2019العدد 179دراسات

مـع ذوبـان الـجـلـيـد صراع بارد بين القوى الكبرى في القطب الشمالي

شهدت السنوات القليلة الماضية، صراعـا باردا، بين القوى الكُبرى، في منطقة القطب الشمالي، وقد تصاعد هذا الصراع، مع ذوبان قِمم الجليد، نتيجة تفاقم ظاهرة الاحترار العالمي، واكتشاف المزيد من الثروات الطبيعية، وكمِّيات ضخمة من المصادر المُتنوِّعة للطاقة، إلى جانب البدء في شق طريق تجاري جديد، يربط الشرق بالغرب. والحقيقة أن الصراع لم يعد قاصرا على الدِول التي لها إطلالات مُباشرة على القطب الشمالي، بل دخلت فيه دول أُخرى، تبحث عن مصالح لها في هذه المنطقة، ذات الطبيعة الإستراتيجية الهامة، والتي تتكشف أهميتها يومـًا بعد آخر.

فماذا عن منطقة القطب الشمالي..؟ وما هي دوافع وأبعاد الصراع القائم بين الدول الكبرى، في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم..؟

نظرة في جُغرافية المنطقة

بادئ ذي بدء، فإن منطقة القطب الشمالي، من المنظور الجُغرافي، هي أعلى منطقة بالكُرة الأرضية، على محور دورانها، وفي القلب منها المُحيط المُتجمِّد الشمالي، الذي يشغل مُعظم مساحة الدائرة القطبية الشمالية، التي تقع على تماس مع خمس دول([1])، من ثلاث قارات، هي:

  • النرويج، والدانمارك، من قارة أوروبا .
  • روسيا، من قارة آسيا .
  • كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، من قارة أمريكا الشمالية.

وعبر مضيق بهرنغ، يتواصل القطب الشمالي بالمحيط الهادي، كما يتصَّل مع المحيط الأطلنطي، عبر بحر الشمال، في أوروبا.. وتاريخيا، بدأ تمدد بعض جماعات الإسكيمو([2]) ـ مُنذ أواخر القرن الثامن عشر ـ في مناطق من سيبريا، إلى أن وصلوا حتى أقصاها، على المحيط الهادي، من ناحية الشرق، ومن ثم عبر بعضهم مضيق بهرنغ، ووصلوا إلى ألاسكا، في أمريكا الشمالية، واستعمروها.. مع ضرورة الإشارة، إلى أن ألاسكا، هي ولاية أمريكية، حيث اشترتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، من القيصر الروسي، في العام 1867م([3])، بمبلغ سبعة ملايين ومائتي ألف دولار..!!

ذوبان القمم.. وكاسحات الجليد

وكانت مناطق عديدة، في القطب الشمالي، قد تعرَّضت خِلال السنوات القليلة الماضية،

إلى ذوبان قِمم الجليد فيها، على خلفيَّة تفاقم ظاهرة الاحترار العالمي، التي ضربت الغُلاف الجوي، على نحو غير مسبوق عبر التاريخ. حيث تُشير الوقائع، إلى أن القطب الشمالي، فَقَد خِلال العقود الثلاثة الماضية فقط، أكثر من نِصف مساحته، المُغطَّاة بالجليد، وأن ثمة أجزاء عديدة، مازالت تتراجع على نحو مُتسارع، بعد اختفاء قِممها، بل وقد ظهرت ممرَّات مائية أكثر قابلية للاستمرار، في ظِل ارتفاع درجات الحرارة([4])، حيث سُجِّل أعلاها بنحو 5 درجات مئوية، خلال شهر سبتمبر، وأصبح أكثر من 2.5 مليون كيلو متر مربع، من المحيط المتجمد الشمالي، مفتوحا، ومُعرضا لحرارة الشمس، في أغلب أوقات فصل الصيف.. وكان تقرير، صادر عن لجنة الأمم المتحدة للمناخ، قد أورد: ” أن المُحيط القُطبي الشمالي، سيُصبح قابلاً للملاحة، في شهر سبتمبر، من كُل عام، بحُلول مُنتصف القرن الحالي، وسيختفي الجليد تمامــا، مع نهاية القرن، وِفقا لمُعطيات الرصد والتصوير، التي تُقدِّمها الأقمار الاصطناعية”([5]).

وعلى خلفيَّة هذا الاستنزاف المُستمِر لطبقات الجليد، بدأ ما يُمكن أن نُسميه “حرب كاسحات الجليد”، حيث تتنافس الدِول المُحيطة بالقطب الشمالي، في تصنيع كاسحات جليدية، ظهر منها بالفِعل ما يُدار بالطاقة النووية، وذلك من أجل الوصول إلى مكامن الثروات الطبيعة، والحصول على أكبر قدر منها.. وكانت روسيا، قد أعلنت مؤخرًا، عن بناء 11 كاسحة جليد جديدة، سوف تُضاف إلى أسطولها الحالي من كاسحات الجليد، والذي يضم نحو 40 كاسحة، في مُقدِّمتها كاسحة الجليد المُسماة “روسيا”، والتي تعمل بالطاقة النووية([6])، ومن جانبه أعلن الناطق باسم الحكومة الكندية، أن بلاده لديها خِطَّة، لإنفاق 3.8 مليار دولار، لبناء ثماني كاسحات جليد حربية، كما أن ” لدينا دراسة لإقامة ميناء بحري تُجاري، بالقُرب من جزيرة هانز”، التي تقع على الممر الشمالي الغربي للقطب. وفي واشنطن، أُعلِن أن الولايات المتحدة الأمريكية، بحاجة إلى مزيد من كاسحات الثلوج، وبحسب غير واحد من خُبراء التسليح ، فإن عمل كاسحات الجليد بالطاقة النووية، يزيد من استمراريتها في العمل، دون حاجتها للتزوُّد بالوقود، كما أنها أكثر قُدرة من الكاسحات التقليدية، على إنتاج قوَّة الدفع، اللازمة لشق الجليد الذي يصل سماكته إلى عشرة أقدام، لفترة طويلة من الزمن، وفي الوقت الحالي تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية اثنين فقط من كاسحات الجليد، أكثرها نشاطا كاسحة الجليد “بولار ستار”([7])، المملوكة لخفر السواحل.

ولم تكن الصين غائبة عن المشهد التنافسي، حيث أعلنت إرسال واحدة من أكبر كاسحات الجليد في العالم، وتُدعى “سيوإيلون”، أو التنين الجليدي، والتي كانت قد صُنعت في أوكرانيا، إبان الحِقبة السوفيتية، وذلك من أجل أن يكون لها موطئ قدم، في هذه المنطقة الباردة، التي تزداد سُخونة، على وقع الصراعات المُتصاعدة.

ثروات هائلة

وحتى عقود قليلة خلت، لم يكن أحد من أهل السياسة والاقتصاد، يهتم كثيرا بهذه المنطقة النائية من العالم، والتي يصعب استيطانها للظروف البيئية والمناخية القاسية، وكان الأمر قاصرا فقط على إرسال البعثات العِلميَّة الاستكشافية، بين الحين والآخر، وكان يُعَد لهذه البعثات، كما لو كانت ذاهبة لاكتشاف كوكب آخر..!! إلاَّ أن اكتشاف بعض المكامن للثروات الهائلة، التي يحتويها القطب الشمالي، أفضى إلى اهتمام عالمي كبير، خاصة من قِبل القوى الكُبرى، وفي مُقدِّمتها الدِول الخمس المُطلَّة عليه.

    وفي نِقاط مُحددة، يُمكن إبراز أهم الثروات، التي يُقدَّر وجودها في القطب الشمالي ، باحتياطيات مُعتبرة :

أوَّلا: النفط : كان تقرير صادر عن دائرة المسح الجيولوجي الأمريكية، في العام 2000م، قد أشار إلى أن الاحتياطات النفطية، في القطب الشمالي، تُقدَّر بنحو 15% ، من إجمالي الاحتياطات العالمية، إلاَّ أن تقارير صدرت بعد ذلك، أشارت إلى أن الاحتياطات النفطية القطبية، أكثر من هذه النِسبة، حيث ورد في تقرير صادر عام 2015م، شارك بإعداده فريق عِلمي، من جامعة ستانفورد الأمريكية، أن النِسبة تزيد عن الـ 20%، وبحسب تقديرات شِل، فإن “مياه القطب الشمالي، تتوفر على إمكانيات كبيرة من النفط، وأن أحواض القطب الشمالي مُجتمِعة، يُمكن أن توفِّر نحو 25%، من مصادر طاقة العالم”.

ثانيـًا: الغاز الطبيعي: بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن نحو 30%، من الغاز الطبيعي المُتبقِّي على الأرض، يكمن في القطب الشمالي([8]).. وحتى نهاية العام 2013م، كان المُعلَن من اكتشافات حقول النفط والغاز الطبيعي معـًا، على النحو التالي :

  • 43 حقلا، مُكتَشفا من قِبل روسيا.
  • 11 حقلا، مُكتَشفا من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية.
  • 6 حقول، مُكتَشفة من قِبل كندا .
  • حقل واحد، مُكتَشف من قِبل النرويج.

ثالثـا: ثروات معدنية مُتنوِّعة: اكتُشف بعض مكامنها، في عِدة مناطق من الجرف القاري، وتشتمل على احتياطات مُعتَبرة من النيكل، والكوبالت، والنحاس، والقصدير، إلى جانب تقديرات مُتفاوتة من معادن نفيسة، مثل الذهب، والماس، والبلاتين.

وكانت روسيا، قد أعلنت أن المناطق التابعة لها، “تؤمِّن حاليا نِسبة 11% من الدخل القومي الروسي، وتمثل نحو 22% من إجمالي الصادرات الروسية، وأن المُستخرَج من هذه المناطق، نحو 96% من البلاتين الروسي، ونحو 90% من النيكل والكوبالت، ونحو60% من النحاس الروسي”([9])، وهذه الأرقام تُفضي إلى مدى أهمية القطب الشمالي، كمخزن كبير للمعادن.

رابعـا: ثروة سمكية : حيث إن البُحيرات القطبية، بها أنواع عديدة من الأسماك، التي

تُمثل ثروة كبيرة غير مُستغلة، لوجود الجليد([10])، ومع تغيُّر الأحوال الجوية،

وذوبان قِمم الجليد، وارتفاع درجات الحرارة ـ كما أسلفنا ـ ستُهاجر أنواع

         جديدة من الأسماك، ومن ثم تزداد أعدادها بشكل غير مسبوق، خاصة في 

        المناطق الدولية المفتوحة.

طريق التجارة الدولية في القطب الشمالي

واستِغلالاً للمُتغيِّرات، التي طرأت على منطقة القطب الشمالي، بدأ تشغيل خط ملاحي بحري جديد، للتجارة بين الشرق والغرب([11])، والذي تتقلَّص فيه المسافة بشكل كبير، حيث يُقدَّر طوله بنحو 3 آلاف ميل، من كوريا الجنوبية، مرورا بالموانئ الشمالية الشرقية للصين، ثم مرورا بساحل روسيا الشمالي، وصولاً إلى أوروبا، وتقِل التكلفة بنحو 30% (مُقارنة بالطريق الملاحي عبر قناة السويس)، ويقِل الوقت إلى 13 يومـا (مُقارنة برِحلة شحن من ميناء بوسان الصيني، إلى ميناء روتردام الهولندي، عبر قناة السويس).كما أنه يُعد مَعبرا بين المُحيطين الهادي والأطلنطي، يتواصل فيه الشحن دوليـا، بين ثلاث قارات (آسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية).

وكان العام 2007م، قد شهد التحرُر من مُعظم الجليد، للدِرب الشمالي الغربي، الذي يمر بالتخوم الشمالية، لأرض بافين، ثم بمضايق لانكستر، وبارو، وفاينكاوتملفيل، ثم ببحر بوفورت، ومضيق بهرنغ، والمُحيط الهادي.. جدير بالإشارة، فإن العام 2009م، وتحديدًا في شهر سبتمبر، عَبَر هذا الطريق الملاحي 5 سُفن تُجارية، منها سفينتا شحن ألمانيتان، قفَز العدد إلى 71 سفينة في العام 2013م، وكانت الصين قد أرسلت في الثامن من أغسطس عام 2013م، سفينة تُجارية، حُمولتها 19 ألف طن، من ميناء دليان، عبرت الطريق الشمالي، إلى أن وصلت ميناء روتردام ..وكانت سُفن نرويجية، قد بدأت في استخدام طريق الشمال، لنقل شـُحنات غاز مُسال، إلى كوريا الجنوبية، منها الناقلة العِملاقة كريستوف دو مارجري، التي تتميَّز بقُدرتها على كسح الجليد ذاتيــًا، من دون الحاجة إلى مُعدَّات إضافية، وبحسب الشركة المالكة، فإن رحلة نقل الغاز المُسال، استغرقت 19 يومـا فقط، للوصول إلى كوريا الجنوبية.. وفي سبتمبر من عام 2016م، أعلنت كريستال كروز([12])، عن أوَّل رِحلة سياحية لها، عبر طريق الشمال القطبي، وذلك بانطلاق سفينتها الكبيرة والفاخرة، “كريستال سنبرتي”، التي تزيد حمولتها عن ألف راكب.

وبتعدُد وتنوُّع الرحلات، المارة عبر طريق الشمال الملاحي، بدأ البعض يطرح سؤالاً مفاده: هل ثمة تداعيات وتأثيرات مُحتملة على طريق قناة السويس..؟! للإجابة عن هذا السؤال، نُشير إلى أن هناك عوامل بعينها، من شأنها تحديد مدى قُدرة الطريق الجديد، على مُنافسة قناة السويس، يُمكن إيجازها في النقاط التالية:

أوَّلاً: كثافة العبور: حيث إنه على أرض الواقع، ما تزال أعداد السُفن المارة بالطريق القطبي قليلة ـ بل قليلة جدًا ـ قياســًا بالسُفن التي تمر بقناة السويس([13])، خُذ مثالاً: في العام 2011م، مر بالطريق القطبي 34 سفينة، بينما مر بقناة السويس أكثر من 18 ألف سفينة، مِثال آخر: في العام 2013م، مرَّ بالطريق القطبي 71 سفينة، بينما ظلَّ عدد السفن المارة عبر قناة السويس، بنفس المُعدَّل تقريبـًا.

ثانيا: الظروف المناخية: حيث إن الطريق القطبي ـ حتى الآن على الأقل ـ مازال يُعد طريقـًا موسميـًا، وتحديدًا خِلال شهري أغسطس وسبتمبر، بينما يصعب عبوره باقي العام، حيث يتطلَّب الأمر وجود كاسحة جليد، مُرافقة للسُفن العابرة، وذلك لإزالة الكُتل الجليدية.

ثالثا: الجدوى الاقتصادية: حيث إنه إذا تعطلَّت سفينة شحن في الجليد، فإنها ستكون بحاجة إلى المدد، الذي يتمثل في استدعاء كاسحة جليد، يصل مبلغ تأجيرها إلى نحو400 ألف دولار، ناهيك عن نفقات التأمين المُرتفعة.

رابعا: الصراع الدولي: حيث إن الصراعات المُتأججة، للهيمنة على القطب الشمالي، لا شك أنها تؤثر على مُعدَّلات عبور السفن.

وفي ضوء هذه العوامل والمؤثرات، فإن المُقارنة حول التنافسية بين طريق الشمال القطبي من جهة، ومعابر الملاحة البحرية الدولية التقليدية، مثل قناة السويس وقناة بنما من جهة أُخرى، تُصبح غير واردة -على الأقل في الوقت الحالي- وإن كانت المُنافسة واردة في المُستقبل، حيث أورد تقرير لجنة الأمم المتحدة للمناخ، أن إمكانية إدامة العبور، في طريق القطب الشمالي، رُبما تتحقق مع انتصاف القرن الحالي، في ظل الذوبان المُستمر للقمم والكُتل الجليدية.

صِراع مُتصاعد

ولأهميَّته الاقتصادية والإستراتيجية، فإن القطب الشمالي، يشهد صِراعـا، تتصاعد وتيرته، بين القوى الكُبرى، التي تسعى كُل منها إلى الحصول على نصيبها من ثرواته، وإذا كانت الدِول الخمس، المُطلَّة عليه بشكل مُباشر، هي التي تقع في صدارة مشهد الصراع، إلاَّ أن دولا أُخرى، بدأت تدخل على الخط، مُبرِرة ذلك بأن القانون الدولي يسمح لها بالبحث عن مصالحها في المياه المفتوحة.. وفيما يلي مواقف الدول المُتصارعة، والتي تبحث عن مصالح لها، في القطب الشمالي:

الموقف الروسي، وعسكرة القطب الشمالي

تُعد روسيا، بحُكم موقعها، وامتداد حدودها الشمالية، المُتاخمة للقطب الشمالي، على مسافة أكثر من ثلاثة آلاف ميل، اللاعب الأكبر في هذه المنطقة، وتسعى إلى تحقيق أكبر قَدَر من الاستفادة، بتوسيع أنشطتها المُتنوِّعة، حيث ترى فيها مُستقبلاً واعدا.. يقول ألكسندر جولتس، الخبير في الشؤون الإستراتيجية: إن المنطقة القطبية، تبدو مِثل المُعجزة، ومكان ينطلق منه ازدهار الأجيال الروسية القادمة، وهي ليست منطقة مصالح اقتصادية كبيرة فحسب، بل وجُزء رئيس من أجزاء القوَّة الدفاعية”.

ويمكن اعتبار لحظة رفع العلم الروسي، على إحدى مناطق الدائرة القطبية، خلال العام 2007م، البداية الحقيقية لإشعال فتيل النزاع بين القوى الكُبرى([14])، في القطب الشمالي، حيث زادت حِدَّة التصريحات، والتصريحات المُضادة، ووصلت الأمور إلى سباق لعسكرة المنطقة.

وكانت روسيا قد شرعت ببناء المزيد من القواعد العسكرية، إلى جانب تجديد وتوسعة القائم منها بالفِعل، مع تشكيل وحدات عسكرية دائمة جديدة، مِثل مركز القيادة الإستراتيجية المُشتركة في القطب الشمالي، القريب من مدينة سيفبرومورسك، الواقعة في أقصى حدود روسيا، من ناحية الشمال الغربي.. وفي العام 2015م، بدأت وحدات من القوَّات الجوية، والبحرية الروسية، العمل تحت إدارة هذا المركز، إلى جانب إقامة شبكة من رادارات الإنذار المُبكِّر، في أقصى المنطقة الشمالية([15])، وتم نشر صواريخ مُضادة للطائرات، من طراز تريومفS400، بالقُرب من أرخبيل نوفايازيمليا، وكذا بطَّاريات من راجمات الصواريخ، والقذائف المُضادة للطائرات (بانتسيرS1).

وبدأ الروس العمل في تجديد مطار تيمب Temp العسكري، ونقل طائرات مروحية من طرازي M8 وM26..وإلى جانب أسطولها الأكبر في العالم، من كاسحات الجليد، والذي يعمل منه حاليـا – بالطاقة النووية – سبع كاسحات، فإن روسيا في سبيلها لبناء 11 كاسحة جليد جديدة، منها 8 كاسحات نووية، خِلال العِقدين القادمين، لتعزيز وجودها، وسيطرتها على المناطق القطبية، التي ترى أحقيتها بها.. وبحسب قائد سلاح البحرية، الأميرال فيكتور تشيركوف، فإن قيادة روسيا، عازمة بقوَّة على الاستمرار في تواجدها بالقطب الشمالي، للحِفاظ على مصالحها الإستراتيجية([16])، وأن ثمة قمرين صناعيين، أُطلِقـا بالفِعل، بهدف رصد كُل صغيرة وكبيرة، وأي مُتغيِّرات تطرأ في القطب الشمالي.

     ويُشير غير واحد من خُبراء الإستراتيجية، إلى أن التجهيزات العسكرية الروسية، في القطب الشمالي، تُعد بمثابة ” تشكيل جيش مُتكامل، يمتلك مُقوِّمات العمل، في هذه المنطقة الاستثنائية ـ من حيث البيئة والمناخ ـ مدعوم من أسطول الشمال الروسي، حيث تترابط وحدات من القوَّات الإلكترونية، وصواريخ الدفاع الجوي المُحدَّثة”.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية

برغم شرائها لمنطقة ألاسكا، المُتاخمة للقُطب الشمالي، في العام 1867م، إلاَّ أن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تكن تهتم كثيرا بالقطب الشمالي، على مدى عقود طويلة خلت، ولكن تصاعُد الاكتشافات المُهمَّة، جعل الحكومة الأمريكية، تتجه لبناء استراتيجية مُتكاملة، دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريـا، وإعادة رسم الخرائط، لتحديد الأماكن التي يُمكن أن تستحوذ عليها في القطب الشمالي، للاستفادة من مواردها،  خاصة بعد توقُّعات بارتفاع الطلب الأمريكي، على الغاز الطبيعي المُسال، كمصدر رئيس لتوليد الكهرباء.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية، قد علَّقت بشكل رسمي، على واقعة رفع العلم الروسي، على إحدى النتوءات الصخرية، في قاع المحيط المتجمد الشمالي، عام 2007م، بأنه بمثابة استفزاز واضح، يرقى إلى حالة إعلان الحرب، في المنطقة القطبية، وكان السيد توم كيسي، المُتحدِّث باسم الخارجية – آنذاك – قد صرَّح بأن بلاده لم تقف صامتة، إزاء الأنشطة التوسُّعية الروسية، في القطب الشمالي. ومن جانبها، سارعت وزارة الدفاع الأمريكية بإرسال كاسحة الجليد “هيلي”([17])، بهدف رسم خريطة لقاع المحيط، وكان برفقة الكاسحة، سفينة أبحاث، على متنها 20 عالمـًا. وفي وقت لاحق، أرسَل معهد “وودز هول” الأمريكي للأبحاث العلمية، بعثة مُماثلة، للعمل في المنطقة، وقد ازداد اهتمام الأمريكان بالقطب الشمالي، مُنذ ولاية باراك أوباما، لحُكم البلاد، وفي مايو 2014م، كشف الرئيس الأمريكي، عن الإستراتيجية الجديدة، المُتعلقة بالقطب الشمالي، حُدِدت أهدافها في 13 صفحة، والتي يُمكن اختصارها في عِبارة واحدة : ” العمل من أجل حماية البيئة الهشــَّة، وإبقائها خالية من الصراعات، وفي ذات الوقت التصدِّي لخِطط العسكرة والهيمنة، التي تسعى إليها دول أُخرى، وفي مُقدِّمتها روسيا”.

وبحسب كُل من هيزر جرينلي، وديفيد بارات، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، تعتبر نفسها “دولة قطب شمالي، وهو مُصطلح صار يستخدِمه صُنـَّاع القرار، لتسليط الضوء على مدى أهمية المصالح الوطنية الجوهرية في المنطقة، والاعتراف الأساسي والمُهم بأن ألاسكا، والأراضي المُرتبطة بها، فوق الدائرة القطبية الشمالية، هي في الواقع جُزء من الولايات المتحدة. ويُضيف جيسون تاما، الخبير الأمريكي في الشؤون الجيوسياسية، “إن الولايات المتحدة، لديها تُراث مصالح، موثـَّق جدًا في القطب الشمالي، ومن الضروري سُرعة الارتقاء إلى مستوى القيادة الاستباقية، وزيادة الاستثمارات في هذه المنطقة، ذات المُستقبل الواعد”.. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية، دفعت بنحو 27 ألف جُندي، للتمركُز في شمال ألاسكا، ولتأكيد أهمية القطب الشمالي للولايات المتحدة.

الموقف الكندي

مُنذ العام 2002م، بدأت الحكومة الكندية، بتصعيد مطالبها، التي تتضمَّن “أحقِّيتها في السيادة على القطب الشمالي”، وقدَّمت هذه المطالب لهيئة الأمم المتحدة، وبعد عقد من الزمن، وتحديدا في يناير 2013م، تقدَّمت إلى لجنة الأمم المتحدة، المُختصَّة بترسيم الحدود الدولية، للنظر مُجددًا في القضية، وقد اشتمل الطلب الجديد على “ضم منطقة مساحتها نحو 1.2 مليون كيلو متر مربع، تتضمَّن أجزاء من القطب الشمالي، إلى أراضيها”، وبالتزامن مع هذه المُطالبات، صعَّدت الحكومة الكندية من لهجة تصريحاتها، تجاه مُحاولات الهيمنة، من الأطراف الأخرى، حيث قال ستيفن هاربر، رئيس وزراء كندا السابق : إنه في ظِل هذا النزاع، لن تقف كندا مكتوفة الأيدي، حيث “إننا لدينا العديد من الخيارات، عندما يتعلَّق الأمر بدفاعنا عن حقوقنا السيادية، في القارة  القطبية الشمالية”([18]).

وكان الجيش الكندي، قد نفَّذ أوَّل تجاربه، على نظام اتصالات جديد، يُدعى “الشبح الثلجي”، الذي يُعد جُزءًا رئيســًا في إستراتيجية كندية، تستهدف الهيمنة على أكبر مِساحة من القطب الشمالي، في نهاية المطاف، وقد بلغت تكاليف هذا النظام نحو 600 مليون دولار، وهو مُصمم للمُساعدة على توفير اتصالات عالية الجودة، حتى في فصل الشتاء القطبي، ويستهدف سُرعة الاستجابة للقوات الكندية، في حالات الطوارئ.

موقف الدانمارك

وتتقدَّم الدانمارك، التي تُسيطر فِعليا على جزيرة جرينلند، بين أكثر اللاعبين تأثيرا في منطقة القطب الشمالي، وبخاصة بالقُرب من الجرف القاري، المُتاخم للجزيرة. وللإسراع في مساعيها، الرامية لفرض سيطرتها على أجزاء من القطب الشمالي، تقدَّمت الدانمارك، في ديسمبر 2014م، بطلب إلى لجنة الأمم المتحدة للحدود والجرف القاري (UNCLCS)، لتأكيد أحقَّيتها بأراضي شمال جرينلند، وكذا في القطب الشمالي، بل ذهب بعض المسؤولين في الحكومة الدانماركية، إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أكّدوا أن ثمة “دلائل عِلميَّة ودراسات وأبحاث أُجريت حول طبيعة المنطقة، تُفضي جميعها إلى أن القطب الشمالي، إنما هو بالأساس كان جُزءا تابعا لجزيرة جرينلند([19])..وحول جزيرة هانس، تتجدد الخلافات بين الدانمارك وكندا بشكل دوري، حيث تدَّعي كُل من الدولتين الأحقيَّة بالجزيرة، فبعد أن رفعت كندا عَلمِها على الجزيرة، وإلى جانبه وضَعت “زُجاجة ويسكي”، جاء الوزير الدانماركي المُكلَّف بشؤون جرينلند، إلى الجزيرة ذاتها، بعد نحو أسبوع فقط، وأزال العَلم الكندي، وترك مكانه “زُجاجة نبيذ”، ولوحة كبيرة، مُدوَّن عليها “الدانمارك تُرحِّب بكم”..!!

موقف النرويج

ولكون حدودها الشمالية، مُتاخمة للمنطقة القطبية، الغنيَّة بالثروات الطبيعية، فإن النرويج تبحث هي الأُخرى، عن امتدادات واسعة، فيما وراء حدودها. وفي ظِل تنامي العسكرة القطبية، بدأت النرويج هي أيضا في تحديث قواعدها الشمالية، وتنفيذ العديد من التدريبات العسكرية، التي تُشارك فيها القوات البحرية والجوية. وتحت شعار “التعاون الدفاعي المُشترك في القطب الشمالي”، قامت كُل من النرويج والدانمارك وأيسلندا والسويد وفنلندا، بتشكيل تحالف مُصغَّر، يستهدف التعامل مع القضايا المُتنامية في المنطقة القطبية الشمالية.

وفي مارس 2013م، أعلنت الحكومة النرويجية، تخصيص مليار دولار، من الميزانية العامة للدولة، لأجل زيادة القُدرات الدفاعية في المنطقة الشمالية، إلى جانب رصد اعتمادات مالية أُخرى، لاكتشاف المناطق البكر، المتاخمة لحدودها، وبناء 5 فرقاطات بحرية جديدة، قادرة على العمل في بيئة القطب الشمالي، وصِفت بأنها الأحدث من نوعها.. وفي مارس 2015م، أُجريت مُناورات للفايكنغ النرويجي([20])، وصِفت بأنها الأكبر في تاريخ هذه القوَّة العسكرية، التي تشكَّلت حديثـا.. وردا على التهديدات الروسية لها، أعلنت الحكومة النرويجية، أنها وافقت على تمركُز كتيبة أمريكية، من مُشاة البحرية، في أقصى شمال أراضيها، خلال العام القادم.

مواقف دولية (من خارج دول الطوق)

وفي سبيل البحث عن مصالح لها، تسعى العديد من الدِول، من خارج دِول الطوق، المُحيطة بشكل مُباشر مع القطب الشمالي، ومنها دول تُعتبر من المنظور الجغرافي “مُتداخلة في المنطقة”، وهي كُل من فنلندا، والسويد، وأيسلندا، إضافة إلى دِول ليس لها أي امتدادات أو تداخلات جُغرافية في المنطقة، ولكنها ترى بأن القطب الشمالي، صار يُمثل لها موقعــا مُهما في منظومة مصالحها الحيوية، على المُستوى الدولي، وهي كُل من اليابان، والصين، وكوريا الشمالية، وبلدان أوروبا الغربية، وغيرها من البلدان المُتقدِّمة صناعيــا واقتصاديـا. 

الصين مثلاً، والتي تُعد أكبر دولة مُستهلِكة للطاقة في العالم، تسعى للحصول على نصيب من الاحتياطي الكبير للنفط والغاز الطبيعي، في القطب الشمالي، وعلى أرض الواقع، بدأت شركات صينية المُشاركة في عمليات التنقيب عن الطاقة بالمنطقة. وكانت الصين، قد نجحت مؤخَّرا – بدعم روسي – من الحصول على وضعيَّة “الدولة المُراقب”، في مجلس القطب الشمالي، الذي سنأتي على ذِكره لاحقـًا، وذلك بعد حملة دُبلوماسية، دامت 4 سنوات، وفي تصريح، يؤكِّد على أن الصين ذاهبة لوضع قدم لها في القطب الشمالي، قال ين زهو، وهو أحد الأميرالات الكِبار في الجيش الصيني: “إن الصين تحترم جدا حقوق السيادة لكُل بلد، ضِمن الحدود الرسمية المُعترف بها دوليـًا، ولكن منطقة القطب الشمالي، ليست كُلَّها ضِمن الحدود الإقليمية للبلدان الشاطئية لهذا المُحيط، فهي مِلك للإنسانية جمعاء، ولا يُمكن لأي أُمَّة الادعاء بالسيادة على أجزاء خارج حدودها الإقليمية”، وأضاف زهو: “وبما أن عدد سُكَّان الصين، يشكِّل خُمس سُكان العالم، لذلك تطالب الصين بخُمس الثروات الطبيعية، في منطقة القطب الشمالي، خارج الحدود الإقليمية للبلدان الشاطئية”([21])..وكانت الصين، قد أطلقت في العام2013م، ما يُعرَف بـ”إستراتيجية الحزام والطوق”، سعيـًا لإقامة شراكات إستراتيجية، مع دِول من شأنها ضمان وصول بضائعها إلى الأسواق الكُبرى في العالم، عبر طريق الشمال الواعد ـ بحسب وصف غير واحد من خُبراء النقل البحري ـ وفي القطب الشمالي، تنشط حاليـًا أكبر كاسحة جليد في العالم، والتي توصف بأنها ” الكاسحة غير النووية الأكثر تطوُّرًا “، وهي مِلك للصين. وفي مُذكِّرة بحثيَّة لمعهد أبحاث السلام الدولي، في ستوكهولم، ورد: إن الصين، تضع نفسها في موضع، يؤهِّلها للكسب من مسارات السُفن المُحتَملة، في المنطقة القطبية، وكذا من موارد المنطقة غير المُستغلَّة، مع ذوبان الغِطاء الجليدي. واليابان هي الأُخرى، دخلت على الخط، حيث أعلنت حكومتها، أنها سوف تنضَم إلى جولة المُباحثات، التي تجرى بشأن “وضع قواعد دولية جديدة، تُجنـِّب الخِلاف الدائر، بشأن استغلال الموارد الطبيعية، في القطب الشمالي”. وكان مسئول في الحكومة، قد صرَّح قائلاً: “إن تطوير القطب الشمالي، قد يؤدِّي إلى نزاعات، وعلى اليابان أن تكون حاضرة، وتنخرط في المُناقشات، لتعزيز الحوار مع روسيا، والدِول الأُخرى، المُطلَّة على القطب الشمالي بالتوازي”.. جدير بالإشارة، أن الجهود الدبلوماسية اليابانية، أثمرت عن دخول اليابان، كدولة مُراقبة، في مجلس القطب الشمالي، بدءا من عام 2013م، وذلك بعد أربع سنوات من تقديم طلبها.

وكانت كُل من حُكومات أيسلندا، والسويد، وفنلندا، قد أعلنت أن لها الحق في الاستفادة من الموارد الكامنة في المحيط المتجمد الشمالي، وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، بل وأقامت معها شراكات دفاعية. ومن الدِول الأخرى، التي تسعى للتواجد في القطب الشمالي، الهند التي تُعوَّل ـ في الوقت الحاضر ـ على شركات التنقيب لديها، للعمل مع نظيراتها الروسية، في استكشاف واستغلال حقول جديدة، وكان هذا مِحور مُحادثات جرت بين فلاديمير بوتين، أثناء لِقائه مع  نظيره الهندي، في دلهي، ديسمبر 2014م. وكانت سنغافورا، قد عرَضت خدماتها، لبناء مِنصَّات مائية عائمة، في القطب الشمالي، سواء لأغراض التنقيب، أو غيرها.. في حين لم تُبد أي من البلدان العربية، اهتمامــًا – حتى الآن على الأقل – بهذه المنطقة.

مجلس القطب الشمالي

وفي مُحاولة منها، لإضفاء طابع الإقليمية، على المنطقة القطبية الشمالية، وبمُبادرة من فنلندا، قامت الدِول الخمس، التي تُطِل مُباشرة على القطب الشمالي (روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والدانمارك، والنرويج)، إضافة إلى الدِول الثلاث المُتدَاخِلة معها، وهي السويد، وفنلندا، وأيسلندا، بإنشاء ما يُعرف بـ “مجلس القطب الشمالي”([22])، والذي يضم أيضـًا مجموعات من السُكَّان الأصليين، في القطب الشمالي، تحت مُسمى “المُشاركون الدائمون”.

وكانت العاصمة الكندية، قد شهدت في العام 1996م، التوقيع على اتفاقية إنشاء المجلس، الذي يتَّخذ من العاصمة النرويجية، مقرًا رئيسـًا لأمانته.. وبحسب اللائحة الداخلية، فإن رئاسة المجلس، تتجدد دوريــًا، كُل عامين، ويُمارس نشاطه كمُنتدى للتعاون في القضايا الإقليمية التنموية والبيئية، ومُنذ تأسيسه، وحتى الآن، قبل المجلس12 دولة أُخرى بصفة “عضو مُراقب”، هي: بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، وبولندا، وإسبانيا، والصين، وإيطاليا، وكوريا الجنوبية، والهند، واليابان، وسنغافورة.

وإذا كانت الدول الثماني، المؤسِّسة للمجلس، هي فقط من تتمتَّع بالعضوية الكاملة، فإن الدول التي حصلت على “عضوية المُراقب”، وكذا التي مازالت تسعى للحصول على هذه العِضوَّية، تعتبر أهمية ذلك موازيـًا لأهمية الانضمام لعِضوية مجلس الأمن الدولي، إذ تُبدي الكثير من دول أوروبا، وآسيا، اهتمامـًا مُتزايدًا بالقطب الشمالي، وتسعى للدفاع عن مصالحها هناك.

القانون الدولي.. والقطب الشمالي

في إطار المُعاهدات والاتفاقيات الدولية، وما نصَّ عليه قانون البحار، المُتمثـِّل في اتفاقية حقوق المِلكية في الجرف القاري([23])، الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1982م، والتي دخلَت حيِّز التطبيق الفعلي، عام 1994م، بعد أن صادقت عليها 150 دولة، فإن لا أحد يمتلك القطب الشمالي، حيث إن الحدود الدولية البحرية، تمتد لمسافة 200 ميل بحري.. وعلى عاتقها، تأخذ لجنة الأمم المتحدة، المُختصَّة بترسيم الحدود الدولية، تفسير هذه المسافة، وترسيمها، أمـَّا ما بعد الـ 200 ميل بحري، فقد أُثيرت حوله الكثير من النِزاعات الحدودية الدولية، ويبدو أن ما يحدث على أرض الواقع، في القطب الشمالي، سوف يُفضي إلى مزيد من التصعيد، في مواقف الدول، وتفسيرها لمبادئ قانون البحار، وِفقــًا لرؤاها ومصالحها، خُذ مِثالاً: في العام 2001م، تقدَّمت روسيا بطلب للجنة الأمم المتحدة المُختصَّة بترسيم الحدود الدولية، وذلك لتوسيع مساحة الجرف القطبي، حيث إنها ترى أحقِّيتها بذلك، في إطار اتفاقية قانون البحار (UNCLOS)، إلاَّ أن الرد جاء برفض المُطالبة، لعدم كِفاية الأدلَّة، وبخرائط وأدلَّة جديدة، عاودت روسيا طلبها غير مرَّة، حتى أن طلبـًا جديدًا لها، في ذات المسألة، مازال يُنظر إلى الآن.

وفي حوار معه، أشار د. إيريك بوسنر، أُستاذ القانون الدولي، بكُليَّة الحقوق، جامعة شيكاغو، إلى أن إقدام الروس على زرع عَلَمِهم، في منطقة نائية، بقاع المحيط المتجمد الشمالي، عام 2007م، يحمل رسالة رمزيَّة واضحة، أن روسيا تسعى للحصول على نصيب الأسد، في عملية اقتسام المحيط([24])، وهي تُعوِّل في ذلك ليس على القانون الدولي، ولكن في المقام الأول، من خلال فَرض قوَّتها، فهي تمتلك أكبر أسطول كاسحات جليد في العالم، ولديها أكبر قواعد عسكرية قطبية، وأضاف: إن مجموعة الـ 21 عالمــًا، الذين يُشكِّلون ما يُعرَف بـ ” لجنة النظر في المُنازعات، المُتعلِّقة بحدود الجرف القاري”، والتي تم إنشاؤها استِنادًا إلى بنود مُعاهدة قانون البحار، ستكون مُثقلة بالأعباء، خِلال الشهور القادمة، على وقع الطلبات الكثيرة المُقدَّمة إليها، من الدِول المُتنافسة من أجل الحصول على مساحات إضافية، من المحيط.. مع ضرورة الإشارة، أن بعض الطلبات، قد يمتد النظر فيها إلى 15 سنة، وأن اللجنة الأُممية، غير مُخوَّل لها البت في الطلبات الخاصة بالمواقع، التي تتم المُطالبة بأحقِّية مِلكيتها، من قِبل أكثر من دولة، وأن مِثل تلك النزاعات، يجب أن تُحَل بمعرفة بتلك الدول.

ومن جانبه، يقول الخبير الروسي د. فلاديمير كوتليار، أُستاذ الحقوق، والمُتخصص في القانون البحري الدولي: الأمريكيون يقلبون الصورة رأسـًا على عقب، عِندما يتحدَّثون عن النشاط الروسي في المنطقة، “يجب أن نبدأ من أنه في تسعينيات القرن الماضي، انسحبت روسيا، من المنطقة القطبية الشمالية، وتخلَّت عن عدد كبير من المُعدَّات، ونِقاط المُراقبة الجوية، وقواعد الإمداد، بسبب نقص الأموال، في حين استمرَّت الولايات المتحدة، في تعزيز وجودها العسكري البحري في المنطقة، وعندما بدأنا رويدًا رويدًا، بإعادة ما فقدناه، ارتفع صراخهم، كُل هذا من أجل تحريك لجنة الاعتمادات العسكرية، في مجلس الشيوخ”..!!ويُضيف د. كوتليار: إن الولايات المتحدة ، لم توقِّع على اتفاقية القانون البحري، لذلك “يحِق لبقية الدول، عدم أخذ رأي واشنطن بالاعتبار، بشأن هذه المسألة، لأنه فقط الدول الموقِّعة على القانون البحري، يحق لها التصويت، والولايات المتحدة ليست من ضِمن هذه الدول([25]).. وكان الخبير القانوني أناتونيكولود كين، رئيس رابطة قانون البحار الدولي، قد أشار إلى أن روسيا، رُبما ستتمكَّن ـ خِلال الأشهر القادمة من تقديم أدِلَّة جديدة، تثبت من خِلالها أن سِلسلتي جبال لومونوسفومندلييف، في القطب الشمالي، تتصلان بالجرف القاري السيبيري.. ويذهب د. هاو ليان شونج، أُستاذ العلاقات الدولية، بجامعة الأمم المتحدة، في طوكيو، إلى أن الدائرة القطبية الشمالية، تظل بموجب نصوص اتفاقية قانون البحار لعام 1984م، مِثلها في ذلك مِثل البحار المفتوحة، ومن ثم يحِق لأي من دِول العالم، حتى وإن لم تكن مُتشاطئة مع الدائرة القطبية، المُشاركة في ثروات هذه المنطقة.

خاتمة

مع ذوبان العديد من القِمم والكُتل الجليدية، وظهور المزيد من الثروات الطبيعية، يتصاعد الصِراع على القطب الشمالي.. إلاَّ أن ثمة حقيقة مؤلِمة، كان من المُفترض أن تكون في طليعة القضايا الكُبرى، التي تتعلَّق بإنقاذ القطب الشمالي، بل وسفينة الحياة قاطبة، ألا وهي كوكب الأرض، وهذه الحقيقة تتمثل في أن ذوبان الجليد، نتيجة الاحترار العالمي، يعني ببساطة مزيدا من الاضطرابات المناخية والبيئية، واختفاء جُزر ودِول بأكملها، نتيجة ارتفاع مُستوى مياه البحار، مما يؤدِّي إلى عمليَّات نزوح جماعي، فيما صار يَطلِق عليه العُلماء “ظاهرة اللاجئين البيئيين”، ناهيك عن انقراض العديد من الأنواع الحية، نتيجة فَقد موائلها.

ويرى غير واحد من عُلماء البيئة، أنه كان الأجدى للقوى المُتصارعة، على ثروات ناضبة، في هذه المنطقة العذراء من العالم، أن يتَّفقوا بإعلانها محمية طبيعية عالمية، لكي تنجو سفينة الأرض ـ بمن عليها ـ من خطر الغرق، بين صراع البحث عن “قضمة” من كعكة الثروات، وسيل الاحترار العالمي، الذي لن ينجو من وطأته أحد..!!


([1]) بوزيان، عقيد ركن ناجي: إستراتيجية الصراع على القطب الشمالي ـ دورية الدفاع الوطني اللبناني ـ ص 50 ـ فصلية مُحكِمة ـ العدد الثامن والتسعون ـ تشرين الأوَّل 2016م.

([2])الخوند، مسعود: الموسوعة التاريخية الجغرافية ـ المجلد الثامن ـ ص 130ـ الناشر دار رواد النهضة ـ بيروت 1994م.. والخطيب، أحمد شفيق: المنطقتان القطبيتان ـ ص 20ـ الناشر مكتبة لبنان ـ الطبعة الأولى ـ بيروت1999م

([3]) موسوعة ويكيبديا العربية، على الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%83%D8%A7

([4])ويد، روزالين: الجليد الحياة في البرد القارس ـ ترجمة/عبد الرحيم، جمال ـ ص 57 ـ الناشر وزارة الثقافة ـ الطبعة الأولى ـ الرياض1435هـ/2014م.

([5])اغلستون، سيمون (وآخرون): التقرير العالمي لحصر غازات الاحتباس الحراري وتغيير المناخ ـ وثائق الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ(IPCC). 

([6]) نقلاً عن موقع/  https://arabic.rt.com/videoclub/1021723

([7]) نقلاً عن موقع/ https://ara.reuters.com/article/internetNews/idARAKBN0LH0

([8])عبدالعزيز، أيمن: ثروات القطب الشمالي.. وبوادر مواجهة جديدة بين أمريكا وروسيا ـ صحيفة الأهرام القاهرية ـ الثلاثاء 15 من صفر 1438 هـ ــ 15 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47461.

([9]) نقلاً عن موقع RT الروسي / https://arabic.rt.com/business/870699

([10]) رياض، محمد (وآخر): الجغرافيا الاقتصادية وجغرافيا الإنتاج الحيوي ـ ص  97ـ الناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ـ القاهرة 2012م.. والخطيب: سابق ـ ص 15.

([11]) نقلاً عن موقع/ http://www.bbc.com/arabic/45281637

([12]) نقلاً عن موقع /https://www.motorshow.me/news-details/6641

([13]) دراسة للكاتب (حسني عبد الحافظ): مبادرة الحزام والطريق.. نحو نظام عالمي جديد.

([14])عن موقع /  http://www.anntv.tv/new/showsubject.aspx?id=116696

([15])عن موقع /  https://www.spa.gov.sa/viewstory.php?newsid=1173284

([16]) الخوري، لور: لا تزعجوا روسيا في القطب الشمالي ـ صحيفة الأخبار اللبنانية الاثنين29 كانون الأول 2014م.

([17])عن موقع /  https://arabic.sputniknews.com/world

([18]) بوزيان: سابق ـ ص52.

([19]) الجابري، محمد: موسوعة دول العالم ـ ص53ـ الناشر مجموعة النيل العربية ـ الطبعة الأولى ـ القاهرة 2000م ـ والخوند: سابق ـ ص 130.

([20]) نسبة إلى المغامرين من قبائل الفايكنج، الذين اشتهروا بمغامراتهم وحروبهم البحرية، خلال الفترة من800إلى1050م

([21]) بوزيان: سابق ـ ص55.

([22]) بوزيان: سابق ـ ص51.

([23])أبو لقمة، د. الهادي مصطفى (وآخر): الجغرافيا البحرية ـ ص201ـ الناشر الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلام ـ الطبعة الثانية ـ مصراتة (ليبيا) 1999م.

([24])وودارد، كولين: الصراع على القطب الشمالي.. أبعاد قانونية وتحديات دبلوماسية ـ صحيفة الاتحاد الإماراتية ـ21 أغسطس 2007م.

([25]) تقرير منشور في صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية (31.08.2015)، بعنوان: واشنطن تخشى من تعاظم قوة موسكو في القطب الشمالي.

اظهر المزيد

حسني عبدالحافظ

باحث وكاتب مصرى - مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى