2022العدد 191دراسات

الجامعات العربية والتصنيفات العالمية

ظهرت أولى الجامعات في العالم الغربي خلال القرن الثالث عشر في (بريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا، والبرتغال، وإسبانيا)، حيث بلغ عددها 18 جامعة، ثم توالى تأسيس الجامعات في أوروبا فظهرت خلال القرن الرابع عشر 22 جامعة في الدول السابقة الذكر فضلًا عن (النمسا، وتشيكيا، وألمانيا، وبلجيكا، والمجر). وتواصل تشييد مثل هذه المؤسسات في بلدان أخرى طيلة القرن الخامس عشر إذ تأسست 29 جامعة جديدة في بلدان أوروبية عديدة، منها (السويد، وسويسرا، وتركيا)، فقارب عددها في نهاية القرن السادس عشر مئة جامعة. 

أما في الوطن العربي، فتُعدّ جامعة “المستنصرية” عند البعض أول جامعة عربية إذ أُنشئت سنة 625هـ/1228م على يد الخليفة المستنصر بالله في وسط مدينة بغداد، لكن هناك من يرى أن المدرسة النظامية (تأسست في بغداد عام 459هـ/1066م)، وجامع الأزهر (تأسس بالقاهرة عام 359هـ/970م)، وجامع القرويين (تأسس بفاس عام 245هـ/ 859م) هي الجامعات الأولى عند العرب، وهذا مرتبط في واقع الأمر بالمعنى الذي يحمله مفهوم الجامعة.

لقد أرست هذه الجامعات خلال نحو 6 قرون تقاليد أكاديمية ميّزت البحث العلمي والتعليم العالي. وفي هذا السياق، تطورت تلك التقاليد لاسيما بإنشاء مؤسسات أكاديمية موازية تُعنى بالبحث العلمي والابتكار وتغفل نسبيًّا عن الجانب التعليمي، مثل: (أكاديميات العلوم، والمجامع اللغوية)، وقد عَرفت الجامعات إبّان القرن العشرين تطورًا سريعًا في الكم وفي موضوع التوظيف؛ ففي سابق العهود كان قلة من العلماء يبحثون عن وظيفة مدرّس في الجامعات، ثم تغيّر الحال بمرور السنين.

وتواصل هذا التحوّل الجذري في الجامعات خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، إذ أصبحت وظيفة الانتساب لهيئة تدريس في الجامعة هدفًا يسعى الكثيرون إلى بلوغه، وصار الطلاب يتخرجون من الجامعات ويواصلون أبحاثهم العلمية من أجل الانتماء إلى سلك التعليم الجامعي. وقد تغيّر الوضع كثيرًا في عهد الشبكة العنكبوتية وازداد عدد الجامعات تزايدًا لم يكن في الحسبان حيث تعجز الاحصائيات اليوم عن تحديد هذا العدد بدقة، وهو يُقدر هذه السنة بأزيدِ من 31 ألف جامعة في العالم. وعلى سبيل المثال: تبيّن إحصائيات 2021 أن عدد الجامعات هي على التوالي: الهند 5288 جامعة، الولايات المتحدة 3216، أندونيسيا 2595، الصين 2565، البرازيل 1297، اليابان 1063، روسيا 1058،… إلخ. وقد تجاوز هذا العدد في الوطن العربي 1340 جامعة! فكيف يمكن أن نميّز بين هذا الكمّ الهائل من الجامعات على الصعيد العربي أو العالمي؟

التصنيفات العالمية:

من الطبيعي أن يؤدي تكاثر الجامعات عبر بلدان العالم إلى ضرورة تصنيفها؛ ليتعرف الطلاب وأصحاب القرار والمسيرون والمتتبعون لشؤونها على وضعيات هذه المؤسسات، ومن شأن هذه التصنيفات أن تساعد الطالب-مثلًا- على حسن اختياره للجامعة التي يمكن أن تحقق له أحلامه في الدراسة، كما تسمح لهيئات التعليم العالي في كل بلد من بلدان العالم بتقييم جامعاتها، ومقارنة أدائها بما توفّره المؤسسات الأخرى في الداخل والخارج، ومن المفترض أن يتم على ضوء ذلك اتخاذ التدابير اللازمة على جميع المستويات لتحسين الأداء سواء تعلق الأمر بمستوى التدريس والتحصيل العلمي، أو تعلق برقيّ الأبحاث والدراسات الصادرة عن تلك الجامعات.

والجدير بالملاحظة أن التميّز بين الجامعات يكون حسب الفروع العلمية، فلا يمكن أن نجد جامعة متميزة في جميع كلياتها وأقسامها. لقد أدت كل هذه العوامل إلى ظهور العديد من التصنيفات العالمية للجامعات. وما سهّل التصنيف اليوم هو انتشار استعمال الشبكة العنكبوتية وتزود كل الجامعات بمواقع إلكترونية تمثل واجهات لتلك المؤسسات تسهل عمليات التقييم، كما أن المجلات الأكاديمية صارت جلُّها إلكترونية وعدد معتبر منها هجين (ورقي وإلكتروني معًا)، وهو ما ييسّر التعرف على الأبحاث المنشورة وتقييمها في إطار الإحصائيات التي تندرج في تصنيف الجامعات. لنتعرّف على أشهر التصنيفات في العالم.

 1. تصنيف “كيو إس” (QS) :

إنه تصنيف تقوم به المؤسسة البريطانية المتخصصة “كواكواريلي سيموندس” (Quacquarelli Symonds) التي أنشأها عام 1990، السيد “نيونزيو كواكواريلي” (Nunzio Quacquarelli)، ويهدف هذا التصنيف إلى تحليل سيرورة التعليم العالي عبر العالم بالنظر إلى وضع نحو ألف جامعة، وهو يُركّز على إبراز أفضل مئة جامعة في العالم، كما يقوم بتصنيف أفضل مئة جامعة لم يمرّ على إنشائها نصف قرن. ويتبنّى التصنيف معايير معيّنة، أبرزها :

  • السمعة الأكاديمية للباحثين والأداء في التدريس.
  • كمّ الأبحاث المنشورة الصادرة بأقلام أعضاء هيئة التدريس.
  • معدل النشر واقتباسات الباحثين في العالم من الأبحاث التي نشرها الباحثون المنتسبون للجامعة.
  • نتائج استطلاع آراء جهات التوظيف من مؤسسات وشركات حول أداء خريجي الجامعة.
  • نسبة الطلاب الأجانب في الجامعة.
  • نسبة أعضاء هيئة التدريس الأجانب في الجامعة.

أما نسب مراعاة هذه المعايير فهي: السمعة الأكاديمية للجامعات 40%، سمعة الخريجين وقابليتهم للتوظيف 10%، نسبة عدد الطلاب مقارنة بعدد أعضاء هيئة التدريس 20%، المنشورات العلمية 20%، نسبة الأساتذة ذوي الشهرة العالمية 5%، نسبة الطلاب الأجانب 5%.

2. تصنيف “ويبومتركس” (Webmetrics) :

ظهر هذا التصنيف عام 2004 عن المركز الإسباني لتقييم الجامعات والمعاهد (CSIC)، وهو يكتفي بقياس أداء الجامعات من خلال مواقعها الإلكترونية؛ ولذا يعتبره الكثيرون بمثابة أداة لتصنيف المواقع الإلكترونية للجامعات وليس لأدائها، وقد أَدخل هذا التصنيف خلال العام 2021 تغييرات ،بعضها جوهرية، في معايير التقييم وفي حساب المؤشرات؛ وذلك لتحسين ترتيبه للجامعات إثر ما لوحظ من الشوائب في دراساته التقييمية على المستويين (العلمي، والفني).

يصدر هذا التصنيف مرتين سنويًّا (خلال شهري يناير ويوليو)، وهو يسعى إلى تحفيز كل مؤسسات التعليم العالي ليكون لها حضور على الشبكة العنكبوتية يعكس بدقة أنشطتها وأنشطة المنتسبين إليها من الباحثين والأساتذة. يشير الساهرون على هذا التصنيف إلى أنهم لاحظوا خلال السنوات الماضية ممارسات غير أخلاقية تهدف إلى مخادعة الخبراء المقيّمين بهدف تحسين تصنيف بعض المؤسسات. 

3. تصنيف تايمز للتعليم العالي (Times Higher Education) :

تقوم بهذا التصنيف جامعة تايمز للتعليم العالي العالمية، وقد قيّمت خلال العام 2022 أزيد من 1600 جامعة في 99 دولة ومنطقة، مما يجعلها من أكبر التصنيفات الجامعية وأكثرها تنوعًا في العالم، ويعتمد هذا التصنيف على 13 مؤشرًا يقيس أداء المؤسسة في أربعة مجالات: ( التدريس، والبحث، ونقل المعرفة، والتوقعات الدولية)، وحلل ترتيب هذا العام أكثر من 108 ملايين اقتباس عبر أزيد من 14 مليون منشور بحثي على مستوى العالم.

 لتحديد ترتيب أفضل الجامعات في العالم، يعتمد هذا التصنيف على 5 معايير:

  • جودة التدريس (30%).
  • البحث العلمي (30%).
  • تأثير العمل البحثي (15%).
  • العلاقات الدولية (7.5%).
  • الدخل من البحث (2.5%).

نشير إلى أن وسائل الإعلام أعربت عن رغبتها في تسليط الضوء على الدخل من الأبحاث العلمية، مشيرة إلى أن قدرة الجامعة على بيع الابتكارات للشركات هي الآن في صميم اهتمامات هذه المؤسسات، وعلى سبيل المثال: وفقًا لمعيار البحث، فإن الجامعات الأنجلوساكسونية هي التي تهيمن على الترتيب: أكسفورد (99.6 نقطة)، كامبريدج (99.5)، هارفارد (98.9).

4. “التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم” (Academic Ranking of World Universities) :

هذا التصنيف هو الأكثر تأثيرًا على الجامعات ومراكز اتخاذ القرار في مختلف بلدان العالم، وتقوم به سنويًّا جامعة شنغهاي الصينية منذ العام 2003، ويتمّ الإعلان عنه في شهر أغسطس من كل سنة، ويشمل أكثر من ألفيْ جامعة حيث تصدر قائمة بأسماء أفضل ألف جامعة مرتبةً حسب الاستحقاق في مختلف العلوم.

هيمنت خلال 2021 جامعات الولايات المتحدة على قائمة أفضل ألف جامعة، وكان من نصيبها أيضًا 40 جامعة من بين أفضل 100 جامعة. وفي بريطانيا توجد 65 جامعة من بين أفضل ألف جامعة. وفي ألمانيا هناك 4 جامعات مصنفة ضمن أفضل 100 جامعة. أما في الصين فتوجد 180 جامعة مصنفة ضمن أفضل 1000 جامعة، و 84 من أفضل 500 جامعة، و7 جامعات من أفضل 100 جامعة. والجدير بالذكر أن هذا التصنيف يفيد بأن الجامعات الصينية في تطور مستمر.

كيف انطلق هذا التصنيف؟ كانت بدايته بسيطة: في مطلع القرن الحالي سعت جامعة شنغهاي جياو-تونج (Shanghai Jiao-tong) إلى تطوير خطّة إستراتيجية لتبرز أهمية التمويلات العمومية للجامعة حتى ترتقي إلى مصاف أفضل الجامعات العالمية. وفي هذا السياق، تم تصميم تصنيف للجامعات في عام 2003 يهدف إلى تقييم الفجوة الموجودة بين الجامعات الصينية وتلك التي تعدّ جامعات نموذجية في العالم.

ولم يكن لهذا التصنيف صدى عبر العالم في بداية الأمر، غير أنه سرعان ما ذاع صيته اعتبارًا من عام 2009، وتوسّع حيث صار يقدّم أيضًا تصنيفًا للجامعات حسب الاختصاصات، وشيئًا فشيئًا أصبح التصنيف مرجعًا بالغ التأثير في عديد البلدان، وبناء عليه تتحدّد ميزانيات وتمويلات الكثير من الجامعات. أما الآن، ومنذ نحو عشر سنوات، فقد تحوّل الفريق الذي يقوم بهذا التصنيف في جامعة شنغهاي إلى شركة استشارية مستقلة تحمل اسم “تصنيف شنغهاي” (Shanghai Ranking).

وهكذا ذاع صيت هذا التصنيف، وأصبح رائد التصنيفات العالمية الأكثر موثوقية. نشير إلى أنه منذ عام 2007، يقدم تصنيف شنغهاي ترتيبًا للمؤسسات من خلال التمييز بين خمسة مجالات تخصّصية هي: العلوم الطبيعية والرياضيات، الهندسة/التكنولوجيا وعلوم الحاسوب، علوم الحياة والزراعة، الطب والصيدلة، العلوم الاجتماعية. وقد طوّر أصحاب التصنيف عملهم ليشمل- بدءًا من عام 2009- تقييمًا دقيقًا يغطي 5 تخصصات هي : الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، تكنولوجيا المعلومات، الاقتصاد والإدارة. ومن معايير هذا التصنيف نذكر:

  • مؤشر نوعية التعليم في الجامعة.
  • مؤشر نوعية أبحاث هيئة التدريس.
  • مؤشر نوعية الأداء الأكاديمي لكل فرد.
  • مؤشر التعاون الدولي.

تتعرض هذه المعايير والتصنيف المترتب عنها لانتقادات متعددة، فعلى سبيل المثال: نلاحظ أنه لا توجد في هذه المعايير مؤشرات تقيّم جودة التدريس أو مستوى طلاب الدراسات العليا، وهذا أمر يتناقض مع تصنيف المؤسسات التي تُعنى بصفة أساسية بالتدريس ونوعيته بالموازاة مع الاهتمام بالبحث العلمي. ومن عيوب هذا التصنيف أيضًا أنه يميل إلى تفضيل المؤسسات العريقة والكبيرة، كما أنه يركّز على بعض العلوم -مثل الطب والبيولوجيا- على حساب العلوم الاجتماعية والقانونية،… إلخ، ثم إنه لا يراعي القيود المفروضة على المؤسسات ولا ينظر إلى مواردها.

وهكذا، وعلى الرغم من التغطية الإعلامية الواسعة التي يتلقاها كل عام فإن تصنيف شنغهاي -وكذا التصنيفات الأخرى- لا يعدّ الأداة الأمثل للحكم على جودة المؤسسات الأكاديمية، أو توجيه اختيار الطلاب،أو تعزيز إصلاحات نظام التعليم العالي والنشاطات الأكاديمية، ولذلك فمن الصعب أن نستخدم تصنيف شنغهاي لأغراض تقييم الجامعات في شقّي جودة التدريس ورفعة البحث العلمي، فهؤلاء مقتنعون بأن المعايير التي يستخدمها أصحاب هذا التصنيف لا ترتبط إلا بشكلٍ فضفاض بما يفترض أن تقيسه.

التعاون بدل التنافس:

في نهاية شهر مايو 2022، تم الإعلان عن “خارطة الطريق 2030” العالمية للتعليم العالي، وذلك خلال مؤتمر اليونسكو العالمي للتعليم العالي الذي انعقد بمدينة برشلونة الإسبانية وحضره نحو 1500 مشارك، وفي هذا اللقاء الذي افتتحته المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، عقدت نحو 120 مائدة مستديرة، وألقيت 86 محاضرة حول موضوع “التعليم العالي من أجل التنمية”، وكانت اليونسكو قد أعدّت لهذا الغرض وثيقة عمل جاءت في 40 صفحة، وما دفع اليونسكو إلى تنظيم هذا المؤتمر هو بوجه خاص تزايد أعداد الطلاب حيث بلغ الآن نحو 235 مليون طالب مسجلين في مختلف الجامعات عبر بلدان العالم. إنه رقم تضاعف منذ مطلع هذا القرن، ومن المتوقع أن يتضاعف مرة أخرى خلال العقد القادم. وأمام هذا التحدي الكمّي، تناول مؤتمر برشلونة سبل ضمان جودة التعليم العالي بطريقة تتكيّف مع التحديات المعاصرة.

وما تلاحظه اليونسكو أن هناك زيادة معتبرة في الالتحاق بالتعليم العالي؛ حيث بلغت نسبته 200% خلال العقدين الماضيين في مناطق عديدة، مثل: (جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا). وأشارت ممثلة اليونسكو في نهاية المؤتمر إلى أن ما تمخض عليه هذا اللقاء من توجيهات ورؤى لا يمثّل وثيقة ختامية صادقت عليها الحكومات والهيئات الرسمية، بل هي وثيقة تعبر عن الأولويات المتفق عليها لتوجيه التنمية المستقبلية الخاصة بالتعليم العالي، وقد تم وضعها بعد عامين من المشاورات المكثفة.

وتدعو خارطة الطريق التي وضعها المؤتمر إلى التغيير والتحوّل في العقليات والسلوكيات باعتبار أن التحولات الحاسمة ضرورية للتركيز على التعاون بدل المنافسة، وعلى التنوع بدل التوحيد، وعلى التعلم المرن بدل نماذج التعليم التقليدي. غير أن الانفتاح ضروري أيضًا إذ نحن بحاجة إلى نظام مفتوح للتعليم العالي يسعى إلى إقامة الجسور وتعزيز الشراكات في جميع أنحاء العالم، وتصبو خارطة الطريق إلى وضع أجندة لسنة 2030 متفق عليها دوليًّا، وتسطير أهداف التنمية المستدامة وتلك المصممة لحماية المعمورة، كما تهدف بشكلٍ أكثر طموحًا إلى رسم ملامح التعليم العالي في آفاق عام 2050.

ولاحظ خبراء اليونسكو أن العالم يواجه مجموعة من التحديات المتشابكة، من الجائحة الصحية والأضرار المترتبة عليها، إلى أزمة المناخ التي تهدد كوكبنا، إلى الميول نحو سياسات عقيمة ظهرت بشكل متزايد في العديد من البلدان والمناطق. وفضلًا عن ذلك، توجد عوامل أخرى كثيرة تجعل المجتمعات أكثر هشاشة وتوترًا، ومن الطبيعي أن يتأثر التعليم العالي بكل هذه التهديدات، وهو جزء لا يتجزأ من الحل الذي تطمح إليه البشرية؛ ولذا يتعيّن على الجامعات أن تتعامل مع ظاهرة توسعها المذهل وانتشار نشاطاتها ومع الدور الكبير الذي تحظى به التكنولوجيا في جميع المستويات. وفي هذا السياق، توصي خارطة طريق سنة 2030 بالمبادئ التالية بوجه خاص:

  • التعاون من أجل التميّز بدل المنافسة.
  • الحرية الأكاديمية المتوازنة.
  • النزاهة والأخلاق.
  • إرساء علاقة ديناميكية مع المجتمع.
  • إطلاق العنان لإمكانات كل نوع من أنواع المعرفة العلمية.

ومن جهة أخرى، أكد المؤتمر على أن المنافسة مهمة عندما يتعلق الأمر بتحسين مستوى المؤسسات الجامعية، لكنها تسوء فعاليتها عندما تركّز على هاجس تحسين التصنيف العالمي، ولاحظ المجتمعون أنه ينبغي أن يتم إنتاج المعرفة من خلال تداخل الاختصاصات فيما بينها والابتعاد عن تجميع كفاءات مختلفة دون تفاعل فيما بينها… فمثلًا: ينبغي ربط العلوم البحتة بالعلوم الإنسانية وغيرها. وبهذا الصدد يحثّ المؤتمر كل الجامعات على تبني خطة عام 2030.

ورغم ذلك، لم يُخْفِ المؤتمرون خشيتهم من الحواجز الهائلة التي تواجه خارطة الطريق المرسومة، مثل: الاتجاه نحو التركيز المتزايد على التصنيف وتسويق منتجات الجامعات، مما يؤدي إلى زيادة المنافسة العقيمة بين الجامعات. ومن ثم ظهرت شكوك لدى رؤساء الجامعات إذ تساءلوا عما إذا كان يمكن تحقيق تحوّل في الجامعات بالطرق التي تتصورها خارطة الطريق دون تغيير السياق الذي يعملون فيه، قبل هذا وذاك.

وضع الجامعات العربية:

في أحدث التصنيفات العالمية التي قام بها تصنيف “كيو إس” (QS) لمنطقة العالم العربي، والتي نشرت بتاريخ 15 يونيو 2022، تميزت 75 جامعة عربية في هذا التصنيف، بزيادة 5 جامعات مقارنة بتصنيف السنة الماضية. ومن تلك الجامعات نجد 19 جامعة حسنت ترتيبها، بينما تراجعت منها 13 جامعة.

وهكذا يرى هذا الترتيب الجديد أن جامعات الوطن العربي تواصل تحسين مواقعها على المستوى العالمي إذ سلّط التصنيف هذا العام الضوء على عدد من المؤسسات الأكاديمية العربية أكثر من أي وقت مضى. ونجد جامعة الملك عبد العزيز السعودية (بمدينة جدّة) تتصدر التصنيف، وهي تواصل تحسين ترتيبها للعام الثامن على التوالي إذ تحتل المرتبة 106 بين جامعات العالم، كما أنها صاحبة أعلى سمعة أكاديمية في المنطقة العربية (المرتبة 167).

وجاءت في مقدمة الجامعات العربية أيضًا جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبو ظبي حيث تحتل المرتبة 181 عالميًّا، وهي أفضل مؤسسة بحثية في الإمارات العربية المتحدة وفقًا لمعيار “عدد الاقتباسات”. كما تحسنت جامعة قطر بـ 16 مرتبة لتصل إلى المرتبة 208 بعد أن تحسنت فيها السمعة الأكاديمية، وكذا معدل الاقتباسات لكل كلية، وازدادت فيها نسبة الطلاب الأجانب. كما برزت أيضًا جامعة الكويت. وبمراعاة نسبة عدد الطلاب الأجانب نجد الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية تحتل المرتبة الأول في هذا التصنيف.

وإذا ما نظرنا خارج الخليج العربي، فهناك من بين أفضل 20 جامعة في المنطقة العربية 6 جامعات من لبنان، وأفضل جامعاتها هي الجامعة الأمريكية في بيروت التي تحتل المرتبة 252. أما مصر فهي الدولة العربية الوحيدة في القارة الأفريقية التي تحتل مرتبة تحت 500 في العالم، إذ تحتل الجامعة الأمريكية في القاهرة المرتبة 416.

وفي تصنيف “ويبومتركس” (Webmetrics) تمّ ترتيب 11998 جامعة في العالم في مطلع السنة الجارية، منها 1346 جامعة عربية، وأوضح التصنيف أن (مصر، والسعودية تتصدران التصنيف، فعلى سبيل المثال: نلاحظ أن 12 جامعة عربية مرتبة ضمن الألف الأولى من الجامعات في العالم (4 جامعات سعودية، 3 مصرية، وجامعتان أردنيتان، وجامعة إماراتية، وجامعة لبنانية، وجامعة قطرية)، وما يثبت تفوّق (السعودية، ومصر) أننا نجد من بين المئة جامعة الأولى في العالم العربي (مصر، والسعودية) بـ 13 جامعة لكل منهما، تليهما (لبنان، والإمارات) بـ 4 جامعات لكل منهما، ثم (المغرب، والأردن) بـ 3 جامعات لكل منهما.

والجدير بالذكر أننا لا نجد حضورًا عربيًّا في الترتيب الصيني للعام 2021، لكنه عندما يكون التصنيف حسب الفروع العلمية فإننا نلاحظ في فرع الرياضيات مثلًا: أن 8 جامعات سعودية من بين الـ 500 جامعة الأولى في العالم، وكذلك الحال بالنسبة لجامعتين مصريتين وجامعة تونسية. أما في الكيمياء فلا نجد سوى 4 جامعات سعودية وجامعة إماراتية.

وعلى كل حال، نلاحظ أن من أهداف المملكة العربية السعودية، كما جاء في مخطط “رؤية 2030″، أن تكون البلاد من بين أفضل 10 دول في مؤشر التنافسيّة العالميّة بحلول عام 2030. ولذلك وضعت مؤسسات التعليم العالي في دول الخليج العربي- وعلى رأسها السعودية- قواعد تحفيز الباحثين بعلاوات مادية على كل بحث ينشر في مجلة عالمية مرموقة، وكذلك تفعل بعض البلدان العربية الأخرى، مثل: (الأردن، ومصر). ومنذ سنوات نلاحظ أن الجامعات المتميزة في السعودية التي حافظت على سمعتها هي: جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وجامعة الملك سعود بالرياض، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بجدة، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، وتركز الخطة الإستراتيجية السعودية على 3 عوامل هي:

  • نقل وتوطين التقنية الحديثة، والمشاركة في تطويرها وتطويعها لتلائم الظروف المحلية لخدمة أغراض التنمية.
  • ربط البحث العلمي بأهداف الجامعة وخطط التنمية، والاستفادة من الدراسات السابقة.
  • تنمية جيل من الباحثين السعوديين وتدريبهم على إجراء البحوث الأصيلة ذات المستوى الرفيع.

وهنا ينبغي التأكد مما إذا كانت هذه الجهود تخدم الاتجاه المعلن بطريقة سليمة. فالخشية هو أن يكون عدد معتبر من البحوث الصادرة في الجامعات الأربعة المذكورة آنفًا لا يشارك فيها الباحثون السعوديون إلا بقسطٍ ضئيل. وفي هذا السياق، نشير إلى أن هناك ظاهرة صارت متفشية في جامعات مختلف البلدان (العربية والأجنبية) تتمثل في إضافة اسم باحث، كمؤلف في مقال، خدمة لترقيته رغم أنه لم يشارك في العمل المنشور أو شارك بقسطٍ ضئيل لا يستحق الذكر. وما فتئ الكثير من الباحثين في الغرب وفي بلداننا ينددون بهذه الظاهرة؛ ولذا وجب على الجهات المعنية في البلاد العربية محاربة هذه الظاهرة الخطيرة بكل وسائل الردع.

الوضع الراهن:

تشير تصنيفات هذه السنة إلى أن الولايات المتحدة تتراجع في جميع المقاييس وأن الصين ماضية في التحسن المستمر، وما يلاحظه الخبراء أنه لم يتحسن أي نظام من أنظمة التعليم العالي بشكلٍ مثير للإعجاب مثل: الصين على مدى العقد الماضي؛ فحتى عام 2018، لم تكن هناك جامعة صينية واحدة من بين أفضل 20 جامعة عالمية، وقد تغير الحال الآن. كما تحسنت في آسيا الجامعات الهندية هذا العام، وكذا الجامعات الماليزية، والكورية الجنوبية، والإندونيسية بينما تراجعت الجامعات اليابانية، والتايلاندية.

ما من شك أن التصنيفات الدولية تساهم في الحفاظ على مناخ من المنافسة الدولية المتزايدة بين الجامعات، التي تميل إلى التركيز على التميز في البحث الأكاديمي. ومع ذلك، تحذّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن التركيز الحصري على أفضل الجامعات البحثية قد يشوّه صورة المؤسسات غير البحثية ويؤدي إلى عواقب قد تكون وخيمة. وفي هذا السياق، يشكك البعض في موثوقية التصنيفات بصورة عامة، بل أتت دراسة بمثال نظري استعرضت فيه حال 8 جامعات افتراضية مغيّرة أحد المعايير التي يراعيها التصنيف العالمي، فأثبت المثال أن الجامعة التي كانت تحتل المرتبة الثانية قبل التغيير صارت في المرتبة الأخيرة بعد التغيير.

وبالنظر إلى أهمية الابتكار في الجامعات، هناك حاجة ملحة لدراسة النتائج ومبادرات تحسين الجودة في مؤسسة البحث، وما يلاحظه الخبراء اليوم أن موضوع الابتكار يتميّز في الوقت الراهن (بالتنبؤات المتضاربة، وبالفجوات المعرفية، وبالتناقضات)؛ ولذا سلطت العديد من الدراسات والتعليقات الضوء على جانب تحسين الشفافية وعلى التحلّي بالدقة في مجال التصنيفات.

ذلك أن العديد من مسؤولي الجامعات يعتمدون على أنظمة التصنيف الجامعية السالفة الذكر كمؤشرات لتحسين أوضاع مؤسساتهم، ثم إنهم يستغلون تلك التصنيفات كدليل على التقدم في المحيط الأكاديمي والبحثي عند طلب التمويل من المصادر الحكومية وغير الحكومية. والواقع أن النتائج في الميدان تبيّن أن مؤشرات نظم التصنيف ليست كافية حتى نعتمد عليها عند اتخاذ قرارات سياسية من هذا القبيل، فمثلًا: يشير متتبعون إلى أن المنشورات والاستشهادات ليست مؤشرات مناسبة للتعبير عن المكانة العلمية للمؤسسات، ومع ذلك يعترف هؤلاء بأن أنظمة التصنيف العالمية قد تحسنت خلال العقد الماضي.

وفي سياق نقد التصنيفات العالمية، وبوجه خاص تصنيف شنغهاي، تمّ في عام 2019 تأسيس مؤشر عالمي سُمي “مؤشر الحرية الأكاديمية (Academic Freedom Index)، وذلك بتعاون عدة جهات أكاديمية وباحثين في ألمانيا والسويد مع أكثر من ألفي خبير من جميع أنحاء العالم. ويوفّر هذا المؤشر بيانات سنوية تتعلق بالحرية الأكاديمية، يجمّعها الخبراء من خلال خمسة مؤشرات، كل منها يقيّم بُعدًا من أبعاد الحرية الأكاديمية. وهذه الأبعاد هي:

  • حرية البحث والتدريس.
  • حرية التبادل الأكاديمي والنشر.
  • استقلالية المؤسسة.
  • سلامة الحرم الجامعي.
  • حرية التعبير الأكاديمي والثقافي.

وفي عام 2019، غطى هذا المؤشر 144 دولة، وبلغ عدد هذا الرقم 175 دولة عام 2020، وغطى177 دولة وإقليمًا عام 2021، وقد لاحظ هذا التقييم انخفاضًا مخيفًا في باب الحرية الأكاديمية. وفي غياب هذه الحرية، يتم تحديد المناهج التعليمية وجداول الأعمال البحثية من خلال المصالح الضيقة غالبًا ما تكون (سياسية، أو تجارية، أو مجتمعية)، وهذا وضع مؤسف لا بد من تغييره.

الخاتمة:

بالنظر إلى هذه الصعوبات في التصنيفات وإلى الوضع الراهن للجامعات العربية، يبدو أن السعي لتحسين أداء مؤسساتنا الأكاديمية ينبغي أن يركّز على العناصر التالية:

  • المزيد من التعاون داخل البلد العربي الواحد بين الجامعات لإنجاز مشاريع قومية مشتركة.
  • المزيد من العلاقات العلمية وإبرام الاتفاقيات في مجال التعليم العالي والبحث العلمي بين جامعات الأقطار العربية؛ لاستكشاف ميادين التعاون العلمي عربيًّا وإقليميًّا.
  • مدّ المزيد من الجسور بين الجامعات العربية والجامعات الأجنبية المتقدمة والإقليمية؛ ليواكب باحثونا التطورات والمستجدات في عالم البحث العلمي.
  • التركيز على جودة التدريس وعمق الأبحاث المنجَزة والتعاون المثمر في جامعاتنا بدل الانشغال بالتنافس العقيم التي تمليه أحيانًا التصنيفات العالمية.

أهم المراجع

1) سعد الله أ.خ.: 4 جامعات سعودية عالمية والمملكة تقترب من أول 10 دول في تنافسية، مجلة آراء حول الخليج، عدد 158، فبراير 2021، ص 98

2) سعد الله أ.خ.: الجامعة عام 2030: التعاون بدل المنافسة، صحيفة الشروق، الجزائرية، عدد 7 يونيو 2022، ص 24.

3) Billaut J.-C., Denis Bouyssou & Philippe Vincke: Should you believe in the Shanghai ranking? An MCDM view, Scientometrics 84, 2010.

4) Chapuisat X. & Laurent C.: Classements internationaux des établissements d’enseignement supérieur et de recherche. Quelques perspectives pour améliorer l’image des universités françaises, Horizons stratégiques, 2, 2008.

5) Eloire F.: Le classement de Shanghai. Histoire, analyse et critique, L’Homme et la Société, 178, 4, 2010.

6) Kinzelbach K., Saliba I, Spannagel J., & Quinn R.: Free Universities: Putting the Academic Freedom Index into action, Global Public Policy Inst., Report March 2021. https://www.gppi.net/media/KinzelbachEtAl_2021_Free_Universities_AFi-2020.pdf

7) O’Malley B.: US declines across all metrics in latest global rankings, University World News,  11 June 2022 https://www.universityworldnews.com/post.php?story=20220611095531106

8) Vernon  M., Balas A., Momani S.: Are university rankings useful to improve research? A systematic review, Plos One, 13 (3), March 7, 2018, 1-15.

9) مواقع التصنيفات العالمية الأربعة :

 10) موقع إحصائيات:

  • https://www.statista.com/statistics/918403/number-of-universities-worldwide-by-country
اظهر المزيد

د ابوبكر خالد سعد الله

استاذ دكتور بالمدرسة العليا للأستاذة (قسم الرياضيات) بالجزائر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى