2023أحداث السودانالعدد 194

السودان والتحدي المصيري

السودان بلد مترامي الأطراف ومتعدد الأديان والمعتقدات والممارسات الدينية؛ إذ يضم مسلمين ومسيحيين وكريمي المعتقدات، ويفيد الإحصاء الوحيد الموثوق به والذي تم (1955-1956) بوجود 500 قبيلة و50 لغة ولهجة.

وفي ظل هذه الفسيفساء، فإن التوصل إلى شبه إجماع في ظل هذه التعددية، تعد عمليه صعبه؛ ولذا تبني السودان الديموقراطية التوافقية أو الوفاقية؛ لأنها الحل الأمثل والمفضل لمشكلة التعددية والتنوع، والتي تستند إلى تكوين “تحالف كبير” من مكونات هذا البلد. ولا تعتبر الديموقراطية التوافقية شكلًا نهائيًّا ولكنها مرحلة انتقالية يجب عبورها نحو مرحلة أفضل، وهي بهذا المعنى تدشن لمرحلة أكثر تطورًا وهذا يعتمد على توسيع نطاق المصالح الحيوية المتبادلة للأطراف المشاركة في العملية السياسية.

من الغضب الشعبي إلى مائدة المفاوضات مع المكون العسكري:

شهدت الفترة (من 2019 إلى 2023) بروز تجمع المهنيين، الذي صاغ إطارًا سياسيًّا جامعًا هو إعلان الحرية والتغيير ليصبح المطلوب مطلبًا ثوريًّا يرسم مسارًا لتخطي مرحلة حكم البشير، وسارعت قوى إعلان الحرية إلى تغيير مضمونه ليكون إطارًا تفاوضيًّا لتفكيك تركة الاستبداد، وجرى استثمار الزخم الجماهيري الكبير لها في حملات وفعاليات ضغط أصبحت تشعر القوات المسلحة بالخصوص بأن الشارع وحده هو الذي يمتلك مفاتيح التغيير، وأعلنت في بيانها رفضًا صريحًا لتولي العسكريين السلطة وأنه أمرٌ غير مقبول، ودعت الثائرين إلى مواصلة اعتصامهم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة.

ونقل الموقف الصلب لقوى إعلان الحرية والتغيير الكرة إلى ملعب المجلس العسكري، والذي ألجمته المفاجأة فسارع إلى تغيير خطابه، وتغيير بعض الوجوه، فتنحى الفريق أول “ابن عوف” عن رئاسة المجلس العسكري في 12 أبريل 2019، ليصعد إلى رئاسته الفريق “عبد الفتاح البرهان”، الذي أبدى استعداد المجلس العسكري لإجراء إصلاحًا يتوافق مع رؤية إعلان الحرية  والتغيير ووعد برفع القيود عن الحريات. وفي هذه الأجواء سعى المجلس العسكري لممالأة جماهير الثورة، فسارع إلى عقد أول لقاء بينه وبين قوى إعلان الحرية والتغيير، وخلال هذا اللقاء اشترطت هذه القوى إحداث جملة من التغييرات كي تتعاون مع المجلس العسكري، وركزت على تسليم السلطة إلى حكومة مدنية انتقالية، وحل أجهزة الأمن السياسي المسؤولة عن استشراء القمع، وإبطال القوانين المقيدة للحريات، والإفراج عن المعتقلين كمطلب يحتل أولوية.

من الميدان إلى طاولة التفاوض: المسيرة الصعبة.

في 20 أبريل 2019، تلقت قوى إعلان الحرية والتغيير دعوة من اللجنة السياسية للقوات المسلحة إلى اجتماع عاجل في القصر الجمهوري، بادرت إلى إعلان “تمسكها” بأهدافها المحددة في إعلانها، وأولها التسليم الفوري للسلطة إلي سلطة انتقالية مدنية متوافق عليها، وداعية المجلس العسكري إلى الاستجابة الفورية بهذا المطلب المركزي كضامن حقيقي وطريق آمن يقود نحو تحقيق أهداف الثورة.

وفي ظل تمسك قوى الثورة ومطالبها، تحول إعلان الحرية والتغيير إلى إطار سياسي يحسم خيارات الثورة ويحدد بوضوح مواقف والتزامات قوى الثورة في مفاوضاتها مع المؤسسة العسكرية، وأعادت تأكيد ثلاث نقاط ترسم ترتيبات الحكم الانتقالي المطلوبة، وتحدد مجال التفاوض في ثلاث مؤسسات هي: مجلس رئاسي مدني يمثل فيه العسكريون، وحكومة يتولاها مدني، ومجلس تشريعي يمثل السودانيين جميعًا.

مراوغات بدلًا من المفاوضات:

في ضوء تعنت اللجنة السياسية للمجلس العسكري، قررت قوى إعلان الحرية والتغيير تعليق التعامل معها ومتهمة إياها بأنها تسعى لإعادة النظام السابق، ولوحت بورقة الضغط الجماهيري، وحثت الجموع في ساحة الاعتصام على ترتيب الصفوف وإقامة المتاريس وحمايتها، وعادت إلى الضغط بورقة العصيان المدني والإضراب العام. وفي الوقت ذاته بلورت ملامح وثيقة قالت إنها عرضتها على المجلس العسكري لكن رده جاء مخيبًا للآمال، ويدل على عدم جدية المجلس في تسليم السلطة للمدنيين، وأدانت المزايدة السياسية وسلوك المناورة الذي أظهره المجلس العسكري من عدم تضمين شروط الانتقال في بيانه، وانقضى شهر مايو 2019 دون وصول الطرفين إلى اتفاق حول مناصفة عضوية المجلس السيادي وتداول رئاسته.

فأعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير رفضها التعامل مع المجلس العسكري الذي تعمد عدم الوفاء بالتزاماته لعرقلة المفاوضات، ولكن بعد تقديم المبادرة الإثيوبية الإفريقية ضمانات جديده لإعلان الحرية والتغيير التي اشترطت لعودتها للتفاوض تحديد جدول زمني له في حدود ثلاثة أيام، وأنه يركز على الأمور المتعلقة بشأن المجلس السيادي وبالفعل تم في يوليو 2001 مد الفترة الانتقالية، إضافة إلى المجالس الثلاث المكونة لهياكل الحكم الانتقالي، على أن تسند الرئاسة إلى العسكريين خلال الواحد وعشرين شهرًا الأولى ثم تنتقل رئاسته آخر ثمانية عشر شهرًا إلى المدنيين.

واستمرت المفاوضات في مسار متعرج إلى أن تم الإعلان في 12 يوليو 2019 عن التوصل إلى وثيقة “الاتفاق السياسي”، التي مهدت إلى اتفاق “الوثيقة الدستورية”، وحدد الاتفاق السياسي نسب تمثيل المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وتم الاتفاق على تأجيل تشكيل المجلس التشريعي.

بوجه عام، ظهر أن قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري قد ملكا القدر الأكبر من الموارد السياسية وأدوات الضغط والمفاوضة، ففي جانب العسكر كان السلاح وكتلة أنصار النظام السابق من المسيطرين على الثروة فضلًا عن بيروقراطية الدولة، وفي جانب قوى إعلان الحرية والتغيير كانت القدرة على تحريك الشارع وتوجيه الضغوط عبر الاحتجاجات الضخمة المورد الأكبر والمعزز لفرض رؤية التغيير. وليس بمستغرب أن تكون ملكية هذه الموارد السياسية والقدرة على تعبئتها سبب التوازن الذي دفع الفريقين إلى وضع قواعد تنافسية للخروج من الأزمة.([1])

الوثيقة الدستورية ومضمونها:

وهذه الوثيقة التي مُهرت بتوقيع تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، والمجلس العسكري، وضمنتها رباعية دولية تشكلت من (الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي)، رسمت هيكلًا للحكم قوامه ثلاثة كيانات: مجلس السيادة يقوم مقام رئاسة الدولة، وحكومة يديرها مجلس الوزراء مكون من تكنوقراط وشخصيات مستقلة، ومجلس للتشريع- كان قلب السلطة الجديدة بالطبع مجلس السيادة الذي أقيم وفق معادلة مناصفة هي (5½ + 5½ ) تشاطر فيها المدنيون والعسكريون المقاعد العشرة للمجلس، ويتم التوافق بينهم على شخص مدني يعمل مرجحًا.

وبِناءً عليه، برز مجلس السيادة بوصفه القلب من عملية التوافق الانتقالي، حيث المجلس العسكري (ممثلًا لنخبة النظام القديم، ووريثًا واقعيًّا له)، وبرز شريكًا لقوى إعلان الحرية والتغيير، وتحديدًا القوى الموقعة على هذا الإعلان (التي قامت هنا بدور الوكيل عن الجماهير التي أطاحت بحكم البشير).

التحالف المدني الكبير:

يتولى مجلس السيادة اختيار رئيس الوزراء، ويوافق على الوزراء العشرين الذين يقترحهم رئيس الوزراء، كما يعين حكام الأقاليم والولاة. واستحدثت الوثيقة عددًا من المفوضيات المستقلة، التي تعمل إلى جانب الحكومة، ويمتلك المجلس السيادي العديد من صلاحيات رئيس الجمهورية المعروفة في السودان، كتعيين أعضاء السلك الدبلوماسي، ورأس الجهاز القضائي، وقضاة المحكمة العليا والنائب العام، وله صلاحيات أيضًا تتعلق بفرض حالة الطوارئ وإعلان الحرب.

وتتطرق الوثيقة إلي العديد من محددات عمل الوزارة خلال المرحلة الانتقالية، ونطاق اختصاصها وما يتعلق بها من إجراءات، وبالمثل ما يتعلق بتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي الذي حددت عضويته بثلاثمئة عضو، تحدد قوى إعلان الحرية والتغيير ثلثيهم، وتظل نسبة الثلث الأخير لتضمين وتمثيل القوى الأخرى التي لم توقع الإعلان بعد. وحدد مدى زمني هو ثلاثة أشهر للانتهاء من مشاورات تشكيل المجلس وإعلانه، إلا أنه قد عُطل بسبب رفض الحركات المسلحة- المتمثلة في الجبهة الثورية السودانية- تشكيل المجلس التشريعي قبل التوصل إلى اتفاق سلام.

وأسندت الوثيقة في فصلها الثاني، المادة (8) البند(12)، مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية نفسها، وهو ما يتناقض مع المادة (32) التي تخضع القوات المسلحة للمجلس السيادي، هذا مع العلم أن تعيين وزيري الدفاع والداخلية يقع على عاتق العسكريين من مجلس السيادة، وبناء عليه، فإن المادتين تنفيان أي دور للسلطة التنفيذية في هذا الشأن.

ننتقل إلى محتوى الوثيقة، والملحوظة الأهم فيها أنها قد بدأت من محددات سابقة لدستور السودان الصادر في عام 2005- رغم أنها ألغته- صحيح أنها أعادت تعريف السودان بأنه دولة ديمقراطية برلمانية ذات حكم لامركزي، كما شملت تعريفًا للحقوق والحريات الأساسية والشخصية للمواطنين واحترام كرامتهم وتجريم كل ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية التي تحط من الكرامة، كما نصت الوثيقة على عقد مؤتمر دستوري  قومي قبل نهاية الفترة الانتقالية، وإنشاء آليات للإعداد لوضع دستور دائم للسودان كإحدى مهمات المرحلة الانتقالية. وهو ما أشار إليه الفصل الرابع عشر، القاضي بتكوين عدد من المفوضيات من بينها مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري، ومفوضية الانتخابات، ويُلاحظ أنه لم يتم تحديد آلية وجدول زماني لعمليتي صياغة الدستور والانتخابات اللتين تعدان من أهم الاستحقاقات في الفترة الانتقالية.

طبيعة الخلاف الذي أشعل نيران الحرب:

أدى تعثر مباحثات إصلاح القطاع الأمني والعسكري بين (قوات الجيش السوداني،  وقوات الدعم السريع شبه المستقلة) إلى تأجيل التوقيع على الاتفاق السياسي للمرة الثانية، وتسبب هذا التأجيل في زيادة حالة ” الإحباط ” العامة، ورفع منسوب  القلق على مستقبل البلاد. وقد اقترحت اللجنة الفنية المشتركة المسؤولة عن مشاورات دمج ” الدعم السريع ” في الجيش، فاقترحت تشكيل هيئة قيادة مشتركة من 6 قادة: 4 من الجيش و 2 من “الدعم السريع”، غير أن الطرفين لم يتفقا على رئاسة هذه الهيئة؛ إذ يرى الجيش أن القائد العام ينبغي أن يرأسها، بينما طالبت قيادة ” الدعم السريع ” بأن يرأسها رئيس الدولة المدني. وبتمسك الجيش بوضع قوات ” الدعم السريع ” تحت سلطة القائد الأعلى للجيش وتكوين جيش موحد، وهو ما ترفضه قيادة ” الدعم السريع “، وتتمسك بتبعيتها مباشرة لرئيس الدولة المدني، مدعية أن ذلك ما تم الاتفاق عليه في التفاهمات الأولى بين العسكريين والمدنيين، والتي أسست عليها العملية السياسية الجارية حاليًّا في البلاد. وأخذت الخلافات بين الجيش و” الدعم السريع ” بشأن هيكلة القيادة والتوقيع على الاتفاق النهائي، الذي كان من المقرر أن يتضمن توصيات الإصلاح الأمني والعسكري ومسودة الدستور الانتقالي، يعقبه تشكيل السلطة المدنية. وقد أدى  هذا الخلاف إلى اشتعال المواجهة بين الفريقين، والمشكلة أن ظاهرة الثنائية العسكرية تتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية ومفهوم الجيش الوطني الموحد ودلالته بالنسبة للاستقرار، والوضع الداخلي  ودلالتها على العلاقات الدولية.

قلق دول الجوار من استمرار الحرب واتساع نطاقها:

من المعروف أن السودان جارة لسبع دول إفريقية أغلبها ذات وضع اقتصادي وسياسي هش وتخشى من أزمة نزوح جماعي نحو أراضيها، كما يعاني أغلبها من انقسامات قبلية عميقة، واستمرار المعارك يعمق المأزق؛ لأنه لا يخص السودان وحده، بل تمتد آثاره إلى كل الدول المحيطة به.

وتجددت المعارك في السودان رغم الهدنة لأكثر من سبع اتفاقات، واستمرار المواجهات الطاحنة في بلد لم يعرف استقرارًا مستمرًا، فمنذ الاستقلال وقعت 5 انقلابات عسكرية ناجحة، وحوالي 32 محاولة انقلاب فاشلة، هذا عدا عن الحروب الأهلية مع الجنوب قبيل انفصاله، في إقليم دارفور، وهو أمر يوضح ويؤكد الحضور الدائم للجيش سواء في التطورات الخطيرة التي تمر بها البلاد، أو في المراحل المختلفة للحياة السياسية والاجتماعية في السودان.

حرب الجنرالين في السودان وعلاقات القوى بينهما:

كانت الشهور الماضية حافلة بالمناورات، بين العسكريين والمدنيين، وبين العسكريين و “العسكريين”. وفي الأسابيع الماضية، بدت الهُوة واضحة بين “البرهان” رئيس المجلس السيادي ونائبه “حميدتي”، بين الجيش بقيادة البرهان و “قوات الدعم السريع” بقيادة حميدتي، وهي قوات شبه عسكرية كانت قد نجحت في انتزاع اعتراف بشرعيتها، من دون التسليم جديًّا بالتسلسل الهرمي. كان من الصعب توقع قبول ” الحشد الشعبي” السوداني بزعامة حميدتي بالذوبان في مؤسسة الجيش، ليس فقط بسبب بصمات ولادته في دارفور ومشاركته في زمن الجنجويد ومآسيه، بل أيضًا بسبب انتمائه لجزيرة لها مناجمها في الداخل وعلاقاتها في الخارج.

      في 15 أبريل الحالي، باحت المدافع بما تخفيه الصدور، وتحول الشريكان السابقان إلى عدوين لدودين، معركة بلا رحمة تعكس مدى الكراهية التي فاضت بين الجنرالين، وبدأت مختلف الدول تجلي رعاياها من السودان بما يوحي بأن البلد مدفوع نحو أيام رهيبة، والسودان شاسع لا يستطيع الانتحار وحيدًا إنه بلد هش مجاور لسبع دول لا يستطيع بعضها إخفاء هشاشته وقابليته للاشتعال.([2])

ولعل ما يعني لنا من خطورة هذه الحرب هو ما يبدو من وصول الجنرالين إلى قناعة ليست مستمدة إلى وقائع تثبتها على الأرض -بقدرة كل منهما على الإطاحة بالآخر- خاصة في ظل توازن عسكري هش من حيث عزوف الجيش عن استعمال كل إمكاناته العسكرية في المدن خوفًا على المدنيين، وتركيزه على ضرب تعزيزات قوات الدعم السريع من خارج العاصمة، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه هذه القوات إلى القتال داخل المدن لحرمان الجيش من تفوقه الجوي واتخاذ المدنيين كدروع بشرية.

وقد تزاحمت المبادرات والنداءات التي خرجت من عواصم عربية وأجنبية، ومن منظمات إفريقية ودولية؛ لحقن الدماء ووقف إطلاق النار، وهي دعوات يجب أن تلقى استجابة من الفرقاء السودانيين للجلوس علي مائدة التفاوض كسبيل وحيد للخروج من مأزق الصراع على السلطة بتشجيع- للأسف- من قوى محلية وإقليمية ودولية لا تريد للسودان وأهله أي خير بطبيعة الحال، خاصة وإن هذه الحرب تتزامن مع فراغ على صعيد قيادة النظام العالمي حاليًّا، وانشغالها بالحرب في أوكرانيا مما يقوض من أولوية الحرب السودانية على قائمة اهتمامات الدول الكبرى.

 علاقات القوى بين الطرفين:

القوات المسلحة السودانية تضم :210-220.000 عنصر،  قوات الدعم السريع : 100.000 عنصر.

والجيش السوداني اعتبرته إحصائيات صدرت عام 2021، من أقوى وأكبر الجيوش في القرن الإفريقي، وخاض الجيش السوداني حروبًا مديدة ضد القوات المتمردة في جنوب السودان وأقاليم النيل الأزرق وجنوب كردفان، أكسبته خبرة في حروب العصابات، لكنه تعرض لهزات عنيفة عقب استيلاء الإسلاميين على الحكم في البلاد عام 1989، وتحويل الحروب من حروب سياسية إلى حروب جهادية. وإزاء ذلك، فقد عددًا كبيرًا من قادته ذوي الخبرات الكبيرة والتجارب الثرية، بعد محاكمات وإعدامات وإحالات للتقاعد أو إحلال موالين للإسلاميين محلهم.

أما قوات الدعم السريع فإنها لاتمتلك قوة جوية، لذا فقد كان تحركها الأول في الصراع الحالي هو محاصرة القاعدة الجوية للجيش في مدينة مروي بشمال السودان؛ لكي تحيد سلاح الجو التابع للجيش. وقوات “الدعم السريع” حديثة التكوين، ولها قواعد متعددة تنتشر في أنحاء البلاد، كما لها مقار وثكنات عسكرية داخل الخرطوم ومدن أخرى بالبلاد، وقد استولت على مقارٍ تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني ومقار تابعة لحزب المؤتمر الوطني المحلول الذي كان يرأسه البشير، كما أنها تنتشر بشكل واضح في إقليم دارفور ومعظم ولايات السودان، إلى جانب مناطق حدودية مع دول الجوار الأفريقي. ويرى بعض الخبراء العسكريين أن الصدام الذي اندلع في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى سيحسمه توازن القوة الأرضية- باعتبار أن الصراع داخل المدن- كما يشير هؤلاء إلى أنه ربما يكون الجيش في الموقف الأقوى من حيث الأسلحة والعتاد العسكري، فيما تتميز “الدعم السريع” بأن ولاءها قوي ومباشر لقائدها حميدتي، وذلك في مقابل تيارات وولاءات متباينة داخل الجيش، والحديث يدور حول الغلبة داخل الجيش للتيار الإسلامي الذي كان مؤيدًا للرئيس المعزول عمر البشير. وتعد قوات ” الدعم السريع” أحد تشكيلات الجيش السوداني، رغم تمتعها باستقلالية كبيرة، وهو ما ساهم في وقوع الصدام الحالي بينها وبين القوات المسلحة في يوليو من عام 2019، وتم تعديل قانون قوات الدعم السريع بحذف مادة منه تلغي خضوعها لأحكام قانون القوات المسلحة، وهو ماعزز من استقلاليتها عن الجيش. وتعرف قوات الدعم السريع نفسها على أنها ” قوات عسكرية قومية” مشيرة إلى أنها تعمل بموجب ” قانون أجازه المجلس الوطني في عام 2017″. ومايعزز استقلالية الدعم السريع، حصولها على موارد مادية خاصة بها؛ إذ مع تنامي دورها ونفوذها تحدثت تقارير عن سيطرتها على عدة مناجم للذهب، تديرها شركة “الجنيد” المرتبطة بحميدتي، وتقوم مؤسسة “فاجنر” الروسية بحراسة هذه المناجم في دارفور وكردفان وفق ما نقلته مؤسسة “كارنيجي”.

كما تسيطر قوات الدعم السريع على منجم ذهب في جبل عامر في غرب السودان منذ 2017، إضافة إلى مناجم أخرى في جنوب إقليم كردفان، وهي تعد مصدرًا مهمًا لتمويل تلك القوات، وجعلها قوة مادية وعسكرية ذات نفوذ واسع في السودان، بحسب تحليل المؤسسة، وكشف تحقيق لوكالة “رويترز” عن أنباء منح الرئيس المخلوع البشير حق التعدين لقوات ” الدعم السريع” في عام 2018. كما تجدر الإشارة إلى أن حمدان دقلو ليس عسكريًّا، فلم يكن من الكوادر العسكرية، وقد أسبغ عليه البشير بقرار جمهوري رتبة فريق أول، بعد نجاحه في إخماد حركات التمرد في العديد من مناطق دارفور. ([3])

المبادرة الأمريكية السعودية:

وفي محاولة لإنهاء الأزمة في البلاد وقع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يوم 12/5/2023 على اتفاق أولي في مدينة جدة (السعودية)، يقضي بحماية المدنيين وتيسير حركة المساعدات الإنسانية، من دون أن يتضمن وقفًا لإطلاق النار. وقد أعقبه توقيع اتفاقية أخرى لوقف إطلاق النار بين الطرفين أعلنته كل من (السعودية، والولايات المتحدة) يوم 20/5/2023 وتضمن التزامات تفصيلية على الطرفين القيام بها خلال الفترة قصيرة المدي التي يستغرقها الاتفاق.

ودعـت السعودية والـولايـات المتحدة في بيان مـشـتـرك- قبيل انتهاء مدة الاتفاق- طـرفـي الــصــراع فـي الــســودان إلـى تـمـديـد وقــف إطــلاق الــنــار، كـمـا أوضــح الـبـيـان أن الطرفين ارتكبا انتهاكات أعاقت بشكلٍ كبير إيصال المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية خلال الهدنة الحالية التي دخلت ساعاتها الأخيرة، إلا أنــهم حــثوا الجانبين عـلـى المـوافـقـة عـلـى تـمـديـد الاتفاق، وإن لم يتم التقيد به بشكل كامل لتوفير مـزيـد مــن الــوقــت لـلـجـهـات الـفـاعـلـة الإنـسـانـيـة لـلاضـطـلاع بـهـذا العمل الحيوي، كما أبـدى الطرفان -في بيانين منفصلين- اســـتـــعـــدادهـــمـــا لــبــحــث الـــدعـــوة السعودية – الأمريكية لتمديد وقف إطلاق النار .

وهكذا:

وهكذا يتبين أن الصراع في السودان هو في حقيقته صراع على السلطة بين قائد الجيش الوطني السوداني، وقائد قوات الدعم السريع التي تمثل مكونًا عسكريًّا تم إنشاؤه كقوة شبة مستقلة وموازية للجيش، ولعل ما يزيد هذا الصراع تعقيدًا وتشابكًا هو التوازن بين ما يمتلكه كل طرف من عناصر القوة، وما يعانيه من عناصر الضعف تجاه الآخر؛ إذ إنه في الوقت الذي يتمتع فيه الجيش الوطني بثقة شعبيه داخلية غالبة بحكم وعي الشعب بدور الجيش التاريخي في الحياة السياسية السودانية، وما يملكه من شرعية إقليمية ودولية باعتباره يمثل الدولة ويرأس سلطتها التنفيذية (مجلس السيادة الانتقالي)، فضلًا عن تميزه في ميدان القتال بتفوق تام في مجال الطيران، فإن قوات الدعم السريع تتميز -بدورها – بقدرة أكبر على الحركة في المدن، وبانتشار قواتها في ربوع البلاد، واختفائها بين المدنيين واستعمالها بعضهم كرهائن، وتمتعها في نفس الوقت بظهير قبلي وعرقي في بعض المناطق الغربية بالبلاد، فضلًا عن سيطرتها على مناطق الذهب في البلاد وتمتعها بعلاقات “مرنة” ببعض القوى الدولية والإقليمية والعربية ، بما يمكنها من الاستمرار -في القتال- وامتلاك أدواته لفترة طويلة.

على أن الطبيعة “المحلية” التي تتسم بها هذه الحرب حتى الآن يمكن أن تتغير بسرعة كلما طال الوقت وزادت احتمالات تحول الحرب من صراع على السلطة إلى نزاع قبائلي وعرقي أو أن تخرج من نطاقها الداخلي وتنتشر في دول الجوار، أو ان تمس أضرارها المتصاعدة بمصالح ومنافسات دول الكبرى في المنطقة.

ومن هنا يتضح أهمية التعاون والتنسيق بين كافة الدول والمؤسسات المعنية بتطورات المشكلة السودانية -عربية وإقليمية ودولية- في اتجاه الضغط على طرفي النزاع لوقف القتال لفترة طويلة تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد ووصولها إلى مستحقيها بطريقة سلسة ومستقرة ومستمرة، وذلك تمهيدا لتحول هذه المفاوضات إلى المرحلة السياسية، بمشاركة كافة الأطراف السودانية الفاعلة على الساحة الداخلية، والدخول في عملية سياسية جادة بينها – دون تدخل خارجي – وذلك على قاعدة الاعتراف بالحفاظ علي الدولة وشرعية مؤسساتها الرسمية.


([1]) الدراسة التي أعدها عبده موسى، سمية مادبو، والمعنونة “الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية: قراءة في التوافق السوداني”، والمنشورة في مجلة سياسيات عربية العدد 43 مارس 2020.

([2]) غسان شربل، وحميدتي والبرهان – على فوهة بركان الشرق الأوسط تاريخ 24/4/2023

([3]) صلاح حليمة، ” السودان إلى أين” شؤون عربية العدد 188 شتاء2021

اظهر المزيد

د. مصطفى عبدالعزيز

دبلوماسي سابق وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى