى الذي سوف تصل إليه، وهو ما يعتمد بالضرورة على الخطوات التي تتخذها الأطراف المعنية استجابة لهذه الاحتجاجات أو رفضا لمطالبها ومحاولة قمعها .

سادسا: الموقف العربي في الواقع أهم من أن لا يكتفي بمتابعة الأحداث. فلقد ترك العراق طويلا تتقاذفه الأمواج العاتية، وحان الوقت أن يجد اهتماما وعناية من أشقائه العرب المخلصين لإقالته من عثرته وتقديم الرأي الأخوي السديد الذي يستهدف فقط مصلحة العراق، بالتأكيد على وحدته واستقراره وازدهاره واستقلاله وامتناع الآخرين عن التدخل في شئونه.

اظهر المزيد

سيد أبو زيد

كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى