2018العدد 175ملف ثقافي

ساطع الحصري .. مفكر القومية العربية الأول

لم تكن العروبة أو القومية العربية فكرة مطروحة بقوة في البلدان العربية في المنتصف الأول من القرن التاسع عشر، وكان كل بلد عربي يعيش ويغرق في خصوصيته التي تميزه وتعزله عن القطر العربي الآخر، بالإضافة إلى أن هذه البلدان كانت تعيش حالات استلاب متنوعة، فالمغرب الأقصى كان مستلبًا للفرنسيين، وكانت الآستانة تحكم أطرافًا كثيرة من هذه البلدان، وكنا نجد أن المدارس لا تعتني بتعليم اللغة العربية في فصولها، كانت الفكرة الإسلامية فقط هي التي تعمل على مقاومة الأبعاد الفرنسية أو الإنجليزية أو الإيطالية في كافة أرجاء المعمورة العربية، ولكنها كانت تختلط وتخضع لدولة الخلافة العثمانية، ولذلك كانت العروبة شبه حالة مستبعدة على الكشف والتنفيذ والتعضيد، حتى جاء مثقفون ومفكرون وأدباء عرب، ليكتبوا للقومية العربية سطورًا جديدة، تلك السطور التي تحولت إلى أحلام ومشاريع وجامعة ودول تنصهر توقًا إلى ذلك الحلم الذي ما يزال ينتظر التحقيق، وهو حلم الدولة العربية الكبرى.

ولم تكن العروبة مجرد هاجس أو فكرة، أو اختراع ليس له أصول ومبادئ وقوام، ولكنها كانت موجودة وفاعلة بالفعل، عبر اللغة بشكل أساسي، وعبر المكان الذي ينشد التوحد والأمان الجماعي في تلك المنطقة من العالم، وكذلك التاريخ المشترك بين بلدان تلك المنطقة، ذلك التاريخ الذي يشكّل مساحة من المشتركات والقصص والأساطير والمرويات التي تجعل من تلك المتفرقات كيانًا واحدًا ينتظر القيادة التي تستطيع أو ستستطيع يومًا ما أن تحقق ما تآمرت عليه دول وإمبراطوريات عملاقة، كي تحول بين تلك البلدان واكتشاف ذاتها العربية الحقيقية.

ومن المؤكد أن فكرة العروبة والقوام العربي ذا السمات والملامح والقسمات والأبعاد الواضحة، بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد أشكال وأفكار وخطط تمهيدية لذلك القوام، إذ أن المشاريع التي أسّس لها محمد علي، كانت رافعة قوية للإحساس بالذات القومية لدى المصريين، الذات المصرية والمفعمة بأبعاد عربية، بعد أن برزت مخالب الاستعمار لتعطيل وتعويق وسحق مشروع محمد علي الذي بدأ يهدد إمبراطوريات كبرى في العالم الواسع، فالصراع الذي نشأ بين دولة محمد علي، وكافة الأطماع الاستعمارية، أسس نوعًا من إدراك الذات القومية، وبلور وعيًا خاصًا بالكيان الذي لابد أن يجد له مكانًا تحت الشمس، ومن ثم استكمل القائد إبراهيم بن محمد علي ما بدأه أبوه، وأدرك أن هناك وعيًا جديدًا راح يتبلور بوجود جماعة بشرية تحمل اسم العرب، “وصرح إبراهيم باشا بأنه يعدّ نفسه واحدًا منهم رغم أصوله الألبانية”.([1])

ولا ننكر وجودًا واسعًا بدأ يتنامى للفكرة العربية بشكل ما عبر تبادل الثقافات العربية القطرية، وتوحدها تحت أحلام الحرية والخلاص من الاستعمار والرجعية في آن واحد، ومما لا شك فيه أن الهجرات الشامية التي حدثت في العقود الأخيرة من  القرن التاسع عشر راحت تعمل على تعميق الفكرة العربية، ولم تعد تلك الفكرة مجرد فكرة أو محض حلم يترامى في قصائد الشعراء، وخطابات بعض القادة التنويريين الذين بدأت خطاهم تبزغ في ذلك المنحى التاريخي المهم، بل أصبحت العروبة ضرورة وحتمية ونوعًا من الأمن الذي يوحّد أحلام المضطهدين والمقموعين والمطاردين، ولاسيما أن شخصيات مرموقة بدأت تجد أمانها الأكيد في القاهرة، مثل الشاعر خليل مطران الذي أتى في تسعينات القرن التاسع عشر، وعمل محررًا في جريدة الأهرام عندما كانت في الإسكندرية، وبدأ ينشر قصائده التي تتغزل في النيل والأهرامات، لذلك أطلقوا عليه “شاعر القطرين”، أي مصر ولبنان، وعندما أقيم له تكريم في عام 1912، حضرته وفود من بلدان عربية متنوعة، وسالت في فيض التكريم تلك العبارات التي تطرح الفكرة العربية بأشكال تكاد تكون حيية.

كذلك يعقوب صروف الذي جاء إلى القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر، ليستكمل مشروع مجلته “المقتطف”، إذ أصدر عددها الأول في لبنان، ولكنه تعثّر على خطى الديكتاتورية التي فرضتها قوانين الآستانة، فجاء إلى القاهرة لتظل المجلة تصدر لأكثر من نصف قرن بعد ذلك، وكان مع يعقوب صروف “فارس نمر” الذي أصدر جريدة المقطم، ثم جورجي زيدان الذي أصدر مجلة الهلال عام 1892، وظلّت تحمل الفكرة العربية وتمنحها قدرًا من الشرعية على مدى نصف قرن، وفي المقتطف والهلال وجد مفكرون عربًا مساحات شتى للتعبير والتحقق، ورغم كل ذلك لم تقترن الفكرة العربية والحلم العربي بواحد من هؤلاء، إذ أن فكرة العروبة كانت تنبثق من بين عدة مشاريع أخرى.

ولذلك كان هناك ضرورة قصوى لوجود مفكرين ومثقفين ومنظّرين من طراز ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وأمين الريحاني وغيرهم من الشخصيات التي اكتشفت أو على الأقل وضعتنا على الطريق الأصح والأمثل، ألا وهو طريق القومية العربية التي تعرضت ومازالت تتعرض لمؤامرات التفرقة والخلخلة والتشرذم يومًا بعد يوم، وللأسف كانت ومازالت تلك المؤامرات تجد طريقها ممهدًا هنا أو هناك، وما كان حلف بغداد الذي كان يقوده نوري السعيد في العراق، إلا مؤامرة كبرى على الفكرة العربية مهما تقنّع ذلك الحلف بقناعات مضللة وكثيفة، وما الحروب الوهمية التي يعيشها العرب بينهم وبين بعض، إلا ذلك السيف الذي قطع ويقطع وسيقطع أي تواصل كان ومازال مرجوًا من عرب القرنين العشرين والواحد والعشرين، لذلك فإن العودة إلى فكر وكتابات وأدبيات ساطع الحصري، والذي ستحلّ ذكرى رحيله الخمسينية في ديسمبر القادم، ضرورة قصوى لتنتشلنا من ذلك التشتت والتشرذم والاحتراب الذي يكاد يمزّق ذلك الحلم الذي رفرف يومًا في قلوب العرب والمفكرين المخلصين للعروبة يومًا ما.

فساطع الحصري الذي كان يعتبر العروبة عقيدة وإيمانًا ومنهجًا وطريقًا وأدبًا ودستورًا لنا، بذل كافة المجهودات التي وضعت الفكرة العربية على طريق التنفيذ، بدلاً من أنها كانت مجرد أضغاث أفكار وأشلاء أحلام، ولم يكن ساطع الحصري مجرد مفكر طوباوي فحسب، بل كان عاملاً في محراب العروبة، ويدرك المسئولية التي تقع على عاتقه لكي يكون نزيهًا وذا ضمير حتى لو تعارضت تلك المسئولية مع مصالحه الخاصة، فبرغم أن ساطع الحصري عمل مع الملك حسين بن علي وزيرًا للمعارف، وعمل معه بعد ذلك في العراق لفترة أخرى، وكان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالملك وأسرة الملك، إلا أننا نجده يشيد بانتصار الملك عبد العزيز آل سعود عام 1925 على المملكة الهاشمية، ونزعه لملك الحجاز من الملك حسين بن علي، ونجده يقول في ذلك الشأن: “.. ومع ما أكنه من الإجلال والتعظيم لذكرى الملك حسين بن علي، فإني أقرر أن ما قام به الملك عبد العزيز بن سعود، من ضم للحجاز والعسير، موافق لمصلحة الأمة العربية .. أقول ذلك لأني أنظر إلى القضايا العربية نظرة مجردة من النوازع الشخصية، واضعًا مصلحة القومية العربية فوق كل اعتبار، لا أقول يا ليت (الحسين بن علي) بقى على رأس مملكته حتى مماته، ولا أقول يا ليت المملكة التي أسسها بقيت حتى الآن، بل إنني أقول إن ما تم على يد عبد العزيز بن سعود كان بمثابة خطوة من الخطوات الفردية للسير في سبيل تحقيق الوحدة العربية”.([2])

ولكن ما هي أصول الباحث والرائد ساطع الحصري، والذي كان يصّر على أن يكتب لقبه “الحصري” مشكلاً على النحو الحصري Husri، وكما تقول المعلومات التي وردت عنه هو شخصيًا، بأنه ولد في صنعاء من والدين عربيين حلبيين بتاريخ 5 آب “أغسطس” عام 1880، ووالده هو محمد هلال بن السيد مصطفى الحصري، ووالدته هي فاطمة بنت عبد الرحمن الحنيفي، والخلاصة بعد أن يسترسل الحصري في سرد تفاصيل أخرى عن أسرته، نخلص إلى أن كل الأسرة من أسر حلبية في الأساس، أي عربية الأصل والسلالة والنشأة والتاريخ، وكان والده يتقلب في وظائف عديدة، منها كان رئيسًا لمحكمة الاستئناف في “القسطنطينية” عاصمة الدولة العثمانية، بعد أن كان مقيمًا ويعمل في اليمن التي ولد بها ساطع، وعاش بعضًا من طفولته فيها، ويكتب ساطع في مذكراته عن تلك المرحلة الأولى في حياته كما ينقلها الدكتور محمد عبد الرحمن : “قدر لي أن أتنقل خلال السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حياتي بين المدن التالية: من استانبول إلى أضنه، من أضنه إلى أنقرة، ومن أنقرة إلى استانبول، ومن استانبول إلى طرابلس الغرب إلى استانبول، ومن استانبول إلى صنعاء اليمن، ومن صنعاء اليمن إلى استانبول”،([3]) ويضيف الحصري: “.. وكان الانتقال بين هذه المدن المتباعدة يتم في ذلك التاريخ بوسائل متنوعة وشاقة: الجمال، البغال، عربات الخيول، البواخر، السكك الحديدية، ولقد تركت هذه الرحلات التي تمت خلال طفولتي في نفسي أثرًا من الانطباعات العميقة، والذكريات المتنوعة”.([4])

ولذلك كانت طفولة ساطع الحصري “أبو خلدون” ثرية ومشحونة، وكتب عنها كثيرًا في مجالات متنوعة، وأعطته زخمًا متنوعًا من المرئيات والثقافات والتجارب، وجعلته يبحث في كل بلد يذهب إليه عن ذاته التائهة، وهي الذات العربية، وكان بعد ذلك يجمع الكتب والمراجع والمجلدات حتى يطلّع على التاريخ المغيّب للفكرة العربية، وبالتأكيد إن كثرة البحث المصحوبة بالتجارب العملية، والتنقيب المستمر، أرشدته إلى ما لم يستطع آخرون أن يصلوا إليه، فأيقن تمامًا المفاهيم التي تشكلّت عنده فيما بعد عن الأمة والقومية والشعب وغير ذلك من أعراق وأجناس وقوميات.

وكان الحصري لا يطلق الفكرة من منطلقات حماسية وعاطفية، ولكنه كان يخبرها ويسبر غورها، ويضعها في محكات عديدة، ويضع التساؤل تلو التساؤل، حتى تستقيم الفكرة وتستطيع أن تقاوم وتثبت أمام كافة الأفكار المعادية لها هنا أو هناك، وكان يقول ذلك في أبحاثه ومقالاته ومداخلاته ومحاضراته، وكان مهتمًا جدًا بالتعريفات النظرية قبل أن يضع قارئه أمام الأحداث التي يطرحها بغزارة في كتاباته، أو في اشتباكاته المتعددة والمتنوعة والشائكة، فعندما كان يضع التعريفات والنظريات التي كانت تحيط بمفردة أو مصطلح نستخدمه كثيرًا، وهو مصطلح “الأمة”، فيتساءل بشكل أولي: ما هي الأمة؟، وما هي الصفات التي تجعل بعض الجماعات البشرية تشعر بأنها أمة واحدة، ومن ثم تنزع إلى تقوية كيانها الخاص بتكوين دولة خاصة بها ؟، وبالطبع فأسئلة من هذا النوع، تؤدي دومًا إلى أجوبة أقرب إلى الصحة مع باحث عتيد من طراز ساطع الحصري، لأن تلك الأجوبة لهذه الأسئلة الشائكة، تظلّ مركبة بشكل معقد، وعندما كانت تطرح أجوبة عن هذه المصطلحات في فترات سابقة، كانت ترتبط حتمًا بمفاهيم سياسية، وأحداث سياسية كذلك لا يستطيع الباحث أو المفكر القفز عليها بخفة، ولذلك فاختلاف المناخات والأحداث السياسية، جعل من الاتفاق على تعريف واحد أو مشترك، شيئًا يشبه المستحيل، ولكن التطور الذي لحق بالتفكير السياسي خلال القرنين الماضيين – أي الثامن والتاسع عشر -، وكان من الطبيعي أن يتطور “مفهوم الأمة” – كما يؤكد الحصري في إحدى محاضراته – في أذهان الباحثين تبعًا للتطور السياسي.

ثم يؤكد الحصري: “إن قضايا القوميات ما كانت ترتسم أمام أنظار المفكرين على شكل واحد، في كل البلاد، كما أنها ما كانت في درجة واحدة، إذ كانت هناك دول مؤلفة من أمم عديدة، وأمم موزعة بين دول عديدة، ودول متجانسة من حيث القومية، وطبيعي أن اهتمام معظم الباحثين في قضايا القوميات اختلف باختلاف أوضاع بلادهم في هذا المضمار”.([5])

وأيًا كان المفهوم والتعريف النظري الذي يصل إليه ساطع الحصري هنا وفي كافة أبحاثه ودراساته الأخرى، نريد أن نركز على الآلية التي يطرح بها الحصري منهجه، حيث إنه لا يهاب أن يعالج الإشكاليات التي من الممكن أن تضرب أفكاره وتوجهاته الأيديولوجية في مقتل فكري، ولكنه لا يهدأ له بال حتى يصل إلى ضالته البحثية، ومرماه الفكري الذي كان يختلف فيه عن آخرين، والذين كانوا يتفادون دائمًا تلك الإشكاليات التي تعوّق تمرير الأبعاد الأيديولوجية التي ينتمون إليها، لذلك كانت المفاهيم القاطعة التي يخلص إليها الحصري، كانت مفاهيم “متعوبًا” عليها، وبذل فيها جهودًا بحثية وتنقيبية عميقة، تجعل من هذه النهايات التي وصل إليها، نهايات صائبة ولا تقبل الجدل، ولذلك كان مخاصموه أو المختلفون معه يقدرون جهده تقديرًا بالغًا.

ولذلك لم يتراجع ساطع الحصري في مناقشة والاختلاف مع كافة كتّاب عصره، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، ومن المعروف أن الأفكار التي سادت في مصر أوائل القرن العشرين، كانت أفكارًا متنوعة ومختلفة وثرية، وكانت أفكارًا تبحث عن مخرج وعن إجابة لأسئلة تطرحها المجريات السياسية التي كانت قائمة آنذاك، وتراوحت تلك الأفكار بين النوازع الفرعونية، وجواذب الوحدة الإسلامية – كما كان يسميها الحصري -، وخيالات الرابطة الشرقية، وإغواءات الانعزالية المصرية، وكانت الأفكار القومية العربية غير مدرجة بشكل أساسي، وتظهر هنا أو هناك على استحياء، ومن يتابع ثقافة أوائل القرن العشرين في مصر، وهي كانت قد تلخصت بين تيارين كبيرين أساسيين، التيار الذي كان يمثله الزعيم مصطفى كامل، وهو تيار الرابطة الشرقية، والذي كان ينزع في سياسته إلى تأييد سياسة الخلافة العثمانية، رغم وطنية مصطفى كامل الجارفة، أما التيار الآخر فكان يعبر عنه المفكر أحمد لطفي السيد، والذي كان يرفع شعار “مصر للمصريين”، وكان هذا الشعار ينزع إلى التهادن مع الإنجليز لمواجهة الخلافة العثمانية، وكان أستاذ الجيل – حسب ساطع الحصري – يكرر دعوته الحارة إلى “المصرية الخالصة”، ويقول بوجوب التمسك بها تمسكًا تامًا، ويعتبر “العرب دخلاء على البلاد”، غرباء عنها ظن مثل الأتراك والشراكسة”،([6]) وبالتالي لم تكن فكرة القومية العربية مطروحة إلا على استحياء، وفي أروقة أقل ذيوعًا من أروقة مصطفى كامل وأحمد لطفي السيد.

وكان الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، يعلن بصيغة التأكيد – كما يكتب الحصري – أن مصر فرعونية، وأنها ستبقى فرعونية، ويجب أن تبقى فرعونية، وكان هذا النزوع إلى تلك الأفكار، يحصر الاهتمام بداخل الحدود المصرية، وبالتالي عدم الإبصار إلى ما وراء تلك الحدود، ورغم ذلك فإن ثورة 23 يوليو التي كان ينتصر لها ساطع الحصري، تبنت مفهوم القومية العربية، على عكس ما كان يطرحه لطفي السيد وطه حسين، وللأسف قفزت تلك الأفكار الانعزالية مرة أخرى عقد السبعينات عندما طالب توفيق الحكيم بأن على مصر أن تلتزم سياسة “الحياد” على طراز بلد مثل سويسرا، وانساق خلفه الدكتور حسين فوزي والدكتور لويس عوض، ووجدت تلك الدعوة ردودًا عنيفة، وكان أبرزها كتاب “الانعزاليون في مصر”، الذي كتبه الناقد الأدبي رجاء النقاش، واستند النقاش في هذا الكتاب إلى أفكار ساطع الحصري.

ولأن طه حسين كان يشغل مكانًا ومكانة مؤثرتين للغاية ومرموقتين في الحياة الثقافية والفكرية والأدبية العربية، فكان حديثه دائمًا يكون محلاً للنقاش والخلاف والعراك كثيرًا، حتى لو كان الحديث غير مدرج في كتب أو مجلات، وقد نشرت مجلة “المكشوف” اللبنانية حديثًا جرى بين طه حسين وبين جماعة من شبان العرب على ظهر باخرة تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، وقال طه حسين في ذلك الحوار، بأنه ينادي بتوحيد برامج التعليم في جميع الأقطار العربية، وتسهيل التبادل الثقافي بينها، وأوضحت المجلة بأن عميد الأدب العربي قال بأنه من المفيد أن يكون تعاون اقتصادي، وحتى تحالف عسكري، بين تلك الأقطار، ولكنه رفض أن تكون هناك وحدة سياسية، سواء أكانت بشكل إمبراطورية جامعة، أم على طراز اتحاد مشابه للاتحاد الأمريكي أو السويسري، وكان تبرير الدكتور طه حسين أن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين تعوق ذلك، لأنها ستبقى كذلك، وأكد أنه يجب أن تبقى وتقوى، والملاحظ أن هذه الأفكار هي ذاتها التي طرحها عميد الأدب العربي في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”.

وعند ذلك الأمر توقف ساطع الحصري منزعجًا، ووجه رسالة إلى الدكتور طه حسن، ونشرها في جريدة “الرسالة”، وجاء فيها:

(أيها الأستاذ:

..أعترف بأنني قرأت هذه الآراء بدهشة غريبة، لأنني استبعدت صدورها منكم كل الاستبعاد، وقلت في نفسي: “لعل الكاتب نقلها على غير حقيقتها”، وأعدت قراءتها بإمعان، ولكنى لمحت في عدة نقاط منها أسلوب بيانكم المعروف، فقلت لعل الدكتور أراد أن يمتحن هؤلاء الشباب، ويتأكد من مبلغ إيمانهم بالقضية، ويسبر غور درسهم لوجوهها المختلفة ..”، وبعد أن يتأكد الحصري من صحة ما ورد في مجلة “المكشوف” يوجه أسئلة شائكة للدكتور طه حسين قائلاً: “.. فاسمحوا لي أن أسألكم: هل الوحدة العربية تتطلب من المصريين التنازل عن المصرية؟، أنا لا أتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي، لأنني أعتقد بأن دعوة المصريين إلى الاتحاد مع سائر الأقطار العربية، لا تتضمن بوجه من الوجوه حثهم على التنازل عن “المصرية”، إن دعاة الوحدة العربية لم يطلبوا من المصريين ضمنًا ولا صراحة – أن يتنازلوا عن مصريتهم، بل إنهم يطلبون إليهم أن يضيفوا إلى شعورهم المصري الخاص شعورًا عربيًا عامًا، وأن يعملوا للعروبة بجانب ما يعملونه للمصرية، فهل لديكم ما يبرهن على أن ذلك من نوع (طلب المحال)، وهل لديكم ما يدل على أن العروبة والمصرية ضدان لا يجتمعان، وعنصران متعاكسان لا يمتزجان؟”.([7])

وجدير بالذكر أن الحصري قد نشر رسالة أخرى، وجهها إلى الدكتور طه حسين، ونشرتها له كذلك مجلة “الرسالة” ففي 17 يوليو 1939، وكانت تلك الرسالة تعقيبًا على رد الدكتور طه حسين على ساطع الحصري، والتي نشرتها المجلة في عدديها الصادرين في 19 و26 ديسمبر 1938، وفي هذه الرسالة الجديدة، يستطرد الحصري في توجيه أسئلته إلى الدكتور طه حسين، وكان عميد الأدب العربي قد أصدر كتابه الأشهر “مستقبل الثقافة في مصر”، وأثار من الجدل الكثير، ولكن الحصري أفرد خمس مقالات راح يفنّد فيها الأفكار والتوجهات التي ذهب إليها طه حسين، ومناقشة هذه القضية تحتاج إلى ملف خاص أكثر إحاطة من ذلك المقال الخاص بالحصري بشكل عام، ولكننا أردنا أن نوضح بأن الحصري في هذا الرد والدأب نحو التعقيب على طه حسين بدقة شديدة، يعني أن الحصري لم يقصر ردوده وتعقيباته على من هم ليسوا بقامة طه حسين، ولكنه لم يخش لومة لائم، حتى لو كان طه حسين بكل ما يملك من سلطات أدبية وثقافية.

والأدهى من ذلك أن الحصري رغم انشغالاته المتعددة بالعمل والكتابات النظرية، كان لا يتوانى في الدخول والاشتباك مع أي أفكار تهدد فكرة “القومية العربية”، بل إنه كان يدخل معارك سياسية حادة وعالية الوطيس، ومن بين هذه المعارك، اشتباكه الحاد مع الشيوعيين العرب والعراقيين في نهاية عقد الخمسينات من القرن الماضي، عندما كانت للشيوعيين صولات وجولات في الوطن العربي كله، خصوصًا في مصر والعراق وسوريا ولبنان، ولم يخش الحصري أي خسارات من الممكن أن تلحق به في أي مجال، وأصدر كتابه “ثورة 14 تموز وحقيقة الشيوعيين في العراق”، وناقشهم بقدر كبير من التروي والعمق والإحاطة.

ولكي نستطيع أن ندرك أبعاد تلك المعركة، لابد نقر أولاً بأن الشيوعيين العرب – آنذاك – لم يكن لديهم اقتناع بالقومية العربية المطروحة في الساحة العربية، ولم تكن لديهم اقتناعات بالسياسات المتبعة من قبل الأنظمة السياسية القائمة، حتى نظام جمال عبد الناصر، وما التحالف الذي كان بين النظام المصري والشيوعيين، إلا محاولة لتهدئة الصراعات التي يمكن أن تنشأ بين فكرتين متناقضتين أصلاً، فوجد الاثنان – أي النظام المصري والشيوعيين – بعض نقاط اتفاق في الإطار الوطني، ووجد هذا التحالف ذروته بعد الاختلاف الدموي بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، وإعدام قياداتهم في 1954 بعد حادث المنشية في الإسكندرية ومحاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وكان النظام في أشد الاحتياج إلى حلفاء، فكان الشيوعيون جاهزين لهذا التحالف، وكانت هناك ذروة أخرى أثناء العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956، وكان الشعراء والفنانون والكتاب ينشدون غزلاً شديدًا في جمال عبد الناصر ونظامه، ولم يكن ذلك نشازًا على حالة العزف الوطني العام أمام غشم الاستعمار الثلاثي واستبداده.

وفي 14 تموز قامت الثورة العراقية في بغداد بقيادة عبد الكريم قاسم، ولم يمتنع جمال عبد الناصر من التأييد شبه المطلق لعبد الكريم قاسم ولشعب العراق ولثورته، وكانت الصحف المصرية في تلك الآونة- أغسطس وسبتمبر وأكتوبر – كانت تشيد بثورة العراق، وكانت صحيفة المساء القاهرية من أكثر الصحف تأييدًا، وهي الصحيفة التي كانت تعبّر تعبيرًا واسعًا عن صوت اليسار المصري والشيوعيين، ويكمن سرّ ذلك الصوت الأعلى للشيوعيين المصريين لثورة عبد الكريم قاسم، لأنه كاد أن يتحالف مع شيوعيي العراق، وكان شيوعيو العراق يعتقدون بأن ثورة 14 تموز خطوة أكيدة للثورة الاشتراكية التي ستكون قيادتها بالتأكيد من الحزب الشيوعي، ومن ثم بدأت القيادة المصرية، وجمال عبد الناصر تتحسس الخطر الذي يهدد القومية العربية، خاصة أن وحدة سوريا ومصر تعرضت للهجوم، ومن هنا بدأ عبد الناصر يهاجم الشيوعيين المصريين والعرب، وراح يقبض عليهم منذ 31 ديسمبر 1958.

من ثم جاء كتاب ساطع الحصري من أقوى الدفاعات عن القومية العربية والنظام المصري الذي يتبناها، وأهداه إلى: ” الجنود الذين وقفوا ذات صباح أمام غرفتي في معتقل (أبو غريب) وقذفوني من شباكها ببصاقهم وشتائمهم: خائن ، متآمر، قذر.. إلى هؤلاء الجنود البسطاء الذين غرر بهم الشيوعيون في العراق أقدّم حقيقة الشيوعيين في العراق”.([8])

ومن التحليل والمقدمات والنتائج التي قدمها ساطع الحصري في الكتاب، نتبين أنه شديد الإحاطة بالمشهد، وبالتالي فهو يناقش من منطلقات عاقلة، ولا ينطوي على ذلك العنف العشوائي في حوارات المختلفين أو الخصوم العرب، ولكنه يطرح الحجة تلو الحجة، ويتابع المشهد على المستوى العربي والعالمي والنظري، فهو يستدعي مقولات وأفكار وخطط لينين وكارل ماركس وجوزيف ستالين في تعقل كامل، كأنه يناقش بحثًا علميًا، ويخلص من كل ذلك بعد تقديم كافة مستنداته إلى أن “.. الشيوعيين خلقوا في العراق حالة ازدواج السلطات، فإلى جانب سلطات الحكومة الرسمية أقاموا سلطتهم، لقد شكلوا مثلاً، في الوزارات والمصالح الحكومية المختلفة لجانًا أسموها (لجان الدفاع عن الجمهورية)، هذه اللجان كانت تسيطر على الجهاز الحكومي وتسيّره..”.([9])

إذن لم تستغرق حياة ساطع الحصري الفكرية كل وقته، ولكنه كان سجاليًا إلى حد بعيد، وكان يناقش ويختلف ويطرح رؤاه وأفكاره السياسية والاجتماعية والفكرية في كل السجالات التي كان يمارسها مع نوعيات وقامات مختلفة، ويعد كتابه “العروبة أولاً” من أكثر كتبه طرحًا لتلك السجالات، فنجده يختلف مع حفنة من مفكرين وكتاب ومثقفين كثيرين، منهم فتحي رضوان وعبد الرحمن عزام ومصطفى أمين وفكري أباظة وآخرين، وجاء عنوان الكتاب “العروبة أولاً”، رداً على مجموعة من الكتاب، وأولهم عبد الرحمن عزام الذي قال في ندوة عقدت بمجلة المصور وقال فيها: “نحن مصريون أولاً، وعرب ثانيًا، ومسلمون ثالثًا”.([10])

ويقول الحصري في مقدمة هذا الكتاب: “.. إني أعتقد أن أول ما يجب عمله لتحقيق الوحدة العربية – في الأحوال الحاضرة – هو: إيقاظ الشعور بالقومية العربية، وبث الإيمان بوحدة هذه الأمة .. فعندما يستيقظ هذا الشعور تمام اليقظة، وعندما ينتشر هذا الإيمان ويرسخ في النفوس تمام الرسوخ .. تتوضح السبل، وتتمهد الطرق أمام الوحدة العربية، وتزول العقبات وتنهار العوائق التي تعترضها … بكل سهولة”.([11])

ولا يعني هذا الكلام الذي يطرحه ساطع الحصري أي رومانسية، أو أي استسهال لتحقيق حلم الوحدة العربية، لأننا سنلاحظ أنه يناقش الأمر في كافة طروحاته بكل التعقيدات التي يشكلها الواقع السياسي والفكري والإثني بكل أطيافه السياسية والدينية والقبلية، للدرجة التي تدفعه ليناقش حتى الظروف البيئية والطبيعية للمجتمعات، ويضع كل الحسابات لكافة الأمور، وفي سياق ذلك يكتب في أحد فصول كتبه، فصلاً عنوانه “تأثير البيئة الطبيعية في الأحوال البشرية”، ويستهل هذا الفصل قائلاً: “لقد لاحظت أن نظرية تأثير البيئة الطبيعية في الشؤون البشرية مسيطرة على أذهان الكثيرين من المتنورين في البلاد العربية، سيطرة شديدة، ولذلك رأيت أن من المفيد أن أبحث في هذه النظرية من أساسها، بقطع النظر عن الشكل الذي أضفاه أنطون سعادة”.([12])

ومن المعروف أن أنطون سعادة، زعيم الحزب القومي السوري، كان من أشد أعداء القومية العربية، وهو الذي كان يسعى من أجل إنشاء ما يسمى بـ “سوريا الكبرى”، وراح يضع خططًا ومشاريع لدولة الهلال الخصيب، وكان الحصري يناقش هذه الأفكار التي ظلّت تقدم نوعًا من العنصرية تجاه القومية العربية، وهذا يدلّ على أن ساطع الحصري الذي يحتاج إلى إحياء أفكاره من جديد، ودعوة كافة المؤسسات المعنية بالشأن العربي، أن تعمل على إحياء ذكرى رحيله الخمسين في ديسمبر القادم، ليكون في هذا اللقاء المثمر متسعًا لمناقشة وطرح أفكاره على مائدة البحث في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، بدلاً من هذه السطور التي لا تكفي لإيفاء الرجل والعلامة ساطع الحصري حقه الطبيعي وواجبنا تجاهه وتجاه رسالته النبيلة.


([1]) محمد الخولي، ساطع الحصري .. ثلاثون عامًا على الرحيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ص157، 1999.

([2]) الدكتور محمد عبد الرحمن برج، ساطع الحصري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة أعلام العرب، ص7، 1988.

([3]) المرجع السابق، ص14.

([4]) المرجع السابق نفسه.

([5]) ساطع الحصري، أبحاث مختارة في القومية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، ص193، يونيو 1985.

([6]) المرجع السابق، ص165.

([7]) ساطع الحصرى، مجلة الرسالة، 19 ديسمبر 1938، العدد 285، ص20-43.

([8]) خلدون ساطع الحصرى، ثورة 14 تموز، وحقيقة الشيوعيين في العراق، دار الطليعة، ص5، أكتوبر 1960.

([9]) المرجع السابق، ص28.

([10]) ساطع الحصرى، العروبة أولاً، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، ص115، 1958.

([11]) المرجع السابق، ص5.

([12]) ساطع الحصرى، دفاع عن العروبة، دار العلم للملايين، بيروت، ص52، 1957.

اظهر المزيد

شعبان يوسف

كــاتب وبــاحث مصــري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى