2020العدد 182ملف إقليمي

نتنياهو واستثمار الفرص السانحة في زمن كورونا

لا يوجد شيء لا تستثمر فيه إسرائيل، فحتى الوباء تستثمر فيه، وهذا يشمل جائحة كورونا، علما أن الاستثمار هنا لا يقتصر على البعد الخارجي، وإنما يشمل البعد الداخلي أيضا. هكذا تعاطى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع تلك الجائحة باعتبارها بمثابة فرصة سانحة له، تسمح أو تغطي مجالات أو توظيفات، ثلاث تتمثل في:

أولاً: تصميمه على الاستمرار في منصبه كرئيس للحكومة، بعد تنظيم ثلاث عمليات انتخابية للكنيست خلال عام واحد (أبريل، وسبتمبر 2019 ومارس 2020)، في سابقة هي الأولى من نوعها في إسرائيل، أي أن الظرف القائم هو الذي أسهم في خلق ائتلاف حكومي يُجنّب إسرائيل انتخابات رابعة، أي أنه نجح هذه المرة فيما لم ينجح به سابقا. وعن ذلك يقول عوزي برعام: “في زمن أزمة “كورونا” يظهر نتنياهو باعتباره السلطة الوطنية لوقف الوباء. أيضا هنا التحايل وتعظيم الذات هي خبزه القانوني ومنهجه.”(“هآرتس”، 14/4/2020)

ثانياً: صدّ محاولات عرضه على القضاء وتوجيه اتهامات له ينجم عنها حرمانه من تبوّء موقع حكومي، بسبب تهم الفساد المحيطة به، وهو ما نجح فيه؛ باستغلال الظرف الراهن، في الترويج للأحاديث عن الحاجة لحال الطوارئ، والتوحد، لمواجهة جائحة كورونا، الأمر الذي مكّنه من جرّ الحزب المنافس (أزرق ـ أبيض)، بزعامة الجنرال بني غيتس، للاشتراك في ائتلاف حكومي بقيادته، بحيث أضحى بمثابة رئيس الحكومة الإسرائيلية الأطول في هذا المنصب، بعد بن غوريون نفسه.

ثالثاً: محاولته تمرير خطته بشأن قضم مزيد من أراضي الفلسطينيين في الضفة، وفقا لخطة الضم التي تتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، لا سيما في مناطق القدس والكتل الاستيطانية وغور الأردن. والمهم في تلك الخطوة أن نتنياهو أنهى حال التفاهم التاريخي، أو اللا حسم بشأن مصير الأراضي المحتلة (1967)، والتي قوامها لا ضمّ ولا انسحاب، والذي نشأ بعد احتلال الضفة وغزة، بين تيار يتبنى مفهوم “وحدانية الشعب”، الذي جمع بين ظهرانيه قوى الوسط واليسار الإسرائيلية (بقيادة حزب العمل)، بدعوى الحفاظ على أغلبية يهودية، وعلى صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية، في مقابل التيار الذي يتبنى مفهوم “وحدانية الأرض”، الذي جمع قوى اليمين القومي والديني الإسرائيلية، باعتباره أن “أرض إسرائيل الكاملة” هي ملك الشعب اليهودي، مستغلا هيمنة اليمين القومي والديني على السياسة والمجتمع في إسرائيل.

والجدير ذكره هنا أن الكنيست الإسرائيلي أقرّ في صيف عام 2018 قانون أساس (دستوري) يعتبر أن إسرائيل هي دولة قومية لليهود، وأن لليهود وحدهم حق تقرير المصير فيها، بحيث باتت يهودية إسرائيل تغلب على ديمقراطيتها، نسبة لمواطنيها اليهود (كعلمانيين ويساريين)، ونسبة لمواطنيها العرب، الذين تعتبرهم مواطنين درجة ثانية، في حقوق مدنية بدون حقوق جمعية وقومية.

إسرائيل وجائحة كورونا

وبصورة إجمالية، فإن التداعيات الناجمة عن جائحة كيرونا، التي ضربت في العالم، كان لها أثر كبير في إسرائيل، أو في جدول أعمالها، ويلخّص هذا الأمر كل من المحللين أودي ديكل، ليئا موران جلعاد، وعنات كورتس، في مقال مشترك لهم (نظرة عليا، 28/4/2020)، باعتبارهم أن الأزمة العالمية خدمت في تشكيل حكومة مؤقتة، لتوحيد الجهود في زمن “الطوارئ الوطنية…لمكافحة الفيروس”، وأن على إسرائيل أن تركز على تحقيق الأهداف الآتية:

  1. انتعاش صحي، اقتصادي، واجتماعي سريع، وإعادة الدولة، الاقتصاد، والمجتمع، إلى أداء ناجح.
  2. منع دفع أثمان لا تحتمل لإسرائيل جراء الوباء: وفيات جماعية، انهيار الجهاز الصحي، وانهيار الاقتصاد.
  3. الاستقرار السلطوي، الحفاظ على أنظمة الحكم والديمقراطية، والحفاظ على صيغة الارتباط والتداخل بين الجماعات المختلفة للجمهور في إسرائيل.
  4. الاستعداد لفترة طويلة للعيش في حضور “كورونا”، بما في ذلك إمكانية اندلاع متجدد للوباء.
  5. استقرار أمني في ساحات المواجهة المختلفة، ومنع استغلال الوضع من الخصوم والأعداء في محاولة لضعضعة وضع إسرائيل الأمني والسياسي.
  6. استنفاد الفرص الكامنة في أزمة “كورونا” لتحقيق الأهداف السياسية – الأمنية والاقتصادية لإسرائيل.”

ويعتقد هؤلاء أن اليمين المهيمن في إسرائيل يتصرف على اعتبار أن ثمة فرصة انبعثت لبسط السيادة الإسرائيلية على مناطق المستوطنات في “يهودا” و”السامرة”…تحت غطاء أزمة كورونا..من ناحية دولية، زعماء الدول كلهم منشغلو البال في مواجهة الفيروس في الساحة الداخلية؛ الولايات المتحدة منشغلة بصراعات القوى الداخلية قبيل انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني/نوفمبر، حيث من المحتمل ألا يفوز الرئيس دونالد ترامب بولاية ثانية…وفي الساحة الداخلية لإسرائيل يظهر بوضوح الفهم بأنه في الوقت الحالي تعد هذه فرصة ذهبية لبسط السيادة الإسرائيلية في مناطق “يهودا” و”السامرة”، لم تكن في الماضي ولعلها لن تعود أيضا في المستقبل القريب، ولا سيما إذا ما انتُخب في الولايات المتحدة رئيس ديمقراطي.

“الكورونيالية”

في المحصلة، فإن نتنياهو_في استثماره في كل المجالات المذكورة_استغل، أولاً، حال “الطوارئ”، والتباعد الاجتماعي، التي فرضتها متطلبات الوقاية من الإصابة بوباء كورونا، واستنفار العالم كله بمكافحة هذا الفيروس. وثانيا، فهو استفاد من تلك اللحظة التاريخية في السياسة الإسرائيلية التي نجم عنها، كما شهدنا في انتخابات الكنيست، اختفاء معسكرا الوسط واليسار، وهذا ينطبق على حزب “العمل” الذي أسس لدولة إسرائيل، منذ قيامها، والذي وقف وراء أهم التطورات فيها، وضمنها احتلال باقي أراضي فلسطينية مع أراض عربية أخرى في حرب حزيران /يونيو (1967)، وذلك لصالح هيمنة كلية لليمين القومي والديني. وثالثا: فقد استند نتنياهو في مخططه لضم الضفة أو أجزاء منها للسيادة الإسرائيلية، إلى التغطية الأمريكية المتمثلة فيما يسمى خطة “صفقة القرن”، التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العام الماضي، إضافة إلى استغلاله الظروف العربية الراهنة.

تبعاً لكل ما تقدم فإن الأكاديمي، والباحث الاجتماعي، الإسرائيلي اورن يفتحئيل كان مصيبا بإطلاقه مصطلح “الكورونياليّة”، في توصيفه السياسة الإسرائيلية، التي يديرها بنيامين نتنياهو، والتي تجمع بين “الكولونيالية كنظام استعماري، والكورونية الناجمة عن النظام الذي فرضه هذا الفيروس باجتياحه العمران البشري، والذي اعتبره بمثابة غزو وعدوان خارجي، يغيّر العالم بطريقة لم يستعد لها المجتمع المحلي، ويغيّر بنية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وعند يفتحئيل فإن “الكورونياليّة، مثل الكولونيالية”، تهاجم الوعي أيضاً، وتغيّره من خلال بلاغات الزعماء السياسيين ووسائل الإعلام وأصحاب المصالح…في ظل جو الطوارئ المفروض وبمساعدة وسائل الإعلام…التي تسكب التفاصيل في أعيننا وآذاننا ليل نهار حول “الكارثة” الداهمة.” وعليه فإن يفتحئيل يرى أنه “من المستحيل فهم انهيار بيني غانتس (زعيم حزب أزرق ـ أبيض) على ذاته، وإدارة ظهره لمليون ناخب والقيام بإنقاذ خصمه بنيامين نتنياهو، لولا هيمنة خطاب الطوارئ “الكورونيالي”. أما عن الربط الداخلي والخارجي في تلك السياسة، فإن يفتحئيل يعتبر أن “العلاقة بين الكورونيالية والكولونيالية ليست لغوية أو عرضية فقط.” فخطر سيطرة قوى الاستغلال أو الاستبداد على المجتمع على خلفية أزمة عميقة هو أمر معروف من التاريخ القريب والبعيد في إسرائيل/فلسطين، هذا ليس مجرد تاريخ، بل هو واقع حقيقي وراهن…وفي الوقت نفسه، تقوم الدولة بنسخ أساليب السيطرة الأمنية من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى اليهود في المدن الإسرائيلية. يعمل معسكر الفصل العنصري السياسي بقوة على ضم أجزاء من الضفة الغربية (بلغة معسولة “فرض السيادة”)، الأمر الذي سيؤدي إلى أن تصبح إسرائيل رسمياً نظام فصل عنصري منفصل وغير متكافئ للمقيمين فيه.” (موقع “مدار” للدراسات الإسرائيلية، رام الله، 28/4/2020)

الجائحة تخدم فساد نتنياهو

ثمة أسباب كثيرة، كانت تفيد بأن نتنياهو لن يستطيع في تلك المرة أن يشكل ائتلافا حكوميا، علما أن القوة التصويتية التي حاز عليها حزبه، مع الحلفاء الأخرين، 58 مقعداً، وهي لا تؤهله للبقاء في منصبه، مع معرفتنا بأن رئيس الدولة نقل التفويض بالتشكيل الحكومي إلى منافسة بيني غانتس، الذي عاد وانصاع لشروط نتنياهو، بسبب تخوفه من الاعتماد على الصوت العربي في التشكيل الحكومي، وأيضا تحت ضغط الإسراع في تشكيل حكومة تحت ضغط الاستنفار في مواجهة كورونا. أيضا، فقد كان تفويض نتنياهو مستبعدا بسبب المراهنة على موقف المحكمة العليا، بل كان من المتوقع استدعاء نتنياهو للمثول أمام القضاء بسبب تهم الفساد واستغلال الموقع، إلا أن كل شيء توقف فجأة بسبب كورونا، وأيضا بسبب التحول اليميني في المجتمع الإسرائيلي الذي أثر على قرار المحكمة العليا أيضا. عن ذلك يقول ب. ميخائيل: “هناك شيء مضحك، ولا نقول سخيف ووقح، في ادعاء نتنياهو أمام المحكمة العليا.” في اليوم الأول للنقاشات عرض نتنياهو ومحاموه صفحة مطولة أمام القضاة من أجل أن يشرحوا لماذا_رغم كونه متهما بالفساد وما أشبه_يحق له الحصول على التفويض لتشكيل الحكومة، ومن أجل إقناعهم بأنه في الظروف التي حدثت، فقط هو يستحق ذلك…وإذا لم يكن هو فستعم الفوضى، وتنهار الديمقراطية، وسيخرج الجمهور إلى الشوارع، وتحدث فوضى…من أجل ترتيب الأمور بشكل جيد فيما يلي تذكير بالوقائع: حسب نتائج الانتخابات عدد المصوتين للقوائم التي طلبت إبعاد نتنياهو هو 62 مقعدا، وهو أكبر بكثير من عدد المصوتين لمعسكر نتنياهو (58 مقعدا)…بالمناسبة، لا أحد انتخبه…في إسرائيل لا توجد انتخابات مباشرة لرئاسة الحكومة بالمناسبة…الاتفاق الغريب الذي وقع بين الطرفين. وكأنه بحركة سحرية اختفى فجأة “حكم الناخب” و” إرادة الشعب” و” الشخص المميز” والفوضى” (“هآرتس”، 5/5/2020)

تأسيسا على ذلك، وعلى تراخي المحكمة العليا، ونكوص بيني غانتس، وإعادة تكليف نتنياهو بتشكيل حكومة تعالت الأصوات التي تحذر من حكم الفرد، ومن حكم الفساد، وغياب النزاهة، وهذا ما يلخصه أوري مسغاف، قائلا: “قبل شهرين، وجدت إسرائيل نفسها في وضع طوارئ: استمرار حكم الفرد بقيادة بنيامين نتنياهو، تعرض لخطر حقيقي. وضعه السياسي والقانوني بدا كأنه وصل إلى طريق مسدود…لم يكن هناك مناص، مرض معدٍ جدا وليس قاتلا جدا تم استغلاله من أجل تحويل إسرائيل إلى دولة استبداد “كورونا”. المحاكم تم إغلاقها، والكنيست تم تحييدها…وتم شل الاقتصاد، وإرسال الجيش و”الشاباك” والشرطة لإحلال النظام…صودرت وسائل الإعلام لصالح صناعة الترهيب، بما في ذلك خطاب يومي للحاكم الوطني…بعد ذلك تم إخضاع النظام السياسي تحت التهديد الفارغ بانتخابات رابعة…هكذا، بخيانة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الدولة، تمت سرقة 1.5 مليون صوت لمصوتين أرادوا استبدال نتنياهو لصالح تتويجه…قضاة المحكمة العليا مهما كانوا علماء وخبراء فهم مجرد مجموعة تكنوقراط…ساهموا بنصيبهم في تشريع ما لا يمكن تصوره: في دولة إسرائيل هناك متهم بمخالفات جنائية خطيرة يمكنه ومسموح له تشكيل حكومة جديدة والوقوف على رأسها.” (“هآرتس”، 8/5/2020)

فرصة لتغيير الواقع في الشرق الأوسط

طبيعي أن الجانب الأكثر لفتا للانتباه في “الكورونيالية”، أو في استثمار إسرائيل للجائحة، يتمثل في اعتبارها بمثابة فرصة سانحة لتعزيز مكانة إسرائيل الدولية، وتصميم سياسات جديدة أكثر ملاءمة لها. وعند العقيد احتياط أوري هلفرن (مستشار استخباراتي لنتنياهو)، فقد أضحت “كورونا” بمثابة “المصمم الجغرافي – السياسي العالمي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. فهو ينطوي إلى جانب المخاطر…على استغلال فرص كبيرة أيضا، سيتيح تشخيصها الآن، إلى جانب الأعمال الصحيحة إلى تغيير طويل المدى.” وعليه، مثلا، فإن الساحة الفلسطينية، التي تعتمد بحبل سُرّي على الاقتصاد الإسرائيلي، ستوفّر لنا تحديات إنسانية ونتيجة لها أمنية أيضا…ما يجري في إيران ودول نفوذها:لبنان، سورية، والعراق جراء “كورونا” قد يوفر فرصاً أيضا…في ظل مثل هذا الواقع، تقع في أيدي إسرائيل والولايات المتحدة فرصة لإعادة تصميم الخطوط الحمر. يجب أن تتضمن الحملة ثلاثة عناصر عمل مركزية: أولا، تشديد الضغوط الاقتصادية. ثانيا، استغلال الضعف في أوساط القوى الشيعية في سورية. ثالثا، تفعيل منظومة إعلان ونزع شرعية غايتها تشديد الضغط الداخلي على النظام في إيران، وفي سورية، وفي العراق، وفي لبنان،هدفها تجسيد الحاجة إلى تغيير عميق في سلم الأولويات الوطنية  إلى الاقتصاد، إلى الصحة، والى الأمن الاجتماعي، بدلا من الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة…“كورونا” والضعف المؤقت الذي علق فيه المعسكر الشيعي يسمح للحلف الإسرائيلي – الأميركي بإعادة تصميم المجال الجغرافي – السياسي في الشرق الأوسط.” (“معاريف”، 1/5/2020)

الاحتلال معكوسا

بعيدا عن التوظيفات السابقة، فقد نشأ في زمن كورونا واقع جديد بالنسبة للإسرائيليين، إذ باتوا يتذوقون ما أذاقوه للفلسطينيين، ما أدى بدوره إلى خلق تصورات وعلاقات جديدة بينهم وبين الفلسطينيين. وقد نشرت صحيفة “هآرتس” في افتتاحيتها (29/4/2020)، مقالة عنوانها: “أصــبــح الفلسطـيـنـيـون غـــير مخيــفــين!”، تحدثت فيها عن السماح لعشرات آلاف العمال الفلسطينيين من “المناطق” بالمبيت داخل إسرائيل، كي يستطيعوا مواصلة العمل فيها.” وهو تصرف غريب لتتساءل ساخرة: 20 عاماً خفنا منهم خوفاً مميتاً…ومنذ الانتفاضة الثانية لم يسمحوا لهم بالنوم هنا، وفجأة اختفى الخطر كما لو أنه لم يكن موجوداً…”الفلسطينيون ناموا هنا ولم تسقط السماء على الأرض.” وتتهكم الافتتاحية الصحيفة على السياسة الإسرائيلية إذ أن تلك الأشهر كانت الأكثر هدوءاً في المنطقة منذ سنوات. حدود إسرائيل، مدنها وقراها،مخيمات اللاجئين،مدن الضفة والقطاع، كلها عرفت هدوءاً نسبياً لم نعرفه منذ زمن. يد خفية أوقفت إطلاق النار، والبالونات المشتعلة، والصواريخ، وأيضاً الاعتقالات والاغتيالات. “هدنة بمناسبة الوباء.” بل إن الصحيفة نوهت بدور الفلسطينيين أهل الأرض الأصليين، من مواطني إسرائيل، الذين يشكلون نسبة كبيرة من العاملين في الوسط الصحي:كأطباء وممرضين وصيادلة، بقولها: “وقف في جبهة محاربة الوباء طبيبات وأطباء، ممرضات وممرضون، صيادلة وعمال مساعدة عرب. وسائل الإعلام الجماهيرية التي لم تكن تراهم قط ولم تر أبناء شعبهم، ولم تكن تحسبهم في عدادها في الأيام العادية، فجأة شعرت تجاههم بالاحترام والتقدير. فجأة أصبح العرب بشراً، ربما للمرة الأولى في تاريخهم.” أما عن الاحتلال المعكوس فصورته الصحيفة على النحو الآتي: “للمرة الأولى في تاريخهم، يشعر الإسرائيليون كالفلسطينيين…إغلاق، منع تجوُّل، حواجز وبطالة بأحجام مذهلة. هم يعرفون أن هذا مؤقت، وأن الهدف مبرر – بعكس ما يفعله الاحتلال – لكن مع ذلك تذوقوا طعم احتلال صغير. هل سيساعدهم ذلك على الشعور بذرّة من التعاطف مع الضحايا الفلسطينيين؟ “كورونا” دفعت بنا قدماً ميليمتراً واحداً نحو حل الدولة الواحدة، الذي على ما يبدو، لم يعد يوجد حل آخر غيره. خطوة صغيرة للإنسان وخطوة هائلة للإنسانية…الاهتمام لدى الطرفين أصبح مدنياً…شعبان،وباء واحد، دولة واحدة. الدولة الواحدة التي يعيش فيها شعبان تحت ثلاثة أنظمة أوقفت قليلاً من سباقها المجنون نحو التسلح والدم.

قصارى القول، واضح أن جائحة كورونا شكلت فرصة سانحة لإسرائيل، وبخاصة لبنيامين نتنياهو، لتوظيفها في خدمة أجندته، وبالأخص منه تعزيز مكانتها الإقليمية، وفرض رؤيتها في الموضوع الفلسطيني، من خلال ضم مناطق من الضفة الغربية، من دون سكان، وإبقاء السلطة الفلسطينية عند حدود الحكم الذاتي؛ إنه الزمن الكورونيالي.

اظهر المزيد

ماجد كيالي

بــاحــث فلسطيــني - سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى